Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Muhammad 47:19
47:19Page 508
فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مُتَقَلَّبَكُمۡ وَمَثۡوَىٰكُمۡ ١٩
So know, [O Muḥammad], that there is no deity except Allāh and ask forgiveness for your sin1 and for the believing men and believing women. And Allāh knows of your movement and your resting place.
﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللَّهُ﴾ مُسَبَّبٌ عَنْ مَجْمُوعِ القِصَّةِ مِن مُفْتَتَحِ السُّورَةِ لا عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ( هَلْ يَنْظُرُونَ ) كَأنَّهُ قِيلَ: إذا عَلِمْتَ أنَّ الأمْرَ كَما ذُكِرَ مِن سَعادَةِ هَؤُلاءِ وشَقاوَةِ هَؤُلاءِ فاثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ بِالوَحْدانِيَّةِ فَهو مِن مُوجِباتِ السَّعادَةِ، وفُسِّرَ الأمْرُ بِالعِلْمِ بِالثَّباتِ عَلَيْهِ لِأنَّ عِلْمَهُ ﷺ بِالتَّوْحِيدِ لا يَجُوزُ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلى ما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الأحْوالِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُوَحِّدٌ عَنْ عِلْمِ حالِ ما يُوحى إلَيْهِ ولِأنَّ المَعْنى فَتَمَسَّكْ بِما أنْتَ فِيهِ مِن مُوجِباتِ السَّعادَةِ لا بِطَلَبِ السَّعادَةِ، وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: إنَّ الثَّباتَ أيْضًا حاصِلٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأمْرُهُ بِذَلِكَ ﷺ تَذْكِيرٌ لَهُ بِما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ تَوْطِئَةً لِما بَعْدَهُ، وتُعِقِّبَ بِأنَّ المُرادَ بِالثَّباتِ الِاسْتِمْرارُ وهو بِالنَّظَرِ إلى الأزْمِنَةِ الآتِيَةِ وذَلِكَ وإنْ كانَ مِمّا لا بُدَّ مِن حُصُولِهِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمَكانِ العِصْمَةِ لَكِنَّ المَعْصُومَ يُؤْمَرُ ويُنْهى فَيَأْتِي بِالمَأْمُورِ ويَتْرُكُ المَنهِيِّ ولا بُدَّ لِلْعِصْمَةِ، والأمْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ قِيلَ عَلى مَعْنى الثَّباتِ أيْضًا، وجُعِلَ الِاسْتِغْفارُ كِنايَةً عَمّا يَلْزَمُهُ مِنَ التَّواضُعِ وهَضْمِ النَّفْسِ والِاعْتِرافِ بِالتَّقْصِيرِ لِأنَّهُ ﷺ مَعْصُومٌ أوْ مَغْفُورٌ لا مُصِرٌّ ذاهِلٌ عَنِ الِاسْتِغْفارِ، وقِيلَ: التَّحْقِيقُ أنَّهُ تَوْطِئَةٌ لِما بَعْدَهُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ولَعَلَّ الأوْلى إبْقاؤُهُ عَلى الحَقِيقَةِ مِن دُونِ جَعْلِهِ تَوْطِئَةً، والنَّبِيُّ ﷺ كانَ يُكْثِرُ الِاسْتِغْفارَ، أخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ عَنِ الأغَرِّ المُزَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي وإنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ)».
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي مُوسى قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أصْبَحْتُ غَداةً قَطُّ إلّا اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ فِيها مِائَةَ مَرَّةٍ)».
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وجَماعَةٌ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: (إنّا كُنّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المَجْلِسِ يَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وتُبْ عَلَيَّ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ مِائَةَ مَرَّةٍ)» وفي لَفْظٍ (التَّوّابُ الغَفُورُ) إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ.
والذَّنْبُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَرْكُ ما هو الأوْلى بِمَنصِبِهِ الجَلِيلِ ورُبَّ شَيْءٍ حَسَنَةٌ مِن شَخْصٍ سَيِّئَةٌ مِن آخَرَ كَما قِيلَ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ لِنَبِيِّنا ﷺ في كُلِّ لَحْظَةٍ عُرُوجًا إلى مَقامٍ أعْلى مِمّا كانَ فِيهِ فَيَكُونُ ما عَرَجَ مِنهُ في نَظَرِهِ الشَّرِيفِ ذَنْبًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما عَرَجَ إلَيْهِ فَيَسْتَغْفِرُ مِنهُ، وحَمَلُوا عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(إنَّهُ لَيَغانُ عَلى قَلْبِي)» الحَدِيثَ. وفِيهِ أقْوالٌ أُخَرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ بِقَرِينَةٍ ما قَبْلُ أيْ ولِذُنُوبِ المُؤْمِنِينَ. وأُعِيدَ الجارُّ لِأنَّ ذُنُوبَهم جِنْسٌ آخَرُ غَيْرَ ذَنْبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّها مَعاصٍ كَبائِرُ وصَغائِرُ وذَنْبُهُ ﷺ تَرْكُ الأوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى مَنصِبِهِ الجَلِيلِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ مِن أجْلِ حَسَناتِهِمْ، قِيلَ: وفي حَذْفِ المُضافِ وتَعْلِيقِ الِاسْتِغْفارِ بِذَواتِهِمْ إشْعارٌ بِفَرْطِ احْتِياجِهِمْ إلَيْهِ فَكَأنَّ ذَواتَهم عَيْنُ الذُّنُوبِ وكَذا فِيهِ إشْعارٌ بِكَثْرَتِها، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَعْنى طَلَبِ المَغْفِرَةِ لَهم وطَلَبِ سَبَبِها كَأمْرِهِمْ بِالتَّقْوى، وفِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ مَعَ أنَّ في صِحَّتِهِ كَلامًا، فالظّاهِرُ إبْقاءُ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ.
وفِي تَقْدِيمِ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ إيذانٌ بِمَزِيدِ شَرَفِ التَّوْحِيدِ فَإنَّهُ أساسُ الطّاعاتِ ونِبْراسُ العِباداتِ، وفي الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ أبْحاثٌ شَرِيفَةٌ ولَطائِفُ مُنِيفَةٌ لا بَأْسَ بِذِكْرِ بَعْضِها وإنْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَنَقُولُ: المَشْهُورُ أنْ إلّا لِلِاسْتِثْناءِ. والِاسْمُ الجَلِيلُ بَدَلٌ مِن مَحَلِّ اسْمِ لا النّافِيَةِ لِلْجِنْسِ وخَبَرُ لا مَحْذُوفٌ، واسْتُشْكِلَ الإبْدالُ مِن جِهَتَيْنِ أُولاهُما أنَّهُ بَدَلُ بَعْضٍ ولَيْسَ مَعَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى المُبَدَلِ مِنهُ وهو شَرْطٌ فِيهِ، وأُجِيبَ بِمَنعِ كَوْنِهِ شَرْطًا مُطْلَقًا
صفحة 56
بَلْ هو شَرْطٌ حَيْثُ لا تُفْهَمُ البَعْضِيَّةُ بِقَرِينَةٍ وهاهُنا قَدْ فُهِمَتْ بِقَرِينَةِ الِاسْتِثْناءِ ثانِيَتُهُما أنَّ بَيْنَ المُبْدَلِ مِنهُ والبَدَلِ مُخالَفَةً فَإنَّ الأوَّلَ مَنفِيٌّ والثّانِيَ مُوجِبٌ.
وأجابَ السِّيرافِيُّ بِأنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الأوَّلِ في عَمَلِ العامِلِ والتَّخالُفُ نَفْيًا وإيجابًا لا يَمْنَعُ البَدَلِيَّةَ لِأنَّ مَذْهَبَ البَدَلِ أنْ يُجْعَلَ الأوَّلُ كَأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ والثّانِي في مَوْضِعِهِ وقَدْ تَتَخالَفُ الصِّفَةُ والمَوْصُوفُ في ذَلِكَ نَحْوَ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا كِرِيمٍ ولا لَبِيبٍ عَلى أنَّهُ لَوْ قِيلَ: إنَّ البَدَلَ في الِاسْتِثْناءِ قِسْمٌ عَلى حِيالِهِ مُغايِرٌ لِغَيْرِهِ مِنَ الإبْدالِ لَكانَ لَهُ وجْهٌ.
واسْتُشْكِلَ أمْرُ الخَبَرِ بِأنَّهُ إنْ قُدِّرَ مُمْكِنٌ يَلْزَمُ عَدَمُ إثْباتِ الوُجُودِ بِالفِعْلِ لِلْواحِدِ الحَقِيقِيِّ تَعالى شَأْنُهُ أوْ مَوْجُودٌ يَلْزَمُ عَدَمُ تَنْزِيهِهِ تَعالى عَنْ إمْكانِ الشِّرْكَةِ وتَقْدِيرُ خاصٍّ مُناسِبٍ لا قَرِينَةَ عَلَيْهِ قِيلَ: ولِصُعُوبَةِ هَذا الإشْكالِ ذَهَبَ صاحِبُ الكَشّافِ وأتْباعُهُ إلى أنَّ الكَلِمَةَ لا غَيْرَ مُحْتاجَةٌ إلى خَبَرٍ وجُعِلَ ( إلّا اللَّهُ ) مُبْتَدَأً و( لا إلَهَ ) خَبَرَهُ والأصْلُ اللَّهُ إلَهٌ أيْ مَعْبُودٌ بِحَقٍّ لَكِنْ لَمّا أُرِيدَ قَصْرُ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ قُدِّمَ الخَبَرُ وقُرِنَ المُبْتَدَأُ بِإلّا إذِ المَقْصُورُ عَلَيْهِ هو الَّذِي يَلِي إلّا والمَقْصُودُ هو الواقِعُ في سِياقِ النَّفْيِ، والمُبْتَدَأُ إذا اقْتَرَنَ بِإلّا وجَبَ تَقْدِيمُ خَبَرِهِ. وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّمَحُّلِ يَلْزَمُ مِنهُ بِناءُ الخَبَرِ مَعَ لا وهي لا يَبْنِي مَعَها إلّا المُبْتَدَأُ، وأيْضًا لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِنَصْبِ الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَها وجْهٌ وقَدْ جَوَّزَهُ جَماعَةٌ.
وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: إنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ عَلى هَذا المَذْهَبِ قَضِيَّةٌ مَعْدُولَةُ الطَّرَفَيْنِ بِمَنزِلَةِ غَيْرِ الحَيِّ لا عالِمَ بِمَعْنى الحَيُّ عالِمٌ ولا يَدْفَعُ الِاعْتِراضَ كَما لا يَخْفى، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الخَبَرَ هو ( إلّا اللَّهُ ) أعْنِي إلّا مَعَ الِاسْمِ الجَلِيلِ وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ الجِنْسَ مُغايِرٌ لِكُلٍّ مِن أفْرادِهِ فَكَيْفَ يُصَدَّقُ حِينَئِذٍ سَلْبُ مُغايَرَةِ فَرْدٍ عَنْهُ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ بِناءً عَلى تَضْمِينِ مَعْنى مِن وإنَّ المَفْهُومَ مِنهُ أنَّهُ انْتَفى مِن هَذا الجِنْسِ غَيْرُ هَذا الفَرْدِ، والوَجْهُ كَما قِيلَ أنْ يُقالَ: إنَّ المُغايَرَةَ المَنفِيَّةَ هي المُغايَرَةُ في الوُجُودِ لا المُغايَرَةُ في المَفْهُومِ حَتّى لا يُصَدَّقَ، ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِنَ الجِنْسِ المَنفِيِّ بِلا هَذِهِ هو المَفْهُومُ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ حُصُولِهِ في الأفْرادِ كُلِّها أوْ بَعْضِها فَيَكُونُ مَحْمُولًا لا بِمَعْنى اعْتِبارِ عَدَمِ حُصُولِهِ فِيها أصْلًا حَتّى لا يَصِحَّ حَمْلُهُ إذْ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ اعْتِبارِ شَيْءٍ اعْتِبارُ عَدَمِهِ ومَتى تَحَقَّقَ الحَمْلُ تَحَقَّقَ عَدَمُ المُغايَرَةِ في الوُجُودِ فَتَدَبَّرْهُ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: لا خَبَرَ لِلا هَذِهِ أصْلًا عَلى ما قالَهُ بَنُو تَمِيمٍ فِيها، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ انْتِفاءُ الحُكْمِ والعَقْدِ وهو باطِلٌ قَطْعًا ضَرُورَةَ اقْتِضاءِ التَّوْحِيدِ ذَلِكَ ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ القَوْلَ بِعَدَمِ احْتِياجِ لا إلى الخَبَرِ لا يُخْرِجُ المُرَكَّبَ مِنها ومِنِ اسْمِها عَنِ العَقْدِ وذَلِكَ لِأنَّ مَعْنى المُرَكَّبِ نَحْوَ لا رَجُلَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ انْتَفى هَذا الجِنْسُ فَإذا قُلْنا: لا رَجُلَ إلّا حاتِمٌ كانَ مَعْناهُ انْتَفى هَذا الجِنْسُ في غَيْرِ هَذا الفَرْدِ ويَخْدِشُهُ أنَّ تَرَكُّبَ الكَلامِ مِنَ الحَرْفِ والِاسْمِ مِمّا لَيْسَ إلَيْهِ سَبِيلٌ، ورُبَّما يُدْفَعُ بِما قِيلَ في النِّداءِ مِثْلَ يا زَيْدُ مِن أنَّهُ قائِمٌ مَقامَ ادْعُوهُ، والشَّرِيفُ العَلّامَةُ قُدِّسَ سِرُّهُ صَرَّحَ في بَيانِ ما نُقِلَ عَنْ بَنِي تَمِيمٍ مِن عَدَمِ إثْباتِ خَبَرِ لا هَذِهِ بِأنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بِناءً عَلى أنَّ المَفْهُومَ مِنَ التَّرْكِيبِ كَما ذُكِرَ آنِفًا انْتِفاءُ هَذا الجِنْسِ ثُمَّ إنَّ كَلِمَةً إلّا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ بِمَعْنى غَيْرَ ولا مَجالَ لِكَوْنِها لِلِاسْتِثْناءِ لا لِما يُتَوَهَّمُ مِنَ التَّناقُضِ بِناءً عَلى أنَّ سَلْبَ الجِنْسِ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ يُنافِي إثْباتَهُ لِواحِدٍ مِن أفْرادِهِ فَإنَّهُ مَدْفُوعٌ بِنَحْوِ ما اخْتارَهُ نَجْمُ الأئِمَّةِ في دَفْعِ التَّناقُضِ المُتَوَهَّمِ في مِثْلِ ما قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا لِوُجُوبِ شُمُولِ القَوْمِ المَنفِيِّ عَنْهُمُ الفِعْلُ لِزَيْدٍ المُثْبَتِ هو لَهُ فِيما يَتَبادَرُ بِأنْ يُقالَ: إنَّ الجِنْسَ الخارِجَ عَنْهُ هَذا الفَرْدُ مُنْتَفٍ في ضِمْنِ كُلِّ ما عَداهُ ولا لِما قَدْ يُتَوَهَّمُ مِن عَدَمِ تَناوُلِ الجِنْسِ المَنفِيِّ لِما هو بَعْدَ إلّا وهو شَرْطُ الِاسْتِثْناءِ لِما عَرَفْتَ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ
صفحة 57
الجِنْسِ بِدُونِ اعْتِبارِ حُصُولِهِ في الأفْرادِ وبَيْنَهُ مَعَ اعْتِبارِ عَدَمِ حُصُولِهِ فِيها بَلْ لِأنَّها لَوْ كانَتْ لِلِاسْتِثْناءِ لَما أفادَ الكَلامُ التَّوْحِيدَ لِأنَّهُ يَكُونُ حاصِلُهُ حِينَئِذٍ أنَّ هَذا الجِنْسَ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ دُخُولِ هَذا الفَرْدِ فِيهِ مُنْتَفٍ فَيُفْهَمُ مِنهُ عَدَمُ انْتِفائِهِ في إفْرادٍ غَيْرِ خارِجٍ عَنْها ذَلِكَ الفَرْدُ فَأيْنَ التَّوْحِيدُ، فالواجِبُ حَمْلُها عَلى مَعْنى غَيْرَ وجَعْلُها تابِعَةً لِمَحَلِّ اسْمِ لا بَدَلًا عَنْهُ أوْ صِفَةً كَما في قَوْلِهِ:
وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ
كَذا رَأيْتُهُ في بَعْضِ نُسَخٍ قَدِيمَةٍ وذَكَرَهُ بَعْضَ شُيُوخِ مَشايِخِنا العَلّامَةُ الطَّبْقَجَلِيُّ في رِسالَتِهِ شَرْحِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِشَيْءٍ، وعِنْدِي أنَّ ما ذُكِرَ في نَفْيِ الكَوْنِ إلّا لِلِاسْتِثْناءِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ. ثُمَّ إنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ مَضْمُونُ المُرَكَّبِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ إنَّ هَذا الجِنْسَ مُنْتَفٍ فِيما عَدا هَذا الفَرْدِ كانَتِ القَضِيَّةُ شَخْصِيَّةً ولَها لازِمٌ هو قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ. أعْنِي قَوْلَنا كُلُّ ما يُعْتَبَرُ فَرَدًّا لَهُ سِوى هَذا الفَرْدِ فَهو مُنْتَفٍ. ولا اسْتِبْعادَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
وذَهَبَ الكَثِيرُ إلى تَقْدِيرِ الخَبَرِ ”مَوْجُودٌ“ وأجابَ عَنِ الإشْكالِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ نَفْيُ الإمْكانِ العامِّ مِن جانِبِ الوُجُودِ عَنِ الآلِهَةِ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى مُقَدِّمَةٍ قَطْعِيَّةٍ مَعْلُومَةٍ لِلْعُقَلاءِ هي أنَّ المَعْبُودَ بِالحَقِّ لا يَكُونُ إلّا واجِبَ الوُجُودِ فَيَصِيرُ المَعْنى لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ مَوْجُودٌ إلّا اللَّهَ وإذا لَيْسَ مَوْجُودًا لَيْسَ مُمْكِنًا لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُمْكِنًا لَكانَ واجِبًا بِناءً عَلى المُقَدِّمَةِ القَطْعِيَّةِ فَيَكُونُ مَوْجُودًا، وقَدْ أفادَتِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ أنَّهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فَلَيْسَ بِمُمْكِنٍ لِأنَّ نَفْيَ اللّازِمِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ المَلْزُومِ. واعْتُرِضَ بِأنَّ المُقَدِّمَةَ القَطْعِيَّةَ وإنْ كانَتْ صَحِيحَةً في نَفْسِ الأمْرِ لَكِنَّها غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ عِنْدَ المُشْرِكِينَ لِأنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ ويَعْتَقِدُونَها آلِهَةً مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّها مُمْكِنَةٌ مُحْتاجَةٌ إلى الصّانِعِ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فَيُمْكِنُ أنْ يَعْتَرِفَ المُكَلَّفُ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ ويَعْتَقِدَ أنَّ نَفْيَ الوُجُودِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الإمْكانِ فَيُمْكِنُ عِنْدَهُ وُجُودُ آلِهَةٍ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى فَلا يَكُونُ التَّلَفُّظُ بِالكَلِمَةِ نَصًّا عَلى إيمانِهِ ولَوْ كانَتِ المُقَدِّمَةُ المَذْكُورَةُ مُسَلَّمَةً عِنْدَ الكُلِّ لَأمْكَنَ أنْ يُقَدَّرَ الخَبَرُ مِن أوَّلِ الأمْرِ مَوْجُودٌ بِالذّاتِ أيْ لا إلَهَ مَوْجُودٌ بِالذّاتِ إلّا اللَّهَ وإذا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ تَعالى مَوْجُودًا بِالذّاتِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ لِأنَّ المُسْتَحِقَّ لَها لا يَكُونُ إلّا واجِبًا لِذاتِهِ.
وقَدْ قُرِّرَ الجَوابُ بِوَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ لا إلَهَ مَوْجُودٌ قَضِيَّةٌ سالِبَةٌ حَمْلِيَّةٌ لا بُدَّ لَها مِن جِهَةٍ وهي الإمْكانُ العامُّ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ الجانِبَ المُخالِفَ لِلسَّلْبِ وهو إثْباتُ الوُجُودِ لَيْسَ ضَرُورِيًّا لِلْآلِهَةِ إلّا اللَّهُ تَعالى فَإنَّهُ مَوْجُودٌ بِالإمْكانِ العامِّ أيْ جانِبُ السَّلْبِ لَيْسَ ضَرُورِيًّا لَهُ تَعالى فَيَكُونُ الوُجُودُ ضَرُورِيًّا لَهُ سُبْحانَهُ تَحْقِيقًا لِلتَّناقُضِ بَيْنَ المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ.
الثّانِي أنَّ لا إلَهَ مَوْجُودٌ بِالإمْكانِ العامِّ سالِبَةٌ كُلِّيَّةٌ مُمْكِنَةٌ عامَّةٌ فَيَكُونُ المُتَحَصَّلُ بِالِاسْتِثْناءِ الَّذِي هو نَقِيضٌ مُوجِبَةً جُزْئِيَّةً ضَرُورِيَّةً أيِ اللَّهُ مَوْجُودٌ بِالضَّرُورَةِ. وأوْرَدَ عَلى التَّقْرِيرَيْنِ أنَّهُما إنَّما يَتِمّانِ إذا كانَ كُلٌّ مِن طَرَفَيِ المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ قَضِيَّةً مُسْتَقِلَّةً وهو مَمْنُوعٌ، والصَّحِيحُ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ أنَّهُما كَلامٌ واحِدٌ مُقَيَّدٌ بِالِاسْتِثْناءِ فَلا يَجْرِي فِيهِما أحْكامُ النّاقِضِ إلّا أنْ يُؤَوَّلَ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ، وأيْضًا جَعْلُ اللَّهِ مَوْجُودًا بِالضَّرُورَةِ قَضِيَّةٌ جُزْئِيَّةٌ فِيهِ تَساهُلٌ، وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الخَبَرُ المُقَدَّرُ هو المَوْجُودُ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ بِالفِعْلِ أوْ بِالإمْكانِ عَلى اسْتِعْمالِ المُشْتَرِكِ في كِلا مَعْنَيَيْهِ أوْ عَلى تَأْوِيلِهِ بِما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ المَوْجُودِ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: يَجُوزُ تَقْدِيرُهُ مُمْكِنٌ، ونَفْيُ الإمْكانِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الوُجُودِ لِأنَّ الإلَهَ واجِبُ الوُجُودِ وإمْكانُ
صفحة 58
اتِّصافِ شَيْءٍ بِوُجُوبِ الوُجُودِ يَسْتَلْزِمُ اتِّصافَهُ بِالفِعْلِ بِالضَّرُورَةِ، فَإذا اسْتُفِيدَ مِنَ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ إمْكانُهُ يُسْتَفادُ مِنهُ وجُودُهُ أيْضًا إذْ كُلُّ ما لَمْ يُوجَدْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ، ويُعْلَمُ ما فِيهِ مِمّا مَرَّ فَلا تَغْفَلْ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الخَبَرُ المُقَدَّرُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبادَةِ، فالمَعْنى لا إلَهَ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبادَةِ إلّا اللَّهُ، ولا مَحْذُورَ فِيهِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا كَوْنٌ خاصٌّ ولا بُدَّ في حَذْفِهِ مِن قَرِينَةٍ ولا قَرِينَةَ فَلا يَصِحُّ الحَذْفُ. وأُجِيبُ بِأنَّها كَنارٍ عَلى عَلَمٍ لِأنَّ الإلَهُ بِمَعْنى المَعْبُودِ فَدَلَّ عَلى العِبادَةِ واسْتِحْقاقِها، يُؤَيِّدُهُ مُلاحَظَةُ المَقامِ واعْتِبارُ حالِ المُخاطَبِينَ لِأنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ وارِدَةٌ لِرَدِّ اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ الزّاعِمِينَ أنَّ الأصْنامَ تَسْتَحِقُّ العِبادَةَ.
واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ التَّعَدُّدِ مُطْلَقًا أيْ لا بِالإمْكانِ ولا بِالفِعْلِ لِجَوازِ وُجُودِ إلَهٍ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، وأيْضًا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ إمّا نَفْيُ إلَهٍ مُسْتَحِقٍّ لِلْعِبادَةِ غَيْرَهُ تَعالى بِالفِعْلِ أوْ بِالإمْكانِ فَعَلى الأوَّلِ لا يَنْفِي إمْكانُ إلَهٍ مُسْتَحِقٍّ لِلْعِبادَةِ أيْضًا غَيْرَهُ عَزَّ وجَلَّ وعَلى الثّانِي لا يَدُلُّ عَلى اسْتِحْقاقِهِ قالَ لِلْعِبادَةِ بِالفِعْلِ. ورُدَّ بِأنَّ وُجُوبَ الوُجُودِ مَبْدَأُ جَمِيعِ الكِمالاتِ ولِذا فَرَّعُوا عَلَيْهِ كَثِيرًا مِنها فَلا رَيْبَ أنَّهُ يُوجِبُ اسْتِحْقاقُ التَّعْظِيمِ التَّبْجِيلَ، ولا مَعْنى لِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ إلّا ذَلِكَ فَإذا لَمْ يَسْتَحِقَّ غَيْرُهُ تَعالى العِبادَةَ لَمْ يُوجَدْ واجِبُ وُجُودِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وإلّا لاسْتَحَقَّ العِبادَةَ قَطْعًا، وإذا لَمْ يُوجَدْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا أيْضًا فَثَبَتَ أنَّ نَفْيَ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ التَّعَدُّدِ جَزْمًا.
وتُعِقِّبَ بِأنَّ فِيهِ البِناءَ عَلى أنَّ الإلَهَ لا يَكُونُ إلّا واجِبَ الوُجُودِ، وقَدْ سَمِعْتَ أنَّها وإنْ كانَتْ قَطْعِيَّةَ الصِّدْقِ في نَفْسِ الأمْرِ إلّا أنَّها غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ عِنْدَ المُشْرِكِينَ. ومِنَ المُحَقِّقِينَ مَن قالَ: إنَّهُ لا يُلْتَفَتُ إلى عَدَمِ تَسْلِيمِهِمْ لِمُكابَرَتِهِمْ ما عَسى أنْ يَكُونَ بَدِيهِيًّا. نَعَمْ رُبَّما يُقالُ: إنَّ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ إنَّما تَدُلُّ عَلى نَفْيِ المَعْبُودِ بِالفِعْلِ بِناءً عَلى ما قُرِّرَ في المَنطِقِ أنَّ ذاتَ المَوْضُوعِ يَجِبُ اتِّصافُهُ بِالعُنْوانِ بِالفِعْلِ، ويُجابُ بِمَنعِ وُجُوبِ ذَلِكَ بَلْ يَكْفِي الِاتِّصافُ بِالإمْكانِ كَما صَرَّحَ بِهِ الفارابِيُّ، وأمّا ما نُقِلَ عَنِ الشَّيْخِ فَمَعْناهُ كَوْنُهُ بِالفِعْلِ بِحَسَبِ الفَرْضِ العَقْلِيِّ لا بِحَسَبِ نَفْسِ الأمْرِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ عِبارَتُهُ في الشِّفاءِ والإشاراتُ فَيَرْجِعُ إلى مَعْنى الإمْكانِ.
والفَرْقُ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ أنَّ في مَذْهَبِ الشَّيْخِ زِيادَةَ اعْتِبارٍ لَيْسَتْ في مَذْهَبِ الفارابِيِّ وهي أنَّ الشَّيْخَ اعْتَبَرَ مَعَ الإمْكانِ بِحَسَبِ نَفْسِ الأمْرِ فَرْضَ الِاتِّصافِ بِالفِعْلِ ولَمْ يَعْتَبِرْهُ الفارابِيُّ، وبِالجُمْلَةِ إنَّ الِاتِّصافَ بِالفِعْلِ غَيْرُ لازِمٍ فَكُلُّ ما يُمْكِنُ اتِّصافُهُ بِالمَعْبُودِيَّةِ داخِلٌ في الحُكْمِ بِأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، ولَمّا كانَتِ القَضِيَّةُ سالِبَةً صُدِّقَتْ وإنْ لَمْ يُوجَدِ المَوْضُوعُ، ولَعَلَّ التَّحْقِيقَ في هَذا المَقامِ أنَّ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ جارِيَةٌ بَيْنَ النّاسِ عَلى مُتَفاهَمِ اللُّغَةِ والعُرْفِ لا عَلى الِاصْطِلاحاتِ المَنطِقِيَّةِ والتَّدْقِيقاتِ الفَلْسَفِيَّةِ، وهي كَلامٌ ورَدَ في رَدِّ اعْتِقادِ المُشْرِكِ الَّذِي اعْتَقَدَ أنَّ آلِهَةً غَيْرَ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، فَإذا اعْتَرَفَ المُشْرِكُ بِمَضْمُونِهِ مِن أنَّهُ لا مَعْبُودَ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبادَةِ إلّا اللَّهَ تَعالى عُلِمَ مِن ظاهِرِ حالِهِ الإيمانُ، ولِهَذا اكْتَفى بِهِ الشّارِعُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأمّا الكافِرُ الَّذِي يَعْتَقِدُ إمْكانَ وُجُودِ ذاتٍ تَسْتَحِقُّ العِبادَةَ بَعْدُ فَلا تَكْفِي هَذِهِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ في إيمانِهِ كَما لا تَكْفِي في إيمانِ مَن أنْكَرَ النُّبُوَّةَ أوِ المَعادَ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يَجِبُ الإيمانُ بِهِ بَلْ لا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرافِ بِالحُكْمِ الَّذِي أنْكَرَهُ ولا مَحْذُورَ في ذَلِكَ، ولَمّا كانَ الكَفَرَةُ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أنَّ آلِهَةً غَيْرَ اللَّهِ تَعالى تَسْتَحِقُّ العِبادَةَ هُمُ المَشْهُورُونَ دُونَ مَن يَعْتَقِدُ إمْكانَ وجُودِها بَعْدُ اعْتُبِرَتِ الكَلِمَةُ عِلْمًا لِلتَّوْحِيدِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ.
ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّهُ لَوْ قُدِّرَ الخَبَرُ المَحْذُوفُ مِن أوَّلِ الأمْرِ ”مَوْجُودٌ“ أُمْكِنَ دَفْعُ الإشْكالِ بِهَذا الطَّرِيقِ أعْنِي مُتَفاهَمَ اللُّغَةِ وعُرْفَ النّاسِ مِنَ الأوْساطِ، وأمّا أنَّ نَفِيَ الوُجُودِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الإمْكانِ فَلا يَلْزَمُ مِنَ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ حِينَئِذٍ نَفْيُ إمْكانِ آلِهَةٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَمِمّا لا يَسْبِقُ إلى الأفْهامِ ولا يَكادُ يُوجَدُ كافِرٌ يَعْتَقِدُ نَفْيَ وُجُودِ إلَهٍ
صفحة 59
غَيْرِهِ تَعالى مَعَ اعْتِقادِهِ إمْكانَ وُجُودِ إلَهٍ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، ومِنَ النّاسِ مَن أيَّدَ تَقْدِيرَ الخَبَرِ كَذَلِكَ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ لا نافِيَةٌ لِلْجِنْسِ، ونَفْيُ الماهِيَّةِ نَفْسِها بِدُونِ اعْتِبارِ الوُجُودِ واتِّصافُها بِهِ كَنَفْيِ السَّوادِ نَفْسِهِ لا نَفْيَ وجُودِهِ عَنْهُ بِعِيدٌ، فَكَما أنَّ جَعْلَ الشَّيْءِ بِاعْتِبارِ الوُجُودِ إذْ لا مَعْنى لِجَعْلِ الشَّيْءِ وتَصْيِيرِهِ نَفْسَهُ فَكَذَلِكَ نَفْيُهُ ورَفْعُهُ أيْضًا بِاعْتِبارِ رَفْعِ الوُجُودِ عَنْهُ. وتُعِقِّبَ بِأنَّ هَذا هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ الجَلِيلُ، وأمّا النَّظَرُ الدَّقِيقُ فَقَدْ يَحْكُمُ بِخِلافِهِ لِأنَّ نَفْيَ الماهِيَّةِ بِاعْتِبارِ الوُجُودِ يَنْتَهِي بِالآخِرَةِ إلى نَفْيِ ماهِيَّةِ ما بِاعْتِبارِ نَفْسِها، وذَلِكَ لِأنَّ نَفْيَ اتِّصافِها بِالوُجُودِ لا يَكُونُ بِاعْتِبارِ اتِّصافِ ذَلِكَ الِاتِّصافِ بِهِ إلى ما لا يَتَناهى، فَلا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى اتِّصافٍ مُنْتَفٍ بِنَفْسِهِ لا بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِالوُجُودِ دَفْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وقِيلَ: الظّاهِرُ أنَّ نَفْيَ الأعْيانِ كَما في الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ إنَّما هو بِاعْتِبارِ ذَلِكَ، وأمّا غَيْرُها فَتارَةً وتارَةً فَتَدَبَّرْ، و(إلّا ) عَلى التَّقْدِيرِ المَذْكُورِ لِلِاسْتِثْناءِ ورَفْعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ عَلى ما سَمِعْتَ مِنَ المَشْهُورِ، وقِيلَ: هي فِيهِ بِمَعْنى ”غَيْرَ“ صِفَةُ الِاسْمِ لا بِاعْتِبارِ المَحَلِّ أيْ لا إلَهَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى مَوْجُودٌ. واعْتُرِضَ بِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكَلامِ أمْرانِ: نَفِيُ الأُلُوهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ تَعالى وإثْباتُها لَهُ سُبْحانَهُ، وهو إنَّما يَتِمُّ إذا كانَتْ لا فِيهِ لِلِاسْتِثْناءِ إذْ يُسْتَفادُ النَّفْيُ والإثْباتُ حِينَئِذٍ بِالمَنطُوقِ أمّا إنْ كانَتْ بِمَعْنى ”غَيْرَ“ فَلا يُفِيدُ بِمَنطُوقِهِ إلّا نَفِيَ الأُلُوهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ تَعالى سُبْحانَهُ وفي كَوْنِ إثْباتِها لَهُ تَعالى بِالمَفْهُومِ ويُكْتَفى بِهِ بَحْثٌ لِأنَّ ذَلِكَ إنْ كانَ مَفْهُومَ لَقَبٍ فَلا عِبْرَةَ عِنْدَ القائِلِينَ بِالمَفْهُومِ عَلى الصَّحِيحِ خِلافًا لِلدَّقّاقِ والصَّيْرَفِيِّ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، وابْنِ خُوَيْزِ مِندادَ مِنَ المالِكِيَّةِ، ومَنصُورِ بْنِ أحْمَدَ مِنَ الحَنابِلَةِ، وإنْ كانَ مَفْهُومَ صِفَةٍ فَمِنَ البَيِّنِ أنَّهُ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ بَلْ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمْ يَقُلْ بِشَيْءٍ مِن مَفاهِيمِ المُخالَفَةِ أصْلًا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرَهُ مِن إفادَةِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ إثْباتَ الإلَهِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى ونَفْيَها عَمّا سِواهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ إلّا لِلِاسْتِثْناءِ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ أيْضًا فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ لَيْسَ بِإثْباتٍ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وجَعْلُ الإثْباتِ في كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ بِعُرْفِ الشَّرْعَ، وفي المُفَرَّغِ نَحْوَ ما قامَ إلّا زَيْدٌ بِالعُرْفِ العامِّ، وما لَهُ وما عَلَيْهِ في كُتُبِ الأُصُولِ فَلا تَغْفَلْ، وتَمامُ الكَلامِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِإعْرابِ هَذِهِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ في كُتُبِ العَرَبِيَّةِ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في تَعْلِيقاتِنا عَلى شَرْحِ السُّيُوطِيِّ لِلْألْفِيَّةِ، وهي عِنْدَ السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ قُدِّسَتْ أسْرارُهم جامِعَةٌ لِجَمِيعِ مَراتِبِ التَّوْحِيدِ ودالَّةٌ عَلَيْها إمّا مَنطُوقًا أوْ بِالِاسْتِلْزامِ، ومَراتِبُهُ أرْبَعٌ: الأُولى تَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ. الثّانِيَةُ تَوْحِيدُ الأفْعالِ. الثّالِثَةُ تَوْحِيدُ الصِّفاتِ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: تَوْحِيدُ الوُجُوبِ الذّاتِيِّ فَإنَّهُ يَسْتَلْزِمُ سائِرَ الصِّفاتِ الكَمالِيَّةِ كَما فَرَّعَها عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ. الرّابِعَةُ تَوْحِيدُ الذّاتِ وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: تَوْحِيدُ الوُجُودِ الحَقِيقِيِّ فَإنَّ المَآلَ واحِدٌ عِنْدَهُمْ، وبَيانُ ذَلِكَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مَنطُوقُهُ. عَلى ما يَتَبادَرُ إلى الأذْهانِ وذَهَبَ إلَيْهِ المُعْظَمُ. قَصْرُ الأُلُوهِيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى قَصْرًا حَقِيقِيًّا أيْ إثْباتُها لَهُ تَعالى بِالضَّرُورَةِ ونَفْيُها عَنْ كُلِّ ما سِواهُ سُبْحانَهُ كَذَلِكَ وهو يَسْتَلْزِمُ تَوْحِيدَ الأفْعالِ، وتَوْحِيدَ الصِّفاتِ، وتَوْحِيدَ الذّاتِ. أمّا الأوَّلُ الَّذِي هو قَصْرُ الخالِقِيَّةِ فِيهِ تَعالى فَلِأنَّ مُقْتَضى قَصْرِ الأُلُوهِيَّةِ عَلَيْهِ تَعالى قَصْرًا حَقِيقِيًّا هو أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يَعْبُدَهُ كُلُّ مَخْلُوقٍ فَهو النّافِعُ الضّارُّ عَلى الإطْلاقِ فَهو سُبْحانَهُ وتَعالى الخالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ فَإنَّ كُلَّ مَن لا يَكُونُ خالِقًا لِكُلِّ شَيْءٍ لا يَكُونُ نافِعًا ضارًّا عَلى الإطْلاقِ، وكُلُّ مَن لا يَكُونُ كَذَلِكَ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يَعْبُدَهُ كُلُّ مَخْلُوقٍ لِأنَّ العِبادَةَ هي الطّاعَةُ والِانْقِيادُ والخُضُوعُ ومَن لا يَمْلِكُ نَفْعًا ولا ضُرًّا بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِ المَخْلُوقِينَ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يَعْبُدَهُ ذَلِكَ البَعْضُ ويُطِيعَهُ ويَنْقادَ لَهُ، فَإنَّ مَن لا يَقْدِرُ عَلى إيصالِ نَفْعٍ إلى شَخْصٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ عَنْهُ لا يَرْجُوهُ، ومَن لا يَقْدِرُ عَلى إيصالِ ضُرٍّ إلَيْهِ لا يَخافُهُ، وكُلُّ مَن لا يُخافُ ولا يُرْجى أصْلًا لا يَسْتَحِقُّ أنْ يَعْبُدَ وهو ظاهِرٌ لَكِنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَصْرُ الأُلُوهِيَّةِ عَلَيْهِ تَعالى قَصْرًا حَقِيقِيًّا هو أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يَعْبُدَهُ كُلُّ مَخْلُوقٍ فَهو النّافِعُ الضّارُّ
صفحة 60
عَلى الإطْلاقِ فَهو الخالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ وهو المَطْلُوبُ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأُلُوهِيَّةَ ثابِتَةٌ لَهُ تَعالى ثُبُوتًا مُسْتَمِرًّا مُمْتَنِعَ الِانْفِكاكِ ومُنْتَفِيَةً عَنْ غَيْرِهِ انْتِفاءً كَذَلِكَ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهي دالَّةٌ عَلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ واجِبُ الوُجُودِ، وأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ سِواهُ تَعالى مُمْكِنُ الوُجُودِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ كانَ وُجُوبُ الوُجُودِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ تَعالى وهو مُسْتَلْزِمٌ لِسائِرِ صِفاتِ الكَمالِ وهو المَطْلُوبُ، أمّا دَلالَتُها عَلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ واجِبُ الوُجُودِ فَلِأنَّ الأُلُوهِيَّةَ لا تَكُونُ إلّا لِمَوْجُودٍ حَقِيقَةً اتِّفاقًا، وكُلُّ ما لا يَكُونُ صِفَةً إلّا لِمَوْجُودٍ إذا دَلَّ كَلامٌ عَلى أنَّهُ ثابِتٌ لِشَيْءٍ ثُبُوتًا مُمْتَنِعَ الِانْفِكاكِ سَرْمَدًا فَقَدْ دَلَّ عَلى أنَّ الوُجُودَ ثابِتٌ لِذَلِكَ الشَّيْءِ ثُبُوتًا مُمْتَنِعَ الِانْفِكاكِ سَرْمَدًا، ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا إذا كانَ مَوْجُودًا لِذاتِهِ وهو المَعْنِيُّ بِواجِبِ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وحَيْثُ دَلَّتْ عَلى ثُبُوتِ الأُلُوهِيَّةِ ثُبُوتًا مُسْتَمِرًّا مُمْتَنِعَ الِانْفِكاكِ فَقَدْ دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ وجُودِهِ تَعالى وهو مُسْتَلْزِمٌ لِسائِرِ صِفاتِ الكَمالِ وهو المَطْلُوبُ.
وأمّا دَلالَتُها عَلى أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ سِواهُ فَهو مُمْكِنُ الوُجُودِ فَلِأنَّ مَوْجُودًا ما سِواهُ لَوْ كانَ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ لَكانَ مُسْتَحِقًّا أنْ يَعْبُدَ لَكِنَّها قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يَعْبُدَ إلّا اللَّهُ فَقَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لا واجِبًا وُجُودُهُ لِذاتِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى فَكُلُّ ما سِواهُ فَهو مُمْكِنٌ وهو المَطْلُوبُ، أوْ يُقالُ: إنَّها قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى هو النّافِعُ الضّارُّ عَلى الإطْلاقِ فَهو الجامِعُ لِصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ فَهو سُبْحانَهُ المُتَّصِفُ بِصِفاتِ الكَمالِ كُلِّها وهو المَطْلُوبُ.
وأمّا الثّالِثُ فَقَدْ قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ في بابِ الصِّدْقِ مِنَ الإحْياءِ: كُلُّ ما تَقَيَّدَ العَبْدُ بِهِ فَهو عَبْدٌ لَهُ كَما قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: يا عُبَيْدَ الدُّنْيا. وقالَ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(تَعِسَ عَبْدُ الدِّينارِ تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ وعَبْدُ الحُلَّةِ وعَبْدُ الخَمِيصَةِ)» سُمِّي كُلُّ مَن تَقَيَّدَ قَلْبُهُ بِشَيْءٍ عَبْدًا لَهُ، وقالَ في بابِ الزُّهْدِ مِنهُ: مَن طَلَبَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ عَبَدَهُ وكُلُّ مَطْلُوبٍ مَعْبُودٌ، وكُلُّ طالِبٍ عَبْدٌ بِالإضافَةِ إلى مَطْلَبِهِ، وقالَ في البابِ الثّالِثِ مِن كِتابِ العِلْمِ مِنهُ. كُلُّ مُتَّبِعِ هَواهُ فَقَدِ اتَّخَذَ هَواهُ مَعْبُودًا قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾
وقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(أبْغَضُ إلَهٍ عُبِدَ في الأرْضِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى هو الهَوى)» انْتَهى.
ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ ما في الوُجُودِ شَيْءٌ إلّا وهو مَطْلُوبٌ لِطالِبٍ ما وقَدْ صَحَّ بِما مَرَّ إطْلاقُ الإلَهِ عَلَيْهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَما في الوُجُودِ حَقِيقَةٌ إلّا اللَّهُ ومِنهم مَن قَرَّرَ دَلالَةَ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ عَلى تَوْحِيدِ الذّاتِ ونَفْيِ وُجُودِ أحَدٍ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ بِوَجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ ( إلّا ) بِمَعْنى ”غَيْرَ“ بَدَلٌ مِنَ الإلَهِ المَنفِيِّ فَيَكُونُ النَّفْيُ في الحَقِيقَةِ مُتَوَجِّهًا إلى الغَيْرِ ونَفْيُ الغَيْرِ تَوْحِيدٌ حَقِيقِيٌّ عِنْدَهم. وإذا تَبَيَّنَ لَكَ دَلالَتُها عَلى جَمِيعِ مَراتِلِ التَّوْحِيدِ لاحَ لَكَ أنَّ الشّارِعَ لِأمْرٍ ما جَعَلَها مِفْتاحَ الإسْلامِ وأساسَ الدِّينِ ومُهْداةَ الأنامِ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences