Al-AlusiAl‑Ma'idah · 5:42–43

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:42–43

5:42Page 115

سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحۡتِۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُمۡ أَوۡ أَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡۖ وَإِن تُعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيۡـٔٗاۖ وَإِنۡ حَكَمۡتَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٤٢

[They are] avid listeners to falsehood, devourers of [what is] unlawful. So if they come to you, [O Muḥammad], judge between them or turn away from them. And if you turn away from them - never will they harm you at all. And if you judge, judge between them with justice. Indeed, Allāh loves those who act justly.

﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ وقِيلَ: إنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ) إلَخْ، أوْ تَوْطِئَةٌ لِما بَعْدَهُ، أوِ المُرادُ بِالكَذِبِ هُنا الدَّعْوى الباطِلَةُ، وفِيما مَرَّ ما يَفْتَرِيهِ الأحْبارُ، ويُؤَيِّدُهُ الفَصْلُ بَيْنَهُما.

﴿أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ أيِ الحَرامِ، مِن ( سَحَتَهُ ) إذا اسْتَأْصَلَهُ، وسُمِّيَ الحَرامُ سُحْتًا عِنْدَ الزَّجّاجِ؛ لِأنَّهُ يَعْقُبُ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ والبَوارِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: لِأنَّهُ لا بَرَكَةَ لِأهْلِهِ فَيُهْلِكُ هَلاكَ الِاسْتِئْصالِ غالِبًا، وقالَ الخَلِيلُ: لِأنَّ في طَرِيقِ كَسْبِهِ عارًا، فَهو يُسْحِتُ مُرُوءَةَ الإنْسانِ، والمُرادُ بِهِ هُنا عَلى المَشْهُورِ الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِن سُحْتٍ فالنّارُ أوْلى بِهِ، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما السُّحْتُ؟ قالَ: الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ»».

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««هَدايا الأُمَراءِ سُحْتٌ»».

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: «أرَأيْتَ الرِّشْوَةَ في الحُكْمِ أمِنَ السُّحْتِ هِيَ؟ قالَ: لا، ولَكِنْ كُفْرٌ، إنَّما السُّحْتُ أنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عِنْدَ السُّلْطانِ جاهٌ ومُنْزِلَةٌ، ويَكُونُ لِلْآخَرِ إلى السُّلْطانِ حاجَةٌ فَلا يَقْضِي حاجَتَهُ حَتّى يُهْدِيَ إلَيْهِ هَدِيَّةً».

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: «أنَّهُ سُئِلَ عَنِ السُّحْتِ؟ فَقالَ: الرِّشا، فَقِيلَ لَهُ: في الحُكْمِ؟ قالَ: ذاكَ الكُفْرُ».

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَ ذَلِكَ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««سِتُّ خِصالٍ مِنَ السُّحْتِ؛ رَشْوَةُ الإمامِ وهي أخْبَثُ ذَلِكَ كُلِّهِ، وثَمَنُ الكَلْبِ، وعَسْبُ الفَحْلِ، ومَهْرُ البَغِيِّ، وكَسْبُ الحَجّامِ، وحُلْوانُ الكاهِنِ»» وعَدَّ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في رِوايَةِ ابْنِ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيِّ عَنْهُ أشْياءَ أُخَرَ.

قِيلَ: ولِعِظَمِ أمْرِ الرِّشْوَةِ اقْتَصَرَ عَلَيْها مَنِ اقْتَصَرَ، وجاءَ مِن طُرُقٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««لُعِنَ الرّاشِي والمُرْتَشِي والرّائِشُ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُما»».

ولِتَفاقُمِ الأمْرِ في هَذِهِ الأزْمانِ بِالِارْتِشاءِ صَدَرَ الأمْرُ مِن حَضْرَةِ مَوْلانا - ظِلُّ اللَّهِ تَعالى عَلى الخَلِيقَةِ، ومُجَدِّدُ نِظامِ رُسُومِ الشَّرِيعَةِ والحَقِيقَةِ - السُّلْطانُ العَدْلِيُّ مَحْمُودْ خانَ، لا زالَ مُحاطًا بِأمانِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُما كانَ - في السَّنَةِ الرّابِعَةِ والخَمْسِينَ بَعْدَ الألْفِ والمِائَتَيْنِ - بِمُؤاخَذَةِ المُرْتَشِي وأخَوَيْهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وحَدَّ لِلْهَدِيَّةِ حَدًّا لِئَلّا يُتَوَصَّلَ بِها إلى الِارْتِشاءِ، كَما يَفْعَلُهُ اليَوْمَ كَثِيرٌ مِنَ الأُمَراءِ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««سَتَكُونُ مِن بَعْدِي وُلاةٌ يَسْتَحِلُّونَ الخَمْرَ، والنَّبِيذَ، والنَّجْشَ بِالصَّدَقَةِ، والسُّحْتَ بِالهَدِيَّةِ، والقَتْلَ بِالمَوْعِظَةِ، يَقْتُلُونَ البَرِيءَ؛ لِيُوَطِّئُوا العامَّةَ، يُمْلى لَهم فَيَزْدادُوا إثْمًا»».

هَذا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ: ( السُّحُتَ ) بِضَمَّتَيْنِ، وهُما لُغَتانِ كالعُنْقِ والعُنُقِ.

صفحة 141

وقُرِئَ ( السَّحْتُ ) بِفَتْحِ السِّينِ عَلى لَفْظِ المَصْدَرِ، أُرِيدَ بِهِ المَسْحُوتُ، كالصَّيْدِ بِمَعْنى المَصِيدِ، و( السَّحَتُ ) بِفَتْحَتَيْنِ، و( السِّحْتُ ) بِكَسْرِ السِّينِ.

﴿فَإنْ جاءُوكَ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والفاءُ فَصِيحَةٌ، أيْ: إذا كانَ حالُهم كَما شُرِحَ ( فَإنْ جاءُوكَ ) مُتَحاكِمِينَ إلَيْكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم مِنَ الخُصُوماتِ ﴿فاحْكم بَيْنَهُمْ﴾ بِما أراكَ اللَّهُ تَعالى ﴿أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ ولا مُكْتَرِثٍ، وهَذا كَما تَرى تَخْيِيرٌ لَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وهو مُعارِضٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ وتَحْقِيقُ المَقامِ عَلى ما ذَكَرَ الجَصّاصُ في كِتابِ الأحْكامِ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا، فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ التَّخْيِيرَ مَنسُوخٌ بِالآيَةِ الأُخْرى، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أكْثَرُ السَّلَفِ: قالُوا: إنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ أوَّلًا مُخَيَّرًا، ثُمَّ أُمِرَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِإجْراءِ الأحْكامِ عَلَيْهِمْ، ومِثْلُهُ لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ فِيمَن لَمْ يُعْقَدْ لَهُ ذِمَّةٌ، والأُخْرى في أهْلِ الذِّمَّةِ، فَلا نَسْخَ، وأثْبَتَهُ بَعْضُهم بِمَعْنى التَّخْصِيصِ؛ لِأنَّ مَن أُخِذَتْ مِنهُ الجِزْيَةُ تَجْرِي عَلَيْهِ أحْكامُ الإسْلامِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أيْضًا.

وقالَ أصْحابُنا: أهْلُ الذِّمَّةِ مَحْمُولُونَ عَلى أحْكامِ الإسْلامِ في البُيُوعِ والمَوارِيثِ وسائِرِ العُقُودِ، إلّا في بَيْعِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ فَإنَّهم يُقَرُّونَ عَلَيْهِ، ويُمْنَعُونَ مِنَ الزِّنا كالمُسْلِمِينَ، فَإنَّهم نُهُوا عَنْهُ، ولا يُرْجَمُونَ لِأنَّهم غَيْرُ مُحْصَنِينَ، وخَبَرُ الرَّجْمِ السّابِقُ سَبَقَ تَوْجِيهُهُ.

واخْتُلِفَ في مُناكَحَتِهِمْ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: يُقَرُّونَ عَلَيْها، وخالَفَهُ في بَعْضِ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ وزُفَرُ، ولَيْسَ لَنا عَلَيْهِمُ اعْتِراضٌ قَبْلَ التَّراضِي بِأحْكامِنا، فَمَتى تَراضَوْا بِها وتَرافَعُوا إلَيْنا وجَبَ إجْراءُ الأحْكامِ عَلَيْهِمْ، وتَمامُ التَّفْصِيلِ في الفُرُوعِ.

﴿وإنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ بَيانٌ لِحالِ الأمْرَيْنِ بَعْدَ تَخْيِيرِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – بَيْنَهُما، وتَقْدِيمُ حالِ الإعْراضِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ أنَّهُ لا ضَرَرَ فِيهِ، حَيْثُ كانَ مَظِنَّةً لِتَرَتُّبِ العَداوَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّصَدِّي لِلضَّرَرِ، فَمَآلُ المَعْنى: إنْ تُعْرِضْ عَنْهم ولَمْ تَحْكم بَيْنَهم فَعادُوكَ وقَصَدُوا ضَرَرَكَ ﴿فَلَنْ يَضُرُّوكَ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الضَّرَرِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْفَظُكَ مِن ضَرَرِهِمْ.

﴿وإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ الَّذِي أُمِرْتَ بِهِ، وهو ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ، واشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ شَرِيعَةُ الإسْلامِ، وما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - مِن أنَّهُ قالَ: «لَوْ ثُنِّيَتْ لِي الوِسادَةُ لَأفْتَيْتُ أهْلَ التَّوْراةِ بِتَوْراتِهِمْ، وأهْلَ الإنْجِيلِ بِإنْجِيلِهِمْ» إنْ صَحَّ يُرادُ مِنهُ لازِمُ المَعْنى.

﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ أيِ العادِلِينَ، فَيَحْفَظُهم عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، ويُعَظِّمُ شَأْنَهُمْ

5:43Page 115

وَكَيۡفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِيهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٣

But how is it that they come to you for judgement while they have the Torah, in which is the judgement of Allāh? Then they turn away, [even] after that; but those are not [in fact] believers.

﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ تَعْجِيبٌ مِن تَحْكِيمِهِمْ مَن لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، والحالُ أنَّ الحُكْمَ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ في كِتابِهِمُ الَّذِي يَدَّعُونَ الإيمانَ بِهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ التَّحْكِيمَ لَمْ يَكُنْ لِمَعْرِفَةِ الحَقِّ، وإنَّما هو لِطَلَبِ الأهْوَنِ، وإنْ يَكُنْ ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى بِزَعْمِهِمْ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ( يُحَكِّمُونَكَ ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ حالٌ مِنَ التَّوْراةِ، إنْ جُعِلَتْ مُرْتَفِعَةً بِالظَّرْفِ، وكَوْنُ ذَلِكَ ضَعِيفًا لِعَدَمِ اعْتِمادِ الظَّرْفِ سَهْوٌ؛ لِأنَّهُ مُعْتَمِدٌ - كَما قالَ السَّمِينُ - عَلى ذِي الحالِ، لَكِنْ قالَ: جَعْلُ التَّوْراةُ مَرْفُوعًا بِالظَّرْفِ المُصَدَّرِ بِالواوِ مَحَلُّ نَظَرٍ، ولَعَلَّ وجْهَهُ أنَّها تَجْعَلُهُ جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً غَيْرَ مُعْتَمِدَةٍ، أوْ أنَّهُ لا يُقْرَنُ بِالواوِ، وإنْ جُعِلَتْ مُبْتَدَأً فَهو حالٌ مِن ضَمِيرِها المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ مَجِيءُ الحالِ مِنَ المُبْتَدَأِ عَنْ سِيبَوَيْهِ.

صفحة 142

وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ عِنْدَهم ما يُغْنِيهِمْ عَنِ التَّحْكِيمِ، وأُنِّثَتِ التَّوْراةُ مُعامَلَةً لَها - بَعْدَ التَّعْرِيبِ - مُعامَلَةَ الأسْماءِ العَرَبِيَّةِ المُوازِنَةِ لَها كَمَوْماةٍ ودَوْداةٍ.

﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ﴾ عَطْفٌ عَلى ( يُحَكِّمُونَكَ ) داخِلٌ في حُكْمِ التَّعْجِيبِ؛ لِأنَّ التَّحْكِيمَ - مَعَ وُجُودِ ما فِيهِ الحَقُّ المُغْنِي عَنِ التَّحْكِيمِ - وإنْ كانَ مَحَلًّا لِلتَّعَجُّبِ والِاسْتِبْعادِ، لَكِنْ مَعَ الإعْراضِ عَنْ ذَلِكَ أعْجَبُ و( ثُمَّ ) لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ، وجَوَّزَ الأُجْهُورِيُّ كَوْنَ الجُمْلَةِ مُسْتَأْنَفَةً غَيْرَ داخِلَةٍ في حُكْمِ التَّعْجِيبِ، أيْ ثُمَّ هم يَتَوَلَّوْنَ، أيْ عادَتُهم فِيما إذا وُضِّحَ لَهم مِنَ الحَقِّ أنْ يُعْرِضُوا ويَتَوَلَّوْا، والأوَّلُ أوْلى.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ أنْ يُحَكِّمُوكَ، تَصْرِيحٌ بِما عُلِمَ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ، وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِفَحْوى ما قَبْلَهُ، ووَضْعُ اسْمِ الإشارَةِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ قَصْدًا إلى إحْضارِهِمْ في الذِّهْنِ بِما وُصِفُوا بِهِ مِنَ القَبائِحِ؛ إيماءً إلى عِلَّةِ الحُكْمِ، مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّهم قَدْ تَمَيَّزُوا بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِمْ أكْمَلَ تَمَيُّزٍ حَتّى انْتَظَمُوا في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، أيْ ( وما أُولَئِكَ ) المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ ( بِالمُؤْمِنِينَ ) بِكِتابِهِمْ لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ، المُنْبِئِ عَنْ عَدَمِ الرِّضا القَلْبِيِّ بِهِ أوَّلًا، وعَنْ حُكْمِكَ المُوافِقِ لَهُ ثانِيًا، أوْ بِكَ وبِهِ، وقِيلَ: هَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى عَنْ أُولَئِكَ اليَهُودِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وبِحُكْمِهِ أصْلًا.

وقِيلَ: المَعْنى وما أُولَئِكَ بِالكامِلِينَ؛ تَهَكُّمًا بِهِمْ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском