Al-AlusiMuhammad · 47:36–38

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Muhammad 47:36–38

47:36Page 510

إِنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤۡتِكُمۡ أُجُورَكُمۡ وَلَا يَسۡـَٔلۡكُمۡ أَمۡوَٰلَكُمۡ ٣٦

[This] worldly life is only amusement and diversion. And if you believe and fear Allāh, He will give you your rewards and not ask you for your properties.

﴿إنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ لا ثَباتَ لَها ولا اعْتِدادَ بِها ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا يُؤْتِكم أُجُورَكُمْ﴾ أيْ ثَوابَ إيمانِكم وتَقْواكم مِنَ الباقِياتِ الصّالِحاتِ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ ﴿ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى الجَزاءِ والإضافَةُ لِلِاسْتِغْراقِ، والمَعْنى إنْ تُؤْمِنُوا لا يَسْألُكم جَمِيعَ أمْوالِكم كَما يَأْخُذُ مِنَ الكافِرِ جَمِيعَ مالِهِ، وفِيهِ مُقابَلَةٌ حَسَنَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُؤْتِكم أُجُورَكُمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يُعْطِكم كُلَّ الأُجُورِ ويَسْألْكم بَعْضَ المالِ وهو ما شَرَعَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الزَّكاةِ، وقَوْلُ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أيْ لا يَسْألُكم كَثِيرًا مِن أمْوالِكم إنَّما يَسْألُكم رُبُعَ العُشْرِ فَطَيِّبُوا أنْفُسَكم بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى، وقِيلَ: أيْ لا يَسْألُكم ما هو ما لَكم حَقِيقَةً وإنَّما يَسْألُكم ما لَهُ عَزَّ وجَلَّ وهو المالِكُ لَها حَقِيقَةً وهو جَلَّ شَأْنُهُ المُنْعِمُ عَلَيْكم بِالِانْتِفاعِ بِها، وقِيلَ: أيْ لا يَسْألُكم أمْوالَكم لِحاجَتِهِ سُبْحانَهُ إلَيْها بَلْ لِيَرْجِعَ إنْفاقُكم إلَيْكُمْ، وقِيلَ: أيْ لا يَسْألُكم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَيْئًا مِن أمْوالِكم أجْرًا عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِن المُتَكَلِّفِينَ﴾ ووَجْهُ التَّعْلِيقِ عَلَيْها غَيْرُ ظاهِرٍ وفي بَعْضِها أيْضًا ما لا يَخْفى

47:37Page 510

إِن يَسۡـَٔلۡكُمُوهَا فَيُحۡفِكُمۡ تَبۡخَلُواْ وَيُخۡرِجۡ أَضۡغَٰنَكُمۡ ٣٧

If He should ask you for them and press you, you would withhold, and He would expose your hatred [i.e., unwillingness].

﴿إنْ يَسْألْكُمُوها﴾ أيْ أمْوالَكم ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ فَيُجْهِدْكم بِطَلَبِ الكُلِّ فَإنَّ الإحْفاءَ والإلْحافَ المُبالَغَةُ وبُلُوغُ الغايَةِ في كُلِّ شَيْءٍ يُقالُ: أحْفاهُ في المَسْألَةِ إذا لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنَ الإلْحاحِ وأحْفى شارِبَهُ اسْتَأْصَلَهُ وأخَذَهُ أخْذًا مُتَناهِيًا، وأصْلُ ذَلِكَ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ مِن أحْفَيْتُ الدّابَّةَ جَعَلْتُهُ حافِيًا أيْ مُنْسَحِجَ الحافِرِ والبَعِيرَ جَعَلْتَهُ مُنْسَحِجَ الفِرْسِنِ مِنَ المَشْيِ حَتّى يَرِقَّ ﴿تَبْخَلُوا﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، والمُرادُ بِالبُخْلِ هَنا تَرْكُ الإعْطاءِ إذْ هو عَلى المَعْنى المَشْهُورِ أمْرٌ طَبِيعِيٌّ لا يَتَرَتَّبُ عَلى السُّؤالِ ﴿ويُخْرِجْ أضْغانَكُمْ﴾ أيْ أحْقادَكم لِمَزِيدِ حُبِّكم لِلْمالِ وضَمِيرُ ( يُخْرِجْ ) لِلَّهِ تَعالى ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ يَعْقُوبَ ورُوِيَتْ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (ونُخْرِجُ) بِالنُّونِ مَضْمُومَةً، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلسُّؤالِ أوْ لِلْبُخْلِ فَإنَّهُ سَبَبُ إخْراجِ الأضْغانِ والإسْنادُ عَلى ذَلِكَ مَجازِيٌّ. وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو (ويُخْرِجُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وجُوِّزَ جَعْلُ الجُمْلَةِ حالًا بِتَقْدِيرٍ وهو يُخْرِجُ وحَكاها أبُو حاتِمٍ عَنْ عِيسى، وفي اللَّوامِحِ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو ( ويَخْرُجُ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِها وضَمِّ الرّاءِ والجِيمِ ﴿أضْغانَكُمْ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ سِيرِينَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأيُّوبُ بْنُ المُتَوَكِّلِ واليَمانِيُّ ﴿وتُخْرِجُ﴾ بِتاءِ التَّأْنِيثِ ورَفْعِ ﴿أضْغانَكُمْ﴾، وقُرِئَ (ويُخْرَجُ) بِضَمِّ الياءِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الرّاءِ (أضْغانُكُمْ) رَفْعًا عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ وهي

صفحة 82

مَرْوِيَّةٌ عَنْ عِيسى إلّا أنَّهُ فَتَحَ الجِيمَ بِإضْمارِ أنْ فالواوُ عاطِفَةٌ عَلى مَصْدَرٍ مُتَصَيَّدٍ أيْ يَكُنْ بُخْلُكم وإخْراجُ أضْغانِكم.

47:38Page 510

هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تُدۡعَوۡنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبۡخَلُۖ وَمَن يَبۡخَلۡ فَإِنَّمَا يَبۡخَلُ عَن نَّفۡسِهِۦۚ وَٱللَّهُ ٱلۡغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُۚ وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم ٣٨

Here you are - those invited to spend in the cause of Allāh - but among you are those who withhold [out of greed]. And whoever withholds only withholds [benefit] from himself; and Allāh is the Free of need, while you are the needy. And if you turn away [i.e., refuse], He will replace you with another people; then they will not be the likes of you.

﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ أيْ أنْتُمْ أيُّها المُخاطَبُونَ هَؤُلاءِ المَوْصُوفُونَ بِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَسْألْكُمُوها﴾ إلَخْ، والجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ وكُرِّرَتْ ها التَّنْبِيهِيَّةُ لِلتَّأْكِيدِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلَخْ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ ومُؤَكِّدٌ لِذَلِكَ لِاتِّحادِ مُحَصِّلِ مَعْناهُما فَإنَّ دَعْوَتَهم لِلْإنْفاقِ هو سُؤْلُ الأمْوالِ مِنهم وبُخْلُ ناسٍ مِنهم هو مَعْنى عَدَمِ الإعْطاءِ المَذْكُورِ مُجْمَلًا أوَّلًا أوْ صِلَةً لِهَؤُلاءِ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الَّذِينَ فَإنَّ اسْمَ الإشارَةِ يَكُونُ مَوْصُولًا مُطْلَقًا عِنْدَ الكُوفِيِّينَ وأمّا البَصْرِيُّونَ فَلَمْ يُثْبِتُوا اسْمَ الإشارَةِ مَوْصُولًا إلّا إذا تَقَدَّمَهُ ما الِاسْتِفْهامِيَّةُ بِاتِّفاقٍ أوْ مِنَ الِاسْتِفْهامِيَّةُ بِاخْتِلافٍ، والإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى هو الإنْفاقُ المُرْضِي لَهُ تَعالى شَأْنُهُ مُطْلَقًا فَيَشْمَلُ النَّفَقَةَ لِلْعِيالِ والأقارِبِ والغَزْوَ وإطْعامَ الضُّيُوفِ والزَّكاةَ وغَيْرَ ذَلِكَ ولَيْسَ مَخْصُوصًا بِالإنْفاقِ لِلْغَزْوِ أوْ بِالزَّكاةِ كَما قِيلَ.

﴿فَمِنكم مَن يَبْخَلُ﴾ أيْ ناسٌ يَبْخَلُونَ ﴿ومَن يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ فَلا يَتَعَدّى ضَرَرُ بُخْلِهِ إلى غَيْرِها يُقالُ: بَخِلْتُ عَلَيْهِ وبَخِلْتُ عَنْهُ لِأنَّ البُخْلَ فِيهِ مَعْنى المَنعِ ومَعْنى التَّضْيِيقِ عَلى مَن مَنَعَ عَنْهُ المَعْرُوفَ والإضْرارَ فَناسَبَ أنْ يُعَدّى بِعَنْ لِلْأوَّلِ وبِعَلى لِلثّانِي، وظاهِرٌ أنَّ مَن مَنَعَ المَعْرُوفَ عَنْ نَفْسِهِ فَإضْرارُهُ عَلَيْها فَلا فَرْقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ في الحاصِلِ، وقالَ الطَّيِّبِيُّ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ عَلى مَعْنى يَصْدُرُ البُخْلُ عَنْ نَفْسِهِ لِأنَّها مَكانُ البُخْلِ ومَنبَعُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ وهو كَما تَرى ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ﴾ لا غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ الكامِلُونَ في الفَقْرِ فَما يَأْمُرُكم بِهِ سُبْحانَهُ فَهو لِاحْتِياجِكم إلى ما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ الَّتِي لا تَقْتَضِي الحِكْمَةُ إيصالَها بِدُونِ ذَلِكَ فَإنِ امْتَثَلْتُمْ فَلَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَعَلَيْكُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( إنْ تُؤْمِنُوا ) أيْ وإنْ تُعْرِضُوا عَنِ الإيمانِ والتَّقْوى ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يَخْلُقْ مَكانَكم قَوْمًا آخَرِينَ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ( يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ في التَّوَلِّي عَنِ الإيمانِ والتَّقْوى بَلْ يَكُونُونَ راغِبِينَ فِيهِما.

وثُمَّ لِلتَّراخِي حَقِيقَةً أوْ لِبُعْدِ المَرْتَبَةِ عَمّا قَبْلُ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ أهْلُ فارِسَ،

فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ. والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والتِّرْمِذِيُّ وهو حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «(تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا﴾ إلَخْ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ إنْ تَوَلَّيْنا اسْتَبْدَلُوا بِنا ثُمَّ لا يَكُونُونَ أمْثالَنا؟ فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى مَنكِبِ سَلْمانَ ثُمَّ قالَ: هَذا وقَوْمُهُ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كانَ الإيمانُ مَنُوطًا بِالثُّرَيّا لَتَناوَلَهُ رِجالٌ مِن فارِسَ)».

وجاءَ في رِوايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ الدِّينُ بَدَلَ الإيمانِ، وقِيلَ: هُمُ الأنْصارُ، وقِيلَ: أهْلُ اليَمَنِ، وقِيلَ: كِنْدَةُ والنَّخْعُ، وقِيلَ: العَجَمُ، وقِيلَ: الرُّومُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وحَمْلُ القَوْمِ عَلَيْهِمْ بَعِيدٌ في الِاسْتِعْمالِ، وحَيْثُ صَحَّ الحَدِيثُ فَهو مَذْهَبِي.

والخِطابُ لِقُرَيْشٍ أوْ لِأهْلِ المَدِينَةِ قَوْلانِ والظّاهِرُ أنَّهُ لِلْمُخاطَبِينَ قَبْلُ والشَّرْطِيَّةُ غَيْرُ واقِعَةٍ، فَعَنِ الكَلْبِيِّ شَرْطٌ في الِاسْتِبْدالِ تَوَلِّيهم لَكِنَّهم لَمْ يَتَوَلَّوْا فَلَمْ يَسْتَبْدِلْ سُبْحانَهُ قَوْمًا غَيْرَهم واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ومِمّا قالَهُ بَعْضُ أرْبابِ الإشارَةِ في بَعْضِ الآياتِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ نُصْرَةُ اللَّهِ تَعالى مِنَ العَبْدِ عَلى وجْهَيْنِ صُورَةً ومَعْنى، أمّا نُصْرَتُهُ تَعالى في الصُّورَةِ فَنُصْرَةُ دِينِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِإيضاحِ الدَّلِيلِ وتَبْيِينِهِ وشَرْحِ فَرائِضِهِ وسُنَنِهِ وإظْهارِ مَعانِيهِ وأسْرارِهِ وحَقائِقِهِ ثُمَّ بِالجِهادِ عَلَيْهِ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ وقَمْعِ أعْدائِهِ وأمّا نُصْرَتُهُ في المَعْنى فَبِإفْناءِ النّاسُوتِ

صفحة 83

فِي اللّاهُوتِ، ونُصْرَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْعَبْدِ عَلى وجْهَيْنِ أيْضًا صُورَةً ومَعْنًى، أمّا نُصْرَتُهُ تَعالى لِلْعَبْدِ في الصُّورَةِ فَبِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ وإظْهارِ المُعْجِزاتِ والآياتِ وتَبْيِينِ السُّبُلِ إلى النَّعِيمِ والجَحِيمِ، ثُمَّ بِالأمْرِ بِالجِهادِ الأصْغَرِ والأكْبَرِ وتَوْفِيقِ السَّعْيِ فِيهِما طَلَبًا لِرِضاهُ عَزَّ وجَلَّ، وأمّا نُصْرَتُهُ تَعالى لَهُ في المَعْنى فَبِإفْناءِ وجُودِهِ في وُجُودِهِ سُبْحانَهُ بِتَجَلِّي صِفاتِ جَمالِهِ وجَلالِهِ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ يُشِيرُ إلى جَنَّةِ قُلُوبِ أرْبابِ الحَقائِقِ الَّذِينَ اتَّقُوا عَمّا سِواهُ جَلَّ وعَلا ﴿فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ هو ماءُ الحَياةِ الرُّوحانِيَّةِ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِطُولِ المُكْثِ ﴿وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ﴾ وهو العَلَمُ الحَقّانِيُّ الَّذِي هو غِذاءُ الأرْواحِ أوْ لَبَنُ الفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها ﴿لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ بِحُمُوضَةِ الشُّكُوكِ والأوْهامِ أوِ الأهْواءِ والبِدَعِ ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ وهي خَمْرُ الشَّوْقِ والمَحَبَّةِ:

يَقُولُونَ لِي صِفْها فَأنْتَ بِوَصْفِها خَبِيرُ أجَلْ عِنْدِي بِأوْصافِها عِلْمُ

صَفاءٌ ولا ماءٌ ولُطْفٌ ولا هَوى ∗∗∗ ونُورٌ ولا نارٌ ورُوحٌ ولا جِسْمُ

﴿وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ﴾ وهو عَسَلُ الوِصالِ ﴿مُصَفًّى﴾ عَنْ كَدَرِ المَلالِ وخَوْفِ الزَّوالِ ﴿ولَهم فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ اللَّذائِذِ الرُّوحانِيَّةِ ﴿ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ سَتْرٌ لِذَنْبِ وجُودِهِمْ كَما قِيلَ:

وجُودُكَ ذَنْبٌ لا يُقاسُ بِهِ ذَنْبٌ ﴿كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ﴾ نارِ الجَفاءِ ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا﴾ وهو ماءُ الخِذْلانِ ﴿فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ مِنَ الحِرْمانِ ﴿ولَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهم فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ﴾ وهي ظُلْمَةٌ في وُجُوهِهِمْ تُدْرَكُ بِالنَّظَرِ الإلَهِيِّ قِيلَ: المُؤْمِنُ يَنْظُرُ بِنُورِ الفِراسَةِ والعارِفُ بِنُورِ التَّحْقِيقِ والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَنْظُرُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: كُلٌّ مِن رِزْقِ قُرْبِ النَّوافِلِ يَنْظُرُ بِهِ تَعالى لِحَدِيثِ «(لا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ)» الحَدِيثَ.

وحِينَئِذٍ يُبْصِرُ كُلَّ شَيْءٍ، ومِن هُنا كانَ بَعْضُ الأوْلِياءِ الكامِلِينَ يَرى عَلى ما حُكِيَ عَنْهُ أعْمالَ العِبادِ حِينَ يُعْرَجُ بِها وسُبْحانَ السَّمِيعِ البَصِيرِ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском