Al-AlusiAl‑Ma'idah · 5:117–119

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:117–119

5:117Page 127

مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١١٧

I said not to them except what You commanded me - to worship Allāh, my Lord and your Lord. And I was a witness over them as long as I was among them; but when You took me up, You were the Observer over them, and You are, over all things, Witness.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما صَدَرَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أُدْرِجَ فِيهِ عَدَمُ صُدُورِ القَوْلِ المَذْكُورِ عَنْهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ حَيْثُ حَكَمَ بِانْتِفاءِ صُدُورِ جَمِيعِ الأقْوالِ

صفحة 68

المُغايِرَةِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ فَدَخَلَ فِيهِ انْتِفاءُ صُدُورِ القَوْلِ مَذْكُورًا دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمُرادُ عِنْدَ البَعْضِ ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي بِهِ إلّا أنَّهُ قِيلَ: ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ﴾ نُزُولًا عَلى قَضِيَّةِ حُسْنِ الأدَبِ لِئَلّا يَجْعَلَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ ونَفْسَهُ مَعًا آمِرِينَ ومُراعاةً لِما ورَدَ في الِاسْتِفْهامِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِإقْحامِ (أنِ) المُفَسِّرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾

ولا يَرُدُّ أنَّ الأمْرَ لا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ إلى المَأْمُورِ بِهِ إلّا قَلِيلًا كَقَوْلِهِ:

أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ

فَكَذا ما أُوِّلَ بِهِ لِأنَّهُ -كَما قالَ ابْنُ هِشامٍ - لا يَلْزَمُ مِن تَأْوِيلِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ أنْ يَتَعَدّى تَعْدِيَتَهُ كَما صَرَّحُوا بِهِ لِأنَّ التَّعْدِيَةَ تَنْظُرُ إلى اللَّفْظِ، نَعَمْ قِيلَ: في جَعْلِ - أنْ - مُفَسِّرَةً بِفِعْلِ الأمْرِ المَذْكُورِ صِلَتُهُ نَحْوَ أمَرْتُكَ بِهَذا أنْ قُمْ، نُظِرَ إمّا في طَرِيقِ القِياسِ فَلِأنَّ أحَدَهُما مُغْنٍ عَنِ الآخَرِ، وإمّا في الِاسْتِعْمالِ فَلِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ، ونُظِرَ فِيما ذُكِرَ في طَرِيقِ القِياسِ لِأنَّ الأوَّلَ لا يُغْنِي عَنِ الثّانِي والثّانِي لا يُغْنِي عَنِ الأوَّلِ، ولِلتَّفْسِيرِ بَعْدَ الإبْهامِ شَأْنٌ ظاهِرٌ، وادَّعى ابْنُ المُنِيرِ أنَّ تَأْوِيلَ هَذا القَوْلِ بِالأمْرِ كُلْفَةٌ لا طائِلَ وراءَها وفِيهِ نَظَرٌ

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ القَوْلَ عَلى مَعْناهُ و (أنِ اعْبُدُوا) إمّا خَبَرٌ لِمُضْمَرٍ أيْ: هو أنِ اعْبُدُوا أوْ مَنصُوبٌ بِأعْنِي مُقَدَّرًا، وقِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ لِلضَّمِيرِ في (بِهِ)، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ صَرَّحَ في المُغْنِي بِأنَّ عَطْفَ البَيانِ في الجَوامِدِ بِمَنزِلَةِ النَّعْتِ في المُشْتَقّاتِ فَكَما أنَّ الضَّمِيرَ يُنْعَتُ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ عَطْفُ بَيانٍ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ المُخْتَلِفِ فِيهِ، وكَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ جَوَّزَهُ، وما في المُغْنِي قَدْ أشارَ شُرّاحُهُ إلى رَدِّهِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلِّ، ورَدَّهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ بِأنَّ المُبْدَلَ مِنهُ في حُكْمِ التَّنْحِيَةِ والطَّرْحِ، فَيَلْزَمُ خُلُوُّ الصِّلَةِ مِنَ العائِدِ بِطَرْحِهِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ المَذْهَبَ المَنصُورَ أنَّ المُبْدَلَ مِنهُ لَيْسَ في حُكْمِ الطَّرْحِ مُطْلَقًا بَلْ قَدْ يُعْتَبَرُ طَرْحُهُ في بَعْضِ الأحْكامِ، كَما إذا وقَعَ مُبْتَدَأٌ فَإنَّ الخَبَرَ لِلْبَدَلِ نَحْوَ: زَيْدٌ عَيْنُهُ حَسَنَةٌ، ولا يُقالُ حَسَنٌ، وقَدْ يُقالُ أيْضًا: إنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُبْدَلٍ مِنهُ كَذَلِكَ بَلْ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ فِيما إذا كانَ البَدَلُ بَدَلَ غَلَطٍ، وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّهُ وإنْ لَزِمَ خُلُوُّ الصِّلَةِ مِنَ العائِدِ بِالطَّرْحِ لَكِنْ لا ضَيْرَ فِيهِ لِأنَّ الِاسْمَ الظّاهِرَ يَقُومُ مَقامَهُ كَما في قَوْلِهِ:

وأنْتَ الَّذِي في رَحْمَةِ اللَّهِ أطْمَعُ

ولا يَخْفى أنَّ في صِحَّةِ قِيامِ الظّاهِرِ هُنا مَقامَ الضَّمِيرِ خِلافًا لَهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (ما أمَرْتَنِي بِهِ) واعْتُرِضَ بِأنَّ (ما) مَفْعُولُ القَوْلِ ولا بُدَّ فِيهِ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً مَحْكِيَّةً أوْ ما يُؤَدِّي مُؤَدّاها أوْ ما أُرِيدَ لَفْظُهُ، وإذا كانَ العِبادَةُ بَدَلًا كانَتْ مَفْعُولَ القَوْلِ مَعَ أنَّها لَيْسَتْ واحِدًا مِن هَذِهِ الأُمُورِ، فَلا يُقالُ: ما قُلْتُ لَهم إلّا العِبادَةَ، وفي الِانْتِصافِ أنَّ العِبادَةَ وإنْ لَمْ تُقَلْ فالأمْرُ بِها يُقالُ و(أنِ) المَوْصُولَةُ بِفِعْلِ الأمْرِ يُقَدَّرُ مَعَها الأمْرُ فَيُقالُ هُنا: ما قُلْتُ لَهم إلّا الأمْرَ بِالعِبادَةِ، ولا رَيْبَ في صِحَّتِهِ لِأنَّ الأمْرَ مَقُولٌ بَلْ قَوْلٌ عَلى أنَّ جَعْلَ العِبادَةِ مَقُولَةً غَيْرُ بَعِيدٍ عَلى طَرِيقَةِ ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ أيِ الوَطَنِ الَّذِي قالُوا قَوْلًا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ ونَحْوُ ذَلِكَ، وفي الفَوائِدِ أنَّ المُرادَ: ما قُلْتُ لَهم إلّا عِبادَتَهُ أيِ الزَمُوا عِبادَتَهُ فَيَكُونُ هو المُرادَ مِن ﴿ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ ويَصِحُّ كَوْنُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَدَلًا مِن ﴿ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ مِن حَيْثُ أنَّها في حُكْمِ المُرادِ لِأنَّها مَقُولَةٌ و﴿ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ مُفْرَدٌ لَفْظًا وجُمْلَةً مَعْنًى ولا يَخْلُو عَنْ تَعَسُّفٍ، وجُوِّزَ إبْقاءُ القَوْلِ عَلى مَعْناهُ و(أنْ) مُفَسِّرَةٌ إمّا لِفِعْلِ القَوْلِ أوْ لِفِعْلِ الأمْرِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ فِعْلَ القَوْلِ لا يُفَسَّرُ بَلْ يُحْكى بِهِ ما بَعْدَهُ مِنَ الجُمَلِ ونَحْوِها، وبِأنَّ فِعْلَ الأمْرِ مُسْنَدٌ إلى اللَّهِ تَعالى وهو لا يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِـ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ بَلْ بِـ (اعْبُدُونِي) أوِ (اعْبُدُوا اللَّهَ) ونَحْوِهِ وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً بِالمَعْنى كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَكى مَعْنى قَوْلَ

صفحة 69

اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِعِبارَةٍ أُخْرى، وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: مُرْهم بِعِبادَتِي، أوْ قالَ لَهم عَلى لِسانِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبَّ عِيسى ورَبَّكُمْ، فَلَمّا حَكاهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ، فَكَنّى عَنِ اسْمِهِ الظّاهِرِ بِضَمِيرِهِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكُمُ فِيها سُبُلا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِنَ نَباتٍ شَتّى﴾ فَإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَقُولُ أخْرَجْنا بَلْ فَأخْرَجَ اللَّهُ تَعالى، لَكِنْ لَمّا حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَدَّ الكَلامَ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ وأضافَ الإخْراجَ إلى ذاتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى طَرِيقَةِ المُتَكَلِّمِ لا الحاكِي، وإنْ كانَ أوَّلُ الكَلامِ حِكايَةً ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ

وقالَ أبُو حَيّانَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُفَسَّرُ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ويَكُونَ ﴿رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ مِن كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى إضْمارٍ، أعْنِي لا عَلى الصِّفَةِ لِلَّهِ عَزَّ اسْمُهُ، واعْتَمَدَهُ ابْنُ الصّائِغِ وجَعَلَهُ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ عَلى رَأْيٍ، وفي أمالِي ابْنِ الحاجِبِ: إذا حَكى حاكٍ كَلامًا فَلَهُ أنْ يَصِفَ المُخْبَرَ عَنْهُ بِما لَيْسَ في كَلامِ المَحْكِيِّ عَنْهُ، واسْتَبْعَدَ ذَلِكَ الحَلَبِيُّ والسَّفاقُسِيُّ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الإنْصافُ

وقِيلَ عَلى الأوَّلِ: إنَّ بَعْضَهم أجازَ وُقُوعَ (أنِ) المُفَسِّرَةِ بَعْدَ لَفْظِ القَوْلِ ولَمْ يَقْتَصِرْ بِها عَلى ما في مَعْناهُ فَيَقَعُ حِينَئِذٍ مُفَسِّرًا لَهُ، لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي الِاخْتِلافُ في أنَّهُ يَقْتَرِنُ المَقُولُ المَحْكِيُّ بِحَرْفِ التَّفْسِيرِ لِأنَّ مَقُولَ القَوْلِ في مَحِلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والجُمْلَةُ المُفَسِّرَةُ لا مَحِلَّ لَها فَلَعَلَّ مُرادَ البَعْضِ مُجَرَّدُ الوُقُوعِ والتِزامُ أنَّ المَقُولَ مَحْذُوفٌ وهو المَحْكِيُّ وهَذا تَفْسِيرٌ لَهُ أيْ ما قُلْتُ لَهم مَقُولًا فَتَدَبَّرْ فَقَدِ انْتَشَرَتْ كَلِماتُ العُلَماءِ هُنا

﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أيْ رَقِيبًا أُراعِي أحْوالَهم وأحْمِلُهم عَلى العَمَلِ بِمُوجِبِ أمْرِكَ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ ومُشاهِدًا لِأحْوالِهِمْ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ (عَلَيْهِمْ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ مُتَعَلِّقٌ بِشَهِيدًا ولَعَلَّ التَّقْدِيمَ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أيْ مُدَّةُ دَوامِي فِيما بَيْنَهم ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ أيْ قَبَضْتَنِي بِالرَّفْعِ إلى السَّماءِ كَما يُقالُ تَوَفَّيْتُ المالَ إذا قَبَضْتُهُ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ

وعَنِ الجَبائِيِّ أنَّ المَعْنى أمَتَّنِي وادَّعى أنَّ رَفْعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى السَّماءِ كانَ بَعْدَ مَوْتِهِ وإلَيْهِ ذَهَبَ النَّصارى وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ أيِ الحَفِيظَ المُراقِبَ فَمَنَعْتَ مَن أرَدْتَ عِصْمَتَهُ عَنِ المُخالَفَةِ بِالإرْشادِ إلى الدَّلائِلِ والتَّنْبِيهِ عَلَيْها بِإرْسالِ الرَّسُولِ وإنْزالِ الآياتِ وخَذَلْتَ مَن خَذَلْتَ مِنَ الضّالِّينَ فَقالُوا ما قالُوا، وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّقِيبِ المُطَّلِعِ المُشاهِدِ، ومَعْنى الجُمْلَتَيْنِ إنِّي ما دُمْتُ فِيهِمْ كُنْتُ مُشاهِدًا لِأحْوالِهِمْ فَيُمْكِنُ لِي بَيانُها فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ المُشاهِدَ لِذَلِكَ لا غَيْرَكَ فَلا أعْلَمُ حالَهم ولا يُمْكِنُنِي بَيانُها، ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ أوْفَقُ بِالمَقامِ وقَدْ نَصَّ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الرَّقِيبَ والشَّهِيدَ هُنا بِمَعْنًى واحِدٍ وهو ما فُسِّرَ بِهِ الشَّهِيدُ أوَّلًا ولَكِنْ تَفَنَّنَ في العِبارَةِ لِيُمَيِّزَ بَيْنَ الشَّهِيدِينَ والرَّقِيبَيْنِ لِأنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَقِيبًا لَيْسَ كالرَّقِيبِ الَّذِي يَمْنَعُ ويُلْزِمُ بَلْ كالشّاهِدِ عَلى المَشْهُودِ عَلَيْهِ ومَنعُهُ بِمُجَرَّدِ القَوْلِ وأنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ هو الَّذِي يَمْنَعُ مَنعَ إلْزامٍ بِالأدِلَّةِ والبَيِّناتِ و (أنْتَ) ضَمِيرُ فَصْلٍ أوْ تَأْكِيدٌ و(الرَّقِيبَ) خَبَرُ كانَ. وقُرِئَ (الرَّقِيبُ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ (أنْتَ) والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ و(عَلَيْهِمْ) في القِراءَتَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِالرَّقِيبِ

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾

711

- تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ وفِيهِ -عَلى ما قِيلَ- إيذانٌ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ كانَ

صفحة 70

هُوَ الشَّهِيدَ في الحَقِيقَةِ عَلى الكُلِّ حِينَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما بَيْنَهم و (عَلى) مُتَعَلِّقَةٌ بِشَهِيدٍ، والتَّقْدِيمُ لِمُراعاةِ الفاصِلَةِ.

5:118Page 127

إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١١٨

If You should punish them - indeed they are Your servants; but if You forgive them - indeed it is You who is the Exalted in Might, the Wise."

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ عَلى مَعْنى إنْ تُعَذِّبْهم لَمْ يَلْحَقْكَ بِتَعْذِيبِهِمُ اعْتِراضٌ لِأنَّكَ المالِكُ المُطْلَقُ لَهم ولا اعْتِراضَ عَلى المالِكِ المُطْلَقِ فِيما يَفْعَلُهُ بِمُلْكِهِ، وقِيلَ: عَلى مَعْنى (إنْ تُعَذِّبْهُمْ) لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ مِنهم عَلى دَفْعِ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ لِأنَّهم عِبادُكَ الأرِقّاءِ في أسْرِ مُلْكِكَ وماذا تَبْلُغُ قُدْرَةُ العَبْدِ في جَنْبِ قُدْرَةِ مالِكِهِ، وقِيلَ: المَعْنى إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ لِأنَّهم عِبادُكَ وقَدْ عَبَدُوا غَيْرَكَ وخالَفُوا أمْرَكَ وقالُوا ما قالُوا، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وهو بَعِيدٌ عَنِ النَّظْمِ، نَعَمْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في النَّظْمِ إشارَةٌ إلَيْهِ

﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾

811

- أيْ فَإنْ تَغْفِرْ لَهم ما كانَ مِنهم لا يَلْحَقُكَ عَجْزٌ بِذَلِكَ ولا اسْتِقْباحٌ فَإنَّكَ القَوِيُّ القادِرُ عَلى جَمِيعِ المُقَدَّراتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الثَّوابُ والعِقابُ (الحَكِيمُ) الَّذِي لا يُرِيدُ ولا يَفْعَلُ إلّا ما فِيهِ حِكْمَةً، والمَغْفِرَةُ لِلْكافِرِ لَمْ يُعْدَمْ فِيها وجْهُ حِكْمَةٍ لِأنَّ المَغْفِرَةَ حَسَنَةٌ لِكُلِّ مُجْرِمٍ في المَعْقُولِ بَلْ مَتى كانَ المُجْرِمُ أعْظَمَ جُرْمًا كانَ العَفْوُ عَنْهُ أحْسَنَ لِأنَّهُ أُدْخِلَ في الكَرَمِ وإنْ كانَتِ العُقُوبَةُ أحْسَنُ في حُكْمِ الشَّرْعِ مِن جِهاتٍ أُخَرَ، وعَدَمُ المَغْفِرَةِ لِلْكافِرِ بِحُكْمِ النَّصِّ والإجْماعِ لا لِلِامْتِناعِ الذّاتِيِّ فِيهِ لِيَمْتَنِعَ التَّرْدِيدُ والتَّعْلِيقُ بِـ(إنْ)

وقَدْ نَقَلَ الإمامُ أنَّ غُفْرانَ الشِّرْكِ عِنْدَنا جائِزٌ. وعِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ قالُوا: لِأنَّ العِقابَ حَقُّ اللَّهِ تَعالى عَلى المُذْنِبِ ولَيْسَ في إسْقاطِهِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مَضَرَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ مَعْنى الآيَةِ إنْ تُعَذِّبْهم فَتُمِيتَهم بِنَصْرانِيَّتِهِمْ فَيَحِقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَتُخْرِجَهم مِنَ النَّصْرانِيَّةِ وتَهْدِيهِمْ إلى الإسْلامِ فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ وهَذا قَوْلُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الدُّنْيا اهـ

ولا يَخْفى أنَّهُ مُخالِفٌ لِما يَقْتَضِيهِ السِّباقُ والسِّياقُ، وقِيلَ: التَّرْدِيدُ بِالنِّسْبَةِ إلى فِرْقَتَيْنِ والمَعْنى إنْ تُعَذِّبْهم أيْ مَن كَفَرَ مِنهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم وتَعْفُ عَمَّنَ آمَنَ مِنهم فَإنَّكَ إلَخْ وهو بَعِيدٌ جِدًّا، وظاهِرُ ما قالُوهُ أنَّهُ لَيْسَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وإنْ تَغْفِرْ إلَخْ تَعْرِيضٌ بِسُؤالِ المَغْفِرَةِ وإنَّما هو لِإظْهارِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وحِكْمَتِهِ، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ (العَزِيزُ الحَكِيمُ) دُونَ الغَفُورِ الرَّحِيمِ مَعَ اقْتِضاءِ الظّاهِرِ لَهُما، وما جاءَ في الأخْبارِ مِمّا أخْرَجَهُ أحْمَدُ في المُصَنَّفِ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً فَقَرَأ بِالآيَةِ حَتّى أصْبَحَ يَرْكَعُ بِها ويَسْجُدُ بِها ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ إلَخْ فَلَمّا أصْبَحَ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما زِلْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ حَتّى أصْبَحْتَ قالَ: إنِّي سَألْتُ رَبِّي سُبْحانَهُ الشَّفاعَةَ فَأعْطانِيها وهي نائِلَةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مَن لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ تَعالى شَيْئًا» وما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وابْنُ أبِي الدُّنْيا في حُسْنِ الظَّنِّ. والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ. وغَيْرُهم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: ”«أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلا قَوْلَ اللَّهِ سُبْحانَهُ في إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي﴾ الآيَةَ، وقَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ في عِيسى بْنِ مَرْيَمَ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ إلَخْ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي وبَكى فَقالَ اللَّهُ جَلَّتْ رَحْمَتُهُ: يا جِبْرائِيلُ اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَقُلْ لَهُ: إنّا سَنُقِرُّ عَيْنَكَ في أُمَّتِكَ وما نَسُوءُكَ“» وما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: ”قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ قُمْتَ اللَّيْلَةَ بِآيَةٍ مِنَ القُرْآنِ يَعْنِي بِها هَذِهِ الآيَةَ ومَعَكَ قُرْآنٌ لَوْ فَعَلَ هَذا بَعْضُنا وجَدْنا عَلَيْهِ قالَ: دَعَوْتُ اللَّهَ

صفحة 71

سُبْحانَهُ لِأُمَّتِي قالَ: فَماذا أُجِبْتَ؟ قالَ: أُجِبْتُ بِالَّذِي لَوِ اطَّلَعَ كَثِيرٌ مِنهم عَلَيْهِ تَرَكُوا الصَّلاةَ قُلْتُ: أفَلا أُبَشِّرُ النّاسَ؟ قالَ: بَلى فَقالَ عُمْرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ إنْ تَبْعَثْ إلى النّاسِ بِهَذا يَتَّكِلُوا ويَدَعُوا العِبادَةَ فَناداهُ أنِ ارْجِعْ فَرَجَعَ“» لا يَقُومُ دَلِيلًا عَلى أنَّ في الآيَةِ تَعْرِيضًا بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ لِلْكافِرِ إذْ لا يَبْعُدُ مِنهُ ﷺ الدُّعاءُ لِأُمَّتِهِ وطَلَبُ الشَّفاعَةِ لَهم بِهَذا النَّظْمِ لَكِنْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَصَدَهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ ﷺ اقْتَبَسَ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ مُؤَدِّيًا بِهِ مَقْصُودَهُ الَّذِي أرادَ ولَيْسَ ذَلِكَ أوَّلَ اقْتِباسٍ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ دُعاءَ التَّوَجُّهِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ والصَّلاةُ لا تُنافِي الدُّعاءَ، وما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ومَن مَعَهُ لَيْسَ فِيهِ أكْثَرُ مِن أنَّ ما ذُكِرَ آثارُ كَأمْنِ شَفَقَتِهِ ﷺ عَلى أُمَّتِهِ فَدَعا لَهم بِما دَعا وذَلِكَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى أنَّ في الآيَةِ تَعْرِيضًا لِسُؤالِ المَغْفِرَةِ لِلْكافِرِ، ثُمَّ أنَّ العُلَماءَ في بَيانِ سِرِّ ذِكْرِ ذَيْنِكَ الِاسْمَيْنِ الجَلِيلَيْنِ في الآيَةِ كَلامًا طَوِيلًا حَيْثُ أشْكَلَ وجْهُ مُناسَبَتِهِما لِسِياقِ ما قَرَنّا بِهِ حَتّى حُكِيَ عَنْ بَعْضِ القُرّاءِ أنَّهُ غَيَّرَهُما لِسَخافَةِ عَقْلِهِ فَكانَ يَقْرَأُ فَإنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ إلى أنْ حُبِسَ وضُرِبَ سَبْعَ دُرَرٍ، ووَقْعَ لِبَعْضِ الطّاعِنِينَ في القُرْآنِ مِنَ المَلاحِدَةِ أنَّ المُناسِبَ ما وقَعَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ (فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الغَفُورُ) كَما نَقَلَ ذَلِكَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وقَدْ عَلِمْتَ أحَدَ تَوْجِيهاتِهِمْ لِذَلِكَ

وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَهُما مِن بابِ الِاحْتِراسِ لِأنَّ تَرْكَ عِقابِ الجانِي قَدْ يَكُونُ لِعَجْزٍ في القُدْرَةِ أوْ لِإهْمالٍ يُنافِي الحِكْمَةَ فَدَفَعَ تَوَهُّمَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِما، وفي أمالِي العِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ أنَّ (العَزِيزُ) مَعْناهُ هُنا الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ، والمَعْنى وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ الَّذِي لا نَظِيرَ لَكَ في غُفْرانِكَ وسِعَةِ رَحْمَتِكَ، وأنْتَ أوْلى مَن رَحِمَ وأجْدَرُ مَن غَفَرَ وسَتَرَ (الحَكِيمُ) الَّذِي لا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا في مُسْتَحِقِّهِ وهم مُسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ لِفَضْلِكَ وضَعْفِهِمْ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ في الآيَةِ تَعْرِيضًا بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ ولا أظُنُّكَ تَقُولُ بِهِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُما مُتَعَلِّقانِ بِالشَّرْطَيْنِ لا بِالثّانِي فَقَطْ، وحِينَئِذٍ وجْهُ مُناسَبَتِهِما لا سُتْرَةَ عَلَيْهِ فَإنَّ مَن لَهُ الفِعْلُ والتَّرْكُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، وذُكِرَ أنَّ هَذا أنْسَبُ وأدَقُّ وألْيَقُ بِالمَقامِ

5:119Page 127

قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوۡمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدۡقُهُمۡۚ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١١٩

Allāh will say, "This is the Day when the truthful will benefit from their truthfulness." For them are gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they will abide forever, Allāh being pleased with them, and they with Him. That is the great attainment.

﴿قالَ اللَّهُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ خَتَمَ بِهِ حِكايَةَ ما حَكى مِمّا يَقَعُ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأُشِيرَ إلى نَتِيجَتِهِ ومَآلِهِ وصِيغَةُ الماضِي لِما تَحَقَّقَ، والمُرادُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى عَقِيبَ جَوابِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُشِيرًا إلى صِدْقِهِ ضِمْنَ بَيانِ حالِ الصّادِقِينَ الَّذِينَ هو في زُمْرَتِهِمْ، وبِذَلِكَ يَزُولُ أيْضًا عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَوْفُهُ مِن صُورَةِ ذَلِكَ السُّؤالِ لا أنْ إزالَتَهُ هي المَقْصُودَةُ مِنَ القَوْلِ عَلى ما قِيلَ

﴿هَذا﴾ أيِ اليَوْمُ الحاضِرُ ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾ أيَ المُسْتَمِرِّينَ عَلى الصِّدْقِ في الأُمُورِ المَطْلُوبَةِ مِنهُمُ الَّتِي مُعْظَمُها التَّوْحِيدُ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ والشَّرائِعُ والأحْكامُ المُتَعَلِّقَةُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ النّاطِقِينَ بِالحَقِّ والصِّدْقِ الدّاعِينَ إلى ذَلِكَ، وبِهِ تَحْصُلُ الشَّهادَةُ بِصِدْقِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ومِنَ الأُمَمِ المُصَدِّقِينَ لِأُولَئِكَ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُقْتَدِينَ بِهِمْ عَقْدًا وعَمَلًا، وبِهِ يَتَحَقَّقُ تَرْغِيبُ السّامِعِينَ المَقْصُودُ بِالحِكايَةِ في الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ صِدْقُهم أيْ فِيما ذُكِرَ في الدُّنْيا إذْ هو المُسْتَتْبَعُ لِلنَّفْعِ والمُجازاةِ يَوْمَئِذٍ وقِيلَ: في الآخِرَةِ

والمُرادُ مِنَ الصّادِقِينَ الأُمَمُ ومِن صِدْقِهِمْ صِدْقُهم في الشَّهادَةِ لِأنْبِيائِهِمْ بِالبَلاغِ وهو يَنْفَعُهم لِقِيامِهِمْ فِيهِ بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى وهو كَما تَرى، وقِيلَ: المُرادُ صِدْقُهُمُ المُسْتَمِرُّ في دُنْياهم إلى آخِرَتِهِمْ لِيَتَسَنّى كَوْنُ ما ذُكِرَ شَهادَةً بِصِدْقِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما قالَهُ جَوابًا عَنِ السُّؤالِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ السَّوْقُ، ويَكُونُ النَّفْعُ بِاعْتِبارِ تَحَقُّقِهِ في الدُّنْيا

صفحة 72

والمُطابَقَةُ لِما يَقْتَضِيهِ السَّوْقُ بِاعْتِبارِ تُقَرُّرِهِ ووُقُوعِ بَعْضِ جُزْئِيّاتِهِ في الآخِرَةِ، والمُسْتَمِرُّ هو الأمْرُ الكُلِّيُّ الَّذِي هو الِاتِّصافُ بِالصِّدْقِ ولا يَلْزَمُ مِن هَذا مَحْذُورُ مَدْخَلِيَّةِ الصِّدْقِ الأُخْرَوِيِّ في الجَزاءِ، ولا يَحْتاجُ إلى جَعْلِ الصِّدْقِ الأُخْرَوِيِّ شَرْطًا في نَفْعِ الصِّدْقِ الدُّنْيَوِيِّ والمُجازاةِ عَلَيْهِ، ولَعَلَّ فِيما تَقَدَّمَ غِنًى عَنْ هَذا كَما لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الصّادِقِينَ النَّبِيُّونَ، ومِن صِدْقِهِمْ صِدْقُهم في الدُّنْيا بِالتَّبْلِيغِ، ويَكُونُ مَساقُ الآيَةِ لِلشَّهادَةِ بِصِدْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا الغَرَضَ حاصِلٌ عَلى تَقْدِيرِ التَّعْمِيمِ وزِيادَةٍ

وقِيلَ المُرادُ مِنَ الصِّدْقِ الصِّدْقُ في الدُّنْيا إلّا أنَّ المُرادَ مِنَ الصّادِقِينَ الأُمَمُ، والكَلامُ مَسُوقٌ لِرَدِّ عَرْضِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ المَغْفِرَةَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهم لا غَيْرَ فَلا مَغْفِرَةَ لِهَؤُلاءِ ولا يَخْفى أنَّ التَّعْمِيمَ لا يُنافِي كَوْنَ الكَلامِ مَسُوقًا لِما ذُكِرَ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ ذَلِكَ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ و(يَوْمُ) بِالرَّفْعِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ خَبَرُهُ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ يَوْمَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ ظَرْفُ لِـ (قالَ) و (هَذا) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ كَلامُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ حُقٍّ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ أوْ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وقَعَ خَبَرًا، والمَعْنى هَذا الَّذِي مَرَّ مِن جَوابِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوِ السُّؤالُ والجَوابُ واقِعٌ يَوْمَ يَنْفَعُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا مُبْتَدَأً و (يَوْمَ) خَبَرُهُ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ بِناءً عَلى أنَّ الظَّرْفَ يُبْنى عَلَيْهِ إذا أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ وإنْ كانَتْ مُعْرَبَةً وهو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، واخْتارَهُ ابْنُ مالِكٍ وغَيْرُهُ والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ البِناءَ إلّا إذا صَدَّرَتِ الجُمْلَةُ المُضافَ إلَيْها بِفِعْلٍ ماضٍ كَقَوْلِهِ: عَلى حِينٍ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا

وألْحَقُوا بِذَلِكَ الفِعْلَ المَنفِيَّ، ويُخَرِّجُونَ هَذِهِ القِراءَةَ عَلى أحَدِ الأوْجُهِ السّابِقَةِ

وقَرَأ الأعْمَشُ (يَوْمٌ) بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ هَذا والجُمْلَةُ بَعْدَهُ صِفَتُهُ بِحَذْفِ العائِدِ وقَرَأ (صِدْقَهُمْ) بِالنَّصْبِ عَلى أنْ يَكُونَ فاعِلُ (يَنْفَعُ) ضَمِيرَ اللَّهِ تَعالى و(صَدَقُهُمْ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ إمّا مَفْعُولٌ لَهُ أيْ لِصِدْقِهِمْ أوْ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ بِصِدْقِهِمْ أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ أوْ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى مَعْنى يَصْدُقُونَ الصِّدْقَ كَقَوْلِكَ: صَدَقْتُهُ القِتالَ والمُرادُ يُحَقِّقُونَ الصِّدْقَ

﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ تَفْسِيرٌ لِلنَّفْعِ ولِذا لَمْ يُعْطَفُ عَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم مِنَ النَّفْعِ، فَقِيلَ: لَهم نَعِيمٌ دائِمٌ وثَوابٌ خالِدٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ بَيانٌ لِكَوْنِهِ تَعالى أفاضَ عَلَيْهِمْ غَيْرَ ما ذُكِرَ وهو رِضْوانُهُ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي لا غايَةَ وراءَهُ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ إذْ لا شَيْءَ أعَزَّ مِنهُ حَتّى تُمَدَّ إلَيْهِ أعْناقُ الآمالِ، ذَلِكَ إشارَةٌ إلى نَيْلِ رِضْوانِهِ جَلَّ شَأْنُهُ كَما اخْتارُهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أوْ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ كَما اخْتارَهُ في البَحْرِ وإلَيْهِ يُشِيرُ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

911

- الَّذِي لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ الوَصْفِ ولا يُوقَفُ عَلى مَطْلَبٍ يُدانِيهِ أصْلًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском