Al-AlusiAl‑Ma'idah · 5:102–105

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:102–105

5:102Page 124

قَدۡ سَأَلَهَا قَوۡمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡ ثُمَّ أَصۡبَحُواْ بِهَا كَٰفِرِينَ ١٠٢

A people asked such [questions] before you; then they became thereby disbelievers.1

﴿قَدْ سَألَها﴾ أيِ المَسْألَةُ فالضَّمِيرُ في مَوْقِعِ المَصْدَرِ لا المَفْعُولِ بِهِ، والمُرادُ سَألَ مِثْلَها في كَوْنِها مَحْظُورَةً ومُسْتَتْبِعَةً لِلْوَبالِ ﴿قَوْمٌ﴾ وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِالمِثْلِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْأشْياءِ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ أيْضًا فالضَّمِيرُ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ بِهِ وذَلِكَ مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ والمُرادُ سَألَ عَنْها وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى جَعْلِهِ مِن ذَلِكَ البابِ لِأنَّ السُّؤالَ هُنا اسْتِعْطاءٌ وهو يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَقَوْلِكَ: سَألْتُهُ دِرْهَمًا بِمَعْنى طَلَبْتُهُ مِنهُ لا اسْتِخْبارٌ كَما في صَدْرِ الآيَةِ. واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ القَوْمِ فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ هم قَوْمُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ و السَّلامُ سَألُوهُ إنْزالَ المائِدَةِ ثُمَّ كَفَرُوا بِها، وقِيلَ: هم قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألُوهُ النّاقَةَ ثُمَّ عَقَرُوها وكَفَرُوا بِها، وقِيلَ: هم قَوْمُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سالُّوهُ أنْ يُرِيَهُمُ اللَّهُ تَعالى جَهْرَةً أوْ سَألُوهُ بَيانَ البَقَرَةِ

وعَنْ مُقاتِلٍ هم بَنُو إسْرائِيلَ مُطْلَقًا كانُوا يَسْألُونَ أنْبِياءَهم عَنْ أشْياءَ فَإذا أخْبَرُوهم كَذَّبُوهم. وعَنِ السُّدِّيِّ هم قُرَيْشٌ سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ أنْ يُحَوِّلَ الصَّفا ذَهَبًا، وقالَ الجَبائِيُّ: كانُوا يَسْألُونَهُ ﷺ عَنْ أنْسابِهِمْ فَإذا أخْبَرَهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُصَدِّقُوا ويَقُولُوا: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ الغَثُّ والسَّمِينُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ وأنَّ بَعْضَها يُؤَيِّدُ حَمْلَ السُّؤالِ عَلى الِاسْتِعْصاءِ وبَعْضَها يُؤَيِّدُ حَمْلَهُ عَلى الِاسْتِخْبارِ، والحَمْلُ عَلى الِاسْتِخْبارِ أوْلى وإلى تَعَيُّنِهِ ذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِسَألَها، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِقَوْمٍ واعْتُرِضَ

صفحة 42

بِأنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ صِفَةَ الجُثَّةِ ولا حالًا مِنها ولا خَبَرًا عَنْها، وأُجِيبَ بِأنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ هَذا مَشْرُوطٌ بِما إذا عُدِمَتِ الفائِدَةُ أمّا إذا حَصَلَتْ فَيَجُوزُ كَما أشْبَهَتِ الجُثَّةُ المَعْنى في تَجَدُّدِها ووُجُودِها وقْتًا دُونَ وقْتٍ نَحْوَ ”اللَّيْلَةَ الهِلالُ“ بِخِلافِ ”زَيْدٌ يَوْمَ السَّبْتِ“ وما نَحْنُ فِيهِ مِمّا فِيهِ فائِدَةٌ لِأنَّ القَوْمَ لا يُعْلَمُ هَلْ هم مِمَّنْ مَضى أمْ لا

وقالَ أبُو حَيّانَ وهو تَحْقِيقٌ بَدِيعٌ غَفَلُوا عَنْهُ: هَذا المَنعُ إنَّما هو في الزَّمانِ المُجَرَّدِ عَنِ الوَصْفِ أمّا إذا تَضَمَّنَ وصْفًا فَيَجُوزُ كَقَبْلُ وبَعْدُ فَإنَّهُما وصْفانِ في الأصْلِ فَإذا قُلْتُ جاءَ زَيْدٌ قَبْلَ عَمْرٍو فالمَعْنى جاءَ في زَمانٍ قَبْلَ زَمانِ مَجِيئِهِ أيْ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ ولِذا وقَعَ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ ولَوْ لَمْ يُلْحَظْ فِيهِ الوَصْفُ وكانَ ظَرْفَ زَمانٍ مُجَرَّدٍ لَمْ يَجُزْ أنْ يَقَعَ صِلَةً ولا صِفَةً قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ولا يَجُوزُ والَّذِينَ اليَوْمَ وما نَحْنُ فِيهِ مِنَ المُتَضَمِّنِ لا المُجَرَّدِ وهو ظاهِرٌ، وما قِيلَ مِن أنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُتَنازَعِ فِيهِ في شَيْءٍ لِأنَّ الواقِعَ صِفَةٌ هو الجارُّ والمَجْرُورُ لا الظَّرْفُ نَفْسُهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ دُخُولَ الجارِّ عَلَيْهِ إذا كانَ مِن أوْ في لا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ في الحَقِيقَةِ هو الصِّفَةُ أوْ نَحْوُها فَلْيُفْهَمْ ﴿ثُمَّ أصْبَحُوا بِها﴾ أيْ بِسَبَبِها وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿كافِرِينَ﴾

201

- قُدِّمَ عَلَيْهِ رِعايَةَ لِلْفَواصِلِ

وقَرَأ أُبَيٌّ قَدْ سَألَها قَوْمٌ بُيِّنَتْ لَهم فَأصْبَحُوا بِها كافِرِينَ.

5:103Page 124

مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٖ وَلَا سَآئِبَةٖ وَلَا وَصِيلَةٖ وَلَا حَامٖ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَأَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٠٣

Allāh has not appointed [such innovations as] baḥīrah or sā’ibah or waṣīlah or ḥām.1 But those who disbelieve invent falsehood about Allāh, and most of them do not reason.

﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ هي فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مُفَعْوِلَةٍ مِنَ البَحْرِ وهو الشَّقُّ والتّاءُ لِلنَّقْلِ إلى الاسْمِيَّةِ أوْ لِحَذْفِ المَوْصُوفِ، قالَ الزَّجّاجُ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا نَتَجَتِ النّاقَةُ خَمْسَةَ أبْطُنٍ آخِرُها ذَكَرٌ بَحَرُوا أُذُنَها وشَقُّوها وامْتَنَعُوا عَنْ نَحْرِها ورُكُوبِها ولا تُطْرَدُ مِن ماءٍ ولا تُمْنَعُ عَنْ مَرْعى وهي البَحِيرَةُ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّها إذا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ نُظِرَ في الخامِسِ فَإنْ كانَ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ وأكَلُوهُ وإنْ كانَ أُنْثى شَقُّوا أُذُنَها وتَرَكُوها تَرْعى ولا يَسْتَعْمِلُها أحَدٌ في حَلْبٍ ورَكُوبٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: البَحِيرَةُ هي الأُنْثى الَّتِي تَكُونُ خامِسَ بَطْنٍ وكانُوا يُحِلُّونَ لَحْمَها ولَبَنَها لِلنِّساءِ فَإنْ ماتَتِ اشْتَرَكَ الرِّجالُ والنِّساءُ في أكْلِها، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ ومُجاهِدٍ أنَّها بَنْتُ السّائِبَةِ وسَتَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا وكانَتْ تُهْمَلُ أيْضًا

وقِيلَ: هي الَّتِي ولَدَتْ خَمْسًا أوْ سَبْعًا وقِيلَ: عَشَرَةُ أبْطُنٍ وتُتْرَكُ هَمَلًا وإذا ماتَتْ حَلَّ لَحْمُها لِلرِّجالِ خاصَّةً

وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ أنَّها الَّتِي مُنِعَ لِبَنُها لِلطَّواغِيتِ فَلا تُحْلَبُ، وقِيلَ: هي الَّتِي ولَدَتْ خَمْسَ إناثٍ فَشَقُّوا أُذُنَها وتَرَكُوها هَمَلًا، وجَعَلَها في القامُوسِ عَلى هَذا القَوْلِ مِنَ الشّاءِ خاصَّةً، وكَما تُسَمّى بِالبَحِيرَةِ تُسَمّى بِالغَزِيرَةِ أيْضًا

وقِيلَ: هي السَّقْبُ الَّذِي إذا وُلِدَ شَقُّوا أُذُنَهُ وقالُوا: اللَّهُمَّ إنْ عاشَ فَعَيِي وإنْ ماتَ فَذُكِّيَ فَإذا ماتَ أكَلُوهُ، وقِيلَ: هي الَّتِي تُتْرَكُ في المَرْعى بِلا راعٍ ﴿ولا سائِبَةٍ﴾ هي فاعِلَةٌ مِن سَيَّبْتُهُ أيْ تَرَكْتُهُ وأهْمَلْتُهُ فَهو سائِبٌ وهي سائِبَةٌ أوْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ. واخْتُلِفَ فِيها فَقِيلَ: هي النّاقَةُ تُبْطِنُ عَشْرَةَ أبْطُنِ إناثٍ فَتُهْمَلُ ولا تُرْكَبُ ولا يُجَزُّ وبَرُها ولا يَشْرَبُ لَبَنَها إلّا ضَيْفٌ ونُسِبَ إلى مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، وقِيلَ: هي الَّتِي تُسَيَّبُ لِلْأصْنامِ فَتُعْطى لِلسَّدَنَةِ ولا يَطْعَمُ مِن لَبَنِها إلّا أبْناءُ السَّبِيلِ ونَحْوُهُمْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وقِيلَ: هي البَعِيرُ يُدْرِكُ نِتاجَ نِتاجِهِ فَيُتْرَكُ ولا يِرْكَبُ، وقِيلَ: كانَ الرَّجُلُ إذا قَدِمَ مِن سَفَرٍ بَعِيدٍ أوْ نَجَتْ دابَّتُهُ مِن مَشَقَّةٍ أوْ حَرْبٍ قالَ: هي سائِبَةٌ أوْ كانَ يَنْزِعُ مِن ظَهْرِها فَقّارَةً أوْ عَظْمًا وكانَتْ لا تُمْنَعُ عَنْ ماءٍ ولا كَلَإٍ ولا تُرْكَبُ، وقِيلَ: هي ما تُرِكَ لِيُحَجَّ عَلَيْهِ، وقِيلَ: هي العَبْدُ يُعْتَقُ عَلى أنْ لا يَكُونَ عَلَيْهِ ولاءٌ ولا عَقْلٌ ولا مِيراثٌ ﴿ولا وصِيلَةٍ﴾ هي فَعِيلَةٌ بِمَعْنى فاعِلَةٍ؛ وقِيلَ: مَفْعُولَةٌ

صفحة 43

والأوَّلُ أظْهَرُ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ بَيانُ المُرادِ بِها. واخْتُلِفَ فِيهِ فَقالَ الفَرّاءُ: هي الشّاةُ تُنْتِجُ سَبْعَةَ أبْطُنٍ عَناقَيْنِ عَناقَيْنِ وإذا ولَدَتْ في آخِرِها عَناقًا وجَدْيًا قِيلَ: وصَلَتْ أخاها فَلا يَشْرَبُ لَبَنَ الأُمِّ إلّا الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ وتَجْرِي مَجْرى السّائِبَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هي الشّاةُ إذا ولَدَتْ ذَكَرًا كانَ لِآلِهَتِهِمْ وإذا ولَدَتْ أُنْثى كانَتْ لَهم وإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا: وصَلَتْ أخاها فَلَمْ يَذْبَحُوا الذَّكَرَ لِآلِهَتِهِمْ، وقِيلَ: هي الشّاةُ تَلِدُ ذَكَرًا ثُمَّ أُنْثى فَتَصِلُ أخاها فَلا يَذْبَحُونَ أخاها مِن أجْلِها وإذا ولَدَتْ ذَكَرًا قالُوا: هَذا قُرْبانٌ لِآلِهَتِنا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما هي الشّاةُ تُنْتِجُ سَبْعَةَ أبْطُنٍ فَإنْ كانَ السّابِعُ أُنْثى لَمْ يَنْتَفِعِ النِّساءُ مِنها بِشَيْءٍ إلّا أنْ تَمُوتَ فَتَأْكُلُها الرِّجالُ والنِّساءُ وكَذا إنْ كانَ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا وصَلَتْ أخاها فَتُتْرَكُ مَعَهُ ولا يَنْتَفِعُ بِها إلّا الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ فَإنْ ماتَتِ اشْتَرَكُوا فِيها. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنْ كانَ السّابِعُ ذَكَرًا ذُبِحَ وأكَلُوا مِنهُ دُونَ النِّساءِ وقالُوا: خالِصَةٌ لِذُكُورِنا مُحَرَّمَةٌ عَلى أزْواجِنا وإنْ كانَتْ أُنْثى تُرِكَتْ في الغَنَمِ، وإنْ كانَ ذَكَرًا وأُنْثى فَكَقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: وهي الشّاةُ تُنْتِجُ عَشْرَةَ إناثٍ مُتَوالِياتٍ في خَمْسَةِ أبْطُنٍ فَما ولَدَتْ بَعْدَهُ لِلذُّكُورِ دُونَ الإناثِ، فَإذا ولَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثى مَعًا قالُوا وصَلَتْ أخاها فَلَمْ يَذْبَحُوهُ لِمَكانِها، وقِيلَ: هي الشّاةُ تُنْتِجُ خَمْسَةَ أبْطُنٍ أوْ ثَلاثَةً فَإنْ كانَ جَدْيًا ذَبَحُوهُ، وإنْ كانَ أُنْثى أبْقَوْها وإنْ كانَ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا: وصَلَتْ أخاها، وقالَ بَعْضُهُمُ: الوَصِيلَةُ مِنَ الإبِلِ وهي النّاقَةُ تُبَكِّرُ فَتَلِدُ أُنْثًى ثُمَّ تُثَنِّي بِوِلادَةِ أُنْثى أُخْرى لَيْسَ بَيْنَهُما ذَكَرٌ فَيَتْرُكُونَها لِآلِهَتِهِمْ ويَقُولُونَ: قَدْ وصَلَتْ أُنْثًى بِأُنْثى لَيْسَ بَيْنَهُما ذَكَرٌ، وقِيلَ: هي النّاقَةُ الَّتِي وصَلَتْ بَيْنَ عَشَرَةِ أبْطُنٍ لا ذَكَرَ بَيْنَهُما

﴿ولا حامٍ﴾ هو الفاعِلُ مِنَ الحِمى بِمَعْنى المَنعِ. واخْتُلِفَ فِيهِ أيْضًا فَقالَ الفَرّاءُ: هو الفَحْلُ إذْ لَقَّحَ ولَدَ ولَدِهُ فَيَقُولُونَ: قَدْ حَمى ظَهْرَهُ فَيُهْمَلُ ولا يُطْرَدُ عَنْ ماءٍ ولا مَرْعى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وابْنِ مَسْعُودٍ وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ والزَّجّاجِ أنَّهُ الفَحْلُ يُوَلَّدُ مِن ظَهْرِهِ عَشْرَةُ أبْطُنٍ فَيَقُولُونَ: حَمى ظَهْرَهُ فَلا يُحْمَلُ عَلَيْهِ ولا يُمْنَعُ مِن ماءٍ ومَرْعى. وعَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ الفَحْلُ يَضْرِبُ في مالِ صاحِبِهِ عَشْرَ سِنِينَ، وقِيلَ: هو الفَحْلُ يُنْتَجُ لَهُ سَبْعُ إناثٍ مُتَوالِياتٍ فَيَحْمِي ظَهْرَهُ، وجُمِعَ بَيْنَ الأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ في كُلِّ تِلْكَ الأنْواعِ بِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَخْتَلِفُ أفْعالُهم فِيها. والمُرادُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ رَدٌّ وإبْطالٌ لِما ابْتَدَعَهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ. ومَعْنى ﴿ما جَعَلَ﴾ ما شَرَعَ ولِذَلِكَ عَدى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو ﴿بَحِيرَةٍ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها و (مِن) سَيْفُ خَطِيبٍ أُتِيَ بِها لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. وأنْكَرَ بَعْضُهم مَجِيءَ (جَعَلَ) بِمَعْنى شَرَعَ عَنْ أحَدٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ وجَعَلَها هُنا لِلتَّصْيِيرِ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ ما جَعَلَ البَحِيرَةَ ولا ولا مَشْرُوعَةً ولَيْسَ كَما قالَ فَإنَّ الرّاغِبَ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ وهو ثِقَةٌ لا يَفْتَرِي عَلَيْهِمْ

﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ حَيْثُ يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ ويَقُولُونَ: اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَنا بِهَذا وإمامُهم عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ فَإنَّهُ في المَشْهُورِ أوَّلُ مَن فَعَلَ تِلْكَ الأفاعِيلَ الشَّنِيعَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِأكْثَمَ بْنِ الجَوْنِ: "يا أكْثَمُ عُرِضَتْ عَلَيَّ النّارُ فَرَأيْتُ فِيها عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ بْنِ خِنْدِفَ يَجُرُّ قَصَبَهُ في النّارِ فَما رَأيْتُ رَجُلًا أشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنكَ بِهِ ولا بِهِ مِنكَ، فَقالَ أكْثَمُ: أخْشى أنْ يَضُرَّنِي شَبَهُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا إنَّكَ مُؤْمِنٌ وهو كافِرٌ

صفحة 44

أنَّهُ أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَحَّرَ البَحِيرَةَ وسَيَّبَ السّائِبَةَ وحَمّى الحامِيَ،» وجاءَ في خَبَرٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «ووَصَّلَ الوَصِيلَةَ»

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنِّي لَأعْرِفُ أوَّلَ مَن سَيَّبَ السَّوائِبَ ونَصَبَ النُّصُبَ وأوَّلَ مَن غَيَّرَ دِينَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالُوا: مَن هو يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ أخُو بَنِي كَعْبٍ لَقَدْ رَأيْتُهُ يَجُرُّ قَصَبَهُ في النّارِ يُؤْذِي أهْلَ النّارِ رِيحُ قَصَبِهِ، وإنِّي لَأعْرِفُ أوَّلَ مَن بَحَّرَ البَحائِرَ قالَ: مَن هو يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: رَجُلٌ مِن بَنِي مُدْلِجٍ كانَتْ لَهُ ناقَتانِ فَجَدَعَ آذانَهُما وحَرَّمَ ألْبانَهُما وظُهُورَهُما وقالَ: هاتانِ لِلَّهِ ثُمَّ احْتاجَ إلَيْهِما فَشَرِبَ ألْبانَهُما ورَكِبَ ظُهُورَهُما فَلَقَدْ رَأيْتُهُ في النّارِ وهُما تَقْضِمانِهِ بِأفْواهِهِما وتَطَآنِهِ بِأخْفافِهِما»، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ هَذِهِ الأُمُورِ وهو ظاهِرٌ واسْتُنْبِطَ مِنهُ تَحْرِيمُ جَمِيعِ تَعْطِيلِ المَنافِعِ، واسْتَدَلَّ ابْنُ الماجِشُونِ بِها عَلى مَنعِ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ: أنْتَ سائِبَةٌ، وقالَ: يُعْتَقُ بِذَلِكَ

وجَعَلَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن صُوَرِ السّائِبَةِ إرْسالَ الطَّيْرِ ونَحْوِهِ، وصَرَّحَ بَعْضُ عُلَمائِنا بِأنَّهُ لا ثَوابَ في ذَلِكَ، ولَعَلَّ الجاعِلَ لا يَكْتَفِي بِهَذا القَدْرِ ويَدَّعِي الإثْمَ فِيهِ والنّاسُ عَنْ ذَلِكَ غافِلُونَ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ

301

- أنَّ ذَلِكَ افْتِراءٌ باطِلٌ فَما تَقَدَّمَ فِعْلُ الرُّؤَساءِ وهَذا شَأْنُ الأتْباعِ، وهُمُ المُرادُ بِالأكْثَرِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والشَّعْبِيِّ، وظاهِرُ سِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّهُمُ المُقَلِّدُونَ لِأسْلافِهِمُ المُفْتَرِينَ مِن مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهَذا بَيانٌ لِقُصُورِ عُقُولِهِمْ عَنِ الِاهْتِداءِ بِأنْفُسِهِمْ

5:104Page 125

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٠٤

And when it is said to them, "Come to what Allāh has revealed and to the Messenger," they say, "Sufficient for us is that upon which we found our fathers." Even though their fathers knew nothing, nor were they guided?

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ عَبَّرَ عَنْهم بِأكْثَرِهِمْ عَلى سَبِيلِ الهِدايَةِ والإرْشادِ إلى الحَقِّ: ﴿تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مِنَ الكِتابِ المُبِينِ لِلْحَلالِ والحَرامِ والإيمانِ بِهِ ﴿وإلى الرَّسُولِ﴾ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِتَقِفُوا عَلى حَقِيقَةِ الحالِ وتُمَيِّزُوا الحَرامَ مِنَ الحَلالِ، و﴿قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ في هَذا الشَّأْنِ فَلا نَلْتَفِتُ لِغَيْرِهِ، بَيانٌ لِعِنادِهِمْ واسْتِعْصائِهِمْ عَلى الهادِي إلى الحَقِّ وانْقِيادِهِمْ لِلدّاعِي إلى الضَّلالِ و(ما) مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، والوِجْدانُ المُصادَفَةُ وعَلَيْهِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العَلَمِ و(عَلَيْهِ) عَلَيْهِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾

401

- ذَهَبَ الرّاغِبُ إلى أنَّ الواوَ لِلْعَطْفِ، وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ عَلى شَرْطِيَّةٍ أُخْرى مُقَدَّرَةٍ قَبْلَها والهَمْزَةُ لِلتَّعَجُّبِ وهي داخِلَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ في الحَقِيقَةِ أيْ أيَكْفِيهِمْ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ آباؤُهم جَهَلَةً ضالِّينَ ولَوْ كانُوا كَذَلِكَ وكِلْتا الجُمْلَتَيْنِ في مَوْقِعِ الحالِ أيْ أيَكْفِيهِمْ ما وجَدُوا عَلَيْهِ آباءَهم كائِنِينَ عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ، وعَلى هَذا لا يَلْزَمُ كَوْنُ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ الإنْشائِيَّةِ حالًا لِيَحْتاجَ تَوْجِيهُ ذَلِكَ إلى نَظَرٍ دَقِيقٍ، وحُذِفَتِ الجُمْلَةُ الأُولى لِلدَّلالَةِ عَلَيْها دَلالَةً واضِحَةً وهو حَذْفٌ مُطَّرِدٌ في هَذا البابِ لِذَلِكَ كَما في قَوْلِكَ: أحْسِنْ إلى زَيْدٍ، ولَوْ أساءَ إلَيْكَ فَإنَّ الشَّيْءَ إذا تَحَقَّقَ عِنْدَ المانِعِ فَلَأنْ يَتَحَقَّقَ عِنْدَ عَدَمِهِ أوْلى

وجَوابُ لَوْ -كَما قالَ أبُو البَقاءِ- مَحْذُوفٌ لِظُهُورِ انْفِهامِهِ مِمّا سَبَقَ وقَدَّرَهُ ”يَتْبَعُونَهُمْ“. ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ حَسْبُهم ذَلِكَ أوْ يَقُولُونَ وما في لَوْ مِن مَعْنى الِامْتِناعِ والِاسْتِبْعادِ إنَّما هو بِالنَّظَرِ إلى زَعْمِهِمْ لا في نَفْسِ الأمْرِ، وفائِدَةُ ذَلِكَ المُبالَغَةُ في الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الفِعْلِ عَلى هَذِهِ الحالِ؛ والمُرادُ نَفْيُ

صفحة 45

صِحَّةِ الِاقْتِداءِ بِالجاهِلِ الضّالِّ، والحالُ ما يُفْهَمُ مِنَ الجُمْلَةِ أيْ كائِنِينَ عَلى هَذا الحالِ المَفْرُوضِ فَما قِيلَ: إنَّهم جَعَلُوا الواوَ لِلْحالِ ولَيْسَ ما دَخَلَتْهُ الواوُ حالًا مِن جِهَةِ المَعْنى بَلْ ما دَخَلَتْهُ لَوْ أيْ ولَوْ كانَ الحالُ أنَّ آباءَهم لا يَعْلَمُونَ فَيَفْعَلُونَ ما يَقْتَضِيهِ عِلْمُهم ولا يَهْتَدُونَ بِمَن لَهُ عِلْمٌ ناشِئٌ مِن قِلَّةِ التَّأمُّلِ وذَلِكَ غَرِيبٌ مِن حالِ ذَلِكَ القائِلِ وأغْرَبُ مِن ذَلِكَ ما قِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّهم هَلْ يَكْفِيهِمْ ما عَلَيْهِ آباؤُهم ولَوْ كانَ آباؤُهم جَهَلَةً ضالِّينَ أيْ هَلْ يَكْفِيهِمُ الجَهْلُ والضَّلالُ اللَّذانِ كانَ عَلَيْهِما آباؤُهُمْ؟ ويُوشِكُ أنْ يَكُونَ هَذا مِنَ الجَهْلِ والضَّلالِ فِيما يَلِيقُ بِالتَّنْزِيلِ

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الِاقْتِداءَ إنَّما يَصِحُّ بِمَن عُلِمَ أنَّهُ عالِمٌ مُهْتَدٍ وذَلِكَ لا يُعْرَفُ إلّا بِالحُجَّةِ فَلا يَكْفِي التَّقْلِيدُ مِن غَيْرِ أنْ يَعْلَمَ أنَّ لِمَن قَلَّدَهُ حُجَّةً صَحِيحَةً عَلى ما قَلَّدَهُ فِيهِ حَتّى قالُوا: إنَّ لِلْمُقَلِّدِ دَلِيلًا إجَمالِيًّا وهو دَلِيلُ مَن قَلَّدَهُ فَتَدَبَّرْ

5:105Page 125

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٠٥

O you who have believed, upon you is [responsibility for] yourselves. Those who have gone astray will not harm you when you have been guided. To Allāh is your return all together; then He will inform you of what you used to do.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ أيِ الزَمُوا أنْفُسَكم واحْفَظُوها مِن مُلابَسَةِ المَعاصِي والإصْرارِ عَلى الذُّنُوبِ، فَـ (عَلَيْكُمُ) اسْمُ فِعْلِ أمْرٍ نُقِلَ إلى ذَلِكَ مَجْمُوعُ الجارِّ والمَجْرُورِ لا الجارُّ وحْدَهُ كَما قِيلَ. وهو مُتَعَدٍّ إلى المَفْعُولِ بِهِ بَعْدَهُ وقَدْ يَكُونُ لازِمًا والمُرادُ بِهِ الأمْرُ بِالتَّمَسُّكِ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: «عَلَيْكَ بِذاتِ الدِّينِ» وذَكَرَ أبُو البَقاءِ بِأنَّ الكافَ والمِيمَ في مَوْضِعِ جَرٍّ لِأنَّ اسْمَ الفِعْلِ هو المَجْمُوعُ وعَلى وحْدَها لَمْ تُسْتَعْمَلِ اسْمًا لِلْفِعْلِ بِخِلافِ رُوَيْدَكم فَإنَّ الكافَ والمِيمَ هُناكَ لِلْخِطابِ فَقَطْ ولا مَوْضِعَ لَها لِأنَّ رُوَيْدًا قَدِ اسْتُعْمِلَ اسْمًا لِأمْرِ المُواجِهِ مِن غَيْرِ كافِ الخِطابِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ سِيبَوَيْهِ وهو الصَّحِيحُ ونَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ اسْتِعْمالَ عَلى مَعَ الضَّمِيرِ اسْمُ فِعْلٍ خاصٍّ فِيما إذا كانَ الضَّمِيرُ لِلْخِطابِ فَلَوْ قُلْتَ عَلَيْهِ زَيْدًا لَمْ يَجُزْ وفِيهِ خِلافٌ

وقَرَأ نافِعٌ في الشَّواذِّ (أنْفُسُكُمْ) بِالرَّفْعِ والكَلامُ حِينَئِذٍ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيْ لازِمَةٌ عَلَيْكم أنْفُسُكم أوْ حِفْظُ أنْفُسِكم لازَمٌ عَلَيْكم بِتَقْدِيرِ مُضافٍ في المُبْتَدَإ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ يَحْتَمِلُ الرَّفْعَ عَلى أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ ويَنْصُرُهُ قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ (لا يُضِيرُكُمْ)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا جَوابًا لِلْأمْرِ، والمَعْنى إنْ لَزِمْتُمْ أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم. وإنَّما ضُمَّتِ الرّاءُ اتِّباعًا لِضَمَّةِ الضّادِ المَنقُولَةِ إلَيْها مِنَ الرّاءِ المُدْغَمَةِ والأصْلُ لا يَضْرُرُكُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا مُؤَكِّدًا لِلْأمْرِ السّابِقِ والكَلامُ عَلى حَدِّ ”لا أُرِيَنَّكَ هَهُناهُ“ ويَنْصُرُ احْتِمالَ الجَزْمِ قِراءَةُ مَن قَرَأ (يَضُرَّكُمْ) بِالفَتْحِ ولا يَضِرُّكم بِكَسْرِ الضّادِ وضَمِّها مِن ضارَهُ يَضِيرُهُ ويَضُورُهُ بِمَعْنى ضَرَّهُ كَذَمَّهُ وذامَهُ، وتُوُهِّمَ مِن ظاهِرِ الآيَةِ الرُّخْصَةُ في تَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ الأوَّلُ أنَّ الِاهْتِداءَ لا يَتِمُّ إلّا بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَإنَّ تَرْكَ ذَلِكَ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ ضَلالٌ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أبِي حازِمٍ قالَ: «صَعِدَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِنبَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ إنَّكم لَتَتْلُونَ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعُدُّونَها رُخْصَةً واللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ أشَدَّ مِنها ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةَ، واللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ أوْ لَيَعُمَّنَّكُمُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ بِعِقابٍ، وفي رِوايَةٍ: يا أيُّها النّاسُ إنَّكم تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ وإنَّكم تَضَعُونَها عَلى غَيْرِ مَوْضِعِها وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”إنَّ النّاسَ إذا رَأوُا المُنْكَرَ ولَمْ يُغَيِّرُوهُ أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعِقابٍ“»

وفِي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: «خَطَبَ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ النّاسَ فَكانَ في خُطْبَتِهِ قالَ

صفحة 46

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”يا أيُّها النّاسُ لا تَتَّكِلُوا عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ إلَخْ إنَّ الدّاعِرَ لِيَكُونُ في الحَيِّ فَلا يَمْنَعُونَهُ فَيَعُمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعِقابٍ“». ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الِاهْتِداءَ هُنا بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ حُذَيْفَةَ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، والثّانِي أنَّ الآيَةَ تَسْلِيَةٌ لِمَن يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ ولا يُقْبَلُ مِنهُ عِنْدَ غَلَبَةِ الفِسْقِ وبَعْدَ عَهْدِ الوَحْيِ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأبُو الشَّيْخِ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم عَنِ الحَسَنِ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَألَهُ رَجُلٌ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: أيُّها النّاسُ إنَّهُ لَيْسَ بِزَمانِها ولَكِنَّهُ قَدْ أوْشَكَ أنْ يَأْتِيَ زَمانٌ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ فَيُصْنَعُ بِكم كَذا وكَذا أوْ قالَ: فَلا يُقْبَلُ مِنكم فَحِينَئِذٍ عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قِيلَ لَهُ: لَوْ جَلَسْتَ في هَذِهِ الأيّامِ فَلَمْ تَأْمُرْ ولَمْ تَنْهَ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: عَلَيْكم أنْفُسَكم فَقالَ: إنَّها لَيْسَتْ لِي ولا لِأصْحابِي لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”ألا فَلْيُبْلِغِ الشّاهِدُ الغائِبَ فَكُنّا نَحْنُ الشُّهُودُ وأنْتُمُ الغَيْبُ ولَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ لِأقْوامٍ يَجِيئُونَ مِن بَعْدِنا إنْ قالُوا لَمْ يُقْبَلْ مِنهُمْ“،» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: "يا مُعاذُ مُرُوا بِالمَعْرُوفِ وتَناهَوْا عَنِ المُنْكَرِ فَإذا رَأيْتُمْ شُحًّا مُطاعًا وهَوًى مُتَّبَعًا وإعْجابَ كُلِّ امْرِئٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم ضَلالَةُ غَيْرِكم فَإنَّ مِن ورائِكم أيّامَ صَبْرٍ المُتَمَسِّكُ فِيها بِدِينِهِ مِثْلُ القابِضِ عَلى الجَمْرِ فَلِلْعامِلِ مِنهم يَوْمَئِذٍ مِثْلُ عَمَلِ أحَدِكُمُ اليَوْمَ كَأجْرِ خَمْسِينَ مِنكم قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ خَمْسِينَ مِنهم قالَ: بَلْ خَمْسِينَ مِنكم أنْتُمْ»

والثّالِثُ أنَّها لِلْمَنعِ عَنْ هَلاكِ النَّفْسِ حَسْرَةً وأسَفًا عَلى ما فِيهِ الكَفَرَةُ والفَسَقَةُ مِنَ الضَّلالِ فَقَدْ كانَ المُؤْمِنُونَ يَتَحَسَّرُونَ عَلى الكَفَرَةِ ويَتَمَنَّوْنَ إيمانَهم فَنَزَلَتْ

والرّابِعُ أنَّها لِلرُّخْصَةِ في تَرْكِ الأمْرِ والنَّهْيِ إذا كانَ فِيهِما مَفْسَدَةٌ والخامِسُ أنَّها لِلْأمْرِ بِالثَّباتِ عَلى الإيمانِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ بِنِسْبَةِ الآباءِ إلى السَّفَهِ فَقَدْ قِيلَ: كانَ الرَّجُلُ إذا أسْلَمَ قالُوا لَهُ سَفَّهْتَ أباكَ فَنَزَلَتْ وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا الزَمُوا أهْلَ دِينِكم واحْفَظُوهم وانْصُرُوهم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ مِنَ الكُفّارِ إذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، والتَّعْبِيرُ عَنْ أهْلِ الدِّينِ بِالأنْفُسِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: (لا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ) ونَحْوُهُ والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ بِالِاهْتِداءِ لِلتَّرْغِيبِ فِيهِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ ﴿إلى اللَّهِ﴾ لا إلى أحَدٍ سِواهُ ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ رُجُوعُكم يَوْمَ القِيامَةِ ﴿جَمِيعًا﴾ بِحَيْثُ لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ أحَدٌ مِنَ المُهْتَدِينَ وغَيْرِهِمْ ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ بِالثَّوابِ والعِقابِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

501

- في الدُّنْيا مِن أعْمالِ الهِدايَةِ والضَّلالِ فالكَلامُ وعْدٌ ووَعِيدٌ لِلْفَرِيقَيْنِ وفِيهِ كَما قِيلَ دَلِيلٌ عَلى أنْ أحَدًا لا يُؤاخَذُ بِعَمَلِ غَيْرِهِ، وكَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُثابُ بِذَلِكَ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُ ذَلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском