Al-AlusiAl‑Hujurat · 49:14–18

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Hujurat 49:14–18

49:14Page 517

۞ قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَٰلِكُمۡ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٤

The bedouins say, "We have believed." Say, "You have not [yet] believed; but say [instead], 'We have submitted,' for faith has not yet entered your hearts. And if you obey Allāh and His Messenger, He will not deprive you from your deeds1 of anything. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful."

﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا﴾ قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في بَنِي أسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ قَبِيلَةٌ تُجاوِرُ المَدِينَةَ أظْهَرُوا الإسْلامَ وقُلُوبُهم دَغَلَةٌ إنَّما يُحِبُّونَ المَغانِمَ وعَرَضَ الدُّنْيا، ويُرْوى أنَّهم قَدِمُوا المَدِينَةَ في سَنَةٍ جَدْبَةٍ فَأظْهَرُوا الشَّهادَتَيْنِ وكانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: جِئْناكَ بِالأثْقالِ والعِيالِ ولَمْ نُقاتِلْكَ كَما قاتَلَكَ بَنُو فُلانٍ يُرِيدُونَ بِذِكْرِ ذَلِكَ الصَّدَقَةَ ويَمُنُّونَ بِهِ عَلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: هم مُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ وأسْلَمُ وأشْجَعُ وغِفارُ قالُوا: آمَنّا فاسْتَحَقَّيْنا الكَرامَةَ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ بِالأعْرابِ العُمُومَ كَما قَدْ صَرَّحَ بِهِ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، وإلْحاقُ الفِعْلِ عَلامَةَ التَّأْنِيثِ لِشُيُوعِ اعْتِبارِ التَّأْنِيثِ في الجُمُوعِ حَتّى قِيلَ:

لا تُبالِي بِجَمْعِهِمْ كُلُّ جَمْعٍ مُؤَنَّثُ

والنُّكْتَةُ في اعْتِبارِهِ هاهُنا الإشارَةُ عَلى قِلَّةِ عُقُولِهِمْ عَلى عَكْسِ ما رُوعِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ نِسْوَةٌ﴾ .

﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ إكْذابٌ لَهم بِدَعْوى الإيمانِ إذْ هو تَصْدِيقٌ مَعَ الثِّقَةِ وطُمَأْنِينَةُ القَلْبِ ولَمْ يَحْصُلْ لَهم وإلّا لَما مَنَّوْا عَلى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَرْكِ المُقاتَلَةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ آخِرُ السُّورَةِ ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ فَإنَّ الإسْلامَ انْقِيادٌ ودُخُولٌ في السِّلْمِ وهو ضِدُّ الحَرْبِ وما كانَ مِن هَؤُلاءِ مُشْعِرٌ بِهِ، وكانَ الظّاهِرُ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ أوْ لا تَقُولُوا آمَنّا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا لِتَحْصُلَ المُطابَقَةُ لَكِنْ عُدِلَ عَنِ الظّاهِرِ اكْتِفاءً بِحُصُولِها مِن حَيْثُ المَعْنى مَعَ إدْماجِ فَوائِدَ زَوائِدَ، بَيانُ ذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ المَسُوقَ لَهُ الكَلامُ تَوْبِيخُ هَؤُلاءِ في مَنِّهِمْ بِإيمانِهِمْ بِأنَّهم خَلَوْا عَنْهُ أوَّلًا وبِأنَّهُمُ المُمْتَنُّونَ إنْ صَدَقُوا ثانِيًا، فالأصْلُ في الإرْشادِ إلى جَوابِهِمْ قُلْ كَذَبْتُمْ ولَكِنْ أُخْرِجَ إلى ما هو عَلَيْهِ المُنَزَّلُ لِيُفِيدَ عَدَمَ المُكافَحَةِ بِنِسْبَةِ الكَذِبِ، وفِيهِ حَمْلٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الأدَبِ في شَأْنِ الكُلِّ لِيَصِيرَ مِلْكَةً لِأتْباعِهِ وأنْ لا يَلْبَسُوا جِلْدَ النَّمِرِ لِمَن يُخاطِبُهم بِهِ وتَلْخِيصُ ما كَذَّبُوا فِيهِ.

ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ الأصْلُ قَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ التّالِيَةِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ تَعْرِيضًا بِأنَّ الكَذِبَ مُنْحَصِرٌ فِيهِمْ، وأُوثِرَ عَلى لا تَقُولُوا آمَنّا لِاسْتِهْجانِ ذَلِكَ لا سِيَّما مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَبْعُوثِ

صفحة 168

لِلدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، عَلى أنَّ إفادَةَ ( لَمْ تُؤْمِنُوا ) لِمَعْنى كَذَّبْتُمْ أظْهَرُ مِن إفادَةِ لا تَقُولُوا آمَنّا كَما لا يَخْفى، ثُمَّ قُوبِلَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا فَلا تَكْذِبُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا لِتَفُوزُوا بِالصِّدْقِ إنْ فاتَكُمُ الإيمانُ والتَّصْدِيقُ ولَوْ قِيلَ: ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ لَمْ يُؤَدِّ هَذا المَعْنى، وفِيهِ تَلْوِيحٌ بِأنَّ إسْلامَهم وهو خُلُوٌّ عَنِ التَّصْدِيقِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ ولَوْ قِيلَ ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ لَكانَ ذَلِكَ مُوهِمًا أنَّ ذَلِكَ مُعْتَدٌّ بِهِ والمَطْلُوبُ كَمالُهُ بِالإيمانِ ولا يَحْتاجُ هَذا إلى أنْ يُقالَ: القَوْلُ في المَنزِلِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الزَّعْمِ، وقِيلَ: في الآيَةِ احْتِباكٌ. والأصْلُ لَمْ تُؤْمِنُوا فَلا تَقُولُوا آمَنّا ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ فَقُولُوا أسْلَمْنا فَحُذِفَ مِن كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ ما أُثْبِتَ في الأُخْرى والأوَّلُ أبْلَغُ وألْطَفُ ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( قُولُوا ) كَأنَّهُ قِيلَ: قُولُوا أسْلَمْنا ما دُمْتُمْ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَوَقُّعِ دُخُولِ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ بَعْدُ فَلَيْسَ هَذا النَّفْيُ مُكَرَّرًا مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ( لَمْ تُؤْمِنُوا ) وقِيلَ: الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ ولا تَكْرارَ أيْضًا لِأنَّ لَمّا تُفِيدُ النَّفْيَ الماضِيَ المُسْتَمِرَّ إلى زَمَنِ الحالِ بِالإجْماعِ وتُفِيدُ أنَّ مُنْفِيَها مُتَوَقَّعٌ خِلافًا لِأبِي حَيّانَ ولَمْ- لا تُفِيدُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ بِلا خِلافٍ فَلا حاجَةَ في دَفْعِ التَّكْرارِ إلى القَوْلِ بِالحالِيَّةِ وجَعْلِ الجُمْلَةِ تَوْقِيتًا لِلْقَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ بِالإخْلاصِ وتَرْكِ النِّفاقِ ﴿لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكُمْ﴾ لا يَنْقُصْكم ﴿شَيْئًا﴾ مِن أُجُورِها أوْ شَيْئًا مِنَ النَّقْصِ يُقالُ لاتَهُ يَلِيتُهُ لَيْتًا إذا نَقَصَهُ، ومِنهُ ما حَكى الأصْمَعِيُّ عَنْ أُمِّ هِشامٍ السَّلُولِيَّةِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لا يُفاتُ ولا يُلاتُ ولا تَصُمُّهُ الأصْواتُ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وأبُو عَمْرٍو (لا يَأْلِتْكُمْ) مِن ألَتَ يَأْلُتُ بِضَمِّ اللّامِ وكَسْرِها ألَتًا وهي لُغَةُ أسَدٍ وغَطَفانَ، قالَ الحُطَيْئَةُ:

أبْلِغْ سَراةَ بَنِي سَعْدٍ مُغَلْغَلَةً ∗∗∗ جَهْدَ الرِّسالَةِ لا ألَتًا ولا كَذِبا

والأُولى لُغَةُ الحِجازِ والفِعْلُ عَلَيْها أجْوَفُ وعَلى الثّانِيَةِ مَهْمُوزُ الفاءِ، وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ ألاتَ يَلِيتُ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِما فَرَّطَ مِنَ المُطِيعِينَ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِالتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ

49:15Page 517

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ١٥

The believers are only the ones who have believed in Allāh and His Messenger and then doubt not but strive with their properties and their lives in the cause of Allāh. It is those who are the truthful.

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ لَمْ يَشُكُّوا مِنِ ارْتابَ مُطاوِعِ رابَهُ إذا أوْقَعَهُ في الشَّكِّ مَعَ التُّهْمَةِ، وجَعْلُ عَدَمِ الِارْتِيابِ مُتَراخِيًا عَنِ الإيمانِ مَعَ أنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ لِإفادَةِ نَفْيِ الشَّكِّ فِيما بَعْدُ عِنْدَ اعْتِراءِ شُبْهَةٍ كَأنَّهُ قِيلَ: آمَنُوا ثُمَّ لَمْ يَعْتَرِهِمْ ما يَعْتَرِي الضُّعَفاءَ بَعْدَ حِينٍ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُرْتابِينَ أوَّلًا بَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كَما لَمْ يَرْتابُوا أوَّلًا لَمْ يَحْدُثْ لَهُمُ ارْتِيابٌ ثانِيًا، والحاصِلُ آمَنُوا ثُمَّ لَمْ يَحْدُثْ لَهم رِيبَةٌ فالتَّراخِي زَمانِيٌّ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: عَطْفُ عَدَمِ الِارْتِيابِ عَلى الإيمانِ مِن بابِ ( مَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ) تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ الأصْلُ في الإيمانِ فَكَأنَّهُ شَيْءٌ آخَرُ أعْلى مِنهُ كائِنٌ فِيهِ، وأُوثِرَ ثُمَّ عَلى الواوِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا الأصْلَ حَدِيثَهُ وقَدِيمَهُ سَواءٌ في القُوَّةِ والثَّباتِ فَهو أبَدًا عَلى طَراوَتِهِ لا أنَّهُ شَيْءٌ واحِدٌ مُسْتَمِرٌّ فَيَكُونُ كالشَّيْءِ الخَلِقِ بَلْ هو مُتَجَدِّدٌ طَرِيٌّ حِينًا بَعْدَ حِينٍ، ولا بَأْسَ بِأنْ يُجْعَلَ تَرْشِيحًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى العَطْفِ لَمّا جُعِلَ مُغايِرًا نُبِّهَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ تَغايُرُ ما بَيْنَ الِاسْتِمْرارِ والحُدُوثِ بَلْ تَغايُرُ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِيَدُلَّ عَلى المَعْنى المَذْكُورِ وأنَّهم في زِيادَةِ اليَقِينِ آنًا فَآنًا، أمّا عِنْدَ مَن يَقُولُ فِيهِ بِالقُوَّةِ والضَّعْفِ فَظاهِرٌ، وأمّا مَن لَمْ يَقُلْ بِهِ فَلِانْضِمامِ العِيانِ إلى البَيانِ، والفَرْقُ بَيْنَ الِاسْتِمْرارَيْنِ أنَّ الِاسْتِمْرارَ عَلى الأوَّلِ اسْتِمْرارُ المَجْمُوعِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ أيِ اسْتَمَرَّ بِذَلِكَ إيمانُهم مَعَ عَدَمِ الِارْتِيابِ، وعَلى الثّانِي الِاسْتِمْرارُ مُعْتَبَرٌ في الجُزْءِ الأخِيرِ، وهَذا الوَجْهُ أوْجَهُ، وأيًّا ما كانَ فَفي الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِأُولَئِكَ الأعْرابِ

صفحة 169

﴿وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في طاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى تَكْثِيرِ فُنُونِها مِنَ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ المَحْضَةِ والمالِيَّةِ الصِّرْفَةِ والمُشْتَمِلَةِ عَلَيْهِما مَعًا كالحَجِّ والجِهادِ، وتَقْدِيمُ الأمْوالِ عَلى الأنْفُسِ مِن بابِ التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، ويَجُوزُ بِأنْ يُقالَ: قَدَّمَ الأمْوالَ لِحِرْصِ الكَثِيرِ عَلَيْها حَتّى أنَّهم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم بِسَبَبِها مَعَ أنَّهُ أوْفَقُ نَظَرًا إلى التَّعْرِيضِ بِأُولَئِكَ حَيْثُ إنَّهم لَمْ يَكْفِهِمْ أنَّهم لَمْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ حَتّى جاؤُوا أوْ أظْهَرُوا الإسْلامَ حُبًّا لِلْمَغانِمِ وعَرَضَ الدُّنْيا ومَعْنى ( جاهَدُوا ) بَذَلُوا الجُهْدَ أوْ مَفْعُولُهُ مُقَدَّرٌ أيِ العَدُوَّ أوِ النَّفْسَ والهَوى ﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الأوْصافِ الجَمِيلَةِ ﴿هُمُ الصّادِقُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ صَدَقُوا في دَعْوى الإيمانِ لا أُولَئِكَ الأعْرابُ. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ جاؤُوا وحَلَفُوا أنَّهم مُؤْمِنُونَ صادِقُونَ فَنَزَلَ لِتَكْذِيبِهِمْ

49:16Page 517

قُلۡ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١٦

Say, "Would you acquaint Allāh with your religion while Allāh knows whatever is in the heavens and whatever is on the earth, and Allāh is Knowing of all things?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أيْ أتُخْبِرُونَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِذَلِكَ بِقَوْلِكم آمَنّا -فَتُعَلِّمُونَ- مِن عَلِمْتُ بِهِ فَلِذا تَعَدّى بِالتَّضْعِيفِ لِواحِدٍ بِنَفْسِهِ وإلى الثّانِي بِحَرْفِ الجَرِّ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعَدّى بِهِ لِتَضْمِينِ مَعْنى الإحاطَةِ أوِ الشُّعُورِ فَيُفِيدُ مُبالَغَةً مِن حَيْثُ إنَّهُ جارٍ مَجْرى المَحْسُوسِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ ( تُعَلِّمُونَ ) وفِيهِ مِن تَجْهِيلِهِمْ ما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ أيْ مُبالِغٌ في العِلْمِ بِجَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أخْفَوْهُ مِنَ الكُفْرِ عِنْدَ إظْهارِهِمُ الإيمانَ

49:17Page 517

يَمُنُّونَ عَلَيۡكَ أَنۡ أَسۡلَمُواْۖ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسۡلَٰمَكُمۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ لِلۡإِيمَٰنِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٧

They consider it a favor to you that they have accepted Islām. Say, "Do not consider your Islām a favor to me. Rather, Allāh has conferred favor upon you that He has guided you to the faith, if you should be truthful."

﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾ أيْ يَعْتَدُونَ إسْلامَهم مِنَّةً عَلَيْكَ وهي النِّعْمَةُ الَّتِي لا يَطْلُبُ مُوَلِّيها ثَوابًا مِمَّنْ أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ مِنَ المَنِّ بِمَعْنى القَطْعِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِها قَطْعُ حاجَتِهِ، وقالَ الرّاغِبُ: هي النِّعْمَةُ الثَّقِيلَةُ مِنَ المَنِّ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ وثِقَلُها عِظَمُها أوِ المَشَقَّةُ في تَحَمُّلِها، و﴿أنْ أسْلَمُوا﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِيَمُنُّونَ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الِاعْتِدادِ أوْ هو بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ فَيَكُونُ المَصْدَرُ مَنصُوبًا بِنَزْعِ الخافِضِ أوْ مَجْرُورًا بِالحَرْفِ المُقَدَّرِ أيْ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ بِإسْلامِهِمْ، ويُقالُ نَحْوُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ فَهو إمّا عَلى مَعْنى لا تَعْتَدُّوا إسْلامَكم مِنَّةً عَلَيَّ أوْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ بِإسْلامِكُمْ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ ﴿أنْ أسْلَمُوا﴾ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ يَتَفَضَّلُونَ عَلَيْكَ لِأجْلِ إسْلامِهِمْ ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلإيمانِ﴾ أيْ ما زَعَمْتُمْ في قَوْلِكم آمَنّا فَلا يُنافِي هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ أوِ الهِدايَةُ مُطْلَقُ الدَّلالَةِ فَلا يَلْزَمُ إيمانُهم ويُنافِي نَفْيَ الإيمانِ السّابِقِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (إذْ هَداكُمْ) بِإذِ التَّعْلِيلِيَّةِ، وقُرِئَ (إنْ هَداكُمْ) بِإنِ الشَّرْطِيَّةِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في ادِّعاءِ الإيمانِ فَهو مُتَعَلِّقُ الصِّدْقِ لا الهِدايَةُ فَلا تَغْفَلْ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ أيْ فَلِلَّهِ المِنَّةُ عَلَيْكُمْ، ولا يَخْفى ما في سِياقِ الآيَةِ مِنَ اللُّطْفِ والرَّشاقَةِ، وذَلِكَ أنَّ الكائِنَ مِن أُولَئِكَ الأعْرابِ قَدْ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى إسْلامًا إظْهارًا لِكَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: آمَنّا أيْ أحْدَثَنا الإيمانَ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ ونَفى سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ كَما زَعَمُوا إيمانًا فَلَمّا مَنَّوْا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما كانَ مِنهم قالَ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يَعْتَدُونَ عَلَيْكَ بِما لَيْسَ جَدِيرًا بِالِاعْتِدادِ بِهِ مِن حَدِيثِهِمُ الَّذِي حَقَّ تَسْمِيَتُهُ أنْ يُقالَ لَهُ إسْلامٌ فَقُلْ لَهُمْ: لا تَعْتَدُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم أيْ حَدِيثَكُمُ المُسَمّى إسْلامًا عِنْدِي لا إيمانًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: بَلِ اللَّهُ يَعْتَدُّ عَلَيْكم أنْ أمَدَّكم بِتَوْفِيقِهِ حَيْثُ هَداكم لِلْإيمانِ عَلى ما زَعَمْتُمْ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إسْلامَكُمْ﴾ بِالإضافَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ

صفحة 170

وأنَّهُ شَيْءٌ يَلِيقُ بِأمْثالِهِمْ فَأنّى يَخْلُقُ بِالمِنَّةِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالإيمانِ الإيمانُ المُعْتَدُّ بِهِ لَمْ يُضِفْهُ عَزَّ وجَلَّ، ونَبَّهَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ عَلى أنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ مِنهُمْ، واللُّطْفُ في تَقْدِيمِ التَّكْذِيبِ

49:18Page 517

إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨

Indeed, Allāh knows the unseen [aspects] of the heavens and the earth. And Allāh is Seeing of what you do.

ثُمَّ الجَوابِ عَنِ المَنِّ مَعَ رِعايَةِ النُّكَتِ في كُلٍّ مِن ذَلِكَ، وتَمامُ الحُسْنِ في التَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ ما غابَ فِيهِما ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ في سِرِّكم وعَلانِيَتِكم فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ما في ضَمائِرِكُمْ، وذَلِكَ لِيَدُلَّ عَلى كَذِبِهِمْ وعَلى إطْلاعِهِ عَزَّ وجَلَّ خَواصَّ عِبادِهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأتْباعِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبانُ، عَنْ عاصِمٍ (يَعْمَلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

* * *

ومِن بابِ الإشارَةِ في بَعْضِ الآيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ إلَخْ إشارَةٌ إلى لُزُومِ العَمَلِ بِالشَّرْعِ ورِعايَةِ الأدَبِ وتَرْكِ مُقْتَضَياتِ الطَّبْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ يُشِيرُ إلى أنَّهُ إنْ سَوَّلَتِ النَّفْسُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ وجاءَتْ بِنَبَإ شَهْوَةٍ مِن شَهَواتِ الدُّنْيا يَنْبَغِي التَّثَبُّتُ لِلْوُقُوفِ عَلى رِبْحِها وخُسْرانِها ﴿أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا﴾ مِنَ القُلُوبِ وصِفاتِها ﴿بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا﴾ صَباحَ يَوْمِ القِيامَةِ ﴿عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ فَإنَّ ما فِيهِ شِفاءُ النُّفُوسِ وحَياتَها فِيهِ مَرَضُ القُلُوبِ ومَماتُها ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ﴾ إلَخْ يُشِيرُ إلى رَسُولِ الإلْهامِ الرَّبّانِيِّ في الأنْفُسِ بِلَهم فُجُورَها وتَقْواها، ويُشِيرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ إلى أنَّ النَّفْسَ إذا ظَلَمَتِ القَلْبَ بِاسْتِيلاءِ شَهَواتِها يَجِبُ أنْ تُقاتَلَ حَتّى تُثْخِنَ بِالجِراحَةِ بِسُيُوفِ المُجاهَدَةِ فَإنِ اسْتَجابَتِ بِالطّاعَةِ عُفِيَّ عَنْها لِأنَّها هي المَطِيَّةُ إلى بابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى رِعايَةِ حَقِّ الأُخُوَّةِ الدِّينِيَّةِ، ومَنشَأُ نُطُفِها صُلْبُ النُّبُوَّةِ وحَقِيقَتُها نُورُ اللَّهِ تَعالى فَإصْلاحُ ذاتِ بَيْنَهم بِرَفْعِ حُجُبِ أسْتارِ البَشَرِيَّةِ عَنْ وُجُوهِ القُلُوبِ لِيَتَّصِلَ النُّورُ بِالنُّورِ مِن رَوْزَنَةِ القَلْبِ فَيَصِيرُوا كَنَفْسِ واحِدَةٍ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٌ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهُمْ﴾ يُشِيرُ إلى تَرْكِ الإعْجابِ بِالنَّفْسِ والنَّظَرِ إلى أحَدٍ بِعَيْنِ الِاحْتِقارِ فَإنَّ الظّاهِرَ لا يَعْبَأُ بِهِ والباطِنَ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ فَرُبَّ أشْعَثَ أغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَوْ أقْسَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى لَأبَرَّهُ ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا﴾ إلى آخِرِهِ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي تَرْكُ رُؤْيَةِ الأعْمالِ والعِلْمُ بِأنَّ المِنَّةَ في الهِدايَةِ لِلَّهِ المَلِكِ المُتَعالِ، وفِيهِ إرْشادٌ إلى كَيْفِيَّةِ مُخاطَبَةِ الجاهِلِينَ والرَّدِّ عَلى المَحْجُوبِينَ كَما سَلَفَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، هَذا ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى التَّوْفِيقَ لِما يَرْضاهُ يَوْمَ العَرْضِ عَلَيْهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском