Al-AlusiAl‑Ma'idah · 5:64–65

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:64–65

5:64Page 118

وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٦٤

And the Jews say, "The hand of Allāh is chained."1 Chained are their hands, and cursed are they for what they say. Rather, both His hands are extended; He spends however He wills. And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. And We have cast among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. Every time they kindled the fire of war [against you], Allāh extinguished it. And they strive throughout the land [causing] corruption, and Allāh does not like corrupters.

﴿وقالَتِ اليَهُودُ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وعِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ بَسَطَ لِلْيَهُودِ الرِّزْقَ، فَلَمّا عَصَوْا أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -

صفحة 180

كَفَّ عَنْهم ما كانَ بَسَطَ لَهُمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ، رَأْسُ يَهُودِ قَيْنُقاعَ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - النَّبّاشُ بْنُ قَيْسٍ ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ عَزَّ وجَلَّ ﴿مَغْلُولَةٌ﴾ وحَيْثُ لَمْ يُنْكِرْ عَلى القائِلِ الآخَرُونَ ورَضُوا بِهِ نُسِبَتْ تِلْكَ العَظِيمَةُ إلى الكُلِّ، ولِذَلِكَ نَظائِرُ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنها، وأرادُوا بِذَلِكَ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى - أنَّهُ سُبْحانَهُ مُمْسِكٌ ما عِنْدَهُ، بَخِيلٌ بِهِ - تَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا - فَإنَّ كُلًّا مِن غِلِّ اليَدِ وبَسْطِها مَجازٌ عَنِ البُخْلِ والجُودِ، أوْ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ، وقَدِ اسْتُعْمِلَ حَيْثُ لا تَصِحُّ يَدٌ كَقَوْلِهِ:

جادَ الحِمى بَسَطَ اليَدَيْنِ بِوابِلٍ شَكَرَتْ نَداهُ تِلاعُهُ ووِهادُهُ

ولَقَدْ جَعَلُوا لِلشَّمالِ يَدًا كَما في قَوْلِهِ:

أضَلَّ صِوارَهُ وتَضَيَّفَتْهُ ∗∗∗ نَطُوفٌ أمْرُها بِيَدِ الشَّمالِ

وقَوْلِ لَبِيدٍ:

وغَداةِ رِيحٍ قَدْ كَشَفْتُ وقِرَّةٍ ∗∗∗ إذْ أصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمالِ زِمامُها

ويُقالُ: بَسَطَ اليَأْسُ كَفَّيْهِ في صَدْرِ فُلانٍ، فَيُجْعَلُ لِلْيَأْسِ الَّذِي هو مِنَ المَعانِي لا مِنَ الأعْيانِ كَفّانِ، قالَ الشّاعِرُ:

وقَدْ رابَنِي وهَنُ المُنى وانْقِباضُها ∗∗∗ وبَسْطُ جَدِيدِ اليَأْسِ كَفَّيْهِ في صَدْرِي

وقِيلَ: مَعْناهُ إنَّهُ سُبْحانَهُ فَقِيرٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهُ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ وقِيلَ: اليَدُ هُنا بِمَعْنى النِّعْمَةِ، أيْ: إنَّ نِعْمَتَهُ مَقْبُوضَةٌ عَنّا.

وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعْنى أنَّ يَدَ اللَّهِ تَعالى مَكْفُوفَةٌ عَنْ عَذابِنا، فَلَيْسَ يُعَذِّبُنا إلّا بِما يَبَرُّ بِهِ قَسَمَهُ قَدْرَ ما عَبَدَ آباؤُنا العِجْلَ، وكَأنَّهُ حَمَلَ اليَدَ عَلى القُدْرَةِ، والغِلَّ عَلى عَدَمِ التَّعَلُّقِ.

وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَقْصِدُوا اليَدَ الجارِحَةَ؛ فَإنَّهم مُجَسِّمَةٌ، وقَدْ حُكِيَ عَنْهم أنَّهم زَعَمُوا أنَّ رَبَّهم أبْيَضُ الرَّأْسِ واللِّحْيَةِ، قاعِدٌ عَلى كُرْسِيٍّ، وأنَّهُ فَرَغَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، واسْتَلْقى عَلى ظَهْرِهِ واضِعًا إحْدى رِجْلَيْهِ عَلى الأُخْرى، وإحْدى يَدَيْهِ عَلى صَدْرِهِ لِلِاسْتِراحَةِ مِمّا عَراهُ مِنَ النَّصَبِ في خَلْقِ ذَلِكَ - تَعالى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا - والأقْوالُ كُلُّها كَما تَرى، وكُلُّ العَجَبِ مِنَ الحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مِن قَوْلِ ذَلِكَ ولَيْتَهُ لَمْ يَقُلْ غَيْرَ الحَسَنِ، ولَعَلَّ نِسْبَتَهُ إلَيْهِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، والَذى تَقْتَضِيهِ البَلاغَةُ ويَشْهَدُ لَهُ مَساقُ الكَلامِ القَوْلُ الأوَّلُ، ولا يَبْعُدُ مِن قَوْمٍ قالُوا لِمُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ وعَبَدُوا العِجْلَ أنْ يَعْتَقِدُوا اتِّصافَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ –بِالبُخْلِ، ويَقُولُوا ما قالُوا.

وقالَ أبُو القاسِمِ البَلْخِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اليَهُودُ قالُوا قَوْلًا واعْتَقَدُوا مَذْهَبًا يُؤَدِّي مَعْناهُ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى - عَزَّ شَأْنُهُ - يَبْخَلُ في حالٍ ويَجُودُ في حالٍ آخَرَ، فَحُكِيَ عَنْهم عَلى وجْهِ التَّعَجُّبِ مِنهم والتَّكْذِيبِ لَهم.

وقالَ آخَرُ: إنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الهُزْءِ، حَيْثُ لَمْ يُوَسِّعُ سُبْحانَهُ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وعَلى أصْحابِهِ، ولا يَخْفى أنَّ ما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ لا يُساعِدُ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ والِاسْتِغْرابِ، والمُرادُ يَدُ اللَّهِ سُبْحانَهُ مَغْلُولَةٌ عَنّا، حَيْثُ قَتَّرَ المَعِيشَةَ عَلَيْنا، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ المَذْمُومِ - كَما قالَهُ الزَّجّاجُ - ودُعاؤُهُ بِذَلِكَ عِبارَةٌ عَنْ خَلْقِهِ الشُّحَّ في قُلُوبِهِمْ، والقَبْضَ في أيْدِيهِمْ، ولا اسْتِحالَةَ في ذَلِكَ عَلى ما مَذْهَبِ أهْلِ الحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالفَقْرِ والمَسْكَنَةِ، وقِيلَ: تُغَلُّ الأيْدِي حَقِيقَةً، يُغَلُّونَ في الدُّنْيا أُسارى، وفي الآخِرَةِ مُعَذَّبِينَ في أغْلالِ جَهَنَّمَ، ومُناسَبَةُ هَذا لِما قَبْلَهُ حِينَئِذٍ مِن حَيْثُ

صفحة 181

اللَّفْظُ، فَيَكُونُ تَجْنِيسًا، وقِيلَ: هي مِن حَيْثُ اللَّفْظُ ومُلاحَظَةُ أصْلِ المَجازِ، كَما تَقُولُ: سَبَّنِي، سَبَّ اللَّهُ تَعالى دابِرَهُ، أيْ قَطَعَهُ؛ لِأنَّ السَّبَبَ أصْلُهُ القَطْعُ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، واسْتَطْيَبَهُ الطِّيبِيُّ، وقالَ: إنَّ هَذِهِ مُشاكَلَةٌ لَطِيفَةٌ، بِخِلافِ قَوْلِهِ:

قالُوا: اقْتَرِحْ شَيْئًا نَجِدْ لَكَ طَبْخَهُ ∗∗∗ قُلْتُ: اطْبُخُوا لِي جُبَّةً وقَمِيصًا

واخْتارَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ أنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ شُدَّتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ في جَهَنَّمَ جَزاءَ هَذِهِ الكَلِمَةِ العَظِيمَةِ، وحَكاهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنِ الحَسَنِ، ثُمَّ قالَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ الكَلامُ بِتَقْدِيرِ الفاءِ أوِ الواوِ، فَقَدْ تَمَّ كَلامُهم واسْتُؤْنِفَ بَعْدَهُ كَلامٌ آخَرُ، ومِن عادَتِهِمْ أنْ يَحْذِفُوا فِيما يَجْرِي هَذا المَجْرى، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ هَذا عَلى الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ، ولا حاجَةَ فِيهِ إلى تَجَشُّمِ مَؤُونَةِ التَّقْدِيرِ، عَلى أنَّ كَلامَ الحَسَنِ - فِيما نَرى - لَيْسَ نَصًّا في كَوْنِ الجُمْلَةِ إخْبارِيَّةً؛ إذْ قُصارى ما قالَ: ( غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ) في جَهَنَّمَ، وهو مُحْتَمِلٌ لِأنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ﴿ولُعِنُوا﴾ أيْ أُبْعِدُوا عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وثَوابِهِ ﴿بِما قالُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ، أوْ بِالَّذِي قالُوهُ مِن ذَلِكَ القَوْلِ الشَّنِيعِ، وهَذا دُعاءٌ ثانٍ مَعْطُوفٌ عَلى الدُّعاءِ الأوَّلِ، والقائِلُ بِخَبَرِيَّتِهِ قائِلٌ بِخَيْرِيَّتِهِ، وقُرِئَ: ( ولُعْنُوا ) بِسُكُونِ العَيْنِ.

﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: كَلّا، لَيْسَ الشَّأْنُ كَما زَعَمُوا، بَلْ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الجُودِ، وإلَيْهِ - كَما قِيلَ - أُشِيرَ بِتَثْنِيَةِ اليَدِ، فَإنَّ أقْصى ما تَنْتَهِي إلَيْهِ هِمَمُ الأسْخِياءِ أنْ يُعْطُوا بِكِلْتا يَدَيْهِمْ، وقِيلَ: اليَدُ هُنا أيْضًا بِمَعْنى النِّعْمَةِ، وأُرِيدَ بِالتَّثْنِيَةِ نِعَمُ الدُّنْيا ونِعَمُ الآخِرَةِ، أوِ النِّعَمُ الظّاهِرَةُ والنِّعَمُ الباطِنَةُ، أوْ ما يُعْطى لِلِاسْتِدْراجِ وما يُعْطى لِلْإكْرامِ، وقِيلَ - ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ - أنَّها بِمَعْنى القُدْرَةِ كاليَدِ الأُولى، وتَثْنِيَتُها بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِها بِالثَّوابِ وتَعَلُّقِها بِالعِقابِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ التَّثْنِيَةِ التَّكْثِيرُ، كَما في ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ والمُرادُ مِنَ التَّكْثِيرِ مُجَرَّدُ المُبالَغَةِ في كَمالِ القُدْرَةِ وسِعَتِها، لا أنَّها مُتَعَدِّدَةٌ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:

فَسُرَّتْ أسِرَّةُ طُرَّتَيْهِ فَغُوِّرَتْ ∗∗∗ في الخَصْرِ مِنهُ وأنْجَدَتْ في نَجْدِهِ

فَإنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنَّ ذَلِكَ الرَّشادَ طُرَّتَيْنِ، إذْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا طُرَّةٌ واحِدَةٌ، وإنَّما أرادَ المُبالَغَةَ.

وقالَ سَلَفُ الأُمَّةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: إنَّ هَذا مِنَ المُتَشابَهِ، وتَفْوِيضُ تَأْوِيلِهِ إلى اللَّهِ تَعالى هو الأسْلَمُ، وقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ أثْبَتَ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ – يَدَيْنِ، وقالَ: ««وكِلْتا يَدَيْهِ يَمِينٌ»» ولَمْ يُرْوَ عَنْ أحَدٍ مِن أصْحابِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ أوَّلَ ذَلِكَ بِالنِّعْمَةِ أوْ بِالقُدْرَةِ، بَلْ أبْقَوْها كَما ورَدَتْ، وسَكَتُوا، ولَئِنْ كانَ الكَلامُ مِن فِضَّةٍ فالسُّكُوتُ مِن ذَهَبٍ، لاسِيَّما في مِثْلِ هَذِهِ المَواطِنِ.

وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( بَلْ يَداهُ بُسُطانِ ) يُقالُ: يَدٌ بُسُطٌ بِالمَعْرُوفِ، ونَحْوُهُ: مِشْيَةٌ سُجُحٌ، وناقَةٌ سُرُحٌ.

﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وارِدَةٌ لِتَأْكِيدِ كَمالِ جُودِهِ سُبْحانَهُ؛ لِما فِيها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَعْمِيمِ الأحْوالِ المُسْتَفادِ مِن ( كَيْفَ ) و( فِيها ) تَنْبِيهٌ عَلى سِرِّ ما ابْتُلُوا بِهِ مِنَ الضِّيقِ الَّذِي اتَّخَذُوهُ مِن غايَةِ جَهْلِهِمْ وضَلالِهِمْ ذَرِيعَةً إلى الِاجْتِراءِ عَلى كَلِمَةٍ مَلَأ الفَضاءَ قُبْحُها، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِقُصُورٍ في فَيْضِهِ، بَلْ لِأنَّ إنْفاقَهُ تابِعٌ لِمَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي عَلَيْها تَدُورُ أفْلاكُ المَعاشِ والمَعادِ، وقَدِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ - إذْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وكَذَّبُوا رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، و( كَيْفَ ) ظَرْفٌ لِـ( يَشاءُ ) والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ ( يُنْفِقُ ) أيْ: يُنْفِقُ كائِنًا

صفحة 182

عَلى أيِّ حالٍ يَشاءُ، أيْ: عَلى مَشِيئَتِهِ، أيْ مُرِيدًا، وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ ( يُنْفِقُ ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ( يَداهُ ) واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بِالخَبَرِ، وبِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، والحالُ لا يَجِيءُ مِنهُ، ورُدَّ بِأنَّ الفَصْلَ بَيْنَ الحالِ وذِيها لَيْسَ بِمُمْتَنَعٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ إذْ قِيلَ: إنَّ ( شَيْخًا ) حالٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، والعامِلُ فِيهِ التَّنْبِيهُ، وأنَّ المَمْنُوعَ مَجِيءُ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ إذا لَمْ يَكُنْ جُزْءًا أوْ كَجُزْءٍ أوْ عامِلًا، وها هُنا المُضافُ جُزْءٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، أوْ كَجُزْءٍ، فَلَيْسَ بِمُمْتَنَعٍ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ اليَدَيْنِ، أوْ مِن ضَمِيرِهِما، ورُدَّ بِأنَّهُ لا ضَمِيرَ لَهُما فِيها، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن تَقْدِيرِ ضَمِيرٍ لَهُما، أيْ يُنْفِقُ بِهِما، ومِن هُنا قِيلَ بِجَوازِ كَوْنِها خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَأِ، نَعَمِ، التَّقْدِيرُ خِلافُ الأصْلِ والظّاهِرِ، وهو إنَّما يَقْتَضِي المَرْجُوحِيَّةَ لا الِامْتِناعَ، وتَرَكَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ ما يُنْفِقُهُ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ.

﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ وهم عُلَماؤُهم ورُؤَساؤُهُمْ، أوِ المُقِيمُونَ عَلى الكُفْرِ مِنهم مُطْلَقًا ﴿ما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ مِنَ القُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى هَذِهِ الآياتِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ( أُنْزِلَ ) كَما أنَّ ( إلَيْكَ ) كَذَلِكَ، وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ - مَعَ أنَّ حَقَّ المُبْتَدَأِ أنْ يُقَدَّمَ عَلى المُنْتَهى لِاقْتِضاءِ المَقامِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - الِاهْتِمامُ بِبَيانِ المُنْتَهى؛ لِأنَّ مَدارَ الزِّيادَةِ هو النُّزُولُ إلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وفي التَّعْبِيرِ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما لا يَخْفى مِنَ التَّشْرِيفِ.

والمَوْصُولُ فاعِلُ ( لَيَزِيدَنَّ ) والإسْنادُ مَجازِيٌّ، و( كَثِيرًا ) مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، و( مِنهم ) صِفَتُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ مَفْعُولُهُ الثّانِي، أيْ لَيَزِيدَنَّهم طُغْيانًا عَلى طُغْيانِهِمْ وكُفْرًا عَلى كُفْرِهِمُ القَدِيمَيْنِ؛ لِأنَّ الزِّيادَةَ تَقْتَضِي وُجُودَ المَزِيدِ عَلَيْهِ قَبْلَها، وهَذِهِ الزِّيادَةُ إمّا مِن حَيْثُ الشِّدَّةِ والغُلُوِّ، وإمّا مِن حَيْثُ الكَمِّ والكَثْرَةِ، إذْ كَلَّما نَزَلَتْ آيَةٌ كَفَرُوا بِها، فَيَزْدادُ طُغْيانُهم وكُفْرُهم بِحَسَبِ المِقْدارِ، وهَذا كَما أنَّ الطَّعامَ الصّالِحَ لِلْأصِحّاءِ يَزِيدُ المَرْضى مَرَضًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ( ما أُنْزِلَ ) النِّعَمُ الَّتِي مَنَحَها اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – أيْ أنَّهم كَفَرُوا وتَمادَوْا عَلى الكُفْرِ، وقالُوا ما قالُوا حَيْثُ ضَيَّقَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وكَفَّ عَنْهم ما بَسَطَ لَهُمْ، فَمَتّى رَأوْا مَعَ ذَلِكَ بَسْطَ نَعْمائِهِ وتَواتُرَ آلائِهِ عَلى نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الَّذِي هو أعْدى أعْدائِهِمُ ازْدادُوا غَيْظًا وحَنَقًا عَلى رَبِّهِمْ سُبْحانَهُ، فَضَمُّوا إلى طُغْيانِهِمُ الأوَّلِ طُغْيانًا، وإلى كُفْرِهِمْ كَفْرًا، وحِينَئِذٍ تُلائِمُ الآيَةُ ما قَبْلَها أشَدَّ مُلائَمَةٍ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، ولَمْ أرَ مَن ذَكَرَهُ.

﴿وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ﴾ أيِ: اليَهُودِ، وقالَ في البَحْرِ: الضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ والنَّصارى؛ لِأنَّهُ قَدْ جَرى ذِكْرُهم في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى﴾ ولِشُمُولِ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ لِلْفَرِيقَيْنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ.

﴿العَداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ فَلا تَكادُ تَتَوافَقُ قُلُوبُهُمْ، ولا تَتَّحِدُ كَلِمَتُهُمْ، فَمِنَ اليَهُودِ جَبْرِيَّةٌ، ومِنهم قَدَرِيَّةٌ، ومِنهم مُرْجِئَةٌ، ومِنهم مُشَبِّهَةٌ، و( العَداوَةُ والبَغْضاءُ ) بَيْنَ فِرْقَةٍ وفِرْقَةِ قائِمَتانِ عَلى ساقٍ، وكَذا مِنَ النَّصارى المَلْكانِيَّةُ واليَعْقُوبِيَّةُ والنُّسْطُورِيَّةُ، وحالُهم حالُهم في ذَلِكَ، وحالُ اليَهُودِ مَعَ النَّصارى أظْهَرُ مِن أنْ تَخْفى، ورُجِّحَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى اليَهُودِ بِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ، وفائِدَةُ هَذا الإخْبارِ هُنا إزاحَةُ ما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ مِن ذِكْرِ طُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ مِنَ الِاجْتِماعِ عَلى أمْرٍ يُؤَدِّي إلى الإضْرارِ بِالمُسْلِمِينَ.

وقالَ أبُو حَيّانَ - بَعْدَ أنْ أرْجَعَ الضَّمِيرَ لِلطّائِفَتَيْنِ -: إنَّ المَعْنى: لايَزالُ اليَهُودُ والنَّصارى مُتَباغِضِينَ مُتَعادِينَ، قَلَّما تُوافِقُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ الأُخْرى، ولا تَجْتَمِعانِ عَلى قِتالِكَ وحَرْبِكَ، وفي ذَلِكَ إخْبارٌ بِالغَيْبِ، فَإنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ لِحَرْبِ المُسْلِمِينَ جَيْشُ يَهُودَ ونَصارى مُنْذُ سُلَّ سَيْفُ الإسْلامِ.

صفحة 183

وفَرَّقَ السَّمِينُ بَيْنَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ، بِأنَّ العَداوَةَ أخَصُّ مِنَ البَغْضاءِ؛ لِأنَّ كُلَّ عَدُوٍّ مُبْغِضٌ، وقَدْ يُبْغِضُ مَن لَيْسَ بِعَدُوٍّ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ( ألْقَيْنا ) وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالبَغْضاءِ، أيْ: إنَّ التَّباغُضَ بَيْنَهم مُسْتَمِرٌّ ما دامُوا، ولَيْسَتْ حَقِيقَةُ الغايَةِ مُرادَّةً، ولَمْ يُجَوَّزْ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالعَداوَةِ لِئَلّا يَلْزَمَ الفَصْلُ بَيْنَ المُصَدِّرِ ومَعْمُولِهِ بِأجْنَبِيٍّ.

﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ تَصْرِيحٌ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن عَدَمِ وُصُولِ غائِلَةِ ما هم فِيهِ إلى المُسْلِمِينَ، والمُرادُ: كُلَّما أرادُوا مُحارَبَةَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ورَتَّبُوا مَبادِيَها رَدَّهُمُ اللَّهُ تَعالى وقَهَرَهُمْ، بِتَفَرُّقِ آرائِهِمْ، وحَلِّ عَزائِمِهِمْ، وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، فَإيقادُ النّارِ كِنايَةٌ عَنْ إرادَةِ الحَرْبِ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ إذا تَواعَدَتْ لِلْقِتالِ جَعَلُوا عَلامَتَهم إيقادَ نارٍ عَلى جَبَلٍ أوْ رَبْوَةٍ، ويُسَمُّونَها نارَ الحَرْبِ، وهي إحْدى نِيرانٍ مَشْهُورَةٍ عِنْدَهُمْ، وإطْفاؤُها عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ شَرِّهِمْ، وحَكى في البَحْرِ قَوْلَيْنِ في الآيَةِ: فَعَنْ قَوْمٍ أنَّ الإيقادَ حَقِيقَةٌ، وكَذا الإطْفاءُ، أيْ أنَّهم كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْمُحارَبَةِ أُلْقِيَ عَلَيْهِمُ الرُّعْبُ فَتَقاعَدُوا وأطْفَئُوها، وإضافَةُ الإطْفاءِ إلَيْهِ تَعالى إضافَةُ المُسَبَّبِ إلى السَّبَبِ الأصْلِيِّ.

وعَنِ الجُمْهُورِ أنَّ الكَلامَ مُخَرَّجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ، والمُرادُ مِن إيقادِ النّارِ إظْهارُ الكَيْدِ بِالمُؤْمِنِينَ الشَّبِيهِ بِالنّارِ في الإضْرارِ، ومِن إطْفائِها صَرْفُ ذَلِكَ عَنِ المُؤْمِنِينَ، ولَعَلَّ القَوْلَ بِالكِنايَةِ ألْطَفُ مِنهُما، وكَوْنُ المُرادِ مِنَ الحَرْبِ مُحارَبَةَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - هو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ، وقِيلَ: هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، أيْ كُلَّما أرادُوا حَرْبَ أحَدٍ غُلِبُوا، فَإنَّ اليَهُودَ لَمّا خالَفُوا حُكْمَ التَّوْراةِ سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ فُطْرُسَ الرُّومِيَّ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ - جَلَّ شَأْنُهُ - عَلَيْهِمُ المَجُوسَ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ - عَزَّ وجَلَّ - رَسُولَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَأبادَ خَضْراءَهُمْ، واسْتَأْصَلَ شَأْفَتَهُمْ، وفَرَّقَ جَمْعَهُمْ، وأذَلَّهُمْ، فَأجْلى بَنِي النَّضِيرِ، وبَنِي قَيْنُقاعَ، وقَتَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وأسَرَ أهْلَ خَيْبَرَ، وغَلَبَ عَلى فَدَكَ، ودانَ لَهُ أهْلُ وادِي القُرى، وضَرَبَ عَلى أهْلِ الذِّمَّةِ الجِزْيَةَ، وأبْقاهُمُ اللَّهُ تَعالى في ذُلٍّ لا يُعَزُّونَ بَعْدَهُ أبَدًا، وإطْفاءُ النّارِ عَلى هَذا عِبارَةٌ عَنِ الغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ - قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى - و( لِلْحَرْبِ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ( أوْقَدُوا ) واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِنارٍ، وهو الأوْفَقُ بِالتَّسْمِيَةِ.

﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ أيْ يَجْتَهِدُونَ في الكَيْدِ لِلْإسْلامِ وأهْلِهِ وإثارَةِ الشَّرِّ والفِتْنَةِ فِيما بَيْنَهُمْ، مِمّا يُغايِرُ ما عُبِّرَ عَنْهُ بِإيقادِ نارِ الحَرْبِ، كَتَغْيِيرِ صِفَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وإدْخالِ الشُّبَهِ عَلى ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ، والمَشْيِ بِالنَّمِيمَةِ مَعَ الِافْتِراءِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، و( فَسادًا ) إمّا مَفْعُولٌ لَهُ، وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ أبُو البَقاءِ، أوْ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( يَسْعَوْنَ ) أيْ: يَسْعَوْنَ لِلْفَسادِ، أوْ سَعْيَ فَسادٍ، أوْ مُفْسِدِينَ.

﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ بَلْ يُبْغِضُهُمْ، ولِذَلِكَ أطْفَأ نائِرَةَ فَسادِهِمْ، واللّامُ إمّا لِلْجِنْسِ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإمّا لِلْعَهْدِ، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّعْلِيلِ، وبَيانِ كَوْنِهِمْ راسِخِينَ في الإفْسادِ.

والجُمْلَةُ الِابْتِدائِيَّةُ مَسُوقَةٌ لِإزاحَةِ ما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ مِن تَأْثِيرِ اجْتِهادِهِمْ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ، وجَعَلَها بَعْضُهم في مَوْضِعِ الحالِ، وفائِدَتُها مَزِيدُ تَقْبِيحِ حالِهِمْ، وتَفْظِيعِ شَأْنِهِمْ

5:65Page 119

وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَكَفَّرۡنَا عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٦٥

And if only the People of the Scripture had believed and feared Allāh, We would have removed from them their misdeeds and admitted them to Gardens of Pleasure.

﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ﴾ أيِ اليَهُودُ والنَّصارى، عَلى أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ الجِنْسُ الشّامِلُ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِمُ اليَهُودُ فَقَطْ، وذِكْرُ الإنْجِيلِ لَيْسَ نَصًّا في اقْتِضاءِ العُمُومِ، إلّا أنَّ الَّذِي عَلَيْهِ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ العُمُومُ، وذُكِرُوا بِذَلِكَ العُنْوانِ تَأْكِيدًا لِلتَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ بِهِمْ مُعاصِرُو رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – أيْ: ولَوْ أنَّهم مَعَ صُدُورِ ما صَدَرَ مِنهم مِن فُنُونِ الجِناياتِ

صفحة 184

قَوْلًا وفِعْلًا ﴿آمَنُوا﴾ - بِما نُفِيَ عَنْهُمُ – الإيمانَ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ فَرْضُ إيمانِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وحُذِفَ المُتَعَلِّقُ ثِقَةً بِظُهُورِهِ مِمّا سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ إلَخْ، وما لَحِقَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ﴾ إلَخْ.

وتَخْصِيصُ المَفْعُولِ بِالإيمانِ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَأْباهُ - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ – المَقامُ؛ لِأنَّ ما ذُكِرَ فِيما سَبَقَ وما لَحِقَ مِن كُفْرِهِمْ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إنَّما ذُكِرَ مَشْفُوعًا بِكُفْرِهِمْ بِكِتابِهِمْ أيْضًا؛ قَصْدًا إلى الإلْزامِ والتَّبْكِيتِ بِبَيانِ أنَّ الكُفْرَ بِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُسْتَلْزِمٌ لِلْكُفْرِ بِكِتابِهِمْ، فَحَمْلُ الإيمانِ ها هُنا عَلى الإيمانِ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مُخِلٌّ بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وقَدَّرَ قَتادَةُ - فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ - المُتَعَلِّقَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ، وهو مَيْلٌ إلى التَّعْمِيمِ، وكَذا عَمَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقَوْا﴾ فَقالَ: أيْ ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى.

وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: ما عَدَّدْنا مِن مَعاصِيهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُخالَفَةُ كِتابِهِمْ ﴿لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ الَّتِي اقْتَرَفُوها وسارَعُوا فِيها، وإنْ كانَتْ في غايَةِ العَظَمَةِ، ولَمْ نُؤاخِذْهم بِها، وجَمْعُها جَمْعَ قِلَّةٍ إمّا بِاعْتِبارِ الأنْواعِ، وإمّا بِاعْتِبارِ أنَّها - وإنْ كَثُرَتْ - قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كَرَمِ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ أشَرْنا -فِيما تَقَدَّمَ - أنَّ جَمْعَ القِلَّةِ قَدْ يَقُومُ مَقامَ جَمْعِ الكَثْرَةِ إذا اقْتَضاهُ المَقامُ ﴿ولأدْخَلْناهُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ .

وجَعَلَ أبُو حَيّانَ تَكْفِيرَ السِّيِّئاتِ في مُقابَلَةِ الإيمانِ، وإدْخالَ جَنّاتِ النَّعِيمِ في مُقابَلَةِ التَّقْوى، وفَسَّرَها بِامْتِثالِ الأوامِرِ واجْتِنابِ النَّواهِي، فالآيَةُ مِن بابِ التَّوْزِيعِ، والظّاهِرُ عَدَمُهُ، وتَكْرِيرُ اللّامِ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ عِظَمِ ذُنُوبِهِمْ، وكَثْرَةِ مَعاصِيهِمْ، وأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ - وإنْ جَلَّ وجاوَزَ الحَدَّ - وفي إضافَةِ الجَنّاتِ إلى النَّعِيمِ تَنْبِيهٌ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ لَوْ لَمْ يُؤْمِنُوا ويَتَّقُوا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ، أنَّهُ قالَ: «جَنّاتُ النَّعِيمِ بَيْنَ جَنّاتِ الفِرْدَوْسِ وجَنّاتِ عَدْنٍ، وفِيها جَوارٍ خُلِقْنَ مِن ورْدِ الجَنَّةِ، قِيلَ: فَمَن يَسْكُنُها؟ قالَ: الَّذِينَ هَمُّوا بِالمَعاصِي فَلَمّا ذَكَرُوا عَظَمَةَ اللَّهِ - تَعالى شَأْنُهُ – راقَبُوهُ» ولا يَخْفى أنَّ مِثْلَ هَذا لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ لِسائِرِ الجَنّاتِ: ( جَنّاتُ النَّعِيمِ ) وإنِ اخْتَلَفَتِ مَراتِبُ النَّعِيمِ فِيها

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском