Al-AlusiAl‑Ma'idah · 5:21–26

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:21–26

5:21Page 111

يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ ٢١

O my people, enter the blessed land [i.e., Palestine] which Allāh has assigned to you and do not turn back [from fighting in Allāh's cause] and [thus] become losers."

﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ كُرِّرَ النِّداءُ مَعَ الإضافَةِ التَّشْرِيفِيَّةِ؛ اهْتِمامًا بِشَأْنِ الأمْرِ، ومُبالَغَةً في حَثِّهِمْ عَلى الِامْتِثالِ بِهِ، و( الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ) هي كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – والسُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ: بَيْتُ المَقْدِسِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: دِمَشْقُ، وفِلَسْطِينُ، والأُرْدُنُّ.

وقالَ مُجاهِدٌ: هي أرْضُ الطُّورِ، وما حَوْلَهُ.

وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: هي ما بَيْنَ الفُراتِ وعَرِيشِ مِصْرَ.

والتَّقْدِيسُ التَّطْهِيرُ، ووُصِفَتْ تِلْكَ الأرْضُ بِذَلِكَ إمّا لِأنَّها مُطَهَّرَةٌ مِنَ الشِّرْكِ، حَيْثُ جُعِلَتْ مَسْكَنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْ لِأنَّها مُطَهَّرَةٌ مِنَ الآفاتِ، وغَلَبَةُ الجَبّارِينَ عَلَيْها لا يُخْرِجُها عَنْ أنْ تَكُونَ مُقَدَّسَةً، أوْ لِأنَّها طُهِّرَتْ مِنَ القَحْطِ والجُوعِ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ مُقَدَّسَةً؛ لِأنَّ فِيها المَكانَ الَّذِي يُتَقَدَّسُ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ.

﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ: قَدَّرَها وقَسَمَها لَكُمْ، أوْ كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أنَّها تَكُونُ مَسْكَنًا لَكم.

رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ الخَلِيلَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يَصْعَدَ جَبَلَ لُبْنانَ فَما انْتَهى بَصَرُهُ إلَيْهِ فَهو لَهُ ولِأوْلادِهِ، فَكانَتْ تِلْكَ الأرْضُ مَدى بَصَرِهِ.

وعَنْ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ أنَّ المَعْنى: الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ تَعالى بِدُخُولِها، وفَرَضَهُ عَلَيْكُمْ، فالكَتْبُ هُنا مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ وذَهَبَ إلى الِاحْتِمالَيْنِ الأوَّلَيْنِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

والكَتْبُ عَلى أوَّلِهِما مَجازٌ، وعَلى ثانِيهِما حَقِيقَةٌ، وقَيَّدُوهُ بَإنْ آمَنتُمْ وأطَعْتُمْ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى لَهم بَعْدَما عَصَوْا: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ .

وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ فَإنَّ تَرْتِيبَ الخَيْبَةِ والخُسْرانِ عَلى الِارْتِدادِ يَدُلُّ عَلى اشْتِراطِ الكَتْبِ بِالمُجاهَدَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى الإيمانِ قَطْعًا، والأدْبارُ جَمْعُ دُبُرٍ، وهو ما خَلْفَهم مِنَ الأماكِنِ مِن مِصْرَ وغَيْرِها، والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مِن فاعِلِ ( تَرْتَدُوا ) أيْ: لا تَرْجِعُوا عَنْ مَقْصِدِكم مُنْقَلِبِينَ، خَوْفًا مِنَ الجَبابِرَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ الفِعْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالِارْتِدادِ صَرْفَ قُلُوبِهِمْ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِقادِ صَرْفًا غَيْرَ مَحْسُوسٍ، أيْ: لا تَرْجِعُوا عَنْ دِينِكم بِالعِصْيانِ وعَدَمِ الوُثُوقِ بِاللَّهِ تَعالى، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾ إمّا مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ، وهو الأظْهَرُ، وإمّا مَنصُوبٌ في جَوابِ النَّهْيِ، قالَ الشِّهابُ: عَلى أنَّهُ مِن قَبِيلِ: لا تَكْفُرْ تَدْخُلَ النّارِ، وهو مُمْتَنِعٌ خِلافًا لِلْكِسائِيِّ، وفِيهِ نَظَرٌ لا يَخْفى، والمُرادُ بِالخُسْرانِ خُسْرانُ الدّارَيْنِ

5:22Page 111

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوۡمٗا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ ٢٢

They said, "O Moses, indeed within it is a people of tyrannical strength, and indeed, we will never enter it until they leave it; but if they leave it, then we will enter."

﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ شَدِيدِي البَطْشِ، مُتَغَلِّبِينَ لا تَتَأتّى مُقاوَمَتُهُمْ، ولا تُجَزُّ لَهم ناصِيَةٌ، والجَبّارُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِن ( جَبَرَ ) الثُّلاثِيِّ عَلى القِياسِ، لا مِن ( أجْبَرَهُ ) عَلى خِلافِهِ، كالحَسّاسِ مَنَ الإحْساسِ، وهو الَّذِي يَقْهَرُ النّاسَ ويُكْرِهُهم كائِنًا مَن كانَ عَلى ما يُرِيدُهُ كائِنًا ما كانَ، ومَعْناهُ في البُخْلِ ما فاتَ اليَدَ طُولًا، وكانَ هَؤُلاءِ القَوْمُ مِنَ العَمالِقَةِ بَقايا قَوْمِ عادٍ، وكانَتْ لَهم أجْسامٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِمْ.

أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ، عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ قالَ: اسْتَظَلَّ سَبْعُونَ رَجُلًا مِن قَوْمِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَحْفِ رَجُلٍ مِنَ العَمالِقَةِ.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ رُؤِيَتْ ضَبْعٌ وأوْلادُها رابِضَةً في فِجاجِ عَيْنِ رَجُلٍ مِنهُمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، وهي عِنْدِي كَأخْبارِ عُوجِ بْنِ عُنُقَ، وهي حَدِيثُ خُرافَةٍ.

﴿وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها﴾ بِقِتالِ غَيْرِنا، أوْ بِسَبَبٍ يُخْرِجُهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ؛ فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَنا بِإخْراجِهِمْ مِنها، وهَذا امْتِناعٌ عَنِ القِتالِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ.

صفحة 107

﴿فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي لا تَعَلُّقَ لَنا بِها ﴿فَإنّا داخِلُونَ﴾ فِيها حِينَئِذٍ، وأتَوْا بِهَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ مَعَ كَوْنِ مَضْمُونِها مَفْهُومًا مِمّا تَقَدَّمَ تَصْرِيحًا بِالمَقْصُودِ، وتَنْصِيصًا عَلى أنَّ امْتِناعَهم مِن دُخُولِها لَيْسَ إلّا لِمَكانِهِمْ فِيها، وأتَوْا في الجَزاءِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُصَدَّرَةِ بِـ( إنْ ) دَلالَةً عَلى تَقَرُّرِ الدُّخُولِ وثَباتِهِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ لامَحالَةَ، وإظْهارًا لِكَمالِ الرَّغْبَةِ فِيهِ، وفي الِامْتِثال بِالأمْرِ:

5:23Page 111

قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمَا ٱدۡخُلُواْ عَلَيۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَٰلِبُونَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٣

Said two men from those who feared [to disobey] upon whom Allāh had bestowed favor, "Enter upon them through the gate, for when you have entered it, you will be predominant.1 And upon Allāh rely, if you should be believers."

﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ أيْ: يَخافُونَ اللَّهَ تَعالى، وبِهِ قُرِئَ، والمُرادُ رَجُلانِ مِنَ المُتَّقِينَ، وهُما - كُمّا رَوى ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، والرَّبِيعُ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وكالِبُ بْنُ يُوقَنّا، وفي وصْفِهِمْ بِذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّ مَن عَداهُما مِنَ القَوْمِ لا يَخافُونَهُ تَعالى، بَلْ يَخافُونَ العَدُوَّ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّجُلَيْنِ ما ذُكِرَ و( مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ) بَنُو إسْرائِيلَ، والمُرادُ: يَخافُونَ العَدُوَّ، ومَعْنى كَوْنِ الرَّجُلَيْنِ مِنهم أنَّهُما مِنهم في النَّسَبِ لا في الخَوْفِ، وقِيلَ: في الخَوْفِ أيْضًا، والمُرادُ أنَّهُما لَمْ يَمْنَعْهُما الخَوْفُ عَنْ قَوْلِ الحَقِّ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ الرَّجُلَيْنِ كانا مِنَ الجَبابِرَةِ، أسْلَما، وصارا إلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَعَلى هَذا يَكُونُ ( الَّذِينَ ) عِبارَةً عَنِ الجَبابِرَةِ، والواوُ ضَمِيرُ بَنِي إسْرائِيلَ، وعائِدُ المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَخافُونَهُمْ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ( يُخافُونَ ) بِضَمِّ الياءِ، وجَعَلَها الزَّمَخْشَرِيُّ شاهِدَةً عَلى أنَّ الرَّجُلَيْنِ مِنَ الجَبّارِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: مِنَ المُخَوِّفِينَ، أيْ: يَخافُهم بَنُو إسْرائِيلَ.

وفِيها احْتِمالانِ آخَرانِ:

الأوَّلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الإخافَةِ، ومَعْناهُ مِنَ الَّذِينَ يُخَوِّفُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالتَّذْكِيرِ والمَوْعِظَةِ، أوْ يُخَوِّفُهم وعِيدُ اللَّهِ تَعالى بِالعِقابِ.

والثّانِي أنَّ مَعْنى ( يُخافُونَ ) يُهابُونَ ويُوقَرُونَ، ويُرْجَعُ إلَيْهِمْ لِفَضْلِهِمْ وخَيْرِهِمْ، ومَعَ هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ لا تَرْجِيحَ في هَذِهِ القِراءَةِ لِكَوْنِهِما مِنَ الجَبّارِينَ، وتَرْجِيحُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ أيْ: بِالإيمانِ والتَّثْبِيتِ غَيْرُ ظاهِرٍ أيْضًا، لِأنَّهُ صِفَةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ يُوشَعَ وكالِبٍ وغَيْرِهِما، وكَوْنُهُ إنَّما يَلِيقُ أنْ يُقالَ لِمَن أسْلَمَ مِنَ الكُفّارِ لا لِمَن هو مُؤْمِنٌ في حَيِّزِ المَنعِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِرَجُلَيْنِ، أوِ اعْتِراضٌ، وقِيلَ: حالٌ بِتَقْدِيرِ ( قَدْ ) مِن ضَمِيرِ ( يَخافُونَ ) أوْ مِن ( رَجُلانِ ) لِتَخْصِيصِهِ بِالصِّفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ، أيْ: قالا مُخاطِبَيْنِ لَهم ومُشَجِّعَيْنِ ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ أيْ: بابَ مَدِينَتِهِمْ، وتَقْدِيمُ ( عَلَيْهِمْ ) عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ إنَّما هو دُخُولُ البابِ، وهم في بَلَدِهِمْ، أيْ: فاجِئُوهم وضاغِطُوهم في المَضِيقِ، ولا تُمْهِلُوهم لِيَصْحَرُوا ويَجِدُوا لِلْحَرْبِ مَجالًا ﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ﴾ عَلَيْهِمْ مِنَ البابِ ﴿فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ مِن غَيْرِ حاجَةِ القِتالِ، فَإنّا قَدْ رَأيْناهم وشاهَدْناهم أنَّ قُلُوبَهم ضَعِيفَةٌ، وإنْ كانَتْ أجْسامُهم عَظِيمَةً، فَلا تَخْشَوْهُمْ، واهْجُمُوا عَلَيْهِمْ في المَضايِقِ، فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى الكَرِّ والفَرِّ، وقِيلَ: إنَّما حَكَما بِالغَلَبَةِ لَمّا عَلِماها مِن جِهَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْلِهِ: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وقِيلَ: مِن جِهَةِ غَلَبَةِ الظَّنِّ، وما تَبَيَّنا مِن عادَةِ اللَّهِ تَعالى في نُصْرَةِ رُسُلِهِ، وما عَهِدا مِن صُنْعِ اللَّهِ تَعالى لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَهْرِ أعْدائِهِ، قِيلَ: والأوَّلُ أنْسَبُ بِتَعْلِيقِ الغَلَبَةِ بِالدُّخُولِ ﴿وعَلى اللَّهِ﴾ تَعالى خاصَّةً ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾ بَعْدَ تَرْتِيبِ الأسْبابِ، ولا تَعْتَمِدُوا عَلَيْها، فَإنَّهُ لا تُؤَثِّرُ مِن دُونِ إذْنِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بِاللَّهِ تَعالى، والمُرادُ بِهَذا الإلْهابُ والتَّهْيِيجُ، وإلّا فَإيمانُهم مُحَقَّقٌ، وقَدْ يُرادُ بِالإيمانِ التَّصْدِيقُ بِاللَّهِ تَعالى، وما يَتْبَعُهُ مِنَ التَّصْدِيقِ بِما وعَدَهُ، أيْ: ( إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) بِهِ تَعالى مُصَدِّقِينَ لِوَعْدِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ

5:24Page 112

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ ٢٤

They said, "O Moses, indeed we will not enter it, ever, as long as they are within it; so go, you and your Lord, and fight. Indeed, we are remaining right here."

﴿قالُوا﴾ غَيْرَ مُبالِينَ بِهِما وبِمَقالَتِهِما مُخاطِبِينَ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إظْهارًا لِإصْرارِهِمْ

صفحة 108

عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، وتَصْرِيحًا بِمُخالَفَتِهِمْ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ – ﴿يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها﴾ أيْ أرْضَ الجَبابِرَةِ، فَضْلًا عَنِ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ وهم في بَلَدِهِمْ ﴿أبَدًا﴾ أيْ دَهْرًا طَوِيلًا، أوْ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ كُلِّهِ ﴿ما دامُوا فِيها﴾ أيْ في تِلْكَ الأرْضِ، وهو بَدَلٌ مِن ( أبَدًا ) بَدَلُ البَعْضِ، وقِيلَ: بَدَلُ الكُلِّ مِنَ الكُلِّ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ لِوُقُوعِهِ بَيْنَ النَّكِرَتَيْنِ، ومِثْلُهُ في الإبْدالِ قَوْلُهُ:

وأكْرِمْ أخاكَ الدَّهْرَ ما دُمْتُما مَعًا كَفى بِالمَماتِ فُرْقَةً وتَنائِيًا

فَإنَّ قَوْلَهُ: ما دُمْتُما بَدَلٌ مِنَ الدَّهْرِ.

﴿فاذْهَبْ﴾ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ( فاذْهَبْ ﴿أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ أيْ فَقاتِلاهم وأخْرِجاهم حَتّى نَدْخُلَ الأرْضَ، وقالُوا ذَلِكَ اسْتِهانَةً واسْتِهْزاءً بِهِ سُبْحانَهُ وبِرَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وعَدَمَ مُبالاةٍ، وقَصَدُوا ذَهابَهُما حَقِيقَةً كَما يُنْبِئُ عَنْهُ غايَةُ جَهْلِهِمْ وقَسْوَةُ قُلُوبِهِمْ، والمُقابَلَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ .

وقِيلَ: أرادُوا إرادَتَهُما وقَصْدَهُما، كَما تَقُولُ: كَلَّمْتُهُ فَذَهَبَ يُجِيبُنِي، كَأنَّهم قالُوا: فَأرِيدا قِتالَهم واقْصُداهم.

وقالَ البَلْخِيُّ: المُرادُ فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ يُعِينُكَ، فالواوُ لِلْحالِ و( أنْتَ ) مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ولا يُساعِدُهُ ( فَقاتِلا ) ولَمْ يَذْكُرُوا أخاهُ هارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ – ولا الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ قالا، كَأنَّهم لَمْ يَجْزِمُوا بِذَهابِهِمْ، أوْ لَمْ يَعْبَأُوا بِقِتالِهِمْ، وأرادُوا بِالقُعُودِ عَدَمَ التَّقَدُّمِ لا عَدَمَ التَّأخُّرِ أيْضًا.

5:25–26Page 112

قَالَ رَبِّ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِي وَأَخِيۖ فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٥

[Moses] said, "My Lord, indeed I do not possess [i.e., control] except myself and my brother, so part us1 from the defiantly disobedient people."

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِمۡۛ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗۛ يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٦

[Allāh] said, "Then indeed, it is forbidden to them for forty years [in which] they will wander throughout the land. So do not grieve over the defiantly disobedient people."

﴿قالَ﴾ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا رَأى مِنهم ما رَأى مِنَ العِنادِ عَلى طَرِيقِ البَثِّ والحُزْنِ والشَّكْوى إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ رِقَّةِ القَلْبِ الَّتِي بِمِثْلِها تُسْتَجْلَبُ الرَّحْمَةُ، وتُسْتَنْزَلُ النُّصْرَةُ، فَلَيْسَ القَصْدُ إلى الإخْبارِ، وكَذا كُلُّ خَبَرٍ يُخاطَبُ بِهِ عَلّامُ الغُيُوبِ يُقْصَدُ بِهِ مَعْنًى سِوى إفادَةِ الحُكْمِ أوْ لازِمِهِ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ رَدًّا لِما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ولا اعْتِذارًا عَنْ عَدَمِ الدُّخُولِ ﴿رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي﴾ هارُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو عَطْفٌ عَلى ( نَفْسِي ) أيْ: لا يُجِيبُنِي إلى طاعَتِكَ، ويُوافِقُنِي عَلى تَنْفِيذِ أمْرِكَ سِوى نَفْسِي وأخِي، ولَمْ يَذْكُرِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِما - وإنْ كانا يُوافِقانِهِ إذا دَعا - لِما رَأى مِن تَلَوُّنِ القَوْمِ، وتَقَلُّبِ آرائِهِمْ، فَكَأنَّهُ يَثِقُ بِهِما، ولَمْ يَعْتَمِدْ عَلَيْهِما.

وقِيلَ: لَيْسَ القَصْدُ إلى القَصْرِ، بَلْ إلى بَيانِ قِلَّةِ مَن يُوافِقُهُ، تَشْبِيهًا لِحالِهِ بِحالِ مَن لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ وأخاهُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِأخِي مَن يُؤاخِينِي في الدِّينِ، فَيَدْخُلانِ فِيهِ، ولا يَتِمُّ إلّا بِالتَّأْوِيلِ بِكُلِّ مُؤاخٍ لَهُ في الدِّينِ أوْ بِجِنْسِ الأخِ، وفِيهِ بُعْدٌ.

ويَجُوزُ في ( أخِي ) وُجُوهٌ أُخَرُ مِنَ الإعْرابِ:

الأوَّلُ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى اسْمِ ( إنَّ ).

الثّانِي أنَّهُ مَرْفُوعٌ بِالعَطْفِ عَلى فاعِلِ ( أمْلِكُ ) لِلْفَصْلِ.

الثّالِثُ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ.

الرّابِعِ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ اسْمِ ( إنَّ ) البَعِيدِ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ اسْتِكْمالِ الخَبَرِ، والجُمْهُورُ عَلى جَوازِهِ حِينَئِذٍ.

الخامِسُ أنَّهُ مَجْرُورٌ بِالعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ.

ثُمَّ لا يَلْزَمُ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ الِاتِّحادُ في المَفْعُولِ، بَلْ يُقَدَّرُ لِلْمَعْطُوفِ مَفْعُولٌ آخَرُ، أيْ وأخِي إلّا نَفْسَهُ، فَلا يَرِدُ ما قِيلَ: إنَّهُ يَلْزَمُ مِن عَطْفِهِ عَلى اسْمِ ( إنَّ ) أوْ فاعِلِ ( أمْلِكُ ) أنَّ مُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ – لا يَمْلِكانِ إلّا نَفْسَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ – فَقَطْ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ كَما لا يَخْفى، ولَيْسَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ بِتَقْدِيرِ: ولا يَمْلِكُ أخِي إلّا نَفْسَهُ كَما تُوُهِّمَ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ العَطْفَ عَلى مَعْمُولِ الفِعْلِ لا يَقْتَضِي إلّا المُشارَكَةَ في مَدْلُولِ ذَلِكَ ومَفْهُومِهِ الكُلِّيِّ لا الشَّخْصِيِّ المُعَيَّنِ بِمُتَعَلِّقاتِهِ المَخْصُوصَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ إلى القَرائِنِ.

﴿فافْرُقْ بَيْنَنا﴾ يُرِيدُ نَفْسَهُ وأخاهُ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ السَّلامُ - والفاءُ لِتَرْتِيبِ الفَرْقِ،

صفحة 109

والدُّعاءِ بِهِ عَلى ما قَبْلَهُ، وقُرِئَ ( فافْرِقْ ) بِكَسْرِ الرّاءِ.

﴿وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ أيِ الخارِجِينَ عَنْ طاعَتِكَ، بِأنْ تَحْكُمَ لَنا بِما نَسْتَحِقُّهُ، وعَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ، كَما هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - وقالَ الجُبّائِيُّ: سَألَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَبَّهُ أنْ يَفْرُقَ بِالتَّبْعِيدِ في الآخِرَةِ بِأنْ يَجْعَلَهُ وأخاهُ في الجَنَّةِ ويَجْعَلَهم في النّارِ، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، ويُرَجِّحُهُ تَعْقِيبُ الدُّعاءَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فَإنَّها﴾ فَإنَّ الفاءَ فِيهِ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِنَ الدُّعاءِ، فَكانَ ذَلِكَ إثْرَ الدُّعاءِ، ونَوْعٌ مِنَ المَدْعُوِّ بِهِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: إنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَضِبَ حِينَ قالَ لَهُ القَوْمُ ما قالُوا، فَدَعا، وكانَ ذَلِكَ عَجَلَةً مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ – عَجِلَها، فَلَمّا ضُرِبَ عَلَيْهِمُ التِّيهُ نَدِمَ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ والضَّمِيرُ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، أيْ فَإنَّها لِدُعائِكَ ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ لا يَدْخُلُونَها ولا يَمْلِكُونَها، والتَّحْرِيمُ تَحْرِيمُ مَنعٍ لا تَحْرِيمُ تَعَبُّدٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ فَرَسَهُ:

جالَتْ لِتَصْرِعَنِي فَقُلْتُ لَها اقْصُرِي إنِّي امْرُؤٌ صَرْعِي عَلَيْكِ حَرامُ

يُرِيدُ: إنِّي فارِسٌ لا يُمْكِنُكِ أنْ تَصْرِعِينِي.

وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ - وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ البَلْخِيِّ - أنْ يَكُونَ تَحْرِيمَ تَعَبُّدٍ، والأوَّلُ أظْهَرُ.

﴿أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ( مُحَرَّمَةٌ ) فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ مُؤَقَّتًا لا مُؤَبَّدًا، فَلا يَكُونُ مُخالِفًا لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ( كَتَبَ اللَّهُ لَكم ) والمُرادُ بِتَحْرِيمِها عَلَيْهِمْ أنَّهُ لا يَدْخُلُها أحَدٌ مِنهم هَذِهِ المُدَّةَ، لَكِنْ لا بِمَعْنى إنَّ كُلَّهم يَدْخُلُونَها بَعْدَها، بَلْ بَعْضُهم مِمَّنْ بَقِيَ حَسْبَما رُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سارَ بِمَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، وكانَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ عَلى مُقَدِّمَتِهِ فَفَتَحَها، وأقامَ بِها ما شاءَ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ قُبِضَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ، وقِيلَ: لَمْ يَدْخُلْها أحَدٌ مِمَّنْ قالَ: ( لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ) وإنَّما دَخَلَها مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - النَّواشِئُ مِن ذُرِّيّاتِهِمْ، وعَلَيْهِ فالمُؤَقَّتُ بِالأرْبَعِينَ في الحَقِيقَةِ تَحْرِيمُها عَلى ذُرِّيّاتِهِمْ، وإنَّما جُعِلَ تَحْرِيمًا عَلَيْهِمْ لِما بَيْنَهُما مِنَ العَلاقَةِ التّامَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ حِرْمانِهِمْ، وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِ ( عَلَيْهِمْ ) والتِّيهُ: الحَيْرَةُ، ويُقالُ: تاهَ يَتِيهُ ويَتُوهُ، وهو أتْوَهُ وأتْيَهُ فَهو مِمّا تَداخَلَ فِيهِ الواوُ والياءُ، والمَعْنى يَسِيرُونَ مُتَحَيِّرِينَ، وحَيْرَتُهم عَدَمُ اهْتِدائِهِمْ لِلطَّرِيقِ.

وقِيلَ: الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ( يَتِيهُونَ ) ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، فَيَكُونُ التِّيهُ مُؤَقَّتًا، والتَّحْرِيمُ مُطْلَقًا يَحْتَمِلُ التَّأْبِيدَ وعَدَمَهُ، وكانَ مَسافَةُ الأرْضِ الَّتِي تاهُوا فِيها ثَلاثِينَ فَرْسَخًا في عَرْضِ تِسْعَةِ فَراسِخَ كَما قالَ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: اثْنَيْ عَشَرَ فَرْسَخًا في عَرْضِ سِتَّةِ فَراسِخَ، وقِيلَ: سِتَّةٌ في عَرْضِ تِسْعَةٍ، وقِيلَ: كانَ طُولُها ثَلاثِينَ مِيلًا في عَرْضِ سِتَّةِ فَراسِخَ، وهي ما بَيْنَ مِصْرَ والشّامِ، وذُكِرَ أنَّهم كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفِ مُقاتِلٍ، وكانُوا يَسِيرُونَ فَيُصْبِحُونَ حَيْثُ يُمْسُونَ، ويُمْسُونَ حَيْثُ يُصْبِحُونَ، كَما قالَهُالحَسَنُ ومُجاهِدٌ.

قِيلَ: وحِكْمَةُ ابْتِلائِهِمْ بِالتِّيهِ أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ عُوقِبُوا بِما يُشْبِهُ القُعُودَ، وكانَ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ لِأنَّها غايَةُ زَمَنٍ يَرْعَوِي فِيهِ الجاهِلُ.

وقِيلَ: لِأنَّهم عَبَدُوا العِجْلَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَجُعِلَ عِقابُ كُلِّ يَوْمٍ سَنَةً في التِّيهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وكانَ ذَلِكَ مِن خَوارِقِ العاداتِ، إذِ التَّحَيُّرُ في مِثْلِ تِلْكَ المَسافَةِ عَلى عُقَلاءَ كَثِيرِينَ هَذِهِ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ مِمّا تُحِيلُهُ العادَةُ، ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ بِمَحْوِ العَلاماتِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها، أوْ أُلْقِيَ شَبَهُ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ كانَ بِتَحَوُّلِ الأرْضِ الَّتِي هم عَلَيْها وقْتَ نَوْمِهِمْ، ويُغْنِي اللَّهُ تَعالى عَنْ قَبُولِهِ.

صفحة 110

ورُوِيَ أنَّهُ كانَ الغَمامُ يُظِلُّهم مِن حَرِّ الشَّمْسِ، ويَنْزِلُ عَلَيْهِمُ المَنُّ والسَّلْوى، وجُعِلَ مَعَهم حَجَرُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَتَفَجَّرُ مِنهُ الماءُ دَفْعًا لِعَطَشِهِمْ، قِيلَ: ويَطْلُعُ بِاللَّيْلِ عَمُودٌ مِن نُورٍ يُضِيءُ لَهُمْ، ولا يَطُولُ شَعَرُهُمْ، ولا تُبْلى ثِيابُهُمْ، كَما رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، وكانَتْ تَشِبُّ مَعَهم إذا شَبُّوا كَما رُوِيَ عَنْ طاوُسٍ.

وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ القُصّاصِ أنَّهم كانُوا إذا وُلِدَ لَهم مَوْلُودٌ كانَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ كالظُّفْرِ يَطُولُ بِطُولِهِ، ولا يَبْلى، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرُوهُ.

والعادَةُ تُبْعِدُ كَثِيرًا مِنهُ، فَلا يُقْبَلُ إلّا ما صَحَّ عَنِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ولَقَدْ سَألْتُ بَعْضَ أحْبارِ اليَهُودِ عَنْ لِباسِ بَنِي إسْرائِيلَ في التِّيهِ؟ فَقالَ: إنَّهم خَرَجُوا مِن مِصْرَ ومَعَهُمُ الكَثِيرُ مِن ثِيابِ القِبْطِ وأمْتِعَتِهِمْ، وحَفِظَها اللَّهُ تَعالى لِكِبارِهِمْ وصِغارِهِمْ، فَذَكَرْتُ لَهُ حَدِيثَ الظُّفْرِ فَقالَ: لَمْ نَظْفَرْ بِهِ، وأنْكَرَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: هي فَضِيلَةٌ فَهَلّا أثْبَتَّها لِقَوْمِكَ؟ فَقالَ: لا أرْضى بِالكَذِبِ ثَوْبًا.

واسْتُشْكِلَ مُعامَلَتُهم بِهَذِهِ النِّعَمِ مَعَ مُعاقَبَتِهِمْ بِالحَيْرَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ تِلْكَ المُعاقَبَةَ مِن كَرَمِهِ تَعالى، وتَعْذِيبُهم إنَّما كانَ لِلتَّأْدِيبِ، كَما يَضْرِبُ الرَّجُلُ ولَدَهُ مَعَ مَحَبَّتِهِ لَهُ، ولا يَقْطَعُ عَنْهُ مَعْرُوفَةُ، ولَعَلَّهُمُ اسْتَغْفَرُوا مِنَ الكُفْرِ إذا كانَ قَدْ وقَعَ مِنهُمْ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ مُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - كانا مَعَهم في التِّيهِ، لَكِنْ لَمْ يَنَلْهُما مِنَ المَشَقَّةِ ما نالَهُمْ، وكانَ ذَلِكَ لَهُما رَوْحًا وسَلامَةً كالنّارِ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَعَلَّ الرَّجُلَيْنِ أيْضًا كانا كَذَلِكَ.

ورُوِيَ أنَّ هارُونَ ماتَ في التِّيهِ، واتُّهِمَ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَقالُوا: قَتَلَهُ لِحُبِّنا لَهُ، فَأحْياهُ اللَّهُ تَعالى بِتَضَرُّعِهِ فَبَرَّأهُ مِمّا يَقُولُونَ، وعادَ إلى مَضْجَعِهِ، وماتَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَهُ بِسَنَةٍ، وقِيلَ: بِسِتَّةِ أشْهُرٍ ونِصْفٍ، وقِيلَ: بِثَمانِيَةِ أعْوامٍ، ودَخَلَ يُوشَعُ أرِيحاءَ بَعْدَهُ بِثَلاثَةِ أشْهُرٍ، وقالَ قَتادَةُ: بِشَهْرَيْنِ، وكانَ قَدْ نُبِّئَ قَبْلُ بِمَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ولَمْ يَبْقَ المُكَلَّفُونَ وقْتَ الأمْرِ مِنهُمْ، قِيلَ: ولا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ؛ فَإنَّهُ بَعْدَما قَبِلَ دَعْوَتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وعَذَّبَهم بِالتِّيهِ بَعِيدٌ أنْ يَنْجُوَ مَن نَجا، ويُقَدَّرَ وفاةُ النَّبِيَّيْنِ - عَلَيْهِما السَّلامُ - في مَحَلِّ العُقُوبَةِ ظاهِرًا، وإنْ كانَ ذَلِكَ لَهُما مَنزِلَ رَوْحٍ وراحَةٍ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأخْبارَ بِمَوْتِهِما - عَلَيْهِما السَّلامُ - بِالتِّيهِ كَثِيرَةٌ، لا سِيَّما الأخْبارُ بِمَوْتِ هارُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ – ولا أرىَ لِلِاسْتِبْعادِ مَحَلًّا، ولَعَلَّ ذَلِكَ أنْكى لِبَنِي إسْرائِيلَ.

وقِيلَ: إنَّهُما - عَلَيْهِما السَّلامُ - لَمْ يَكُونا مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ في التِّيهِ، وأنَّ الدُّعاءَ - وقَدْ أُجِيبَ - كانَ بِالفَرْقِ بِمَعْنى المُباعَدَةِ في المَكانِ بِالدُّنْيا، وأرى هَذا القَوْلَ مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ؛ فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الآياتِ كالنَّصِّ في وُجُودِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهم فِيهِ كَما لا يَخْفى.

﴿فَلا تَأْسَ﴾ أيْ فَلا تَحْزَنْ لِمَوْتِهِمْ، أوْ لِما أصابَهم فِيهِ، مِنَ الأسى وهو الحُزْنُ.

﴿عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ الَّذِينَ اسْتُجِيبَ لَكَ في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ لِفِسْقِهِمْ، فالخِطابُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما هو الظّاهِرُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أجِلَّةُ المُفَسِّرِينَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُرادُ بِالقَوْمِ الفاسِقِينَ مُعاصِرُوهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ السَّلامُ - مِن بَنِي إسْرائِيلَ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَذِهِ أفْعالُ أسْلافِهِمْ فَلا تَحْزَنْ أنْتَ بِسَبَبِ أفْعالِهِمُ الخَبِيثَةِ مَعَكَ ورَدِّهِمْ عَلَيْكَ؛ فَإنَّهم ورِثُوا ذَلِكَ عَنْهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском