Al-AlusiMuhammad · 47:4–8

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Muhammad 47:4–8

47:4Page 507

فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثۡخَنتُمُوهُمۡ فَشُدُّواْ ٱلۡوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلۡحَرۡبُ أَوۡزَارَهَاۚ ذَٰلِكَۖ وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٤

So when you meet those who disbelieve [in battle], strike [their] necks until, when you have inflicted slaughter upon them, then secure [their] bonds,1 and either [confer] favor2 afterwards or ransom [them] until the war lays down its burdens.3 That [is the command]. And if Allāh had willed, He could have taken vengeance upon them [Himself], but [He ordered armed struggle] to test some of you by means of others. And those who are killed in the cause of Allāh - never will He waste their deeds.

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِتَرْتِيبِ ما في حَيِّزِها مِنَ الأمْرِ عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ ضَلالَ أعْمالِ الكَفَرَةِ وخَيْبَتَهم

صفحة 39

وصَلاحَ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ وفَلاحَهم مِمّا يُوجِبُ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلى كُلٍّ مِنَ الجانِبَيْنِ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الأحْكامِ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَإذا لَقِيتُمُوهم في المَحارِبِ ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ( لَقِيتُمُ ) مِنَ اللِّقاءِ وهو الحَرْبُ و(ضَرْبَ) نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والأصْلُ اضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا فَحُذِفَ الفِعْلُ وقُدِّمَ المَصْدَرُ وأُنِيبَ مَنابَهُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ، وحَذْفُ الفِعْلِ النّاصِبِ في مِثْلِ ذَلِكَ بِما أُضِيفَ إلى مَعْمُولِهِ واجِبٌ، وهو أحَدُ مَواضِعَ يَجِبُ فِيها الحَذْفُ ذُكِرَتْ في مُطَوَّلاتِ كُتُبِ النَّحْوِ، ولَيْسَ مِنها نَحْوَ ضَرْبًا زَيْدًا عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ.

وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ فِيما ذُكِرَ اخْتِصارًا وتَأْكِيدًا ولا كَلامَ في الِاخْتِصارِ، وأمّا التَّأْكِيدُ فَظاهِرُ القَوْلِ بِهِ أنَّ المَصْدَرَ بَعْدَ حَذْفِ عامَلِهِ مُؤَكِّدٌ، وقالَ الحِمَّصِيُّ في حَواشِي التَّصْرِيحِ: إنَّ المَصْدَرَ في ذَلِكَ مُؤَكِّدٌ في الأصْلِ وأمّا الآنُ فَلا لِأنَّهُ صارَ بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ الَّذِي سَدَّ هو مَسَدَّهُ فَلا يَكُونُ مُؤَكِّدًا بَلْ كُلُّ مَصْدَرٍ صارَ بَدَلًا مِنَ اللَّفْظِ بِالفِعْلِ لا يَكُونُ مُؤَكِّدًا ولا مُبَيِّنًا لِنَوْعٍ ولا عَدَدٍ، و(ضَرْبَ الرِّقابِ) مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنِ القَتْلِ، وعُبِّرَ بِهِ عَنْهُ إشْعارًا بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِضَرْبِ الرَّقَبَةِ حَيْثُ أمْكَنَ وتَصْوِيرًا لَهُ بِأشْنَعِ صُورَةٍ لِأنَّ ضَرْبَ الرَّقَبَةِ فِيهِ إطارَةُ الرَّأْسِ الَّذِي هو أشْرَفُ أعْضاءِ البَدَنِ ومَجْمَعُ حَواسِّهِ وبَقاءُ البَدَنِ مُلْقًى عَلى هَيْئَةٍ مُنْكَرَةٍ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، وذُكِرَ أنَّ في التَّعْبِيرِ المَذْكُورِ تَشْجِيعَ المُؤْمِنِينَ وأنَّهم مِنهم بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُونَ مِنَ القَتْلِ بِضَرْبِ أعْناقِهِمْ في الحَرْبِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ أوْقَعْتُمُ القَتْلَ بِهِمْ بِشِدَّةٍ وكَثْرَةٍ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُسْتَعارٌ مِن ثَخْنِ المائِعاتِ لِمَنعِهِ عَنِ الحَرَكَةِ، والمُرادُ حَتّى إذا أكْثَرْتُمْ قَتْلَهم وتَمَكَّنْتُمْ مِن أخْذِ مَن لَمْ يُقْتَلْ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ أيْ فَأْسِرُوهم واحْفَظُوهُمْ، فالشَّدُّ وكَذا ما بَعْدُ في حَقِّ مَن أُسِرَ مِنهم بَعْدَ إثْخانِهِمْ لا لِلْمُثْخِنِ إذْ هو بِالمَعْنى السّابِقِ لا يُشَدُّ ولا يُمَنُّ عَلَيْهِ ولا يُفْدى لِأنَّهُ قَدْ قُتِلَ أوِ المَعْنى حَتّى إذا أثْقَلْتُمُوهم بِالجِراحِ ونَحْوَهُ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُونَ النُّهُوضَ فَأْسِرُوهم واحْفَظُوهم فالشَّدُّ وكَذا ما بَعْدُ في حَقِّ المُثْخَنِ لِأنَّهُ بِهَذا المَعْنى هو الَّذِي لَمْ يَصِلْ إلى حَدِّ القَتْلِ لَكِنْ ثَقُلَ عَنِ الحَرَكَةِ فَصارَ كالشَّيْءِ الثَّخِينِ الَّذِي لَمْ يُسَلْ ولَمْ يَسْتَمِرَّ في ذَهابِهِ، والإثْخانُ عَلَيْهِ مَجازٌ أيْضًا، ( والوَثاقَ ) في الأصْلِ مَصْدَرٌ كالخَلاصِ وأُرِيدَ بِهِ هُنا ما يُوثَقُ بِهِ. وقُرِئَ (الوَثاقِ) بِالكَسْرِ وهو اسْمٌ لِذَلِكَ، ومَجِيءُ فَعالٍ اسْمَ آلَةٍ كالحِزامِ والرِّكابِ نادِرٌ عَلى خِلافِ القِياسِ، وظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أنَّ كُلًّا مِنَ المَفْتُوحِ والمَكْسُورِ اسْمٌ لِما يُوثَقُ بِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ بَيانُ المُرادِ هُنا.

﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ فَإمّا تُمَنُّونَ مِنّا وإمّا تُفْدَوْنَ فِداءً، والكَلامُ تَفْصِيلٌ لِعاقِبَةِ مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِن شَدِّ الوَثاقِ، وحَذْفُ الفِعْلِ النّاصِبِ لِلْمَصْدَرِ في مِثْلِ ذَلِكَ واجِبٌ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُهُ:

لَأجْهَدْنَ فَإمّا دَرْءُ واقِعَةٍ تُخْشى وإمّا بُلُوغُ السُّؤْلِ والأمَلِ

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ كُلٍّ مِن ( مَنًّا وفِداءً ) مَفْعُولًا بِهِ لِمَحْذُوفٍ أيْ أوْلُوهم ( مَنًّا ) أوِ اقْبَلُوا مِنهم فِداءً، ولَيْسَ كَما قالَ أبُو حَيّانَ إعْرابٌ نَحْوِيٌّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ شِبْلٍ ( وإمّا فَدى) بِالفَتْحِ والقَصْرِ كَعَصا. وزَعَمَ أبُو حاتِمٍ أنَّهُ لا يَجُوزُ قَصْرُهُ لِأنَّهُ مَصْدَرُ فادَيْتُهُ، قالَ الشِّهابُ: ولا عِبْرَةَ بِهِ فَإنَّ فِيهِ أرْبَعَ لُغاتٍ: الفَتْحُ والكَسْرُ مَعَ المَدِّ والقَصْرِ ولُغَةٌ خامِسَةٌ البِناءُ مَعَ الكَسْرِ كَما حَكاهُ الثِّقاتُ انْتَهى، وفي الكَشْفِ نَقْلًا عَنِ الصِّحاحِ الفِداءُ إذا كُسِرَ أوَّلُهُ يُمَدُّ ويُقْصَرُ وإذا فُتِحَ فَهو مَقْصُورٌ. ومِنَ العَرَبِ مَن يَكْسِرُ الهَمْزَةَ أيْ يَبْنِيهِ عَلى الكَسْرِ إذا جاوَزَ لامَ الجَرِّ خاصَّةً لِأنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى الدُّعاءِ، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ بَيْتَ النّابِغَةِ مَهْلًا فِداءً لَكِ. وهَذا الكَسْرُ مَعَ التَّنْوِينِ

صفحة 40

كَما صَرَّحَ بِهِ في البَحْرِ، وظاهِرُ الآيَةِ عَلى ما ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ في أحْكامِ القُرْآنِ العَظِيمِ امْتِناعُ القَتْلِ بَعْدَ الأسْرِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أتى الحَجّاجُ بِأُسارى فَدَفَعَ إلى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما رَجُلًا يَقْتُلُهُ فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِهَذا أُمِرْنا إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ وفي حُكْمِ الأُسارى خِلافٌ فَذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّ الإمامَ بِالخِيارِ إنْ شاءَ قَتَلَهم إنْ لَمْ يُسْلِمُوا لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَتَلَ صَبْرًا عُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ وطُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيٍّ والنَّضْرَ بْنَ الحَرْثِ الَّتِي قالَتْ فِيهِ أُخْتُهُ أبْياتًا مِنها تُخاطِبُ النَّبِيَّ ﷺ:

ما كانَ ضَرُّكَ لَوْ مَنَنْتَ ورُبَّما ∗∗∗ مَنَّ الفَتى وهو المُغِيظُ المُحْنِقُ

ولِأنَّ في قَتْلِهِمْ حَسْمَ مادَّةِ فَسادِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ، ولَيْسَ لِواحِدٍ مِنَ الغُزاةِ أنْ يَقْتُلَ أسِيرًا بِنَفْسِهِ فَإنْ فَعَلَ بِلا مُلْجِئٍ كَخَوْفِ شَرِّ الأسِيرِ كانَ لِلْإمامِ أنْ يُعَزِّرَهُ إذا وقَعَ عَلى خِلافِ مَقْصُودِهِ ولَكِنْ لا يَضْمَنُ شَيْئًا، وإنْ شاءَ اسْتَرَقَّهم لِأنَّ فِيهِ دَفْعَ شَرِّهِمْ مَعَ وُفُورِ المَصْلَحَةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، وإنْ شاءَ تَرَكَهم ذِمَّةً أحْرارًا لِلْمُسْلِمِينَ كَما فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ذَلِكَ في أهْلِ السَّوادِ إلّا أُسارى مُشْرِكِي العَرَبِ والمُرْتَدِّينَ فَإنَّهم لا تُقْبَلُ مِنهم جِزْيَةٌ ولا يَجُوزُ اسْتِرْقاقُهم بَلِ الحُكْمُ فِيهِمْ إمّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ، وإنْ أسْلَمَ الأُسارى بَعْدَ الأسْرِ لا يَقْتُلُهم لِانْدِفاعِ شَرِّهِمْ بِالإسْلامِ، ولَكِنْ يَجُوزُ اسْتِرْقاقُهم فَإنَّ الإسْلامَ لا يُنافِي الرِّقَّ جَزاءً عَلى الكُفْرِ الأصْلِيِّ وقَدْ وُجِدَ بَعْدَ انْعِقادِ سَبَبِ المِلْكِ وهو الِاسْتِيلاءُ عَلى الحَرْبِيِّ غَيْرِ المُشْرِكِ مِنَ العَرَبِ، بِخِلافِ ما لَوْ أسْلَمُوا مِن قَبْلِ الأخْذِ فَإنَّهم يَكُونُونَ أحْرارًا لِأنَّهُ إسْلامٌ قَبْلَ انْعِقادِ سَبَبِ المِلْكِ فِيهِمْ، ولا يُفادى بِالأُسارى في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِما في ذَلِكَ مِن مَعُونَةِ الكُفْرِ لِأنَّهُ يَعُودُ الأسِيرُ الكافِرُ حَرْبًا عَلَيْنا، ودَفْعُ شَرِّ حَرابَتِهِ خَيْرٌ مِنِ اسْتِنْقاذِ المُسْلِمِ لِأنَّهُ إذا بَقِيَ في أيْدِيهِمْ كانَ ابْتِلاءً في حَقِّهِ فَقَطْ، والضَّرَرُ بِدَفْعِ أسِيرِهِمْ إلَيْهِمْ يَعُودُ عَلى جَماعَةِ المُسْلِمِينَ.

والرِّوايَةُ الأُخْرى عَنْهُ أنَّهُ يُفادى وهو قَوْلُ مُحَمَّدٍ وأبِي يُوسُفَ والإمامِ الشّافِعِيِّ ومالِكٍ وأحْمَدَ إلّا بِالنِّساءِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ المُفاداةُ بِهِنَّ عِنْدَهُمْ، ومَنَعَ أحْمَدُ المُفاداةَ بِصِبْيانِهِمْ، وهَذِهِ رِوايَةُ السِّيَرِ الكَبِيرِ، قِيلَ: وهو أظْهَرُ الرِّوايَتَيْنِ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ، وقالَ أبُو يُوسُفَ: تَجُوزُ المُفاداةُ بِالأُسارى قَبْلَ القِسْمَةِ لا بَعْدَها، وعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَجُوزُ بِكُلِّ حالٍ.

ووَجْهُ ما ذَكَرَهُ الأئِمَّةُ مِن جَوازِ المُفاداةِ أنَّ تَخْلِيصَ المُسْلِمِ أوْلى مِن قَتْلِ الكافِرِ لِلِانْتِفاعِ بِهِ ولِأنَّ حُرْمَتَهُ عَظِيمَةٌ وما ذُكِرَ مِنَ الضَّرَرِ الَّذِي يَعُودُ إلَيْنا بِدَفْعِهِ إلَيْهِمْ يَدْفَعُهُ ظاهِرًا المُسْلِمُ الَّذِي يَتَخَلَّصُ مِنهم لِأنَّهُ ضَرَرُ شَخْصٍ واحِدٍ فَيَقُومُ بِدَفْعِهِ واحِدٌ مِثْلُهُ ظاهِرًا فَيَتَكافَئانِ وتَبْقى فَضِيلَةُ تَخْلِيصِ المُسْلِمِ وتَمْكِينِهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ فِيها زِيادَةَ تَرْجِيحٍ.

ثُمَّ إنَّهُ قَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِمْرانَ ابْنِ حُصَيْنٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَدى رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، ويُحْتَجُّ لِمُحَمَّدٍ بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أيْضًا عَنْ إياسِ بْنِ سَلَمَةَ «عَنْ أبِيهِ سَلَمَةَ قالَ: خَرَجْنا مَعَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أمَّرَهُ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أنْ قالَ: فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الغَدِ في السُّوقِ فَقالَ: يا سَلَمَةَ هَبْ لِي المَرْأةَ يَعْنِي الَّتِي نَفَلَهُ أبُو بَكْرٍ إيّاها. فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أعْجَبَتْنِي وما كَشَفْتُ لَها ثَوْبًا، ثُمَّ لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الغَدِ في السُّوقِ فَقالَ: (يا سَلَمَةَ هَبْ لِي المَرْأةَ لِلَّهِ أبُوكَ) فَقُلْتُ: هي لَكَ يا رَسُولِ اللَّهِ فَواللَّهِ ما كَشَفْتُ لَها ثَوْبًا فَبَعَثَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَفَدى بِها ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ أُسِرُوا بِمَكَّةَ».

ولا يُفادى بِالأسِيرِ إذا أسْلَمَ وهو

صفحة 41

بِأيْدِينا لِأنَّهُ لا يُفِيدُ إلّا إذا طابَتْ نَفْسُهُ وهو مَأْمُونٌ عَلى إسْلامِهِ فَيَجُوزُ لِأنَّهُ يُفِيدُ تَخْلِيصَ مُسْلِمٍ مِن غَيْرِ إضْرارٍ بِمُسْلِمٍ آخَرَ، وأمّا المُفاداةُ بِمالٍ فَلا تَجُوزُ في المَشْهُورِ مِن مَذْهَبِ الحَنَفِيَّةِ لِما بَيَّنَ في المُفاداةِ بِالمُسْلِمِينَ مِن رَدِّهِمْ حَرْبًا عَلَيْنا. وفي السَّيْرِ الكَبِيرِ أنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ إذا كانَ بِالمُسْلِمِينَ حاجَةٌ. قِيلَ: اسْتِدْلالًا بِأُسارى بَدْرٍ فَإنَّهُ لا شَكَّ في احْتِياجِ المُسْلِمِينَ بَلْ في شِدَّةِ حاجَتِهِمْ إذْ ذاكَ فَلْيَكُنْ مَحْمَلُ المُفاداةِ الكائِنَةِ في بَدْرٍ بِالمالِ. وأمّا المَنُّ عَلى الأُسارى وهو أنْ يُطَلِّقَهم إلى دارِ الحَرْبِ مِن غَيْرِ شَيْءٍ فَلا يَجُوزُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ وأحْمَدَ، وأجازَهُ الإمامُ الشّافِعِيُّ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَنَّ عَلى جَماعَةٍ مِن أسْرى بَدْرٍ مِنهم أبُو العاصِ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ عَلى ما ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ بِسَنَدِهِ، وأبُو دُوادَ مِن طَرِيقِهِ إلى عائِشَةَ «لَمّا بَعَثَ أهْلُ مَكَّةَ في فِداءِ أسْراهم بَعَثَتْ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في فِداءِ أبِي العاصِ بِمالٍ وبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلادَةٍ كانَتْ خَدِيجَةُ أدْخَلَتْها بِها عَلى أبِي العاصِ حِينَ بِنائِهِ عَلَيْها فَلَمّا رَأى النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ رَقَّ لَها رِقَّةً شَدِيدَةً وقالَ لِأصْحابِهِ: (إنْ رَأيْتُمْ أنْ تُطْلِقُوا لَها أسِيرَها وتَرُدُّوا لَها الَّذِي لَها) فَفَعَلُوا ذَلِكَ مُغْتَبِطِينَ بِهِ،» ورَواهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وزادَ «(وكانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أخَذَ عَلَيْهِ أنْ يُخَلِّيَ زَيْنَبَ إلَيْهِ فَفَعَلَ) ومَنَّ ﷺ عَلى ثُمامَةَ بْنِ أثالِ ابْنِ النُّعْمانِ الحَنَفِيِّ سَيِّدِ أهْلِ اليَمامَةِ ثُمَّ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ،» وحَدِيثُهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ويَكْفِي ما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(لَوْ كانَ المُطْعَمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي في هَؤُلاءِ النَّتْنى- يَعْنِي أُسارى بَدْرٍ- لَتَرَكْتُهم لَهُ)» فَإنَّهُ ﷺ أخْبَرَ وهو الصّادِقُ المَصْدُوقُ بِأنَّهُ يُطْلِقُهم لَوْ سَألَهُ المُطْعَمُ، والإطْلاقُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ لا يَثْبُتُ إلّا وهو جائِزٌ شَرْعًا لِمَكانِ العِصْمَةِ، وكَوْنُهُ لَمْ يَقَعْ لِعَدَمِ وُقُوعِ ما عُلِّقَ عَلَيْهِ لا يَنْفِي جَوازَهُ شَرْعًا.

واسْتُدِلَّ أيْضًا بِالآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها فَإنَّ اللَّهَ تَعالى خَيَّرَ فِيها بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالمَنِّ الإطْلاقُ مَجّانًا وكَوْنُ المُرادِ المَنَّ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ القَتْلِ وإبْقاءَهم مُسْتَرِقِّينَ أوْ تَخْلِيَتِهِمْ لِقَبُولِ الجِزْيَةِ وكَوْنُهم مِن أهْلِ الذِّمَّةِ خِلافُ الظّاهِرِ، وبَعْضُ النُّفُوسِ يَجِدُ طُعْمَ الآلاءِ أحْلى مِن هَذا المَنِّ. وأجابَ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ بِأنَّ الآيَةَ مَنسُوحَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ مِن سُورَةِ بَراءَةَ فَإنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ جَوازِ المَنِّ وكَذا عَدَمَ جَوازِ الفِداءِ وهي آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ في هَذا الشَّأْنِ، وزَعَمَ أنَّ ما وقَعَ مِنَ المَنِّ والفِداءِ إنَّما كانَ في قَضِيَّةِ بَدْرٍ وهي سابِقَةٌ عَلَيْها وإنْ كانَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ بَعْدَ بَدْرٍ فَهو أيْضًا قَبْلَ السُّورَةِ.

والقَوْلُ بِالنَّسْخِ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ ومُجاهِدٍ في رِواياتٍ ذَكَرَها الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، وقالَ العَلّامَةُ ابْنُ الهَمّامِ: قَدْ يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ- يَعْنِي ما في سُورَةِ بَراءَةَ- في حَقِّ غَيْرِ الأُسارى بِدَلِيلِ جَوازِ الِاسْتِرْقاقِ فِيهِمْ فَيُعْلَمُ أنَّ القَتْلَ المَأْمُورَ بِهِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، وما ذَكَرَهُ في جَوازِ الِاسْتِرْقاقِ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ إذْ لا يَجُوزُ كَما عَلِمْتَ اسْتِرْقاقَ مُشْرِكِي العَرَبِ ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أيْ آلاتِها وأثْقالَها مِنَ السِّلاحِ وغَيْرِهِ، قالَ الأعْشى:

وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزارَها ∗∗∗ رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورًا

ومِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ ∗∗∗ تُساقُ إلى الحَرْبِ عِيرًا فَعِيرًا

وهِيَ في الأصْلِ الأحْمالُ فاسْتُعِيرَتْ لِما ذُكِرَ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في ( الحَرْبُ ) اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ بِأنْ تُشَبَّهَ بِإنْسانٍ يَحْمِلُ حَمْلًا عَلى رَأْسِهِ أوْ ظَهْرِهِ ويَثْبُتُ لَها ما أُثْبِتَ تَخْيِيلًا، وكَلامُ الكَشّافِ أمِيلُ

صفحة 42

إلَيْهِ، وقِيلَ:

هِيَ أحْمالُ المُحارِبِ أُضِيفَتْ لِلْحَرْبِ تَجَوُّزًا في النِّسْبَةِ الإضافِيَّةِ وتَغْلِيبًا لَها عَلى الكُراعِ، وإسْنادُ الوَضْعِ لِلْحَرْبِ مَجازِيٌّ أيْضًا ولَيْسَ بِذاكَ. وعَدَّ بَعْضُ الأماثِلِ الكَلامَ تَمْثِيلًا، والمُرادُ حَتّى تَنْقَضِيَ الحَرْبُ وقالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إرادَةُ ذَلِكَ مِن بابِ المَجازِ المُتَفَرِّعِ عَلى الكِنايَةِ كَما في قَوْلِهِ: فَألْقَتْ عَصاها واسْتَقَرَّ بِها النَّوى. فَإنَّهُ كَنّى بِهِ عَنِ انْقِضاءِ السَّفَرِ والإقامَةِ، قِيلَ: الأوْزارُ جَمْعُ وِزٍ بِمَعْنى إثْمٍ وهو هُنا الشِّرْكُ والمَعاصِي، و( تَضَعُ ) بِمَعْنى تَتْرُكُ مَجازًا، وإسْنادُهُ لِلْحَرْبِ مَجازٌ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، والمَعْنى حَتّى يَضَعَ أهْلُ الحَرْبِ شِرْكَهم ومَعاصِيَهُمْ، وفِيهِ أنَّهُ لا يُسْتَحْسَنُ إضافَةُ الأوْزارِ بِمَعْنى الآثامِ إلى الحَرْبِ، ( وحَتّى ) عِنْدَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ ومَن قالَ نَحْوَ قَوْلِهِ: غايَةٌ لِلضَّرْبِ، والمَعْنى اضْرِبُوا أعْناقَهم حَتّى تَنْقَضِيَ الحَرْبُ، ولَيْسَ هَذا بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ ولا تَأْكِيدًا لَهُ بِناءً عَلى ما قَرَّرُوهُ مِن أنَّ حَتّى الدّاخِلَةَ عَلى إذا الشَّرْطِيَّةِ ابْتِدائِيَّةٌ أوْ غايَةٌ لِلشَّدِّ أوْ لِلْمَنِّ والفِداءِ مَعًا أوْ لِلْمَجْمُوعِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ إلَخْ بِمَعْنى أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ جارِيَةٌ فِيهِمْ حَتّى لا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ المُشْرِكِينَ بِزَوالِ شَوْكَتِهِمْ، وقِيلَ: بِنُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. والحَسَنِ، وفي الحَدِيثِ ما يُؤَيِّدُهُ. أخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُما «عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ قالَ: بَيْنَما أنا جالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ جاءَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الخَيْلَ قَدْ سُيِّبَتْ ووُضِعَ السِّلاحُ وزَعَمَ أقْوامٌ أنْ لا قِتالَ وأنْ قَدْ وضَعَتِ الحَرْبُ أوْزارَها فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (كَذَبُوا فالآنَ جاءَ القِتالُ ولا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَضُرُّهم مَن خالَفَهم يُزِيغُ اللَّهُ تَعالى قُلُوبَ قَوْمٍ لِيَرْزُقَهم مِنهم وتُقاتِلُونَ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ ولا تَزالُ الخَيْلُ مَعْقُودًا في نَواصِيها الخَيْرُ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ ولا تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها حَتّى يَخْرُجَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ)».

وهِيَ عِنْدَ مَن يَقُولُ: لا مَنَّ ولا فِداءَ اليَوْمَ غايَةً لِلْمَنِّ والفِداءِ إنْ حَمَلَ عَلى الحَرْبِ عَلى حَرْبِ بَدْرٍ بِجَعْلِ تَعْرِيفِهِ لِلْعَهْدِ، والمَعْنى المَنُّ عَلَيْهِمْ ويُفادُونَ حَتّى تَضَعَ حَرْبُ بَدْرٍ أوْزارَها، وغايَةً لِلضَّرْبِ والشَّدِّ إنْ حُمِلَتْ عَلى الجِنْسِ، والمَعْنى أنَّهم يَقْتُلُونَ ويُؤْسَرُونَ حَتّى تَضَعَ جِنْسُ الحَرْبِ أوْزارَها بِأنْ لا يَبْقى لِلْمُشْرِكِينَ شَوْكَةٌ، ولا تُجْعَلُ غايَةً لِلْمَنِّ والفِداءِ مَعَ إرادَةِ الجِنْسِ.

وفِي زَعْمِ جَوازِهِ والتِزامِ النَّسْخِ كَلامٌ فَتَأمَّلْ ( ذَلِكَ ) أيِ الأمْرُ ذَلِكَ أوِ افْعَلُوا ذَلِكَ فَهو في مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ لِفِعْلِ كَذَلِكَ، والإشارَةُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ إلَخْ لا إلى ما تَقَدَّمَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هاهُنا لِأنَّ افْعَلُوا لا يَقَعُ عَلى جَمِيعِ السّالِفِ وعَلى الرَّفْعِ يَنْفَكُّ النَّظْمُ الجَلِيلُ إنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ لِأنَّ ما بَعْدُ كَلامٌ فِيهِمْ ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ لانْتَقَمَ مِنهم بِبَعْضِ أسْبابِ الهَلاكِ مِن خَسْفٍ أوْ رَجْفَةٍ أوْ غَرَقٍ أوْ مَوْتٍ جارِفٍ ﴿ولَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ ولَكِنْ أمَرَكم سُبْحانَهُ بِالقِتالِ لِيَبْلُوَ المُؤْمِنِينَ بِالكافِرِينَ بِأنْ يُجاهِدُوهم فَيَنالُوا الثَّوابَ ويُخَلَّدُ في صُحُفِ الدَّهْرِ ما لَهم مِنَ الفَضْلِ الجَسِيمِ والكافِرِينَ بِالمُؤْمِنِينَ بِأنْ يُعاجِلَهم عَزَّ وجَلَّ بِبَعْضِ انْتِقامِهِ سُبْحانَهُ فَيَتَّعِظُ بِهِ بَعْضٌ مِنهم ويَكُونُ سَبَبًا لِإسْلامِهِ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ اسْتَشْهَدُوا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (قاتَلُوا) أيْ جاهَدُوا، والجَحْدَرِيُّ بِخِلافٍ عَنْهُ (قَتَلُوا) بِفَتْحِ القافِ والتّاءِ بِلا ألِفٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وعِيسى والجَحْدَرِيُّ أيْضًا (قُتِّلُوا) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ وشَدِّ التّاءِ.

صفحة 43

﴿فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ فَلَنْ يُضَيِّعَها سُبْحانَهُ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ( يُضَلَّ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (أعَمالُهُمْ) بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ. وقُرِئَ (يَضِلَّ) بِفَتْحِ الياءِ مِن ضَلَّ (أعْمالُهُمْ) بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ. والآيَةُ قالَ قَتادَةُ: كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ ذُكِرَ لَنا «أنَّها نَزَلَتْ في يَوْمِ أُحُدٍ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الشِّعْبِ وقَدْ فَشَتْ فِيهِمُ الجِراحاتُ والقَتْلُ وقَدْ نادى المُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ اعْلُ هُبَلُ ونادى المُسْلِمُونَ اللَّهُ أعْلى وأجَلُّ فَنادى المُشْرِكُونَ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ وإنَّ الحَرْبَ سِجالٌ لَنا عِزّى ولا عِزّى لَكم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (اللَّهُ مَوْلانا ولا مَوْلى لَكم إنَّ القَتْلى مُخْتَلِفَةٌ أمّا قَتْلانا فَأحْياءٌ مَرْزُوقُونَ وأمّا قَتْلاكم فَفي النّارِ يُعَذَّبُونَ)».

ومِنهُ يُعْلَمُ وجْهُ قِراءَةِ (قُتِّلُوا) بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ

47:5–6Page 507

سَيَهۡدِيهِمۡ وَيُصۡلِحُ بَالَهُمۡ ٥

He will guide them and amend their condition

وَيُدۡخِلُهُمُ ٱلۡجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمۡ ٦

And admit them to Paradise, which He has made known to them.

﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ سَيُوصِلُهم إلى ثَوابِ تِلْكَ الأعْمالِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ والفَضْلِ العَظِيمِ، وهَذا كالبَيانِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أوْ سَيُثْبِتُ جَلَّ شَأْنُهُ في الدُّنْيا هِدايَتَهُمْ، والمُرادُ الوَعْدُ بِأنْ يَحْفَظَهم سُبْحانَهُ ويَصُونَهم عَمّا يُورِثُ الضَّلالَ وحَبْطَ الأعْمالِ، وهو كالتَّعْلِيلِ لِذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كالبَيانِ لَهُ أيْضًا.

﴿ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ أيْ شَأْنَهُمْ، قالَ الطَّبَرْسِيُّ: المُرادُ إصْلاحُ ذَلِكَ في العُقْبى فَلا يَتَكَرَّرُ مَعَ ما تَقَدَّمَ لِأنَّ المُرادَ بِهِ إصْلاحُ شَأْنِهِمْ في الدِّينِ والدُّنْيا فَلا تَغْفَلْ ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ أوِ اسْتِئْنافٌ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، والتَّعْرِيفُ في الآخِرَةِ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: يَهْدِي أهْلَ الجَنَّةِ إلى بُيُوتِهِمْ ومَساكِنِهِمْ وحَيْثُ قَسَمَ اللَّهُ تَعالى لَهم مِنها لا يُخْطِئُونَ كَأنَّهم ساكِنُوها مُنْذُ خُلِقُوا لا يَسْتَدِلُّونَ عَلَيْها أحَدًا، وفي الحَدِيثِ «(لَأحَدُكم بِمَنزِلِهِ في الجَنَّةِ أعْرَفُ مِنهُ بِمَنزِلِهِ في الدُّنْيا)» وذَلِكَ بِإلْهامٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنا أنَّ المَلَكَ الَّذِي كانَ وُكِّلَ بِحِفْظِ عَمَلِ الشَّخْصِ في الدُّنْيا يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ في الجَنَّةِ ويَتْبَعُهُ الشَّخْصُ حَتّى يَأْتِيَ أقْصى مَنزِلٍ هو لَهُ فَيُعَرِّفُهُ كُلَّ شَيْءٍ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى في الجَنَّةِ فَإذا انْتَهى إلى أقْصى مَنزِلِهِ في الجَنَّةِ دَخَلَ إلى مَنزِلِهِ وأزْواجِهِ وانْصَرَفَ المَلَكُ عَنْهُ.

ووَرَدَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ حَسَناتِهِ تَكُونُ دَلِيلًا إلى مَنزِلِهِ فِيها، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى رَسَمَ عَلى كُلِّ مِنزِلٍ اسْمَ صاحِبِهِ وهو نَوْعٌ مِنَ التَّعْرِيفِ، وقِيلَ: تَعْرِيفُها تَحْدِيدُها يُقالُ: عَرَّفَ الدّارَ وأرَّفَها أيْ حَدَّدَها أيْ حَدَّدَها لَهم بِحَيْثُ يَكُونُ لِكُلِّ جَنَّةٍ مَفْرَزَةٌ، وقِيلَ: أيْ شَرَّفَها لَهم ورَفَعَها وعَلّاها عَلى أنَّ عَرَّفَها مِنَ الأعْرافِ الَّتِي هي الجِبالُ وما أشْبَهَها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ. ورُوِيَ عَنْ مُؤَرِّجٍ أيْ طَيَّبَها لَهم عَلى أنَّهُ مِنَ العُرْفِ وهو الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ هاهُنا، ومِنهُ طَعامٌ مُعَرَّفٌ أيْ مُطَيَّبٌ، وعَرَفْتُ القَدْرَ طَيَّبْتُها بِالمِلْحِ والتّابِلِ، وعَنِ الجِبائِيِّ أنَّ التَّعْرِيفَ في الدُّنْيا وهو بِذِكْرِ أوْصافِها، والمُرادُ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ يَمْدَحُها لَهم حَتّى عَشِقُوها فاجْتَهَدُوا فِيما يُوصِلُهم إلَيْها:

والأُذُنُ تَعْشَقُ قَبْلَ العَيْنِ أحْيانًا وعَلى هَذا المُرادِ قِيلَ:

اشْتاقَهُ مِن قَبْلِ رُؤْيَتِهِ كَما تُهْوى الجِنانُ بِطِيبِ الأخْبارِ

47:7Page 507

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ ٧

O you who have believed, if you support Allāh, He will support you and plant firmly your feet.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ دِينَهُ ورَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا عَلى أنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ بَلْ عَلى أنَّ نُصْرَةَ اللَّهِ فِيهِ تَجُوزُ في النِّسْبَةِ فَنُصْرَتُهُ سُبْحانَهُ نُصْرَةُ رَسُولِهِ ودِينِهِ إذْ هو جَلَّ شَأْنُهُ وعَلا المُعِينُ النّاصِرُ وغَيْرُهُ سُبْحانَهُ المُعانَ المَنصُورُ ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ عَلى أعْدائِكم ويَفْتَحْ لَكم ﴿ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ في مَواطِنِ الحَرْبِ ومَواقِفِها أوْ عَلى مَحَجَّةِ الإسْلامِ، والمُرادُ يُقَوِّيكم أوْ يُوَفِّقُكم لِلدَّوامِ عَلى الطّاعَةِ.

صفحة 44

وقَرَأ المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ (ويُثْبِتُ) مُخَفَّفًا

47:8Page 507

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٨

But those who disbelieve - for them is misery, and He will waste their deeds.

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ مِن تَعَسَ الرَّجُلُ بِفَتْحِ العَيْنِ تَعْسًا أيْ سَقَطَ عَلى وجْهِهِ، وضِدُّهُ انْتَعَشَ أيْ قامَ مِن سُقُوطِهِ. وقالَ شِمْرٌ وابْنُ شُمَيْلٍ وأبُو الهَيْثَمِ وغَيْرُهُمْ: تَعِسَ بِكَسْرِ العَيْنِ، ويُقالُ: تَعْسًا لَهُ ونُكْسًا عَلى أنَّ الأوَّلَ كَما قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ بِمَعْنى السُّقُوطِ عَلى الوَجْهِ والثّانِي بِمَعْنى السُّقُوطِ عَلى الرَّأْسِ، وقالَ الحِمَّصِيُّ في حَواشِيهِ عَلى التَّصْرِيحِ: تَعِسَ تَعْسًا أيْ لا انْتَعَشَ مِن عَثْرَتِهِ ونُكْسًا بِضَمِّ النُّونِ وقَدْ تُفْتَحُ إمّا في لُغَةٍ قَلِيلَةٍ وإمّا اتِّباعًا لِتَعْسًا، والنُّكْسُ بِالضَّمِّ عَوْدُ المَرَضِ بَعْدَ النَّقَهِ، ويُرادُ بِذَلِكَ الدُّعاءُ، وكَثُرَ في الدُّعاءِ عَلى العاثِرِ تَعْسًا لَهُ، وفي الدُّعاءِ لَهُ لَعا لَهُ أيِ انْتِعاشًا وإقامَةً، وأنْشَدُوا قَوْلَ الأعْشى يَصِفُ ناقَةً:

كَلَفْتُ مَجْهُولَةَ نَفْسِي وشايَعَنِي هَمِّي عَلَيْها إذا ما آلَها لَمَعا

بِذاتِ لَوْثٍ عَفَرْناةٍ إذا عَثَرَتْ ∗∗∗ فالتَّعْسُ أوْلى لَها مِن أنْ أقُولَ لَعا

وقالَ ثَعْلَبٌ وابْنُ السِّكِّيتِ أيْضًا: التَّعِسُ الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ مَجْمَعِ بْنِ هِلالٍ:

تَقُولُ وقَدْ أفْرَدْتُها مِن حَلِيلِها ∗∗∗ تَعِسْتَ كَما أتْعَسْتَنِي يا مَجْمَعُ

وفِي القامُوسِ التَّعْسُ الهَلاكُ والعِثارُ والسُّقُوطُ والشَّرُّ والبُعْدُ والِانْحِطاطُ والفِعْلُ كَمَنِعَ وسَمِعَ أوْ إذا خاطَبْتَ قُلْتَ:

تَعِسْتُ كَمَنِعَ وإذا حَكَيْتَ قُلْتَ: تَعِسَ كَسَمِعَ، ويُقالُ: تَعَسَهُ اللَّهُ تَعالى وأتْعَسَهُ ورَجُلٌ تاعِسٌ وتَعِسٌ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مِن لَفْظِهِ يَجِبُ إضْمارُهُ لِأنَّهُ لِلدُّعاءِ كَسُقْيًا ورَعْيًا فَيَجْرِي مَجْرى الأمْثالِ إذا قُصِدَ بِهِ ذَلِكَ، والجارُّ والمَجْرُورُ بَعْدَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ لِلتَّبْيِينِ عِنْدَ كَثِيرٍ أيْ أعْنِي لَهُ مَثَلًا فَنَحْوَ تَعِسًا لَهُ جُمْلَتانِ. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّهُ كَلامٌ واحِدٌ، ولِابْنِ هِشامٍ كَلامٌ في هَذا الجارِّ مَذْكُورٌ في بَحْثِ لامِ التَّبْيِينِ فَلْيُنْظَرْ هُناكَ.

واخْتَلَفَتِ العِباراتُ في تَفْسِيرِ ما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ بُعْدًا لَهم وابْنُ جُرَيْجٍ والسُّدِّيُّ أيْ حُزْنًا لَهُمْ، والحَسَنُ أيْ شَتْمًا لَهُمْ، وابْنُ زَيْدٍ أيْ شَقاءٌ لَهُمْ، والضَّحّاكُ أيْ رَغْمًا لَهُمْ، وحَكى النِّقّاشُ تَفْسِيرَهُ بِقُبْحًا لَهُمْ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: أيْ عُثُورًا وانْحِطاطًا لَهُمْ، وما ألْطَفَ ذِكْرَ ذَلِكَ في حَقِّهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ تَثْبِيتِ الأقْدامِ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يُرِيدُ في الدُّنْيا القَتْلَ وفي الآخِرَةِ التَّرَدِّيَ في النّارِ، وأكْثَرُ الأقْوالِ تَرْجِعُ إلى الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ.

وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ في إعْرابِهِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ كَوْنُهُ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ كَما تَقَدَّمَ. والثّانِي مَفْعُولًا بِهِ لِمَحْذُوفٍ أيْ فَقَضى تَعْسًا لَهُمْ، وقَدَّرَ عَلى الأوَّلِ القَوْلَ أيْ فَقالَ: تَعْسًا لَهُمْ، والَّذِي دَعاهُ لِذَلِكَ عَلى ما قِيلَ جَعْلُ ( الَّذِينَ ) مُبْتَدَأً والجُمْلَةِ المَقْرُونَةِ بِالفاءِ خَبَرًا لَهُ وهي لِإنْشاءِ الدُّعاءِ. والإنْشاءُ لا يَقَعُ خَبَرًا بِدُونِ تَأْوِيلٍ، فَإمّا أنْ يُقَدَّرَ مَعَها قَوْلٌ أوْ تُجْعَلَ خَبَرًا بِتَقْدِيرِ قَضى، وجُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ عَطْفًا عَلى ما قُدِّرَ.

وفِي الكَشْفِ المُرادُ مِن قالَ: تَعْسًا لَهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ لا أنَّ ثَمَّ دُعاءً وقَوْلًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَدَّعِي عَلى شَخْصٍ إلّا وهو مُسْتَحِقٌّ لَهُ فَإذا أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِ دَلَّ عَلى تَحَقُّقِ الهَلاكِ لا سِيَّما وظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّ الدُّعاءَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا مَجازٌ عَلى مَجازٍ أعْنِي أنَّ القَوْلَ مَجازٌ وكَذَلِكَ الدُّعاءُ بِالتَّعْسِ، ولَمْ يُجْعَلِ العَطْفُ عَلى تَعْسًا لِأنَّهُ دُعاءٌ، ( وأضَلَّ ) إخْبارٌ، ولَوْ جُعِلَ دُعاءً أيْضًا عَطْفًا عَلى تَعْسًا عَلى التَّجَوُّزِ المَذْكُورِ لَكانَ لَهُ وجْهٌ انْتَهى. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اعْتِبارَ ما اعْتَبَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَيْسَ لِأجْلِ أمْرِ العَطْفِ فَقَطْ بَلْ لِأجْلِ أمْرِ الخَبَرِيَّةِ أيْضًا، فَإنْ قِيلَ بِصِحَّةِ الأخْبارِ بِالجُمْلَةِ الإنْشائِيَّةِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ اسْتَغْنى عَمّا قالَهُ بِالكُلِّيَّةِ، ودَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِ المَوْصُولِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ.

صفحة 45

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يُفَسِّرُهُ النّاصِبُ- لِتَعْسًا- أيْ أتْعَسَ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ تَعِسَ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا تَعْسًا لِما سَمِعْتُ عَنِ القامُوسِ وقَدْ حُكِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، والفاءُ زائِدَةٌ في الكَلامِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ويَزِيدُها العَرَبُ في مِثْلِ ذَلِكَ عَلى تَوَهُّمِ الشَّرْطِ، وقِيلَ: يُقَدَّرُ الفِعْلُ مُضارِعًا مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُثَبِّتُ﴾ أيْ ويُتْعِسُ الَّذِينَ إلَخْ. والفاءُ لِلْعَطْفِ فالمُرادُ إتْعاسٌ بَعْدَ إتْعاسٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ أوْ لِأنَّ حَقَّ المُفَسِّرِ أنْ يَذْكُرَ عَقِبَ المُفَسَّرِ كالتَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ، وفِيهِ مَقالٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском