Al-AlusiAl‑Ma'idah · 5:77–82

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:77–82

5:77Page 121

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٧٧

Say, "O People of the Scripture, do not exceed limits in your religion beyond the truth and do not follow the inclinations of a people who had gone astray before and misled many and have strayed from the soundness of the way."

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ، وتَوْجِيهٌ لَهُ لِفَرِيقَيْ أهْلِ الكِتابِ بِإرادَةِ الجِنْسِ مِنَ المُحَلّى بِألْ عَلى لِسانِ النَّبِيِّ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

واخْتارَ الطَّبَرْسِيُّ كَوْنَهُ خِطابًا لِلنَّصارى خاصَّةً؛ لِأنَّ الكَلامَ مَعَهم ﴿لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ أيْ لا تُجاوِزُوا الحَدَّ، وهو نَهْيٌ لِلنَّصارى عَنْ رَفْعِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنْ رُتْبَةِ الرِّسالَةِ إلى ما تَقَوَّلُوا في حَقِّهِ مِنَ العَظِيمَةِ، وكَذا عَنْ رَفْعِ أُمِّهِ عَنْ رُتْبَةِ الصِّدِّيقِيَّةِ إلى ما انْتَحَلُوهُ لَها - عَلَيْها السَّلامُ - ونَهْيٌ لِلْيَهُودِ - عَلى تَقْدِيرِ دُخُولِهِمْ في الخِطابِ - عَنْ وضْعِهِمْ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكَذا لِأُمِّهِ عَنِ الرُّتْبَةِ العَلِيَّةِ إلى ما افْتَرَوْهُ مِنَ الباطِلِ والكَلامِ الشَّنِيعِ، وذِكْرُهم بِعُنْوانِ أهْلِ الكِتابِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ في كِتابِهِمْ ما يَنْهاهم عَنِ الغُلُوِّ في دِينِهِمْ ﴿غَيْرَ الحَقِّ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: غُلُوَّ غَيْرِ الحَقِّ، أيْ باطِلًا، وتَوْصِيفُهُ بِهِ لِلتَّوْكِيدِ؛ فَإنَّ الغُلُوَّ لا يَكُونُ إلّا غَيْرَ الحَقِّ، عَلى ما قالَهُ الرّاغِبُ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّهُ لِلتَّقْيِيدِ، وما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ فَإنَّ الغُلُوَّ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ حَقٍّ، وقَدْ يَكُونُ حَقًّا كالتَّعَمُّقِ في المَباحِثِ الكَلامِيَّةِ.

وفِي الكَشّافِ: الغُلُوُّ في الدِّينِ غُلُوّانِ: حَقٌّ، وهو أنْ يَفْحَصَ عَنْ حَقائِقِهِ ويُفَتِّشَ عَنْ أباعِدِ مَعانِيهِ، ويَجْتَهِدَ في تَحْصِيلِ حُجَجِهِ، كَما يَفْعَلُهُ المُتَكَلِّمُونَ مِن أهْلِ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ، وغُلُوٌّ باطِلٌ، وهو أنْ يُجاوِزَ الحَقَّ ويَتَخَطّاهُ بِالإعْراضِ عَنِ الأدِلَّةِ واتِّباعِ الشُّبَهِ كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ الأهْواءِ والبِدَعِ، انْتَهى.

وقَدْ يُناقَشُ فِيهِ - عَلى ما فِيهِ مِنَ الغُلُوِّ في التَّمْثِيلِ - بِأنَّ الغُلُوَّ المُجاوَزَةُ عَنِ الحَدِّ ولا مُجاوَزَةَ عَنْهُ ما لَمْ يُخْرِجْ عَنِ الدِّينِ، وما ذُكِرَ لَيْسَ خُرُوجًا عَنْهُ حَتّى يَكُونَ غُلُوًّا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( غَيْرَ ) حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ، أيْ: ( لا تَغْلُوا ) مُجاوَزِينَ الحَقَّ، أوْ ( مِن دِينِكم ) أيْ ( لا تَغْلُوا في دِينِكم ) حالَ كَوْنِهِ باطِلًا مَنسُوخًا بِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقِيلَ: هو عَلى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ أوِ المُنْقَطِعِ.

﴿ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ وهم أسْلافُهم وأئِمَّتُهُمُ الَّذِينَ قَدْ ضَلُّوا مِنَ الفَرِيقَيْنِ، أوْ مِنَ النَّصارى قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في شَرِيعَتِهِمْ،

صفحة 211

والأهْواءُ: جَمْعُ هَوًى، وهو الباطِلُ المُوافِقُ لِلنَّفْسِ، والمُرادُ: لا تُوافِقُوهم في مَذاهِبِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي لَمْ يَدْعُ إلَيْها سِوى الشَّهْوَةِ، ولَمْ تَقُمْ عَلَيْها حُجَّةٌ ﴿وأضَلُّوا كَثِيرًا﴾ أيْ أُناسًا كَثِيرًا مِمَّنْ تابَعَهم ووافَقَهم فِيما دَعَوْا إلَيْهِ مِنَ البِدْعَةِ والضَّلالَةِ، أوِ إضْلالًا كَثِيرًا، والمَفْعُولُ بِهِ حِينَئِذٍ مَحْذُوفٌ ﴿وضَلُّوا﴾ عِنْدَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ووُضُوحِ مَحَجَّةِ الحَقِّ، وتَبَيُّنِ مَناهِجِ الإسْلامِ ﴿عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ أيْ قَصْدِ السَّبِيلِ، الَّذِي هو الإسْلامُ، وذَلِكَ حِينَ حَسَدُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – وكَذَّبُوهُ، وبَغَوْا عَلَيْهِ، فَلا تَكْرارَ بَيْنَ ( ضَلُّوا ) هُنا و( ضَلُّوا مِن قَبْلُ ) والظّاهِرُ أنَّ ( عَنْ ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالأخِيرِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِالأفْعالِ الثَّلاثَةِ، ويُرادُ بِسَواءِ السَّبِيلِ الطَّرِيقُ الحَقُّ، وهو - بِالنَّظَرِ إلى الأخِيرِ - دِينُ الإسْلامِ، وقِيلَ في الإخْراجِ عَنِ التَّكْرارِ: إنَّ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى ضَلالِهِمْ عَنْ مُقْتَضى العَقْلِ، والثّانِيَ إلى ضَلالِهِمْ عَمّا جاءَ بِهِ الشَّرْعُ، وقِيلَ: إنَّ ضَمِيرَ ( ضَلُّوا ) الأخِيرِ عائِدٌ عَلى الكَثِيرِ لا عَلى ( قَوْمٍ )، والفِعْلُ مُطاوِعٌ لِلْإضْلالِ، أيْ: إنَّ أُولَئِكَ القَوْمَ أضَلُّوا كَثِيرًا مِنَ النّاسِ، وإنَّ أُولَئِكَ الكَثِيرَ قَدْ ضَلُّوا بِإضْلالِ أُولَئِكَ لَهُمْ، فَلا تَكْرارَ.

وقِيلَ أيْضًا: قَدْ يُرادُ بِالضَّلالِ الأوَّلِ الضَّلالُ بِالغُلُوِّ في الرَّفْعِ والوَضْعِ مَثَلًا وكَذا بِالإضْلالِ، ويُرادُ بِالضَّلالِ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ الضَّلالُ عَنْ واضِحاتِ دِينِهِمْ، وخُرُوجُهم عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالضَّلالِ الأخِيرِ ضَلالُهم في الإضْلالِ؟، أيْ: إنَّ هَؤُلاءِ ضَلُّوا في أنْفُسِهِمْ وضَلُّوا بِإضْلالِهِمْ لِغَيْرِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ونُقِلَ هَذا - كالقِيلِ الأوَّلِ - عَنِ الرّاغِبِ.

وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿عَنْ سَواءِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِـ( قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ ) إلّا أنَّهُ لَمّا فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ أُعِيدَ ذِكْرُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ ولَعَلَّ ذَمَّ القَوْمِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ أشْنَعُ مِن ذَمِّهِمْ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُهُمْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ.

5:78Page 121

لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٧٨

Cursed were those who disbelieved among the Children of Israel by the tongue of David and of Jesus, the son of Mary. That was because they disobeyed and [habitually] transgressed.

﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وبِناءُ الفِعْلِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَوْصُولِ، أوْ مِن فاعِلِ ( كَفَرُوا )، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ( لُعِنَ ) أيْ: لَعَنَهم جَلَّ وعَلا في الإنْجِيلِ والزَّبُورِ، عَلى لِسانٍ هَذَيْنِ النَّبِيَّيْنِ - عَلَيْهِما السَّلامُ - بِأنْ أنْزَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيهِما: ( مَلْعُونٌ مَن يَكْفُرُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِاللَّهِ تَعالى أوْ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ).

وعَنِ الزَّجّاجِ: إنَّ المُرادَ أنَّ داوُدَ وعِيسى - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - أعْلَما بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وبَشَّرا بِهِ، وأمَرا بِاتِّباعِهِ، ولَعَنا مَن كَفَرَ بِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والأوَّلُ أوْلى، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – وقِيلَ: إنَّ أهْلَ أيْلَةَ لَمّا اعْتَدَّوْا في السَّبْتِ قالَ داوُدُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: اللَّهُمَّ ألْبِسْهُمُ اللَّعْنَ مِثْلَ الرِّداءِ، ومِثْلَ المِنطَقَةِ عَلى الحَقْوَيْنِ، فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ تَعالى قِرَدَةً، وأصْحابُ المائِدَةِ لَمّا كَفَرُوا قالَ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: اللَّهُمَّ عَذِّبْ مَن كَفَرَ بَعْدَما أكَلَ مِنَ المائِدَةِ عَذابًا لَمْ تُعَذِّبْهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، والعَنْهم كَما لَعَنْتَ أصْحابَ السَّبْتِ، فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ، وكانُوا خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ، ما فِيهِمُ امْرَأةٌ ولا صَبِيٌّ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الباقِرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ، والمُرادُ بِاللِّسانِ الجارِحَةُ، وإفْرادُهُ أحَدُ الِاسْتِعْمالاتِ الثَّلاثِ المَشْهُورَةِ في مِثْلِ ذَلِكَ.

صفحة 212

وقِيلَ: المُرادُ بِهِ اللُّغَةُ ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ اللَّعْنُ المَذْكُورُ، وإيثارُ الإشارَةِ عَلى الضَّمِيرِ لِلْإشارَةِ إلى كَمالِ ظُهُورِهِ، وامْتِيازِهِ عَنْ نَظائِرِهِ، وانْتِظامِهِ بِسَبَبِهِ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، وما في مِنَ البُعْدِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ فَظاعَتِهِ، وبُعْدِ دَرَجَتِهِ في الشَّناعَةِ والهَوْلِ ﴿بِما عَصَوْا﴾ أيْ بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ قَبْلَهُ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الجَوابِ عَمّا نَشَأ مِنَ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بِأيِّ سَبَبٍ وقَعَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: ذَلِكَ اللَّعْنُ الهائِلُ الفَظِيعُ بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ( عَصَوْا ) فَيَكُونُ داخِلًا في حَيِّزِ السَّبَبِ، أيْ وبِسَبَبِ اعْتِدائِهِمُ المُسْتَمِرِّ، ويُنْبِئُ عَنْ إرادَةِ الِاسْتِمْرارِ الجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ.

وادَّعى الزَّمَخْشَرِيُّ إفادَةَ الكَلامِ حَصْرَ السَّبَبِ فِيما ذُكِرَ، أيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ لا غَيْرُ، ولَعَلَّهُ - كَما قِيلَ - اسْتُفِيدَ مِنَ العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، وهو تَعَلُّقُ ( بِما عَصَوْا ) بِـ( لُعِنَ ) دُونَ ذِكْرِ اسْمِ الإشارَةِ فَلَمّا جِيءَ بِهِ - اسْتِحْقارًا لِذَلِكَ اللَّعْنِ وجَوابًا عَنْ سُؤالِ المُوجِبِ - دَلَّ عَلى أنَّ مَجْمُوعَهُ بِهَذا السَّبَبِ لا بِسَبَبٍ آخَرَ، وقِيلَ: اسْتُفِيدَ مِنَ السَّبَبِيَّةِ؛ لِأنَّ المُتَبادَرَ مِنها ما في ضِمْنِ السَّبَبِ التّامِّ وهو يُفِيدُ ذَلِكَ، ولا يَرِدُ عَلى الحَصْرِ أنَّ كُفْرَهم سَبَبٌ أيْضًا كَما يُشْعِرُ بِهِ أخْذُهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ؛ لِأنَّ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ السَّبَبِيَّةِ هُنا مُشْتَمِلٌ عَلى كُفْرِهِمْ أيْضًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ كانَ شَأْنُهم وأمْرُهُمُ الِاعْتِداءَ وتَجاوُزَ الحَدِّ في العِصْيانِ.

5:79Page 121

كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٧٩

They used not to prevent one another from wrongdoing that they did. How wretched was that which they were doing.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ مُؤْذِنٌ بِاسْتِمْرارِ الِاعْتِداءِ، فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُفِيدٌ لِاسْتِمْرارِ عَدَمِ التَّناهِي عَنِ المُنْكَرِ، ولا يُمْكِنُ اسْتِمْرارُهُ إلّا بِاسْتِمْرارِ تَعاطِي المُنْكَراتِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالتَّناهِي أنْ يَنْهى كُلٌّ مِنهُمُ الآخَرَ عَمّا يَفْعَلُهُ مِنَ المُنْكَرِ - كَما هو المَعْنى المَشْهُورُ لِصِيغَةِ التَّفاعُلِ - بَلْ مُجَرَّدُ صُدُورِ النَّهْيِ عَنْ أشْخاصٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ناهِيًا ومَنهِيًّا مَعًا، كَما في ( تَراءَوُا الهِلالَ ) وقِيلَ: التَّناهِي بِمَعْنى الِانْتِهاءِ مِن قَوْلِهِمْ: تَناهى عَنِ الأمْرِ وانْتَهى عَنْهُ إذا امْتَنَعَ، فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مُفَسِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ المَعْصِيَةِ والِاعْتِداءِ، ومُفِيدَةٌ لِاسْتِمْرارِهِما صَرِيحًا، وعَلى الأوَّلِ إنَّما تُفِيدُ اسْتِمْرارَ انْتِفاءِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ومِن ضَرُورَتِهِ اسْتِمْرارُ فِعْلِهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا تُقَوِّي هَذِهِ الجُمْلَةُ احْتِمالَ الِاسْتِئْنافِ فِيما سَبَقَ خِلافًا لَأبِي حَيّانَ.

والمُرادُ بِالمُنْكَرِ قِيلَ: صَيْدُ السَّمَكِ يَوْمَ السَّبْتِ، وقِيلَ: أخْذُ الرِّشْوَةِ في الحُكْمِ، وقِيلَ: أكْلُ الرِّبا وأثْمانِ الشُّحُومِ، والأوْلى أنْ يُرادَ بِهِ نَوْعُ المُنْكَرِ مُطْلَقًا، وما يُفِيدُهُ التَّنْوِينُ وحْدَةٌ نَوْعِيَّةٌ لا شَخْصِيَّةٌ، وحِينَئِذٍ لا يَقْدَحُ وصْفُهُ بِالفِعْلِ الماضِي في تَعَلُّقِ النَّهْيِ بِهِ لِما أنَّ مُتَعَلِّقَ الفِعْلِ إنَّما هو فَرْدٌ مِن أفْرادِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّهْيُ، أوِ الِانْتِهاءُ عَنْ مُطْلَقِ المُنْكَرِ بِاعْتِبارِ تَحَقُّقِهِ في ضِمْنِ أيِّ فَرْدٍ كانَ مِن أفْرادِهِ، عَلى أنَّهُ لَوْ جُعِلَ المُضِيُّ في ( فَعَلُوهُ ) بِالنِّسْبَةِ إلى زَمَنِ الخِطابِ لا زَمانِ النَّهْيِ لَمْ يَبْقَ في الآيَةِ إشْكالٌ، ولَمّا غَفَلَ بَعْضُهم عَنْ ذَلِكَ قالَ: إنَّ الآيَةَ مُشْكِلَةٌ لِما فِيها مِن ذَمِّ القَوْمِ بِعَدَمِ النَّهْيِ عَمّا وقَعَ مَعَ أنَّ النَّهْيَ لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ أصْلًا، وإنَّما يَكُونُ عَنِ الشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، فَلا بُدَّ مِن تَأْوِيلِها بِأنَّ المُرادَ النَّهْيُ عَنِ العَوْدِ إلَيْهِ، وهَذا إمّا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ قَبْلَ ( مُنْكَرٍ ) أيْ ( مُعاوَدَةِ مُنْكَرٍ ) أوْ يُفْهَمُ مِنَ السِّياقِ، أوْ بِأنَّ المُرادَ ( فَعَلُوا ) مِثْلَهُ، أوْ بِحَمْلِ ( فَعَلُوهُ ) عَلى أرادُوا فِعْلَهُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ﴾ .

واعْتُرِضَ الأوَّلُ بِأنَّ المُعاوَدَةَ كالنَّهْيِ لا تَتَعَلَّقُ بِالمُنْكَرِ المَفْعُولِ، فَلا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلى أحَدِ الأمْرَيْنِ الأخِيرَيْنِ، وفِيهِما مِنَ التَّعَسُّفِ ما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ الإشْكالَ إنَّما يَتَوَجَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الكَلامُ عَلى حَدِّ قَوْلِنا: كانُوا لا يَنْهَوْنَ يَوْمَ الخَمِيسِ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ مَثَلًا، فَإنَّهُ لا خَفاءَ في صِحَّتِهِ، ولَيْسَ في الكَلامِ ما يَأْباهُ،

صفحة 213

فَلْيُحْمَلْ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ تَقْبِيحٌ لِسُوءِ فِعْلِهِمْ، وتَعْجِيبٌ مِنهُ، والقَسَمُ لِتَأْكِيدِ التَّعْجِيبِ، أوْ لِلْفِعْلِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ، وفي هَذِهِ الآيَةِ زَجْرٌ شَدِيدٌ لِمَن يَتْرُكُ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.

وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ أوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ تَعالى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عِقابًا مِن عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدَعُنَّهُ فَلا يَسْتَجِبُ لَكم»».

وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ العامَّةَ بِعَمَلِ الخاصَّةِ حَتّى يَرَوُا المُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ وهم قادِرُونَ عَلى أنْ يُنْكِرُوهُ فَلا يُنْكِرُونَهُ، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ عَذَّبَ اللَّهُ تَعالى الخاصَّةَ والعامَّةَ»».

وأخْرَجَ الخَطِيبُ مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: ««والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِيَدِهِ لَيَخْرُجَنَّ مِن أُمَّتِي أُناسٌ مِن قُبُورِهِمْ في صُورَةِ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ بِما داهَنُوا أهْلَ المَعاصِي، وكَفُّوا عَنْ نَهْيِهِمْ وهم يَسْتَطِيعُونَ»».

والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ، وفِيها تَرْهِيبٌ عَظِيمٌ فَيا حَسْرَةً عَلى المُسْلِمِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْ بابِ التَّناهِي عَنِ المَناكِيرِ، وقِلَّةِ عَبْئِهِمْ بِهِ.

5:80Page 121

تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَفِي ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ٨٠

You see many of them becoming allies of those who disbelieved [i.e., the polytheists]. How wretched is that which they have put forth for themselves in that Allāh has become angry with them, and in the punishment they will abide eternally.

﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن تَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ، وهي هُنا بَصَرِيَّةٌ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِها لِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا، وضَمِيرُ ( مِنهم ) لِأهْلِ الكِتابِ، أوْ لِبَنِي إسْرائِيلَ، واسْتَظْهَرَهُ في البَحْرِ، والمُرادُ مِنَ الكَثِيرِ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وأصْحابُهُ، ومِنَ ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) مُشْرِكُو مَكَّةَ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ خَرَجُوا إلى مَكَّةَ لِيَتَّفِقُوا مَعَ مُشْرِكِيها عَلى مُحارَبَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنِينَ فَلَمْ يَتِمَّ لَهم ذَلِكَ.

ورُوِيَ عَنِ الباقِرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ المُرادَ مِنَ ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) المُلُوكُ الجَبّارُونَ، أيْ تَرى كَثِيرًا مِنهم - وهم عُلَماؤُهم - يُوالُونَ الجَبّارِينَ، ويُزَيِّنُونَ لَهم أهْواءَهُمْ؛ لِيُصِيبُوا مِن دُنْياهُمْ، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ، ولَعَلَّ نِسْبَتَهُ إلى الباقِرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - غَيْرُ صَحِيحَةٍ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ: أنَّ المُرادَ مِنَ الكَثِيرِ مُنافِقُو اليَهُودِ، ومِنَ ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) مُجاهِرُوهُمْ، وقِيلَ المُشْرِكُونَ.

﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ لَبِئْسَ شَيْئًا فَعَلُوهُ في الدُّنْيا لِيَرِدُوا عَلى جَزائِهِ في العُقْبى ﴿أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ التَّعَلُّقِ والِارْتِباطِ بَيْنَهُما، كَأنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ، ومُبالَغَةً في الذَّمِّ، أيْ بِئْسَ ما قَدَّمَوُا لِمَعادِهِمْ مُوجِبَ سَخَطِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، وإنَّما اعْتَبَرُوا المُضافَ؛ لِأنَّ نَفْسَ سَخَطِ اللَّهِ - تَعالى شَأْنُهُ - بِاعْتِبارِ إضافَتِهِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لَيْسَ مَذْمُومًا، بَلِ المَذْمُومُ ما أوْجَبَهُ مِنَ الأسْبابِ عَلى أنَّ نَفْسَ السَّخَطِ مِمّا لَمْ يُعْمَلْ في الدُّنْيا لِيُرى جَزاؤُهُ في العُقْبى كَما لا يَخْفى.

وفِي إعْرابِ المَخْصُوصِ بِالذَّمِّ أوِ المَدْحِ أقْوالٌ شَهِيرَةٌ لِلْمُعْرِبِينَ، واخْتارَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ المَخْصُوصِ هُنا خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تُنْبِئُ عَنْهُ الجُمْلَةُ المُتَقَدِّمَةُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما هُوَ؟ أوْ أيُّ شَيْءٍ هُوَ؟ فَقِيلَ: هو أنْ سَخَطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.

ونُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ ( أنْ سَخَطَ اللَّهُ ) مَرْفُوعٌ عَلى البَدَلِ مِنَ المَخْصُوصِ بِالذَّمِّ، وهو مَحْذُوفٌ، وجُمْلَةُ ( قَدَّمَتْ ) صِفَتُهُ، و( ما ) اسْمٌ تامٌّ مَعْرِفَةً في مَحَلِّ رَفْعِ بِالفاعِلِيَّةِ لِفِعْلِ الذَّمِّ، والتَّقْدِيرُ: لَبِئْسَ الشَّيْءُ شَيْءٌ قَدَّمَتْهُ لَهم أنْفُسُهم سَخَطُ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: إنَّهُ في مَحَلِّ رَفْعِ بَدَلٍ مِن ( ما ) إنْ قُلْنا: إنَّها مَعْرِفَةٌ فاعِلٌ لِفِعْلِ الذَّمِّ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ مِنها إنَّ كانَتْ تَمْيِيزًا، واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ إبْدالَ المَعْرِفَةِ مِنَ النَّكِرَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ الجارِّ، والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ، أيْ لَبِئْسَ شَيْئًا ذَلِكَ لَأنْ سَخَطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ.

﴿وفِي العَذابِ﴾ أيْ عَذابِ جَهَنَّمَ ﴿هم خالِدُونَ﴾ أبَدَ الآبِدِينَ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، وهي مُتَسَبِّبَةٌ عَمّا قَبْلَها، ولَيْسَتْ

صفحة 214

داخِلَةً في حَيِّزِ الحَرْفِ المَصْدَرِيٍّ إعْرابًا كَما تُوهِمُهُ عِبارَةُ البَعْضِ، وتَعَسَّفَ لَها عِصامُ المِلَّةِ بِجَعْلِ ( أنْ ) مُخَفَّفَةً عامِلَةً في ضَمِيرِ الشَّأْنِ بِتَقْدِيرِ أنَّهُ سَخَطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ( وفي العَذابِ هم خالِدُونَ ) وجُوِّزَ أيْضًا أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى ثانِي مَفْعُولَيْ ( تَرى ) بِجَعْلِها عِلْمِيَّةً، أيْ تَعْلَمُ كَثِيرًا مِنهم ( يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ويَخْلُدُونَ في النّارِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ.

5:81Page 121

وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨١

And if they had believed in Allāh and the Prophet and in what was revealed to him, they would not have taken them as allies; but many of them are defiantly disobedient.

﴿ولَوْ كانُوا﴾ أيِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ المُشْرِكِينَ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ﴾ أيْ نَبِيِّهِمْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْهِ﴾ مِنَ التَّوْراةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنَّبِيِّ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وبِما أُنْزِلَ القُرْآنُ، أيْ لَوْ كانَ المُنافِقُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ تَعالى ونَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إيمانًا صَحِيحًا ﴿ما اتَّخَذُوهُمْ﴾ أيِ المُشْرِكِينَ أوِ اليَهُودَ المُجاهِرِينَ ﴿أوْلِياءَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ المَذْكُورَ وازِعٌ عَنْ تَوَلِّيهِمْ قَطْعًا ﴿ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ أيْ خارِجُونَ عَنِ الدِّينِ، أوْ مُتَمَرِّدُونَ في النِّفاقِ مُفْرِطُونَ فِيهِ.

5:82Page 121

۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٨٢

You will surely find the most intense of the people in animosity toward the believers [to be] the Jews and those who associate others with Allāh; and you will find the nearest of them in affection to the believers those who say, "We are Christians." That is because among them are priests and monks and because they are not arrogant.

صفحة 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ المائِدَةِ ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن قَبائِحِ اليَهُودِ وأُكِّدَتْ بِالقَسَمِ اعْتِناءً بِبَيانِ تَحَقُّقِ مَضْمُونِها، والخِطابُ إمّا لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ وإمّا لِكُلِّ أحَدٍ يَصْلُحُ لَهُ إيذانًا بِأنَّ حالَهم مِمّا لا يَخْفى عَلى أحَدٍ مِنَ النّاسِ، والوِجْدانُ مُتَعَدٍّ لِاثْنَيْنِ أوَّلُهُما أشَدُّ وثانِيهُما اليَهُودُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، واخْتارَ السَّمِينُ العَكْسَ لِأنَّهُما في الأصْلِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، ومَحَطُّ الفائِدَةِ هو الخَبَرُ ولا ضَيْرَ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ إذا دَلَّ عَلى التَّرْتِيبِ دَلِيلٌ وهو هُنا واضِحٌ إذِ المَقْصُودُ بَيانُ كَوْنِ الطّائِفَتَيْنِ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لا كَوْنِ أشَدِّهِمْ عَداوَةً لَهُمُ الطّائِفَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ فَلْيُفْهَمْ، و (عَداوَةً) تَمْيِيزٌ واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى المَوْصُولَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِها مُقَوِّيَةٌ لِعَمَلِها، ولا يَضُرُّ كَوْنُها مَؤَنَّثَةً بِالتّاءِ لِأنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهِ كَرَهْبَةِ عِقابِكَ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ والسَّمِينُ تَعَلُّقَها بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها أيْ عَداوَةٍ كائِنَةٍ لِلَّذَيْنِ آمَنُوا، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ اليَهُودِ العُمُومُ لِمَن كانَ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِن يَهُودِ المَدِينَةِ وغَيْرِهِمْ ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما خَلا يَهُودِيٌّ بِمُسْلِمٍ إلّا هَمَّ بِقَتْلِهِ ”وفي لَفْظٍ“ إلّا حَدَّثَ نَفْسَهُ بِقَتْلِهِ» وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ يَهُودُ المَدِينَةِ وفِيهِ بُعْدٌ، وكَما اخْتُلِفَ في عُمُومِ اليَهُودِ اخْتُلِفَ في عُمُومِ الَّذِينَ أشْرَكُوا، والمُرادُ مِنَ النّاسِ كَما قالَ أبُو حَيّانَ: الكُفّارُ، أيْ: لَتَجِدَّنَ أشَدَّ الكُفّارِ عَداوَةً هَؤُلاءِ، ووَصَفَهم سُبْحانَهُ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ وتَضاعُفِ كُفْرِهِمْ وانْهِماكِهِمْ في اتِّباعِ الهَوى وقُرْبِهِمْ إلى التَّقْلِيدِ وبُعْدِهِمْ عَنِ التَّحْقِيقِ وتَمَرُّنِهِمْ عَلى التَّمَرُّدِ والِاسْتِعْصاءِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والِاجْتِراءِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ ومُناصَبَتِهِمْ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ مِن مَذْهَبِ اليَهُودِ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إيصالُ الشَّرِّ إلى مَن يُخالِفُهم في الدِّينِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ، وفي تَقْدِيمِ اليَهُودِ عَلى المُشْرِكِينَ إشْعارٌ بِتَقَدُّمِهِمْ عَلَيْهِمْ في العَداوَةِ كَما أنَّ في تَقْدِيمِهِمْ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ إيذانًا بِتَقَدُّمِهِمْ عَلَيْهِمْ في الحِرْصِ وقِيلَ: التَّقْدِيمُ لِكَوْنِ الكَلامِ في تَعْدِيدِ قَبائِحِهِمْ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ ”بِالَّذِينِ أشْرَكُوا“ دُونَ المُشْرِكِينَ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ لِلْمُبالَغَةِ بِالذَّمِّ، وقِيلَ: لِيَكُونَ عَلى نَمَطِ (الَّذِينَ آمنوا) والتَّعْبِيرُ بِهِ دُونَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُ أظْهَرُ في عِلْيَةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وأُعِيدَ المَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، وما لِزِيادَةِ التَّوْضِيحِ والبَيانِ والتَّعْبِيرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ دُونَ النَّصارى إشْعارًا بِقُرْبِ مَوَدَّتِهِمْ حَيْثُ يَدَّعُونَ أنَّهم أنْصارُ اللَّهِ تَعالى وأوِدّاءُ أهْلِ الحَقِّ وإنْ لَمْ يُظْهِرُوا اعْتِقادَ حَقِّيَّةِ الإسْلامِ

وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ ”النَّصارى“ كَما قالَ جَلَّ شَأْنُهُ ”اليَهُودَ“ تَعْرِيضًا بِصَلابَةِ الأوَّلِينَ في الكُفْرِ والِامْتِناعِ عَنِ الِانْقِيادِ لِأنَّ اليَهُودَ لَمّا قِيلَ لَهُمُ: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ قالُوا: (اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا) والنَّصارى لَمّا قِيلَ

صفحة 3

لَهم مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالُوا: ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ وكَذَلِكَ أيْضًا ورَدَ في أوَّلِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ لَكِنْ ذُكِرَ هَهُنا تَنْبِيهًا عَلى انْقِيادِهِمْ وأنَّهم لَمْ يُكافِحُوا الأمْرَ بِالرَّدِّ مُكافَحَةَ اليَهُودِ، وذُكِرَ هُناكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم لَمْ يَثْبُتُوا عَلى المِيثاقِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ، والعُدُولُ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ عَنْ جَعْلِ ما فِيهِ التَّفاوُتُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ شَيْئًا واحِدًا قَدْ تَفاوَتا فِيهِ بِالشِّدَّةِ والضَّعْفِ أوْ بِالقُرْبِ والبُعْدِ بِأنْ يُقالَ آخِرًا: ولَتَجِدَنَّ أضْعَفَهم مَوَدَّةً إلَخْ أوْ بِأنْ يُقالَ أوَّلًا: لَتَجِدَنَّ أبْعَدَ النّاسِ مَوَدَّةً، لِلْإيذانِ بِكَمالِ تَبايُنِ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ بِبَيانِ أنَّ أحَدَهُما في أقْصى مَراتِبِ النَّقِيضَيْنِ والآخَرَ في أقْرَبِ مَراتِبِ النَّقِيضِ الآخَرِ، والكَلامُ في مَفْعُولَيْ ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ وتَعَلُّقِ اللّامِ كالَّذِي سَبَقَ، والمُرادُ مِنَ النَّصارى عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وابْنِ جُبَيْرٍ وعَطاءٍ والسُّدِّيِّ النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ

وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُمُ الَّذِينَ جاءُوا مَعَ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مُسْلِمِينَ وهم سَبْعُونَ رَجُلًا اثْنانِ وسِتُّونَ مِنَ الحَبَشَةِ وثَمانِيَةٌ مِن أهْلِ الشّامِ وهم بُحَيْرى الرّاهِبُ وأبْرَهَةُ وإدْرِيسُ وأشْرَفُ وتَمّامٌ وقَثْمٌ ودُرَيْدٌ وأيْمَنُ والظّاهِرُ العُمُومُ عَلى طِرازِ ما تَقَدَّمَ ذَلِكَ أيْ كَوْنِهِمْ أقْرَبَ مَوَدَّةً لِلَّذِينِ آمَنُوا بِأنَّ مِنهم أيْ بِسَبَبِ أنَّ مِنهم ﴿قِسِّيسِينَ﴾ وهم عُلَماءُ النَّصارى وعُبّادُهم ورُؤَساؤُهم والقِسِّيسُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِن تَقَسَّسَ الشَّيْءَ إذا تَتَبَّعَهُ بِاللَّيْلِ سُمُّوا بِهِ لِمُبالَغَتِهِمْ في تَتَبُّعِ العِلْمِ قالَهُ الرّاغِبُ، وقِيلَ: القَسُّ مُثَلَّثُ الفاءِ تَتَبَّعَ الشَّيْءَ وطَلَبَهُ ومِنهُ سُمِّيَ عالِمُ النَّصارى قَسًّا بِالفَتْحِ وقِسِّيسًا لِتَتَبُّعِهِ العِلْمَ وقِيلَ: قَصُّ الأثَرِ وقَسُّهُ بِمَعْنًى، وقالَ قُطْرُبُ: القَسُّ والقِسِّيسُ العالِمُ بِلُغَةِ الرُّومِ وقَدْ تَكَلَّمَتْ بِهِ العَرَبُ وأجْرَوْهُ مَجْرى سائِرِ كَلِماتِهِمْ، وقالُوا في المَصْدَرِ قُسُوسَةٌ وقِسِّيسِيَّةٌ وفي الجَمْعِ قُسُوسٌ وقِسِّيسُونَ وقَساوِسَةٌ كَمَهالِبَةٍ وكانَ الأصْلُ قَسّاسَّةٌ إلّا أنَّهُ كَثُرَتِ السِّيناتُ فَأبْدَلُوا إحْداهُنَّ واوًا وفي مَجْمَعِ البَيانِ نَقْلًا عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ النَّصارى ضَيَّعَتِ الإنْجِيلَ وأدْخَلُوا فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ وبَقِيَ مِن عُلَمائِهِمْ واحِدٌ عَلى الحَقِّ والِاسْتِقامَةِ يُقالُ لَهُ قِسِّيسًا فَما كانَ عَلى هَدْيِهِ ودِينِهِ فَهو قِسِّيسٌ، ورُهْبانًا جَمْعُ راهِبٍ كَراكِبٍ ورُكْبانٍ وفارِسٍ وفُرْسانٍ ومَصْدَرُهُ الرَّهْبَنَةُ والرَّهْبانِيَّةُ، وقِيلَ: إنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ وأُنْشِدَ فِيهِ قَوْلُ مَن قالَ:

لَوْ عايَنْتَ رُهْبانَ دَيْرٍ في قُلَلٍ لَأقْبَلَ الرُّهْبانُ يَعْدُو ونَزَلَ

وجَمْعُ الرُّهْبانِ واحِدًا كَما في القامُوسِ رَهابِينٌ ورَهابِنَةٌ ورَهْبانُونَ والتَّرَهُّبُ التَّعَبُّدُ في صَوْمَعَةٍ وأصْلُهُ مِنَ الرَّهْبَةِ المَخافَةُ وأطْلَقَ الفَيْرُوزابادِيُّ والجَوْهَرِيُّ: التَّعَبُّدُ ولَمْ يُقَيِّداهُ بِالصَّوْمَعَةِ وفي الحَدِيثِ «لا رَهْبانِيَّةَ في الإسْلامِ» والمُرادُ بِها كَما قالَ الرّاغِبُ: الغُلُوُّ في تَحَمُّلِ التَّعَبُّدِ في فَرْطِ الخَوْفِ، وفي النِّهايَةِ هي مِن رَهْبَنَةِ النَّصارى، وأصْلُها مِنَ الرَّهْبَةِ الخَوْفُ كانُوا يَتَرَهَّبُونَ بِالتَّخَلِّي مِن أشْغالِ الدُّنْيا وتَرْكِ مَلاذِّها والزُّهْدِ فِيها والعُزْلَةِ عَنْ أهْلِها وتَعَمُّدِ مَشاقِّها حَتّى أنَّ مِنهم مَن كانَ يُخْصِي نَفْسَهُ ويَضَعُ السِّلْسِلَةَ في عُنُقِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ التَّعْذِيبِ فَنَفاها النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الإسْلامِ ونَهى المُسْلِمِينَ عَنْها، وهي مَنسُوبَةٌ إلى الرَّهْبَنَةِ بِزِيادَةِ الألْفِ والرَّهْبَنَةُ فَعْلَنَةٌ أوْ فَعْلَلَةٌ عَلى تَقْدِيرِ أصالَةِ النُّونِ وزِيادَتِها، والتَّنْكِيرُ في رُهْبانًا لِإفادَةِ الكَثْرَةِ ولا بُدَّ مِنِ اعْتِبارِها

صفحة 4

فِي القِسِّيسِينَ أيْضًا إذْ هي الَّتِي تَدُلُّ عَلى مَوَدَّةِ جِنْسِ النَّصارى لِلْمُؤْمِنِينَ فَإنَّ اتِّصافَ أفْرادٍ كَثِيرَةٍ لِجِنْسٍ بِخَصْلَةٍ مَظِنَّةٌ لِاتِّصافِ الجِنْسِ بِها وإلّا فَمِنَ اليَهُودِ أيْضًا قَوْمٌ مُهْتَدُونَ لَكِنَّهم لَمّا لَمْ يَكُونُوا في الكَثْرَةِ كالَّذِينِ مِنَ النَّصارى لَمْ يَتَعَدَّ حُكْمُهم إلى جِنْسِ اليَهُودِ

وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ 28 عَطْفٌ عَلى (أنَّ مِنهُمْ) أيْ وبِأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ والِانْقِيادِ لَهُ إذا فَهِمُوهُ أوْ أنَّهم يَتَواضَعُونَ، ولا يَتَكَبَّرُونَ كاليَهُودِ، وهَذِهِ الخَصْلَةُ عَلى ما قِيلَ شامِلَةٌ لِجَمِيعِ أفْرادِ الجِنْسِ، فَسَبَبِيَّتُها لأقْرَبِيَّتِهِمْ مَوَدَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ واضِحَةٌ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّواضُعَ والإقْبالَ عَلى العِلْمِ والعَمَلِ والإعْراضَ عَنِ الشَّهَواتِ مَحْمُودَةٌ أيْنَما كانَتْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском