Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Muhammad 47:26–35
47:26Page 509
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمۡ فِي بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِۖ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ ٢٦
That is because they said to those who disliked what Allāh sent down,1 "We will obey you in part of the matter." And Allāh knows what they conceal.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنِ ارْتِدادِهِمْ لا إلى الإمْلاءِ كَما نُقِلَ عَنِ الواحِدِيِّ ولا إلى التَّسْوِيلِ كَما قِيلَ لِأنَّ شَيْئًا مِنهُما لَيْسَ مُسَبَّبًا مِنَ القَوْلِ الآتِي، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿قالُوا﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ ﴿لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ﴾ هم بَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ مِنَ اليَهُودِ الكارِهِينَ لِنُزُولِ القُرْآنِ عَلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى حَسَدًا وطَمَعًا في نُزُولِهِ عَلى أحَدٍ مِنهم ﴿سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ أيْ في بَعْضِ أُمُورِكم وأحْوالِكم وهو ما حُكِيَ عَنْهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكم أحَدًا أبَدًا وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ وقِيلَ: في بَعْضِ ما تَأْمُرُونَ بِهِ كالتَّناصُرِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: القائِلُونَ اليَهُودُ الكافِرُونَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ ما وجَدُوا نَعْتَهُ الشَّرِيفَ في كِتابِهِمْ، والمَقُولُ لَهُمُ المُنافِقُونَ كانَ اليَهُودُ يَعِدُونَهُمُ النُّصْرَةَ إذا أعْلَنُوا بِعَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: القائِلُونَ أُولَئِكَ اليَهُودُ والمَقُولُ لَهُمُ المُشْرِكُونَ كانُوا يَعِدُونَهُمُ النُّصْرَةَ أيْضًا إذا حارَبُوا. وتُعِقِّبَ كِلا القَوْلَيْنِ بِأنَّ كُفْرَ اليَهُودِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ ولَوْ فُرِضَ صُدُورُهُ عَنْهم عَلى رَأْيِ القائِلِ بَلْ مِن حَيْثُ إنْكارُهم بَعْثَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَدْ عَرَفُوهُ كَما عَرَفُوا أبْناءَهم وآباءَهُمْ، ومِنهُ يُعْلَمُ ما في قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ القائِلِينَ هُمُ المُنافِقُونَ واليَهُودُ والمَقُولُ لَهُمُ المُشْرِكُونَ، وما فَسَّرْنا بِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ مَرْوِيٌّ عَنِ الحَبْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ أيْ إخْفاءَهم ما يَقُولُونَهُ لِلْيَهُودِ أوْ كُلَّ قَبِيحٍ ويَدْخُلُ ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أسْرارَهُمْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ أيْ يَعْلَمُ الأشْياءَ الَّتِي يُسِرُّونَها ومِنها قَوْلُهُمْ:
صفحة 76
هَذا الَّذِي أظْهَرَهُ سُبْحانَهُ لِتَفْضِيحِهِمْ، وقالَ الإمامُ: الأظْهَرُ أنْ يُقالَ: المُرادُ يَعْلَمُ سُبْحانَهُ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ العِلْمِ بِصِدْقِ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفِيهِ ما لا يَخْفى، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مُتَضَمِّنٌ لِلْوَعِيدِ،
47:27Page 509
فَكَيۡفَ إِذَا تَوَفَّتۡهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ ٢٧
Then how [will it be] when the angels take them in death, striking their faces and their backs?
والفاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، (وكَيْفَ) مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو العامِلُ في الظَّرْفِ كَأنَّهُ قِيلَ: يَفْعَلُونَ في حَياتِهِمْ ما يَفْعَلُونَ مِنَ الحِيَلِ فَكَيْفَ يَفْعَلُونَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَكَيْفَ حالُهم أوْ حِيلَتُهم إذا تَوَفَّتْهم إلَخْ، وزَعَمَ الطَّبَرِيُّ أنَّ التَّقْدِيرَ فَكَيْفَ عِلْمُهُ تَعالى بِأسْرارِهِمْ إذا تَوَفَّتْهم إلَخْ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ووَقْتُ التَّوَفِّي هو وقْتُ المَوْتِ، والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ. وقَرَأ الأعْمَشُ (تَوَفّاهُمْ) بِالألِفِ بَدَلَ التّاءِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ماضِيًا وأنْ يَكُونَ مُضارِعًا حُذِفَ مِنهُ أحَدُ تاءَيْهِ والأصْلُ تَتَوَفّاهُمْ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿تَوَفَّتْهُمُ﴾ وضَعَّفَهُ أبُو حَيّانَ، وهو عَلى ما قِيلَ تَصْوِيرٌ لِتَوَفِّيهِمْ عَلى أهْوَلِ الوُجُوهِ وأفْظَعِها وإبْرازٌ لِما يَخافُونَ مِنهُ ويَجْبُنُونَ عَنِ القِتالِ لِأجْلِهِ فَإنَّ ضَرْبَ الوُجُوهِ والأدْبارِ في القِتالِ والجِهادِ مِمّا يُتَّقى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يُتَوَفّى أحَدٌ عَلى مَعْصِيَةٍ إلّا تَضْرِبُ المَلائِكَةُ في وجْهِهِ وفي دُبُرِهِ، والكَلامُ عَلى الحَقِيقَةِ عِنْدَهُ ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ وإنْ لَمْ يُحِسَّ بِالضَّرْبِ مَن حَضَرَ وما ذَلِكَ إلّا كَسُؤالِ المَلَكَيْنِ وسائِرِ أحْوالِ البَرْزَخِ.
والمُرادُ بِالوَجْهِ والدُّبُرِ قِيلَ: العُضْوانِ المَعْرُوفانِ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأسْتاهِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ كَرِيمٌ يُكَنِّي، وقالَ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ: المُرادُ القُدّامُ والخَلْفُ، وقِيلَ: وقْتُ التَّوَفِّي وقْتُ سَوْقِهِمْ في القِيامَةِ إلى النّارِ والمَلائِكَةُ مَلائِكَةُ العَذابِ يَوْمَئِذٍ، وقِيلَ: هو وقْتُ القِتالِ والمَلائِكَةُ مَلائِكَةُ النَّصْرِ تَضْرِبُ وُجُوهَهم إنْ ثَبَتُوا وأدْبارَهم إنْ هَرَبُوا نُصْرَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى
47:28Page 509
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسۡخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضۡوَٰنَهُۥ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٢٨
That is because they followed what angered Allāh and disliked [what earns] His pleasure, so He rendered worthless their deeds.
﴿ذَلِكَ﴾ التَّوَفِّي الهائِلُ ﴿بِأنَّهُمُ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿وكَرِهُوا رِضْوانَهُ﴾ ما يَرْضاهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الإيمانِ والطّاعاتِ حَيْثُ كَفَرُوا بَعْدَ الإيمانِ وخَرَجُوا عَنِ الطّاعَةِ بِما صَنَعُوا مِنَ المُعامَلَةِ مَعَ إخْوانِهِمُ اليَهُودِ، وقِيلَ: ﴿”ما أسْخَطَ اللَّهَ“﴾ كِتْمانُ نَعْتِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورِضْوانُهُ ما يُرْضِيهِ سُبْحانَهُ مِن إظْهارِ ذَلِكَ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ ما تَقَدَّمَ إخْبارٌ عَنِ اليَهُودِ وقَدْ سَمِعْتَ ما فِيهِ، ولَمّا كانَ اتِّباعُ ما أسْخَطَ اللَّهَ تَعالى مُقْتَضِيًا لِلتَّوَجُّهِ ناسَبَ ضَرْبَ الوَجْهِ، وكَراهَةُ رِضْوانِهِ سُبْحانَهُ مُقْتَضِيًا لِلْإعْراضِ ناسَبَ ضَرْبَ الدُّبُرِ فَفي الكَلامِ مُقابَلَةٌ بِما يُشْبِهُ اللَّفَّ والنَّشْرَ ﴿فَأحْبَطَ﴾ لِذَلِكَ ﴿أعْمالَهُمْ﴾ الَّتِي عَمِلُوها حالَ إيمانِهِمْ مِنَ الطّاعاتِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ ما كانَ بَعْدُ مِن أعْمالِ البِرِّ الَّتِي لَوْ عَمِلُوها حالَ الإيمانِ لانْتَفَعُوا بِها.
47:29Page 509
أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخۡرِجَ ٱللَّهُ أَضۡغَٰنَهُمۡ ٢٩
Or do those in whose hearts is disease think that Allāh would never expose their [feelings of] hatred?
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ فُصِّلَتْ أحْوالُهُمُ الشَّنِيعَةُ وُصِفُوا بِوَصْفِهِمُ السّابِقِ لِكَوْنِهِ مَدارًا لِما نُعِيَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِن أنَّ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرُها، والأضْغانُ جَمْعُ ضِغْنٍ وهو الحِقْدُ وقَيَّدَهُ الرّاغِبُ بِالشَّدِيدِ وقَدْ ضَغِنَ بِالكَسْرِ وتَضاغَنَ القَوْمُ واضْطَغَنُوا أبْطَنُوا الأحْقادَ، ويُقالُ: اضْطَغَنْتُ الصَّبِيَّ إذا أخَذْتَهُ تَحْتَ حِضْنِكَ وأنْشَدَ الأحْمَرُ:
كَأنَّهُ مُضْطَغِنٌ صَبِيًّا
وفَرَسٌ ضاغِنٌ لا يُعْطِي ما عِنْدَهُ مِنَ الجَرْيِ إلّا الضَّرْبُ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الضَّغَنِ وهو الِالتِواءُ والِاعْوِجاجُ في قَوائِمِ الدّابَّةِ والقَناةِ وكُلِّ شَيْءٍ، قالَ بِشْرٌ: كَذاتِ الضَّغَنِ تَمْشِي في الرُّقاقِ. وأنْشَدَ اللَّيْثُ:
صفحة 77
إنَّ قَناتِي مِن صَلِيباتِ القَنا ∗∗∗ ما زادَها التَّثْقِيفُ إلّا ضَغَنا
والحِقْدُ في القَلْبِ يُشَبَّهُ بِهِ: وقالَ اللَّيْثُ، وقُطْرُبُ: الضَّغَنُ العَداوَةُ قالَ الشّاعِرُ:
قُلْ لِابْنِ هِنْدٍ ما أرَدْتَ بِمَنطِقٍ ∗∗∗ ساءَ الصَّدِيقَ وشَيَّدَ الأضْغانا
وهَذا لا يُنافِي الأوَّلَ لِأنَّ الحِقْدَ العَداوَةُ لِأمْرٍ يُخْفِيهِ المَرْءُ في قَلْبِهِ، والإخْراجُ مُخْتَصٌّ بِالأجْسامِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الإبْرازُ أيْ بَلْ أحْسَبُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ حِقْدٌ وعَداوَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّهُ لَنْ يُبْرِزَ اللَّهُ تَعالى أحْقادَهم ويُظْهِرَها لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ فَتَبْقى مَسْتُورَةً، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الِاحْتِمالِ.
47:30Page 510
وَلَوۡ نَشَآءُ لَأَرَيۡنَٰكَهُمۡ فَلَعَرَفۡتَهُم بِسِيمَٰهُمۡۚ وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِي لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٠
And if We willed, We could show them to you, and you would know them by their mark; but you will surely know them by the tone of [their] speech. And Allāh knows your deeds.
﴿ولَوْ نَشاءُ﴾ إراءَتَكَ إيّاهم ﴿لأرَيْناكَهُمْ﴾ أيْ لَعَرَّفْناكَهم عَلى أنَّ الرُّؤْيَةَ عِلْمِيَّةٌ ﴿فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ﴾ تَفْرِيعٌ لِمَعْرِفَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى تَعْرِيفِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً عَلى أنَّ المَعْنى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعْرِفُهم مَعْرِفَةً مُتَفَرِّعَةً عَلى إراءَتِهِ إيّاهُمْ، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِلْإيماءِ إلى العِنايَةِ بِالإراءَةِ، والسِّيما العَلامَةُ، والمَعْنى هُنا عَلى الجَمْعِ لِعُمُومِها بِالإضافَةِ لَكِنَّها أُفْرِدَتْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ عَلاماتِهِمْ مُتَّحِدَةُ الجِنْسِ فَكَأنَّها شَيْءٌ واحِدٌ أيْ فَلَعَرَفْتَهم بِعَلاماتٍ نَسِمُهم بِها ولامُ ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ﴾ كَلامٌ لَأرَيْناكَهُمُ الواقِعَةِ في جَوابِ لَوْ لَأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الجَوابِ جَوابٌ، وكُرِّرَتْ في المَعْطُوفِ لِلتَّأْكِيدِ، وأمّا الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ فَواقِعَةٌ في جَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ ( ولَحْنِ القَوْلِ ) أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِهِ مُطْلَقًا، أوِ المائِلَةُ عَنِ الطَّرِيقِ المَعْرُوفَةِ كانَ يَعْدِلُ عَنْ ظاهِرِهِ مِنَ التَّصْرِيحِ إلى التَّعْرِيضِ والإبْهامِ، ولِذا سُمِّيَ خَطَأً الإعْرابِ بِهِ لِعُدُولِهِ عَنِ الصَّوابِ، وقالَ الرّاغِبُ: اللَّحْنُ صَرْفُ الكَلامِ عَنْ سُنَنِهِ الجارِي عَلَيْهِ إمّا بِإزالَةِ الإعْرابِ أوِ التَّصْحِيفِ وهو المَذْمُومُ وذَلِكَ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا، وإمّا بِإزالَتِهِ عَنِ التَّصْرِيحِ وصَرْفِهِ بِمَعْناهُ إلى تَعْرِيضٍ وفَحْوى وهو مَحْمُودٌ مِن حَيْثُ البَلاغَةُ، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ الشّاعِرِ عِنْدَ أكْثَرِ الأُدَباءِ:
مَنطِقٌ صائِبٌ وتَلْحَنُ أحْيا نًا وخَيْرُ الحَدِيثِ ما كانَ لَحْنا
وإيّاهُ قُصِدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ وفي البَحْرِ يُقالُ: لَحَّنْتُ لَهُ بِفَتْحِ الحاءِ ألْحَنُ لَحْنًا قُلْتُ لَهُ قَوْلًا يَفْهَمُهُ عَنْكَ ويَخْفى عَلى غَيْرِهِ، ولَحِنَهُ هو بِالكَسْرِ فَهِمَهُ وألْحَنْتُهُ أنا إيّاهُ ولاحَنْتُ النّاسَ فاطَنْتُهُمْ، وقِيلَ: لَحْنُ القَوْلِ الذَّهابُ عَنِ الصَّوابِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لَحْنِ القَوْلِ﴾ هُنا قَوْلُهم ما لَنا إنْ أطَعْنا مِنَ الثَّوابِ ولا يَقُولُونَ ما عَلَيْنا إنْ عَصَيْنا مِنَ العِقابِ وكانَ هَذا الَّذِي يَنْبَغِي مِنهُمْ، وقالَ بَعْضُ مَن فَسَّرَهُ بِالأُسْلُوبِ المائِلِ عَنِ الطَّرِيقِ المَعْرُوفَةِ: إنَّهم كانُوا يَصْطَلِحُونَ فِيما بَيْنَهم عَلى ألْفاظٍ يُخاطِبُونَ بِها الرَّسُولَ ﷺ مِمّا ظاهِرُهُ حَسَنٌ ويَعْنُونَ بِهِ القَبِيحَ وكانُوا أيْضًا يَتَكَلَّمُونَ بِما يُشْعِرُ بِالِاتِّباعِ وهم بِخِلافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ إذا دَعاهُمُ المُؤْمِنُونَ إلى نَصْرِهِمْ: إنّا مَعَكُمْ، وبِالجُمْلَةِ أنَّهم كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِكَلامٍ ذِي دَسائِسَ وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعْرِفُهم بِذَلِكَ، وعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما خَفِيَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَيْءٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَعْرِفُهم بِسِيماهم ولَقَدْ كُنّا في بَعْضِ الغَزَواتِ وفِيها تِسْعَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ يَشْكُوهُمُ النّاسُ فَنامُوا ذاتَ لَيْلَةٍ وأصْبَحُوا وعَلى جَبْهَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مَكْتُوبٌ هَذا مُنافِقٌ. وفي دَعْواهُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَعْرِفُهم بِسِيماهم أشْكالٌ فَإنَّ ( لَوْ ) ظاهِرُها عَدَمُ الوُقُوعِ بَلِ المُناسِبُ مَعْرِفَتُهم مِن لَحْنِ القَوْلِ، وكَأنَّهُ حَمَلَهُ عَلى أنَّهُ وعْدٌ بِالوُقُوعِ دالٌّ عَلى الِامْتِناعِ فِيما سَلَفَ، ولَقَدْ صَدَقَ وعْدُهُ واسْتُشْهِدَ عَلَيْهِ بِما اتَّفَقَ في بَعْضِ الغَزَواتِ، ولا تَنْحَصِرُ السِّيما بِالكِتابَةِ
صفحة 78
بَلْ تَكُونُ بِغَيْرِها أيْضًا مِمّا يَعْرِفُهم بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما يَعْرِفُ القائِفُ حالَ الشَّخْصِ بِعَلاماتٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وكَثِيرًا ما يَعْرِفُ الإنْسانُ مُحِبَّهُ ومُبْغِضَهُ مِنَ النَّظَرِ ويَكادُ النَّظَرُ يَنْطِقُ بِما في القَلْبِ، وقَدْ شاهَدْنا غَيْرَ واحِدٍ يَعْرِفُ السُّنِّيَّ والشِّيعِيَّ بِسِماتٍ في الوَجْهِ، وإنْ صَحَّ أنَّ بَعْضَ الأوْلِياءِ قُدِّسَتْ أسْرارُهم كانَ يَعْرِفُ البَرَّ والفاجِرَ والمُؤْمِنَ والكافِرَ ويَقُولُ: أشُمُّ مِن فُلانٍ رائِحَةَ الطّاعَةِ ومِن فُلانٍ رائِحَةَ المَعْصِيَةِ ومِن فُلانٍ رائِحَةَ الإيمانِ ومِن فُلانٍ رائِحَةَ الكُفْرِ ويَظْهَرُ الأمْرُ حَسْبَما أشارَ فَرَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتِلْكَ المَعْرِفَةِ أوْلى وأوْلى ولَعَلَّها بِعَلاماتٍ وراءَ طَوْرِ عُقُولِنا، والنُّورُ المَذْكُورُ في خَبَرِ «(اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعالى)» مُتَفاوِتُ الظُّهُورِ بِحَسَبِ القابِلِيّاتِ ولِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أتَمُّهُ، وذَكَرُوا مِن عَلاماتِ النِّفاقِ بُغْضَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما كُنّا نَعْرِفُ المُنافِقِينَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلّا بِبُغْضِهِمْ عَلِيَّ ابْنِ أبِي طالِبٍ. وأخْرَجَ هو وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ما يُؤَيِّدُهُ، وعِنْدِي أنَّ بُغْضَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن أقْوى عَلاماتِ النِّفاقِ فَإنْ آمَنتَ بِذَلِكَ فَيا لَيْتَ شِعْرِي ماذا تَقُولُ في يَزِيدَ الطَّرِيدِ أكانَ يُحِبُّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أمْ كانَ يُبْغِضُهُ، ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ كانَ يُبْغِضُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أشَدَّ البُغْضِ وكَذا يُبْغِضُ ولَدَيْهِ الحَسَنَ والحُسَيْنَ عَلى جَدِّهِما وأبَوَيْهِما وعَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الآثارُ المُتَواتِرَةُ مَعْنًى، وحِينَئِذٍ لا مَجالَ لَكَ مِنَ القَوْلِ بِأنَّ اللَّعِينَ كانَ مُنافِقًا، وقَدْ جاءَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَلاماتُ النِّفاقِ غَيْرُ ما ذُكِرَ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(عَلاماتُ المُنافِقِ ثَلاثٌ)» الحَدِيثَ
لَكِنْ قالَ العُلَماءُ: هي عَلاماتٌ لِلنِّفاقِ العَمَلِيِّ لا الإيمانِيِّ، وقِيلَ: الحَدِيثُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّنْفِيرِ عَنِ اتِّصافِ المُؤْمِنِ المُخْلِصٍ بِشَيْءٍ مِنها لِما أنَّها كانَتْ إذْ ذاكَ مِن عَلاماتِ المُنافِقِينَ.
واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ مِن جَعْلِ التَّعْرِيضِ بِالقَذْفِ مُوجِبًا الحَدَّ، ولا يَخْفى حالُهُ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْها بِحَسَبِ قَصْدِكم وهَذا عَلى ما قِيلَ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وإيذانٌ بِأنَّ حالَهم بِخِلافِ حالِ المُنافِقِينَ وقِيلَ: وعِيدٌ لِلْمُنافِقِينَ وإيذانٌ لَهم بِأنَّ المُجْزى عَلَيْهِ ما يَقْصِدُونَهُ لا ما يُعَرِّضُونَ أوْ يُوَرُّونَ بِهِ، واسْتُظْهِرَ أنَّهُ خِطابٌ عامٌّ فَهو وعْدٌ ووَعِيدٌ، وحُمِلَ عَلى العُمُومِ
47:31Page 510
وَلَنَبۡلُوَنَّكُمۡ حَتَّىٰ نَعۡلَمَ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَنَبۡلُوَاْ أَخۡبَارَكُمۡ ٣١
And We will surely test you until We make evident those who strive among you [for the cause of Allāh] and the patient, and We will test your affairs.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ بِالأمْرِ بِالجِهادِ ونَحْوِهِ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ ﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ عَلى مَشاقِّ التَّكالِيفِ عِلْمًا فِعْلِيًّا يَتَعَلَّقُ بِهِ الجَزاءُ، وفي مَعْناهُ ما قِيلَ أيْ حَتّى يَظْهَرَ عِلْمُنا، وقالَ ابْنُ الحاجِبِ في ذَلِكَ: العِلْمُ يُطْلَقُ بِاعْتِبارِ الرُّؤْيَةِ والشَّيْءُ لا يُرى حَتّى يَقَعَ يَعْنِي عَلى المَشْهُورِ وهو هُنا بِمَعْنى ذَلِكَ أوْ بِمَعْنى المُجازاةِ، والمَعْنى حَتّى نُجازِيَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ﴿ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ فَيَظْهَرُ حَسَنُها وقَبِيحُها، والكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ بَلاءِ أعْمالِهِمْ فَإنَّ الخَبَرَ حَسَنُهُ وقَبِيحُهُ عَلى حَسَبِ المُخْبَرِ عَنْهُ فَإذا تَمَيَّزَ الحَسَنُ عَنِ الخَبَرِ القَبِيحِ فَقَدْ تَمَيَّزَ المُخْبَرُ عَنْهُ وهو العَمَلُ كَذَلِكَ، وهَذا أبْلَغُ مِن نَبْلُو أعْمالَكُمْ، والظّاهِرُ عُمُومُ الأخْبارِ، وجُوِّزَ كَوْنُ المُرادِ بِها أخْبارَهم عَنْ إيمانِهِمْ ومُوالاتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى أنَّ إضافَتَها لِلْعَهْدِ أيْ ونَبْلُو أخْبارَ إيمانِكم ومُوالاتِكم فَيَظْهَرُ صِدْقُها وكَذِبُها. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الأفْعالَ الثَّلاثَةَ المُسْنَدَةَ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ بِالياءِ، وقَرَأ رُوَيْسٌ (ونَبْلُو) بِالنُّونِ وسُكُونِ الواوِ، والأعْمَشُ بِسُكُونِها وبِالياءِ فالفِعْلُ مَرْفُوعٌ بِضَمَّةٍ مُقَدَّرَةٍ بِتَقْدِيرِ ونَحْنُ نَبْلُو والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ سُكِّنَ لِلتَّخْفِيفِ كَما في قَوْلِهِ:
أبى اللَّهُ أنْ أسْمُوَ بِأُمٍّ ولا أبِ
47:32Page 510
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗا وَسَيُحۡبِطُ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٣٢
Indeed, those who disbelieved and averted [people] from the path of Allāh and opposed the Messenger after guidance had become clear to them - never will they harm Allāh at all, and He will render worthless their deeds.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا﴾ النّاسَ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وشاقُّوا الرَّسُولَ﴾ صارُوا في شَقٍّ غَيْرِ شَقِّهِ، والمُرادُ
صفحة 79
عادُوهُ ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ لِما شاهَدُوا مِن نَعْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في التَّوْراةِ أوْ بِما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ ﷺ مِنَ المُعْجِزاتِ ونَزَلَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الآياتِ وهم بَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ أوِ المُطْعِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، وقِيلَ: أُناسٌ نافَقُوا بَعْدَ أنْ آمَنُوا ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾ بِكُفْرِهِمْ وصَدِّهِمْ ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ أوْ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ أوْ لَنْ يَضُرُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَشاقَّتِهِ شَيْئًا، وقَدْ حُذِفَ المُضافُ لِتَعْظِيمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِجَعْلِ مَضَرَّتِهِ وما يَلْحَقُهُ كالمَنسُوبِ إلى اللَّهِ تَعالى وفِيهِ تَفْظِيعُ مَشاقَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
﴿وسَيُحْبِطُ أعْمالَهُمْ﴾ في مَكايِدِهِمُ الَّتِي نَصَبُوها في إبْطالِ دِينِهِ تَعالى ومَشاقَّةِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلا يَصِلُونَ بِها إلى ما كانُوا يَبْغُونَ مِنَ الغَوائِلِ ولا تُثْمِرُ لَهم إلّا القَتْلَ والجَلاءَ عَنْ أوْطانِهِمْ ونَحْوَ ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ أعْمالُهُمُ الَّتِي عَمِلُوها في دِينِهِمْ يَرْجُونَ بِها الثَّوابَ.
47:33Page 510
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلَا تُبۡطِلُوٓاْ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٣
O you who have believed, obey Allāh and obey the Messenger and do not invalidate your deeds.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ قِيلَ: إنَّ بَنِي أسَدٍ أسْلَمُوا وقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: قَدْ آثَرْناكَ وجِئْناكَ بِنُفُوسِنا وأهْلِنا كَأنَّهم مَنَّوْا بِذَلِكَ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾ ومِن هُنا قِيلَ: المَعْنى لا تُبْطِلُوا أعْمالَكم بِالمَنِّ بِالإسْلامِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِالرِّياءِ والسُّمْعَةِ وعَنْهُ أيْضًا بِالشَّكِّ والنِّفاقِ، وقِيلَ: بِالعُجْبِ فَإنَّهُ يَأْكُلُ الحَسَناتِ كَما تَأْكُلُ النّارُ الحَطَبَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأعْمالِ الصَّدَقاتُ أيْ تُبْطِلُوها بِالمَنِّ والأذى، وقِيلَ: لا تُبْطِلُوا طاعاتِكم بِمَعاصِيكُمْ، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: مَنِ اسْتَطاعَ مِنكم أنْ لا يُبْطِلَ عَمَلًا صالِحًا بِعَمَلِ سُوءٍ فَلْيَفْعَلْ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ تَعالى، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كِتابِ الصَّلاةِ. وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَرَوْنَ أنَّهُ لا يَضُرُّ مَعَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ذَنْبٌ كَما لا يَنْفَعُ مَعَ الشِّرْكِ عَمَلٌ حَتّى نَزَلَتْ ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ فَخافُوا أنْ يُبْطِلَ الذَّنْبُ العَمَلَ، ولَفْظُ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ فَخافُوا الكَبائِرَ أنْ تُحْبِطَ أعْمالَهُمْ، وأخْرَجَ ابْنُ نَصْرٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: كُنّا مُعاشِرَ أصْحابِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَرى أنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الحَسَناتِ إلّا مَقْبُولًا حَتّى نَزَلَتْ ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قُلْنا: ما هَذا الَّذِي يُبْطِلُ أعْمالَنا؟ فَقُلْنا: الكَبائِرُ المُوجِباتُ والفَواحِشُ فَكُنّا إذا رَأيْنا مَن أصابَ شَيْئًا مِنها قُلْنا: قَدْ هَلَكَ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ فَلَمّا نَزَلَتْ كَفَفْنا عَنِ القَوْلِ في ذَلِكَ وكُنّا إذا رَأيْنا أحَدًا أصابَ مِنها شَيْئًا خِفْنا عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يُصِبْ مِنها شَيْئًا رَجَوْنا لَهُ، واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الكَبائِرَ تُحْبِطُ الطّاعاتِ، بَلِ الكَبِيرَةُ الواحِدَةُ تُبْطِلُ مَعَ الإصْرارِ الأعْمالَ ولَوْ كانَتْ بِعَدَدِ نُجُومِ السَّماءِ، وذَكَرُوا في ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ ما ذَكَرُوا. وفي الكَشْفِ لا بُدَّ في هَذا المَقامِ مِن تَحْرِيرِ البَحْثِ بِأنْ يُقالَ: إنْ أرادَ المُعْتَزِلَةُ أنَّ نَحْوَ الزِّنا إذا عَقِبَ الصَّلاةَ يُبْطِلُ ثَوابَها مَثَلًا فَهَذا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ نَقْلًا وعَقْلًا بَلْ هُما مُتَعادِلانِ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ صِحاحُ الأحادِيثِ، وكَفى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ حُجَّةً بالِغَةً، وإنْ أرادُوا أنَّ عِقابَهُ قَدْ يَكْبُرُ حَتّى لا يُعادِلَهُ صِغارُ الحَسَناتِ فَهَذا صَحِيحٌ والكَلامُ حِينَئِذٍ في تَسْمِيَتِهِ إحْباطًا، ولا بَأْسَ بِهِ لَكِنْ عِنْدَنا أنَّ هَذا الإحْباطَ غَيْرُ لازِمٍ وعِنْدَهم لازِمٌ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ العَفْوِ وهي مَسْألَةٌ
صفحة 80
أُخْرى، وأمّا الكَبِيرَةُ الَّتِي تَخْتَصُّ بِذَلِكَ العَمَلِ كالعُجْبِ ونَحْوِ المَنِّ والأذى بَعْدَ التَّصَدُّقِ فَهي مُحْبِطَةٌ لا مَحالَةَ اتِّفاقًا، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ ما نُقِلَ مِنَ الآثارِ، ومَن لا يُسَمِّيهِ إحْباطًا لِأنَّهُ يَجْعَلُهُ شَرْطًا لِلْقَبُولِ والإحْباطُ أنْ يَصِيرَ الثَّوابُ زائِلًا وهَذا لا يَتَأتّى إذا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ ثَوابٌ فَلَهُ ذَلِكَ، وهو أمْرٌ يَرْجِعُ إلى الِاصْطِلاحِ انْتَهى وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ وإعادَةُ الفِعْلِ في (وأطِيعُوا الرَّسُولَ) لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِ إطاعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ
47:34Page 510
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡ ٣٤
Indeed, those who disbelieved and averted [people] from the path of Allāh and then died while they were disbelievers - never will Allāh forgive them.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ امْتَنَعُوا عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ وسُلُوكِ طَرِيقِهِ أوْ صَدُّوا النّاسَ عَنْهُ ﴿ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ نَزَلَتْ في أهْلِ القَلِيبِ كَما قِيلَ، وحُكْمُها عامٌّ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ في كُلِّ مَن ماتَ عَلى كُفْرِهِ، وهو ظاهِرٌ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لِصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وأمّا عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لَهُ فَقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ العُمُومَ مَعَ تَخْصِيصِ الكُفْرِ بِصَدِّ النّاسِ عَنِ الإسْلامِ مَحَلُّ نَظَرٍ ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ الأجِلَّةِ أنَّ العُمُومَ لِأنَّ مَدارَ عَدَمِ المَغْفِرَةِ هو الِاسْتِمْرارُ عَلى الكُفْرِ حَسْبَما يُشْعِرُ اعْتِبارُهُ قَيْدًا في الكَلامِ فَتَدَبَّرْ. واسْتَدَلَّ بِمَفْهُومِ الآيَةِ بَعْضُ القائِلِينَ بِالمَفْهُومِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَغْفِرُ لِمَن لَمْ يَمُتْ عَلى كُفْرِهِ سائِرَ ذُنُوبِهِ
47:35Page 510
فَلَا تَهِنُواْ وَتَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلۡمِ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمۡ وَلَن يَتِرَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٥
So do not weaken and call for peace while you are superior; and Allāh is with you and will never deprive you of [the reward of] your deeds.
﴿فَلا تَهِنُوا﴾ أيْ إذا عَلِمْتُمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى مُبْطِلُ أعْمالِهِمْ ومُعاقِبُهم فَهو خاذِلُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَلا تُبالُوا بِهِمْ ولا تُظْهِرُوا ضَعْفًا، فالهاءُ فَصِيحَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مَفْهُومٍ مِمّا قَبْلَهُ، وقِيلَ: هي لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى ما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِالطّاعَةِ ﴿وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ عَطْفٌ عَلى ( تَهِنُوا ) داخِلٌ في حَيِّزِ النَّهْيِ أيْ ولا تَدْعُوا الكُفّارَ إلى الصُّلْحِ خَوْرًا وإظْهارًا لِلْعَجْزِ فَإنَّ ذَلِكَ إعْطاءُ الدَّنِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أنْ فَيُعْطَفُ المَصْدَرُ المَسْبُوكُ عَلى مَصْدَرٍ مُتَصَيَّدٍ مِمّا قَبْلَهُ كَقَوْلِهِ: لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأْتِيَ مِثْلَهُ. واسْتَدَلَّ الكِيا بِهَذا النَّهْيِ عَلى مَنعِ مُهادِنَةِ الكُفّارِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ. وعَلى تَحْرِيمِ تَرْكِ الجِهادِ إلّا عِنْدَ العَجْزِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ (وتَدَّعُوا) بِتَشْدِيدِ الدّالِّ مِنِ ادَّعى بِمَعْنى دَعا، وفي الكَشّافِ ذِكْرُ لا في هَذِهِ القِراءَةِ، ولَعَلى ذَلِكَ رِوايَةٌ أُخْرى، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ والأعْمَشُ وعِيسى وطَلْحَةُ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ (السِّلْمِ) بِكَسْرِ السِّينِ ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ أيِ الأغْلَبُونَ، والعُلُوُّ بِمَعْنى الغَلَبَةِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَعْنى النَّهْيِ مُؤَكِّدَةٌ لِوُجُوبِ الِانْتِهاءِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ أيْ ناصِرُكم فَإنَّ كَوْنَهُمُ الأغْلَبِينَ وكَوْنَهُ عَزَّ وجَلَّ ناصِرَهم مِن أقْوى مُوجِباتِ الِاجْتِنابِ عَمّا يُوهِمُ الذُّلَّ والضَّراعَةَ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونا جُمْلَتَيْنِ مُسْتَأْنِفَتَيْنِ أخْبَرُوا أوَّلًا أنَّهُمُ الأعْلَوْنَ وهو إخْبارٌ بِمَغِيبٍ أبْرَزَهُ الوُجُودُ ثُمَّ ارْتَقى إلى رُتْبَةٍ أعْلى مِنَ الَّتِي قَبْلَها وهي كَوْنُ اللَّهِ تَعالى مَعَهم ﴿ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾ قالَ: ولَنْ يَظْلِمَكُمْ، وقِيلَ: ولَنْ يَنْقُصَكُمْ، وقِيلَ: ولَنْ يُضَيِّعَها، وهو كَما قالَ أبُو عُبَيْدٍ. والمُبَرِّدُ مِن وتَرْتُ الرَّجُلَ إذا قَتَلْتَ لَهُ قَتِيلًا مِن ولَدٍ أوْ أخٍ أوْ حَمِيمٍ أوْ سَلَبْتَهُ مالَهُ وذَهَبْتَ بِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقِيقَتُهُ أفْرَدْتُهُ مِن قَرِيبِهِ أوْ مالِهِ مِنَ الوِتْرِ وهو الفَرْدُ، فَشَبَّهَ إضاعَةَ عَمَلِ العامِلِ وتَعْطِيلَ ثَوابِهِ بِوِتْرِ الواتِرِ وهو مِن فَصِيحِ الكَلامِ، وفِيهِ هُنا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى مَزِيدِ لُطْفِ اللَّهِ تَعالى ما فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «(مَن فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ فَكَأنَّما وتِرَ أهْلَهُ ومالَهُ)».
والظّاهِرُ عَلى ما ذَكَرَهُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَضْمِينِ وتِرْتُهُ مَعْنى السَّلْبِ ونَحْوِهِ لِيَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِنَفْسِهِ، وفي الصِّحاحِ أنَّهُ مِنَ التِّرَّةِ وحَمْلُهُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ أيْ جَعَلْتُهُ مُوتُورًا لَمْ يُدْرِكْ ثارَهُ في ذَلِكَ كَأنَّهُ نَقَصَهُ فِيهِ وجَعَلَهُ نَظِيرَ دَخَلْتُ البَيْتَ أيْ فِيهِ وهو سَدِيدٌ أيْضًا.
وجَوَّزَ بَعْضُهم (يَتِرُ) هاهُنا مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ ( وأعْمالَكم ) بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ أيْ لَنْ يَتِرَ أعْمالَكم مِن ثَوابِها
صفحة 81
والجُمْلَةُ قِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( مَعَكم ) وهي وإنْ لَمْ تَقَعْ حالًا اسْتِقْلالًا لِتَصْدِيرِها بِحَرْفِ الِاسْتِقْبالِ المُنافِي لِلْحالِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ وغَيْرُهُ لَكِنَّهُ يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في غَيْرِهِ، وقِيلَ: المانِعُ مِن وُقُوعِ المُصَدَّرَةِ بِحَرْفِ الِاسْتِقْبالِ حالًا مُخالَفَتُهُ لِلسَّماعِ وإلّا فَلا مانِعَ مِن كَوْنِها حالًا مُقَدَّرَةً مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (لَنْ) لِمُجَرَّدِ تَأْكِيدِ النَّفْيِ، والظّاهِرُ أنَّ المانِعِينَ بَنَوُا المَنعَ عَلى المُنافاةِ وإنَّها إذا زالَتْ بِاعْتِبارِ أحَدِ الأمْرَيْنِ فَلا مَنعَ لَكِنْ قِيلَ:
إنَّ الحالَ المَقْصُودَ مِنها بَيانُ الهَيْئَةِ غَيْرُ الحالِ الَّذِي هو أحَدُ الأزْمِنَةِ، والمُنافاةُ إنَّما هي بَيْنَ هَذا الحالِ والِاسْتِقْبالِ. وهَذا نَظِيرُ ما قالَ مُجَوِّزُو مَجِيءَ الجُمْلَةِ الماضِيَةِ حالًا بِدُونٍ قَدْ، وما لِذَلِكَ وما عَلَيْهِ في كُتُبِ النَّحْوِ، وإذا جُعِلَتِ الجُمْلَةُ قَبْلُ مُسْتَأْنَفَةً لَمْ يَكُنْ إشْكالٌ في العَطْفِ أصْلًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences