Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:27–30
5:27Page 112
۞ وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٢٧
And recite to them the story of Adam's two sons, in truth, when they both made an offering [to Allāh], and it was accepted from one of them but was not accepted from the other. Said [the latter], "I will surely kill you." Said [the former], "Indeed, Allāh only accepts from the righteous [who fear Him].
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، تَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى﴾ إلَخْ، وتَعَلُّقُهُ بِهِ قِيلَ: مِن حَيْثُ إنَّهُ تَمْهِيدٌ لِما سَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - مِن جِناياتِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَما كُتِبَ عَلَيْهِمْ ما كُتِبَ، وجاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِما جاءَتْهم بِهِ مِنَ البَيِّناتِ، وقِيلَ: مِن حَيْثُ إنَّ في الأوَّلِ الجُبْنَ عَنِ القَتْلِ، وفي هَذا الإقْدامُ عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما
صفحة 111
مَعْصِيَةً، وضَمِيرُ ( عَلَيْهِمْ ) يَعُودُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، كَما هو الظّاهِرُ، إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم أوَّلًا، وأُمِرَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِتِلاوَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ إعْلامًا لَهم بِما هو في غامِضِ كُتُبِهِمُ الأُوَلِ الَّذِي لا تَعَلُّقَ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِها إلّا مِن جِهَةِ الوَحْيِ؛ لِتَقُومَ الحُجَّةُ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ، أيِ: اتْلُ يا مُحَمَّدُ عَلى قَوْمِكَ ﴿نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ﴾ هابِيلَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وقابِيلَ عَلَيْهِ ما يَسْتَحِقُّهُ، وكانا بِإجْماعِ غالِبِ المُفَسِّرِينَ ابْنَيْ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِصُلْبِهِ.
وقالَ الحَسَنُ: كانا رَجُلَيْنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ويَدُ اللَّهِ تَعالى مَعَ الجَماعَةِ، وكانَ مِن قِصَّتِهِما ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – أجْمَعِينَ: «أنَّهُ كانَ لا يُولَدُ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَوْلُودٌ إلّا وُلِدَ مَعَهُ جارِيَةٌ، فَكانَ يُزَوِّجُ غُلامَ هَذا البَطْنِ جارِيَةَ هَذا البَطْنِ الآخَرِ، ويُزَوِّجُ جارِيَةَ هَذا البَطْنِ غُلامَ هَذا البَطْنِ الآخَرِ، جُعِلَ افْتِراقُ البُطُونِ بِمَنزِلَةِ افْتِراقِ النَّسَبِ لِلضَّرُورَةِ إذْ ذاكَ، حَتّى وُلِدَ لَهُ ابْنانِ، يُقالُ لَهُما هابِيلُ وقابِيلُ، وكانَ قابِيلُ صاحِبَ زَرْعٍ وهابِيلُ صاحِبَ ضَرْعٍ، وكانَ قابِيلُ أكْبَرَهُما، وكانَتْ لَهُ أُخْتٌ واسْمُها إقْلِيما أحْسَنَ مِن أُخْتِ هابِيلَ، وأنَّ هابِيلَ طَلَبَ أنْ يَنْكِحَ أُخْتَ قابِيلَ فَأبى عَلَيْهِ، وقالَ: هي أُخْتِي وُلِدَتْ مَعِي، وهي أحْسَنُ مِن أُخْتِكَ، وأنا أحَقُّ أنْ أتَزَوَّجَ بِها، فَأمَرَهُ أبُوهُ أنْ يُزَوِّجَها هابِيلَ فَأبى، فَقالَ لَهُما: قَرِّبا قُرْبانًا، فَمِن أيِّكُما قُبِلَ تَزَوَّجَها، وإنَّما أمَرَ بِذَلِكَ لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِن قابِيلَ، لا أنَّهُ لَوْ قُبِلَ جازَ، ثُمَّ غابَ - عَلَيْهِ السَّلامُ – عَنْهُما، آتِيًا مَكَّةَ يَنْظُرُ إلَيْها، فَقالَ آدَمُ لِلسَّماءِ: احْفَظِي ولَدِي بِالأمانَةِ فَأبَتْ، وقالَ لِلْأرْضِ فَأبَتْ، وقالَ لِلْجِبالِ فَأبَتْ، فَقالَ لِقابِيلَ: فَقالَ نَعَمْ، تَذْهَبُ وتَرْجِعُ وتَجِدُ أهْلَكَ كَما يَسُرُّكَ، فَلَمّا انْطَلَقَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَرَّبا قُرْبانًا، فَقَرَّبَ هابِيلُ جَذَعَةً، وقِيلَ: كَبْشًا، وقَرَّبَ قابِيلُ حُزْمَةَ سُنْبُلٍ، فَوَجَدَ فِيها سُنْبُلَةً عَظِيمَةً فَفَرَكَها وأكَلَها، فَنَزَلَتِ النّارُ فَأكَلَتْ قُرْبانَ هابِيلَ، وكانَ ذَلِكَ عَلامَةَ القَبُولِ، وكانَ أكْلُ القُرْبانِ غَيْرَ جائِزٍ في الشَّرْعِ القَدِيمِ، وتَرَكَتْ قُرْبانَ قابِيلَ، فَغَضِبَ وقالَ: لَأقْتُلَنَّكَ، فَأجابَهُ بِما قَصَّ اللَّهُ تَعالى.
﴿بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرِ ( اتْلُ ) أيِ: اتْلُ تِلاوَةً مُتَلَبِّسَةً بِالحَقِّ والصِّحَّةِ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِ ( اتْلُ ) أوْ مِن مَفْعُولِهِ، أيْ: مُتَلَبِّسًا أنْتَ أوْ نَبَأهُما بِالحَقِّ والصِّدْقِ، مُوافِقًا لِما في زُبُرِ الأوَّلِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قَرَّبا قُرْبانًا﴾ ظَرْفٌ لِـ( نَبَأ ) وعَمِلَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ، والظَّرْفُ يَكْفِي فِيهِ رائِحَةُ الفِعْلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنهُ، ورُدَّ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ قَيْدًا في عامِلِهِ وهو ( اتْلُ ) المُسْتَقْبَلُ، و( إذْ ) لِما مَضى، فَلا يَتَلاقَيانِ، ولِذا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مَعَ ظُهُورِهِ، وقَدْ يُجابُ بِالفَرْقِ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ، فَتَأمَّلْ.
وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن ( نَبَأ ) عَلى حَذْفِ المُضافِ لِيَصِحَّ كَوْنُهُ مَتْلُوًّا، أيِ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأهُما نَبَأ ذَلِكَ الوَقْتِ، ورَدَّهُ في البَحْرِ بِأنَّ ( إذْ ) لا يُضافُ إلَيْها إلّا الزَّمانُ، نَحْوُ ( يَوْمَئِذٍ ) و( حِينَئِذٍ ) و( نَبَأ ) لَيْسَ بِزَمانٍ، وأُجِيبَ بِالمَنعِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ نَبَأِ ذَلِكَ الوَقْتِ ونَبَأِ إذْ، وكُّلٌّ مِنهُما صَحِيحٌ مَعْنى وإعْرابًا، ودَعْوى جَوازِ الأوَّلِ سَماعًا دُونَ الثّانِي - دُونَ إثْباتِها - خَرْطُ القَتادِ.
والقُرْبانُ اسْمٌ لِما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مِن ذَبِيحَةٍ أوْ غَيْرِها، كالحُلْوانِ اسْمُ لِما يُحَلّى، أيْ يُعْطى، وتَوْحِيدُهُ لِما أنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ إذْ قَرَّبَ كُلٌّ مِنهُما قُرْبانًا ﴿فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما﴾ وهو هابِيلُ ﴿ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ لِأنَّهُ سَخِطَ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى، وهو عَدَمُ جَوازِ نِكاحِ التَّوْأمَةِ ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافُ سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مَن لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبانُهُ؟ فَقِيلَ: قالَ لاخِّيهِ لِفَرْطِ الحَسَدِ عَلى قَبُولِ قُرْبانِهِ، ورِفْعَةِ شَأْنِهِ عِنْدَ رَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ الآتِي، وقِيلَ: عَلى ما سَيَقَعُ مِن أخْذِ أُخْتِهِ الحَسْناءِ
صفحة 112
﴿لأقْتُلَنَّكَ﴾ أيْ: واللَّهِ تَعالى ( لَأقْتُلَنَّكَ ) بِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ، وقُرِئَ بِالمُخَفَّفَةِ ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كالَّذِي قَبْلَهُ، أيْ قالَ الَّذِي تُقُبِّلَ قُرْبانُهُ لَمّا رَأى حَسَدَ أخِيهِ ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ﴾ أيِ القُرْبانَ والطّاعَةَ ﴿مِنَ المُتَّقِينَ﴾ في ذَلِكَ بِإخْلاصِ النِّيَّةِ فِيهِ لِلَّهِ تَعالى لا مِن غَيْرِهِمْ، ولَيْسَ المُرادُ مِنَ التَّقْوى التَّقْوى مِنَ الشِّرْكِ الَّتِي هي أوَّلُ المَراتِبِ كَما قِيلَ، ومُرادُهُ مِن هَذا الجَوابِ: إنَّكَ إنَّما أتَيْتَ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ لِانْسِلاخِها عَنْ لِباسِ التَّقْوى، لا مِن قِبَلِي فَلِمَ تَقْتُلُنِي؟ وما لَكَ لا تُعاتِبُ نَفْسَكَ ولا تَحْمِلُها عَلى تَقْوى اللَّهِ تَعالى، الَّتِي هي السَّبَبُ في القَبُولِ؟! وهو جَوابٌ حَكِيمٌ مُخْتَصَرٌ جامِعٌ لِمَعانٍ.
وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الحاسِدَ يَنْبَغِي أنْ يَرى حِرْمانَهُ مِن تَقْصِيرِهِ، ويَجْتَهِدُ في تَحْصِيلِ ما بِهِ صارَ المَحْسُودُ مَحْظُوظًا، لا في إزالَةِ حَظِّهِ ونِعْمَتِهِ، فَإنَّ اجْتِهادَهُ - فِيما ذُكِرَ - يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُهُ.
وقِيلَ: مُرادُهُ الكِنايَةُ عَنْ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى بِوَعِيدِهِ؛ لِأنَّهُ مُتَّقٍ، والمُتَّقِي يُؤْثِرُ الِامْتِثالَ عَلى الحَياةِ، أوِ الكِنايَةُ عَنْ أنَّهُ لا يَقْتُلُهُ دَفْعًا لِقَتْلِهِ؛ لِأنَّهُ مُتَّقٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كالتَّوْطِئَةِ لِما بَعْدَهُ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
وما أنْعى هَذِهِ الآيَةَ عَلى العامِلِينَ أعْمالَهُمْ، وعَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ بَكى حِينَ حَضَرَتْهُ الوَفاةُ، فَقِيلَ لَهُ: ما يُبْكِيكَ فَقَدْ كُنْتَ وكُنْتَ؟ قالَ: إنِّي أسْمَعُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ .
5:28Page 112
لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨
If you should raise your hand toward me to kill me - I shall not raise my hand toward you to kill you. Indeed, I fear Allāh, Lord of the worlds.
﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ﴾ قِيلَ كانَ هابِيلُ أقْوى مِنهُ، ولَكِنْ تَحَرَّجَ عَنْ قَتْلِهِ، واسْتَسْلَمَ لَهُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ المُدافِعَةَ لَمْ تَكُنْ جائِزَةً في ذَلِكَ الوَقْتِ وفي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، كَما رَوى مُجاهِدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ قَدْ كُتِبَ عَلَيْهِمْ إذا الرَّجُلُ بَسَطَ يَدَهُ إلى الرَّجُلِ لا يَمْتَنِعُ مِنهُ حَتّى يَقْتُلَهُ أوْ يَدَعَهُ».
أوْ تَحَرِّيًا لِما هو الأفْضَلُ الأكْثَرُ ثَوابًا، وهو كَوْنُهُ مَقْتُولًا لا قاتِلًا بِالدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ بِناءً عَلى جَوازِهِ إذْ ذاكَ.
قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: واخْتُلِفَ في هَذا الآنَ - عَلى ما بَسَطَهُ الإمامُ الجَصّاصُ - فالصَّحِيحُ مِنَ المَذْهَبِ أنَّهُ يَلْزَمُ الرَّجُلُ دَفْعَ الفَسادِ عَنْ نَفْسِهِ وغَيْرِهِ، وإنْ أدّى إلى القَتْلِ، ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وغَيْرُهُ: إنَّ المَعْنى في الآيَةِ: لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ عَلى سَبِيلِ الظُّلْمِ والِابْتِداءِ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ عَلى وجْهِ الظُّلْمِ والِابْتِداءِ، وتَكُونُ الآيَةُ - عَلى ما قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ -: مَنسُوخَةً، وهَلْ نُسِخَتْ قَبْلَ شَرِيعَتِنا أمْ لا؟ فِيهِ كَلامٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ﴾ وغَيْرُهُ مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ.
وقِيلَ: إنَّهُ لا يَلْزَمُ ذَلِكَ، بَلْ يَجُوزُ، واسْتُدِلَّ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ في الطَّبَقاتِ، عَنْ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ««أنَّهُ ذَكَرَ فِتْنَةً، القاعِدُ فِيها خَيْرٌ مِنَ القائِمِ، والقائِمُ فِيها خَيْرٌ مِنَ الماشِي، والماشِي فِيها خَيْرٌ مِنَ السّاعِي، فَإنْ أدْرَكْتَ ذَلِكَ فَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ المَقْتُولَ، ولا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ القاتِلَ»» وأوَّلُوهُ بِتَرْكِ القِتالِ في الفِتْنَةِ واجْتِنابِها، وأوَّلُ الحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وأمّا مَن مَنَعَ ذَلِكَ الآنَ مُسْتَدِلًّا بِحَدِيثِ: ««إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ»» فَقَدْ رُدَّ بِأنَّ المُرادَ بِهِ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما عَزَمَ عَلى قَتْلِ أخِيهِ، وإنْ لَمْ يُقاتِلْهُ وتَقابَلا بِهَذا القَصْدِ، انْتَهى بِزِيادَةٍ.
وعَنِ السَّيِّدِ المُرْتَضى أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ مِن مَحَلِّ النِّزاعِ؛ لِأنَّ اللّامَ الدّاخِلَةَ عَلى فِعْلِ القَتْلِ لامُ ( كَيْ ) وهي مُنْبِئَةٌ عَنِ الإرادَةِ والغَرَضِ، ولا شُبْهَةَ في قُبْحِ ذَلِكَ أوَّلًا وآخِرًا؛ لِأنَّ المُدافِعَ إنَّما يَحْسُنُ مِنهُ المُدافِعَةُ لِلظّالِمِ طَلَبًا لِلتَّخَلُّصِ مِن غَيْرِ أنْ يَقْصِدَ إلى قَتْلِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ لَهُ: لَئِنْ ظَلَمْتَنِي لَمْ أظْلِمْكَ.
وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ( ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ ) في جَوابِ ( لَئِنْ بَسَطْتَ ) لِلْمُبالَغَةِ في أنَّهُ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، ولا مِمَّنْ يَتَّصِفُ بِهِ، ولِذَلِكَ أكَّدَ النَّفْيَ
صفحة 113
بِالباءِ، ولَمْ يَقُلْ: وما أنا بِقاتِلٍ، بَلْ قالَ: ( بِباسِطٍ ) لِلتَّبَرِّي عَنْ مُقَدِّماتِ القَتْلِ فَضْلًا عَنْهُ، وقُدِّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ المُتَعَلِّقُ بِـ( بَسَطْتَ ) إيذانًا عَلى ما قِيلَ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِرُجُوعِ ضَرَرِ البَسْطِ وغائِلَتِهِ إلَيْهِ، ويَخْطُرُ لِي أنَّهُ قُدِّمَ لِتَعْجِيلِ تَذْكِيرِهِ بِنَفَسِهِ المُنْجَرِّ إلى تَذْكِيرِهِ بِالأُخُوَّةِ المانِعَةِ عَنِ القَتْلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلِامْتِناعِ عَنْ بَسْطِ يَدِهِ لِيَقْتُلَهُ، وفِيهِ إرْشادُ قابِيلَ إلى خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وتَعْرِيضٌ بِأنَّ القاتِلَ لا يَخافُ اللَّهَ تَعالى.
5:29Page 112
إِنِّيٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثۡمِي وَإِثۡمِكَ فَتَكُونَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩
Indeed, I want you to obtain [thereby] my sin and your sin so you will be among the companions of the Fire. And that is the recompense of wrongdoers."
﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ تَعْلِيلٌ آخَرُ لِامْتِناعِهِ عَنِ البَسْطِ، ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنهُما عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً لَمْ يُعْطَفْ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ؛ إيذانًا بِالِاسْتِقْلالِ، ودَفْعًا لِتَوِّهِمْ أنْ يَكُونَ جُزْءَ عِلَّةٍ لا عِلَّةً تامَّةً، وأصْلُ البَوْءِ اللُّزُومُ، وفي النِّهايَةِ: «أبُوءُ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وأبُوءُ بِذَنْبِي» أيْ ألْتَزِمُ وأرْجِعُ وأُقِرُّ، والمَعْنى: إنِّي أُرِيدُ بِاسْتِسْلامِي وامْتِناعِي عَنِ التَّعَرُّضِ لَكَ أنْ تَرْجِعَ بِإثْمِي، أيْ تَتَحَمَّلُهُ، لَوْ بَسَطْتُ يَدِي إلَيْكَ، حَيْثُ كُنْتَ السَّبَبَ لَهُ، وأنْتَ الَّذِي عَلَّمْتَنِي الضَّرْبَ والقَتْلَ، وإثْمِكَ حَيْثُ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ.
وهَذا نَظِيرُ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««المُسْتَبّانِ ما قالا فَعَلى البادِئِ ما لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومُ»» أيْ عَلى البادِئِ إثْمُ سَبِّهِ، ومِثْلُ إثْمِ سَبِّ صاحِبِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ سَبَبًا فِيهِ، إلّا أنَّ الإثْمَ مَحْطُوطٌ عَنْ صاحِبِهِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ مُكافِئٌ دافِعٌ عَنْ عِرْضِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: «ما لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومُ» لِأنَّهُ إذا خَرَجَ مِن حَدِّ المُكافَأةِ واعْتَدى لَمْ يَسْلَمْ، كَذا في الكَشّافِ.
قِيلَ: وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ حاصِلَ ما قَرَّرَهُ أنَّ عَلى البادِئِ إثْمُهُ ومِثْلُ إثْمِ صاحِبِهِ إلّا أنْ يَتَعَدّى الصّاحِبُ فَلا يَكُونُ هَذا المَجْمُوعُ عَلى البادِئِ، ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ المَظْلُومَ إذْ لَمْ يَتَعَدَّ كانَ إثْمُهُ المَخْصُوصُ بِسَبَبِهِ ساقِطًا عَنْهُ، اللَّهُمَّ إلّا بِضَمِيمَةٍ تَنْضَمُّ إلَيْهِ، ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يُشْعِرُ بِها، ورَدَّهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ كَيْفَ لا يَدُلُّ عَلى سُقُوطِهِ عَنْهُ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «فَعَلى البادِئِ» مُخَصِّصٌ ظاهِرٌ.
وقَوْلُ الكَشّافِ: إلّا أنَّ الإثْمَ مَحْطُوطٌ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: «فَعَلى البادِئِ» وقَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ إثْمُ سَبِّهِ ومِثْلُ إثْمِ سَبِّ صاحِبِهِ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: «ما قالا» فَكَما يَدُلُّ عَلى أنَّ عَلَيْهِ إثْمًا مُضاعَفًا يَدُلُّ عَلى أنَّ إثْمِ صاحِبِهِ ساقِطٌ.
هَذا، ثُمَّ قالَ: ولَعَلَّ الأظْهَرَ في الحَدِيثِ أنْ لا يُضْمَرَ المِثْلُ، والمَعْنى: إثْمُ سِبابِهِما عَلى البادِئِ، وكانَ ذَلِكَ لِئَلّا يُلْتَزَمَ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، والقَوْلُ: بِأنَّهُ إذْ لَمْ يَكُنْ لِما قالَهُ غَيْرُ البادِئِ إثْمٌ فَكَيْفَ يُقالُ: إثْمُ سِبابِهِما؟ وكَيْفَ يُضافُ إلَيْهِ الإثْمُ مُشْتَرَكُ الإلْزامِ؟ وتَحْقِيقُهُ أنَّ لِما قالَهُ غَيْرُ البادِئِ إثْمًا، ولَيْسَ عَلى البادِئِ، ولَيْسَ بِمُنافٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( ولا تَّزَرَ وازِرَة وِزْر أُخْرى ) لِأنَّهُ بِحْمِلِهِ عَلَيْهِ عُدَّ جانِبًا، وهَذا كَما ورَدَ فِيمَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، أوْ سُنَّةً سَيِّئَةً، نَعَمْ، فِيما نَحْنُ فِيهِ العامِلُ لا إثْمَ لَهُ، إنَّما هو لِلْحامِلِ، والحاصِلُ أنَّ سَبَّ غَيْرِ البادِئِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْئانِ:
أحَدُهُما بِالنِّسْبَةِ إلى فاعِلِهِ، وهو ساقِطٌ إذا كانَ عَلى وجْهِ الدَّفْعِ دُونَ اعْتِداءٍ.
والثّانِي بِالنِّسْبَةِ إلى حامِلِهِ عَلَيْهِ، وهو غَيْرُ ساقِطٍ، أعْنِي أنَّهُ يَثْبُتُ ابْتِداءً لا أنَّهُ لا يُعْفى.
وأوْرَدَ في التَّحْقِيقِ أنَّ ما ذَكَرَهُ مِن حَطِّ الإثْمِ مِنَ المَظْلُومِ؛ لِأنَّهُ مُكافِئٌ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ إذا سُبَّ شَخْصٌ لَمْ يَسْتَوْفِ الجَزاءَ إلّا بِالحاكِمِ، والجَوابُ: إنَّ صَرِيحَ الحَدِيثِ يَدُلُّ عَلى ما ذُكِرَ في الكَشّافِ، والجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحُكْمِ الفِقْهِيِّ أنَّ السَّبَّ إمّا أنْ يَكُونَ بِلَفْظٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الحَدُّ شَرْعًا فَذَلِكَ سَبِيلُهُ الرَّفْعُ إلى الحاكِمِ، أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ وحِينَئِذٍ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ كَلِمَةَ إيحاشٍ أوِ امْتِنانٍ أوْ تَفاخُرٍ بِنَسَبٍ ونَحْوِهِ مِمّا يَتَضَمَّنُ إزْراءً بِنَسَبِ صاحِبِهِ مِن دُونِ شَتْمٍ، كَنَحْوِ الرَّمْيِ بِالكُفْرِ والفِسْقِ، فَلَهُ أنْ يُعارِضَهُ بِالمِثْلِ، ويَدُلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ زَيْنَبَ وعائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعائِشَةَ:
صفحة 114
«دُونَكِ فانْتَصِرِي»» أوْ يَتَضَمَّنُ شَتْمًا فَذَلِكَ أيْضًا يُرْفَعُ إلى الحاكِمِ؛ لِيُعَزِّرَهُ.
والحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلى القِسْمِ الَّذِي يُجْرى فِيهِ الِانْتِصارُ، وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««ما لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومُ»» يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ حَقُّهُ الرَّفْعَ إلى الحاكِمِ فاشْتَغَلَ بِالمُعارَضَةِ عُدَّ مُتَعَدِّيًا، انْتَهى، وهو تَفْصِيلٌ حَسَنٌ.
وقِيلَ: مَعْنى ( بِإثْمِي ) بِإثْمِ قَتْلِي، ومَعْنى ( بِإثْمِكَ ) إثْمُكَ الَّذِي كانَ قَبْلَ قَتْلِي، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ، وأطْلَقَ هَؤُلاءِ الإثْمَ الَّذِي كانَ قَبْلُ.
وعَنِ الجُبّائِيِّ والزَّجّاجِ أنَّهُ الإثْمُ الَّذِي مِن أجْلِهِ لَمْ يُتَقَبَّلِ القُرْبانُ، وهو عَدَمُ الرِّضا بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى كَما مَرَّ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِإثْمِ قَتْلِي وإثْمِكَ الَّذِي هو قَتْلُ النّاسِ جَمِيعًا، حَيْثُ سَنَنْتَ القَتْلَ.
وإضافَةُ الإثْمِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهُ نَشَأ مِن قِبَلِهِ، أوْ هو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ إلَيْهِ، كَما قَدْ قِيلَ بِهِ أوَّلًا، إلّا أنَّهُ لا خَفاءَ في عَدَمِ حُسْنِ المُقابَلَةِ بَيْنَ التَّكَلُّمِ والخِطابِ عَلى هَذا؛ لِأنَّ كِلا الإثْمَيْنِ إثْمُ المُخاطَبِ، والأمْرُ فِيهِ سَهَلٌ.
والجارُّ والمَجْرُورُ مَعَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ حالٌ مِن فاعِلِ ( تَبُوءَ ) أيْ تَرْجِعُ مُتَلَبِّسًا بِالإثْمَيْنِ، حامِلًا لَهُما، ولَعَلَّ مُرادَهُ بِالذّاتِ إنَّما هو عَدَمُ مُلابَسَتِهِ لِلْإثْمِ لا مُلابَسَةُ أخِيهِ، إذْ إرادَةُ الإثْمِ مِن آخَرَ غَيْرُ جائِزَةٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالإثْمِ ما يَلْزَمُهُ ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ العُقُوبَةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا يَتَّضِحُ حِينَئِذٍ تَفْرِيعُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ عَلى تِلْكَ الإرادَةِ، فَإنَّ كَوْنَ المُخاطَبِ مِن أصْحابِ النّارِ إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلى رُجُوعِهِ بِالإثْمَيْنِ لا عَلى ابْتِلاءٍ بِعُقُوبَتِهِما، وهو ظاهِرٌ.
وحَمْلُ العُقُوبَةِ عَلى نَوْعٍ آخَرَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العُقُوبَةُ النّارِيَّةُ يَرُدُّهُ - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ كَوْنَهُ مِن أصْحابِ النّارِ تَمامُ العُقُوبَةِ وكَمالُها، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وهي مِن كَلامِ هابِيلَ عَلى ما هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: بَلْ هي إخْبارٌ مِنهُ تَعالى لِلرَّسُولِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
5:30Page 112
فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٣٠
And his soul permitted to him1 the murder of his brother, so he killed him and became among the losers.
﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ﴾ فَسَهَّلَتْهُ لَهُ ووَسَّعَتْهُ، مِن طاعَ لَهُ المَرْتَعُ إذا اتَّسَعَ، وتَرْتِيبُ التَّطْوِيعِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مَقالاتِ هابِيلَ مَعَ تَحَقُّقِهِ قَبْلُ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ( لَأقْتُلَنَّكَ ) لِما أنَّ بَقاءَ الفِعْلِ بَعْدَ تَقَرُّرِ ما يُزِيلُهُ - وإنْ كانَ اسْتِمْرارًا عَلَيْهِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ - لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ أمْرٌ حادِثٌ، وصُنْعٌ جَدِيدٌ، أوْ لِأنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مِنَ التَّطْوِيعِ لَمْ تَكُنْ حاصِلَةً قَبْلَ ذَلِكَ بِناءً عَلى تَرَدُّدِهِ في قُدْرَتِهِ عَلى القَتْلِ لِما أنَّ أخاهُ كانَ أقْوى مِنهُ، وأنَّها حَصَلَتْ بَعْدَ وُقُوفِهِ عَلى اسْتِسْلامِهِ وعَدَمِ مُعارَضَتِهِ لَهُ، والتَّصْرِيحُ بِأُخُوَّتِهِ لِكَمالِ تَقْبِيحِ ما سَوَّلَتْهُ نَفْسُهُ، وقَرَأ الحَسَنُ ( فَطاوَعَتْ ) وفِيها وجْهانِ:
الأوَّلُ أنَّ ( فاعَلَ ) بِمَعْنى ( فَعَلَ ) كَما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، وهو أوْفَقُ بِالقِراءَةِ المُتَواتِرَةِ.
والثّانِي أنَّ المُفاعَلَةَ مَجازِيَّةٌ بِجَعْلِ القَتْلِ يَدْعُو النَّفْسَ إلى الإقْدامِ عَلَيْهِ وجَعَلَتِ النَّفْسُ تَأْباهُ، فَكُلٌّ مِنَ القَتْلِ والنَّفْسِ كَأنَّهُ يُرِيدُ مِن صاحِبِهِ أنْ يُطِيعَهُ إلى أنْ غَلَبَ القَتْلُ النَّفْسَ ( فَطاوَعَتْهُ ) و( لَهُ ) لِلتَّأْكِيدِ والتَّبْيِينِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ .
والقَوْلُ بِأنَّهُ لِلِاحْتِرازِ عَنْ أنْ يَكُونَ ( طَوَّعَتْ ) لِغَيْرِهِ أنْ يَقْتُلَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿فَقَتَلَهُ﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ مُجاهِدٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ: «أنَّ قابِيلَ لَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَقْتُلُ هابِيلَ، فَتَمَثَّلَ لَهُ إبْلِيسُ اللَّعِينُ في هَيْئَةِ طَيْرٍ، فَأخَذَ طَيْرًا فَوَضَعَ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَشَدَخَهُ، فَعَلَّمَهُ القَتْلَ، فَقَتَلَهُ كَذَلِكَ وهو مُسْتَسْلِمٌ».
وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - «أنَّ قابِيلَ طَلَبَ أخاهُ لِيَقْتُلَهُ فَراغَ مِنهُ في رُءُوسِ الجِبالِ، فَأتاهُ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ وهو يَرْعى غَنَمًا لَهُ وهو نائِمٌ، فَرَفَعَ صَخْرَةً فَشَدَخَ بِها رَأْسَهُ فَماتَ، فَتَرَكَهُ بِالعَراءِ، ولا يَعْلَمُ كَيْفَ يُدْفَنُ، إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى الغُرابَ، وكانَ لِهابِيلَ لَمّا قُتِلَ عِشْرُونَ سَنَةً».
واخْتُلِفَ في مَوْضِعِ قَتْلِهِ، فَعَنْ عَمْرٍو الشَّعْبانِيِّ، عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ قُتِلَ عَلى
صفحة 115
جَبَلِ دَيْرِ المِرانِ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: أنَّهُ قُتِلَ عَلى جَبَلِ قاسِيُونَ، وقِيلَ: عِنْدَ عَقَبَةِ حِراءٍ، وقِيلَ بِالبَصْرَةِ في مَوْضِعِ المَسْجِدِ الأعْظَمِ.
وأخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ فَضالَةَ، أنَّهُ لَمّا قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ مَسَخَ اللَّهِ تَعالى عَقْلَهُ، وخَلَعَ فُؤادَهُ، فَلَمْ يَزَلْ تائِهًا حَتّى ماتَ.
ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَتَلَهُ اسْوَدَّ جَسَدُهُ وكانَ أبْيَضَ، فَسَألَهُ آدَمُ عَنْ أخِيهِ فَقالَ: ما كُنْتُ عَلَيْهِ وكِيلًا، قالَ: بَلْ قَتَلْتَهُ، ولِذَلِكَ اسْوَدَّ جَسَدُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: «إنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا قَتَلَ أحَدُ بَنِيهِ الآخَرَ مَكَثَ مِائَةَ عامٍ لا يَضْحَكُ حُزْنًا عَلَيْهِ، فَأُتِيَ عَلى رَأْسِ المِائَةِ، فَقِيلَ لَهُ: حَيّاكَ اللَّهُ تَعالى وبَيّاكَ، وبُشِّرَ بِغُلامٍ فَعِنْدَ ذَلِكَ ضَحِكَ».
وذَكَرَ مُحْيِي السُّنَّةِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وُلِدَ لَهُ بَعْدَ قَتْلِ ولَدِهِ بِخَمْسِينَ سَنَةً شِيتُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَفْسِيرُهُ ( هِبَةُ اللَّهِ ) يَعْنِي أنَّهُ خَلَفٌ مِن هابِيلَ، وعَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى ساعاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وعِبادَةَ الخَلْقِ مِن كُلِّ ساعَةٍ مِنها، وأنْزَلَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَحِيفَةً، وصارَ وصِيَّ آدَمَ، ووَلِيَّ عَهْدِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - قالَ: «لَمّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أخاهُ بَكى آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورَثاهُ بِشِعْرٍ».
وأخْرَجَ نَحْوَ ذَلِكَ الخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وهو مَشْهُورٌ.
ورُوِيَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ، عَنِ الحَبْرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: «مَن قالَ: إنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ شِعْرًا فَقَدْ كَذَبَ، إنَّ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والأنْبِياءَ كُلَّهم - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في النَّهْيِ عَنِ الشِّعْرِ سَواءٌ» ولَكِنْ لَمّا قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ رَثاهُ آدَمُ بِالسُّرْيانِيِّ، فَلَمْ يَزَلْ يُنْقَلُ حَتّى وصَلَ إلى يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ، وكانَ يَتَكَلَّمُ بِالعَرَبِيَّةِ والسُّرْيانِيَّةِ، فَنَظَرَ فِيهِ فَقَدَّمَ وأخَّرَ وجَعَلَهُ شِعْرًا عَرَبِيًّا، وذَكَرَ بَعْضُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ أنَّ في ذَلِكَ الشِّعْرِ لَحْنًا أوْ إقْواءً أوِ ارْتِكابَ ضَرُورَةٍ، والأوْلى عَدَمُ نِسْبَتِهِ إلى يَعْرُبَ أيْضًا؛ لِما فِيهِ مِنَ الرَّكاكَةِ الظّاهِرَةِ.
﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ دُنْيا وآخِرَةً.
أخَرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««لا تُقْتَلْ نَفْسًا ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ»».
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: «إنّا لَنَجِدُ ابْنَ آدَمَ القاتِلَ يُقاسِمُ أهْلَ النّارِ قِسْمَةً صَحِيحَةَ العَذابِ، عَلَيْهِ شَطْرُ عَذابِهِمْ».
ووَرَدَ أنَّهُ أحَدُ الأشْقِياءِ، وهَذا ونَحْوُهُ صَرِيحٌ في أنَّ الرَّجُلَ ماتَ كافِرًا.
وأصْرَحُ مِن ذَلِكَ ما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَتَلَ أخاهُ هَرَبَ إلى عَدَنَ مِن أرْضِ اليَمَنِ، فَأتاهُ إبْلِيسُ - عَلَيْهِما اللَّعْنَةُ - فَقالَ: إنَّما أكَلَتِ النّارُ قُرْبانَ هابِيلَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَخْدِمُها ويَعْبُدُها، فَإنْ عَبَدْتَها أيْضًا حَصَلَ مَقْصُودُكَ، فَبَنى بَيْتَ نارٍ فَعَبَدَها، فَهو أوَّلُ مَن عَبَدَ النّارَ، والظّاهِرُ أنَّ عَلَيْهِ أيْضًا وِزْرَ مَن يَعْبُدُ النّارَ، بَلْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ وِزْرُ مَن يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( فَأصْبَحَ ) عَلى أنَّ القَتْلَ وقَعَ لَيْلًا، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإنَّ مِن عادَةِ العَرَبِ أنْ يَقُولُوا: أصْبَحَ فُلانٌ خاسِرَ الصَّفْقَةِ إذا فَعَلَ أمْرًا ثَمَرَتُهُ الخُسْرانُ، ويَعْنُونَ بِذَلِكَ الحُصُولَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ وقْتٍ دُونَ وقْتٍ، وإنَّما لَمْ يَقِلْ سُبْحانَهُ: ( فَأصْبَحَ خاسِرًا ) لِلْمُبالَغَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ خاسِرٌ سِواهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences