Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Qaf 50:9–18
50:9Page 518
وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ ٩
And We have sent down blessed rain from the sky and made grow thereby gardens and grain from the harvest
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ أيْ كَثِيرَ المَنافِعِ شُرُوعٌ في بَيانِ كَيْفِيَّةِ ما ذُكِرَ مِن إنْباتِ كُلِّ زَوْجِ بَهِيجٍ، وهو عَطْفٌ عَلى ﴿أنْبَتْنا﴾ وما بَيْنَهُما عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ ومُنَبِّهٌ عَلى ما بَعْدَهُ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ الماءِ ﴿جَنّاتٍ﴾ كَثِيرَةً كَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ أشْجارًا ذاتَ ثِمارٍ ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ أيْ حَبَّ الزَّرْعِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُحْصَدَ مِنَ البُرِّ والشَّعِيرِ وأمْثالِهِما، فالإضافَةُ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ، و( الحَصِيدِ ) بِمَعْنى المَحْصُودِ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فَلَيْسَ مِن قَبِيلِ مَسْجِدِ الجامِعِ ولا مِن مَجازِ الأوَّلِ كَما تُوُهِّمَ، وتَخْصِيصُ إنْباتِ حَبِّهِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ
50:10Page 518
وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَٰتٖ لَّهَا طَلۡعٞ نَّضِيدٞ ١٠
And lofty palm trees having fruit arranged in layers -
﴿والنَّخْلَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿جَنّاتٍ﴾ وهي اسْمُ جِنْسٍ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ وتُجْمَعُ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِها في الجَنّاتِ لِبَيانِ فَضْلِها عَلى سائِرِ الأشْجارِ، وتَوْسِيطُ الحَبِّ بَيْنَهُما لِتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِها وامْتِيازِها عَنِ البَقِيَّةِ مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ الفَواصِلِ ﴿باسِقاتٍ﴾ أيْ طِوالًا أوْ حَوامِلَ مِن أبْسَقَتِ الشّاةُ إذا حَمَلَتْ فَيَكُونُ عَلى هَذا مِن أفْعَلَ فَهو فاعِلٌ، والقِياسُ مُفْعِلٌ فَهو مِنَ النَّوادِرِ كالطَّوائِحِ واللَّواقِحِ في أخَواتٍ لَها شاذَّةً ويافِعٌ مِن أيْفَعَ وباقِلٌ مِن أبْقَلَ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ.
ورَوى قُطْبَةُ بْنُ مالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قَرَأ (باصِقاتٍ) بِالصّادِ وهي لُغَةٌ لِبَنِي العَنْبَرِ يُبْدِلُونَ مِنَ السِّينِ صادًا إذا ولَيَتَها أوْ فُصِلَ بِحَرْفٍ أوْ حَرْفَيْنِ خاءٌ مُعْجَمَةٌ أوْ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ أوْ طاءٌ كَذَلِكَ أوْ قافٌ ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ مَنضُودٌ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، والمُرادُ تَراكُمُ الطَّلْعِ أوْ كَثْرَةُ ما فِيهِ مِن مادَّةِ الثَّمَرِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ النَّخْلِ كَباسِقاتٍ بِطَرِيقِ التَّرادُفِ أوْ مِن ضَمِيرِها في ﴿باسِقاتٍ﴾ عَلى التَّداخُلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الحالُ هو الجارَّ والمَجْرُورَ و( طَلْعٌ ) مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ،
50:11Page 518
رِّزۡقٗا لِّلۡعِبَادِۖ وَأَحۡيَيۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ ٱلۡخُرُوجُ ١١
As provision for the servants, and We have given life thereby to a dead land. Thus is the emergence [i.e., resurrection].
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ أيْ لَيَرْزُقُهم عِلَّةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ وفي تَعْلِيلِهِ بِذَلِكَ بَعْدَ تَعْلِيلِ ﴿أنْبَتْنا﴾ الأوَّلِ بِالتَّبْصِيرِ والتَّذْكِيرِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ اللّائِقَ بِالعَبْدِ أنْ يَكُونَ انْتِفاعُهُ بِذَلِكَ مِن حَيْثُ التَّذَكُّرُ والِاسْتِبْصارُ أقْدَمَ وأهَمَّ مِن تَمَتُّعِهِ بِهِ مِن حَيْثُ الرِّزْقُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( رِزْقًا ) مَصْدَرًا مِن مَعْنى ﴿أنْبَتْنا﴾ لِأنَّ الإنْباتَ رِزْقٌ فَهو مِن قَبِيلِ قَعَدْتُ جُلُوسًا، وأنْ يَكُونَ حالًا بِمَعْنى مَرْزُوقًا ﴿وأحْيَيْنا بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ الماءِ ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أرْضًا جَدْبَةً لا نَماءَ فِيها بِأنْ جَعَلْناها بِحَيْثُ رَبَتْ أوْ أنْبَتَتْ وتَذْكِيرُ ( مَيْتًا ) لِأنَّ البَلْدَةَ بِمَعْنى البَلَدِ والمَكانِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وخالِدٌ (مَيِّتًا) بِالتَّثْقِيلِ ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ جُمْلَةٌ
صفحة 177
قُدِّمَ فِيها الخَبَرُ لِلْقَصْدِ إلى القَصْرِ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الحَياةِ المُسْتَفادَةِ مِنَ الإحْياءِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ إشْعارٌ بِبُعْدِ الرُّتْبَةِ أيْ مِثْلُ تِلْكَ الحَياةِ البَدِيعَةِ حَياتُكم بِالبَعْثِ مِنَ القُبُورِ لا كَشَيْءٍ مُخالِفٍ لَها، وفي التَّعْبِيرِ عَنْ إخْراجِ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ بِالإحْياءِ وعَنْ إحْياءِ المَوْتى بِالخُرُوجِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ الإنْباتِ وتَهْوِينٌ لِأمْرِ البَعْثِ وتَحْقِيقٌ لِلْمُماثَلَةِ بَيْنَ إخْراجِ النَّباتِ وإحْياءِ المَوْتى لِتَوْضِيحِ مِنهاجِ القِياسِ وتَقْرِيبِهِ إلى إفْهامِ النّاسِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ ﴿الخُرُوجُ﴾ خَبَرٌ، ونُقِلَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ قالَ: ( كَذَلِكَ ) الخَبَرُ وهو الظّاهِرُ، ولِكَوْنِهِ مُبْتَدَأً وجْهٌ وهو أنْ يُقالَ: ذَلِكَ الخُرُوجُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ عَلى نَحْوِ أبُو يُوسُفَ أبُو حَنِيفَةَ، والكافُ واقِعٌ مَوْقِعَ مِثْلَ في قَوْلِكَ: مِثْلُ زَيْدٍ أخُوكَ ولا يَخْفى أنَّهُ تَكَلُّفٌ.
50:12–13Page 518
كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَأَصۡحَٰبُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ ١٢
The people of Noah denied before them,1 and the companions of the well2 and Thamūd
وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ وَإِخۡوَٰنُ لُوطٖ ١٣
And ʿAad and Pharaoh and the brothers [i.e., people] of Lot
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ إلى آخِرِهِ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِتَقْرِيرِ حَقِّيَّةِ البَعْثِ بِبَيانِ اتِّفاقِ كافَّةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْها وتَكْذِيبُ مُنْكِرِيها، وفي ذَلِكَ أيْضًا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وتَهْدِيدٌ لِلْكَفَرَةِ، ﴿وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ هو البِئْرُ الَّتِي لَمْ تُبْنَ، وقِيلَ: هو وادٍ وأصْحابُهُ قِيلَ: هم مِمَّنْ بُعِثَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: قَوْمُ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ ( وثَمُودُ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ) أُرِيدَ هو وقَوْمُهُ لِيُلائِمَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، وهَذا كَما تُسَمّى القَبِيلَةُ تَمِيمًا مَثَلًا بِاسْمِ أبِيها ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ قِيلَ: كانُوا مِن أصْهارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. فَلَيْسَ المُرادُ الأُخُوَّةَ الحَقِيقِيَّةَ مِنَ النَّسَبِ
50:14Page 518
وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ وَقَوۡمُ تُبَّعٖۚ كُلّٞ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ١٤
And the companions of the thicket and the people of Tubbaʿ. All denied the messengers, so My threat was justly fulfilled.
﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ قِيلَ: هم قَوْمٌ بُعِثَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ أهْلٍ مَدْيَنَ كانُوا يَسْكُنُونَ أيْكَةَ وهي الغِبْطَةُ فَسُمُّوا بِها ﴿وقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ الحِمْيَرِيِّ وكانَ مُؤْمِنًا وقَوْمُهُ كَفَرَةً ولِذا لَمْ يُذَمَّ هو وذُمَّ قَوْمُهُ، وقَدْ سَبَقَ في الحِجْرِ والدُّخانِ والفُرْقانِ تَمامُ الكَلامِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِما في هَذِهِ الآيَةِ.
﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أيْ فِيما أُرْسِلُوا بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها البَعْثُ الَّذِي أجْمَعُوا عَلَيْهِ قاطِبَةً أيْ كُلُّ قَوْمٍ مِنَ الأقْوامِ المَذْكُورِينَ كَذَّبُوا رَسُولَهم أوْ كَذَّبَ كُلُّ هَؤُلاءِ جَمِيعَ رُسُلِهِمْ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الكُلِّ أوْ كُلِّ واحِدٍ مِنهم كَذَّبَ جَمِيعَ الرُّسُلِ لِاتِّفاقِهِمْ عَلى الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ والإنْذارِ بِالبَعْثِ والحَشْرِ فَتَكْذِيبُ واحِدٍ مِنهم تَكْذِيبٌ لِلْكُلِّ، والمُرادُ بِالكُلِّيَّةِ التَّكْثِيرُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ وإلّا فَقَدَ آمَنَ مَن آمَنَ مِن قَوْمِ نُوحٍ وكَذا مَن غَيْرُهُمْ، ثُمَّ ما ذُكِرَ عَلى تَقْدِيرِ رِسالَةِ تُبَّعٍ ظاهِرٌ ثُمَّ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِها وعَلَيْهِ الأكْثَرُ فَمَعْنى تَكْذِيبِ قَوْمِهِ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَكْذِيبُهم بِما قَبْلُ مِنَ الرُّسُلِ المُجْتَمِعِينَ عَلى التَّوْحِيدِ والبَعْثِ، وإلى ذَلِكَ كانَ يَدْعُوهم تُبَّعٌ.
﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ أيْ فَوَجَبَ وحَلَّ عَلَيْهِمْ وعِيدِي وهي كَلِمَةُ العَذابِ
50:15Page 518
أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٥
Did We fail in the first creation? But they are in confusion over a new creation.
﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِصِحَّةِ البَعْثِ الَّذِي حُكِيَتْ أحْوالُ المُنْكِرِينَ لَهُ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ، والعَيُّ بِالأمْرِ العَجْزُ عَنْهُ لا التَّعَبُ، قالَ الكِسائِيُّ:
تَقُولُ: أعْيَيْتُ مِنَ التَّعَبِ وعَيِيتُ مِنِ انْقِطاعِ الحِيلَةِ والعَجْزِ عَنِ الأمْرِ، وهَذا هو المَعْرُوفُ والأفْصَحُ وإنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما كَثِيرٌ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يُنْبِئُ عَنْهُ العَيُّ مِنَ القَصْدِ والمُباشَرَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: أقَصَدْنا الخَلْقَ الأوَّلَ وهو الإبْداءُ فَعَجَزْنا عَنْهُ حَتّى يُتَوَهَّمَ عَجْزُنا مِنَ الإعادَةِ، وجَوَّزَ الإمامُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالخَلْقِ الأوَّلِ خَلْقَ السَّماءِ والأرْضِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ إلَخْ وهو كَما تَرى، وعَنِ الحَسَنِ (الخَلْقُ
صفحة 178
الأوَّلُ) آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ بِالحَسَنِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ والقُورَصِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ والسِّمْسارُ عَنْ شَيْبَةَ وأبُو بَحْرٍ عَنْ نافِعٍ (أفَعَيَّنا) بِتَشْدِيدِ الياءِ وخَرَجَتْ عَلى لُغَةِ مَن أدْغَمَ الياءَ في الياءِ في الماضِي فَقالَ: عَيِّ في عَيَ وحَيِّ في حَيَ فَلَمّا أُدْغِمَ ألْحَقَهُ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ المُعَظِّمِ نَفْسَهُ ولَمْ يَفُكَّ الإدْغامَ فَقالَ: عَيَّنا وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ في رَدَدْتُ ورَدَدْنا رَدَّتُ ورَدَّنا فَلا يَفُكُّونَ، وعَلى هَذِهِ اللُّغَةِ تَكُونُ الياءُ المُشَدَّدَةُ مَفْتُوحَةً ولَوْ كانَتْ (نا) ضَمِيرَ نَصْبٍ فالعَرَبُ جَمِيعُهم عَلى الإدْغامِ نَحْوَ رَدَّنا زِيدٌ ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِالأوَّلِ غَيْرُ مُنْكِرِينَ قُدْرَتَنا عَلَيْهِ فَلا وجْهَ لِإنْكارِهِمُ الثّانِي بَلْ هم في خَلْطٍ وشُبْهَةٍ في خَلْقٍ مُسْتَأْنِفٍ وإنَّما نَكَّرَ الخَلْقَ ووُصِفَ بِجَدِيدٍ ولَمْ يَقُلْ: مِنَ الخَلْقِ الثّانِي تَنْبِيهًا عَلى مَكانِ شُبْهَتِهِمْ واسْتِبْعادِهِمُ العادِيِّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( جَدِيدٍ ) وأنَّهُ خَلْقٌ عَظِيمٌ يَجِبُ أنْ يَهْتَمَّ بِشَأْنِهِ فَلَهُ نَبَأٌ أيْ نَبَأٌ، والتَّعْظِيمُ لَيْسَ راجِعًا إلى الخَلْقِ مِن حَيْثُ هو -هُوَ- حَتّى يُقالَ: إنَّهُ أهْوَنُ مِنَ الخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِشَأْنِ المُكَلَّفِ وما يُلاقِيهِ بَعْدَهُ وهُوَ- هُوَ- وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: نُكِّرَ لِأنَّهُ لِاسْتِبْعادِهِ عِنْدَهم كانَ أمْرًا عَظِيمًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّنْكِيرُ لِلْإبْهامِ إشارَةً إلى أنَّهُ خُلِقَ عَلى وجْهٍ لا يَعْرِفُهُ النّاسُ، وأوْرَدَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ هَذِهِ الآيَةَ في مَعْرِضِ الِاسْتِدْلالِ عَلى تَجَدُّدِ الجَواهِرِ كالتَّجَدُّدِ الَّذِي يَقُولُهُ الأشْعَرِيُّ في الإعْراضِ فَكُلٌّ مِنهُما عِنْدَ الشَّيْخِ لا يَبْقى زَمانَيْنِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِهِ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِالوَحْدَةِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ، ولَعَمْرِي أنَّ الآيَةَ بِمَعْزِلٍ عَمّا يَقُولُ:
50:16Page 519
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ ١٦
And We have already created man and know what his soul whispers to him, and We are closer1 to him than [his] jugular vein.
﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ أيْ ما تُحَدِّثُهُ بِهِ وهو ما يَخْطُرُ بِالبالِ، والوَسْوَسَةُ الصَّوْتُ الخَفِيُّ ومِنهُ وسْواسُ الحُلِيِّ، وضَمِيرُ ( بِهِ ) لِما وهي مَوْصُولَةٌ والباءُ صِلَةٌ ﴿تُوَسْوِسُ﴾ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْمُلابَسَةِ أوْ زائِدَةً ولَيْسَ بِذاكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً والضَّمِيرُ لِلْإنْسانِ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ عَلى مَعْنى أنَّ النَّفْسَ تَجْعَلُ الإنْسانَ قائِمًا بِهِ الوَسْوَسَةُ فالمُحَدَّثُ هو الإنْسانُ لِأنَّ الوَسْوَسَةَ بِمَنزِلَةِ الحَدِيثِ فَيَكُونُ نَظِيرَ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِكَذا وهم يَقُولُونَ ذَلِكَ كَما يَقُولُونَ حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِكَذا قالَ لَبِيدٌ:
وأكْذَبُ النَّفْسِ إذا حَدَّثْتَها إنَّ صِدْقَ النَّفْسِ يُزْرِي بِالأمَلِ
﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ أيْ نَعْلَمُ بِهِ وبِأحْوالِهِ لا يَخْفى عَلَيْنا شَيْءٌ مِن خِفْياتِهِ عَلى أنَّهُ أُطْلِقَ السَّبَبُ وأُرِيدَ المُسَبِّبُ لِأنَّ القُرْبَ مِنَ الشَّيْءِ في العادَةِ سَبَبُ العِلْمِ بِهِ وبِأحْوالِهِ أوِ الكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ ولا مَجالَ لِحَمْلِهِ عَلى القُرْبِ المَكانِيِّ لِتَنَزُّهِهِ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ، وكَلامُ أهْلِ الوَحْدَةِ مِمّا يَشُقُّ فَهْمُهُ عَلى غَيْرِ ذَوِي الأحْوالِ، و( حَبْلِ الوَرِيدِ ) مَثَلٌ في فَرْطِ القُرْبِ كَقَوْلِهِمْ: مُقْعَدُ القابِلَةِ ومَعْقِدُ الإزارِ قالَ ذُو الرُّمَّةِ عَلى ما في الكَشّافِ: والمَوْتُ أدْنى لِي مِن حَبْلِ الوَرِيدِ والحَبْلُ مَعْرُوفٌ والمُرادُ بِهِ هُنا العِرْقُ لِشَبَهِهِ بِهِ وإضافَتُهُ إلى الوَرِيدِ وهو عِرْقٌ مَخْصُوصٌ كَما سَتَعْرِفُهُ لِلْبَيانِ كَشَجَرِ الأراكِ أوْ لامِيَّةٍ كَما في غَيْرِهِ مِن إضافَةِ العامِّ إلى الخاصِّ فَإنَّ أبْقى الحَبْلَ عَلى حَقِيقَتِهِ فَإضافَتُهُ كَما في لُجَيْنِ الماءِ، والوَرِيدُ عِرْقٌ كَبِيرٌ في العُنُقِ وعَنِ الأثْرَمِ أنَّهُ نَهْرُ الجَسَدِ ويُقالُ لَهُ في العُنُقِ الوَرِيدُ وفي القَلْبِ الوَتِينُ وفي الظَّهْرِ الأبْهَرُ وفي الذِّراعِ والفَخْذِ الأكْحَلُ والنَّسا وفي الخِنْصَرِ الأسْلَمُ.
والمَشْهُورُ أنَّ في كُلِّ صَفْحَةٍ مِنَ العُنُقِ عِرْقًا يُقالُ لَهُ ورِيدٌ. فَفي الكَشّافِ الوَرِيدانِ عِرْقانِ مُكْتَنِفانِ لِصَفْحَتَيِ العُنُقِ في مُقَدَّمِها مُتَّصِلانِ بِالوَتِينِ يَرِدانِ بِحَسَبِ المُشاهَدَةِ مِنَ الرَّأْسِ إلَيْهِ فالوَرِيدُ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى مَفْعُولٍ لِأنَّ الرُّوحَ الحَيَوانِيَّ يَرِدُهُ ويُشِيرُ إلى هَذا قَوْلُ الرّاغِبِ: الوَرِيدُ عِرْقٌ مُتَّصِلٌ بِالكَبِدِ والقَلْبِ
صفحة 179
وفِيهِ مَجارِي الرُّوحِ، وقالَ في الآيَةِ: أيْ نَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن رُوحِهِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِهِمْ أيْضًا
50:17Page 519
إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ ١٧
When the two receivers [i.e., recording angels] receive,1 seated on the right and on the left.
﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ هُما المَلَكانِ المُوَكَّلانِ بِكُلِّ إنْسانٍ يَكْتُبانِ أعْمالَهُ والتَّلَقِّي التَّلَقُّنُ بِالحِفْظِ والكَتَبَةِ، (وإذْ) قِيلَ: ظَرْفٌ لِأقْرَبَ وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ يَعْمَلُ في الظُّرُوفِ لِأنَّهُ يَكْفِيها رائِحَةُ الفِعْلِ وإنْ لَمْ يَكُنْ عامِلًا في غَيْرِها فاعِلًا أوْ مَفْعُولًا بِهِ أيْ هو سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِحالِ الإنْسانِ مِن كُلِّ قَرِيبٍ حِينَ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ الحَفِيظانِ ما يَتَلَفَّظُ بِهِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ غَنِيٌّ عَنِ اسْتِحْفاظِ المَلَكَيْنِ فَإنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ أعْلَمُ مِنهُما ومُطَّلِعٌ عَلى ما يَخْفى عَلَيْهِما لَكِنَّ الحِكْمَةَ اقْتَضَتْهُ، وهو ما في كَتَبَةِ المَلَكَيْنِ وحِفْظِهِما وعَرْضِ صَحائِفِهِما يَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ، وعِلْمُ العَبْدِ بِذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِإحاطَةِ اللَّهِ تَعالى بِعَمَلِهِ مِن زِيادَةِ لُطْفٍ في الِانْتِهاءِ عَنِ السَّيِّئاتِ والرَّغْبَةِ في الحَسَناتِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( إذْ ) لِتَعْلِيلِ القُرْبِ، وفِيهِ أنَّ تَعْلِيلَ قُرْبِهِ عَزَّ وجَلَّ العِلْمِيِّ بِاطِّلاعِ الحَفَظَةِ الكَتَبَةِ بَعِيدٌ، واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَها مَفْعُولًا بِهِ لِأذْكُرُ مُقَدَّرًا لِبَقاءِ الأقْرَبِيَّةِ عَلى إطْلاقِها ولِأنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ ضَعِيفٌ في العَمَلِ وإنْ كانَ لا مانِعَ مَن عَمَلِهِ في الظَّرْفِ والكَلامُ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وإحاطَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَتَأمَّلْ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ أيْ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ:
رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوى رَمانِي
وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّ التَّقْدِيرَ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ وعَنِ الشِّمالِ فَأُخِرَّ قَعِيدٌ عَنْ مَوْضِعِهِ، والقَعِيدُ عَلَيْهِما فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ كَجَلِيسِ بِمَعْنى مُجالِسٍ ونَدِيمٍ بِمَعْنى مُنادِمٍ، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ قَعِيدًا يَدُلُّ عَلى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، وقَدْ أُرِيدَ مِنهُ هُنا الِاثْنانِ فَلا حَذْفَ ولا تَقْدِيمَ ولا تَأْخِيرَ. واعْتُرِضَ بِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ ذَلِكَ إذا كانَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وهَذا بِمَعْنى فاعِلٍ ولا يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ إلّا بِطَرِيقِ الحَمْلِ عَلى فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ مَحَلِّ قُعُودِهِما فَقِيلَ: هُما عَلى النّاجِذِينَ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ مَرْفُوعًا «(إنَّ اللَّهَ لَطَفَ بِالمَلَكَيْنِ الحافِظَيْنِ حَتّى أجْلَسَهُما عَلى النّاجِذِينَ وجَعَلَ لِسانَهُ قَلَمَهُما ورِيقَهُ مِدادَهُما)»
وقِيلَ: عَلى العاتِقِينَ، وقِيلَ: عَلى طَرَفَيِ الحَنَكِ عِنْدَ العَنْفَقَةِ وفي البَحْرِ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ ولا يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ، وأنا أقُولُ أيْضًا لَمْ يَصِحَّ عِنْدِي أكْثَرُ مِمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن أنَّهُما عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدانِ، وكَذا لَمْ يَصِحَّ خَبَرُ قَلَمِهِما ومِدادِهِما وأقُولُ كَما قالَ اللَّقّانِيُّ بَعْدَ أنِ اسْتَظْهَرَ أنَّ الكَتَبَ حَقِيقِيٌّ: عِلْمُ ذَلِكَ مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأقُولُ الظّاهِرُ أنَّهُما في سائِرِ أحْوالِ الإنْسانِ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنْ قَعَدَ فَأحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ والآخَرُ عَنْ يَسارِهِ وإنْ مَشى فَأحَدُهُما أمامَهُ والآخَرُ خَلْفَهُ وإنْ رَقَدَ فَأحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِهِ والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ
50:18Page 519
مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ ١٨
He [i.e., man] utters no word except that with him is an observer prepared [to record].
﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ ما يَرْمِي بِهِ مِن فِيهِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي معْدانَ (ما يَلْفَظُ) بِفَتْحِ الفاءِ ﴿إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾ مَلَكٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ ويَكْتُبُهُ فَإنْ كانَ خَيْرًا فَهو صاحِبُ اليَمِينِ وإنْ كانَ شَرًّا فَهو صاحِبُ الشِّمالِ ﴿عَتِيدٌ﴾ مُعَدٌّ مُهَيَّأٌ لِكِتابَةِ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الخَيْرِ أوِ الشَّرِّ، وتَخْصِيصُ القَوْلِ بِالذِّكْرِ لِإثْباتِ الحُكْمِ في الفِعْلِ بِدَلالَةِ النَّصِّ واخْتُلِفَ فِيما يَكْتُبانِهِ فَقالَ الإمامُ مالِكٌ وجَماعَةٌ:
يَكْتُبانِ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى الأنِينَ في المَرَضِ، وفي شَرْحِ الجَوْهَرَةِ لِلْقانِيِّ مِمّا يَجِبُ اعْتِقادُهُ أنَّ لِلَّهِ تَعالى مَلائِكَةً يَكْتُبُونَ أفْعالَ العِبادِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ أوْ غَيْرِهِما قَوْلًا كانَتْ أوْ عَمَلًا أوِ اعْتِقادًا هَمًّا كانَتْ أوْ عَزْمًا أوْ تَقْرِيرًا اخْتارَهم سُبْحانَهُ لِذَلِكَ فَهم لا يُهْمِلُونَ مِن شَأْنِهِمْ شَيْئًا فَعَلُوهُ قَصْدًا وتَعَمُّدًا أوْ ذُهُولًا ونِسْيانًا صَدَرَ
صفحة 180
مِنهم في الصِّحَّةِ أوْ في المَرَضِ كَما رَواهُ عُلَماءُ النَّقْلِ والرِّوايَةِ انْتَهى. وفي بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ النَّفْسِيَّ لا يُكْتَبُ، أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ أنَّ لِلْكَلامِ سَبْعَةَ أغْلاقٍ إذا خَرَجَ مِنها كُتِبَ وإنْ لَمْ يَخْرُجْ لَمْ يُكْتَبِ القَلْبُ واللَّها واللِّسانُ والحَنَكانِ والشَّفَتانِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُباحَ لا يَكْتُبُهُ أحَدٌ مِنهُما لِأنَّهُ لا ثَوابَ فِيهِ ولا عِقابَ والكِتابَةُ لِلْجَزاءِ فَيَكُونُ مُسْتَثْنًى حُكْمًا مِن عُمُومِ الآيَةِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنَّما يُكْتَبُ الخَيْرُ والشَّرُّ لا يُكْتَبُ يا غُلامُ أسْرِجِ الفَرَسَ ويا غُلامُ اسْقِنِي الماءَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: يُكْتَبُ كُلُّ ما صَدَرَ مِنَ العَبْدِ حَتّى المُباحاتُ فَإذا عُرِضَتْ أعْمالُ يَوْمِهِ مُحِيَ مِنها المُباحاتُ وكُتِبَ ثانِيًا ما لَهُ ثَوابٌ أوْ عِقابٌ وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ وقَدْ أشارَ السُّيُوطِيُّ إلى ذَلِكَ في بَعْضِ رَسائِلِهِ وجَعَلَ وجْهًا لِلْجَمْعِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ القَوْلَ بِكِتابَةِ المُباحِ والقَوْلَ بِعَدَمِها وقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يُكْتَبُ كُلُّ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ حَتّى أنَّهُ لَيُكْتَبُ قَوْلُهُ: أكَلْتُ وشَرِبْتُ ذَهَبْتُ جِئْتُ رَأيْتُ حَتّى إذا كانَ يَوْمُ الخَمِيسِ عُرِضَ قَوْلُهُ وعَمَلُهُ فَأُقِرَّ مِنهُ ما كانَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وأُلْقِيَ سائِرُهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ ثُمَّ إنَّ المُباحَ عَلى القَوْلِ بِكِتابَتِهِ يَكْتُبُهُ مَلَكُ الشِّمالِ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ مِن طَرِيقِ الأوْزاعِيِّ عَنْ حَسّانَ بْنِ عَطِيَّةَ أنَّ رَجُلًا كانَ عَلى حِمارٍ فَعَثَرَ بِهِ فَقالَ: تَعِسْتُ فَقالَ صاحِبُ اليَمِينِ: ما هي بِحَسَنَةٍ فاكْتُبْها وقالَ صاحِبُ الشِّمالِ: ما هي بِسَيِّئَةٍ فاكْتُبْها فَنُودِيَ صاحِبُ الشِّمالِ إنَّ ما تَرَكَهُ صاحِبُ اليَمِينِ فاكْتُبْهُ، وجاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ صاحِبَ اليَمِينِ أمِينٌ عَلى صاحِبِ الشِّمالِ.
وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ. والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا، وفِيهِ «(فَإذا عَمِلَ العَبْدُ حَسَنَةً كُتِبَتْ لَهُ بِعَشْرِ أمْثالِها وإذا عَمِلَ سَيِّئَةً وأرادَ صاحِبُ الشِّمالِ أنْ يَكْتُبَها قالَ صاحِبُ اليَمِينِ: أمْسِكْ فَيُمْسِكُ سِتَّ ساعاتٍ أوْ سَبْعَ ساعاتٍ فَإنِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعالى مِنها لَمْ يَكْتُبْ عَلَيْهِ مِنها شَيْئًا وإنْ لَمْ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعالى كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةً واحِدَةً)».
ومِثْلُ الِاسْتِغْفارِ كَما نُصَّ عَلَيْهِ فِعْلُ طاعَةٍ مُكَفِّرَةٍ في حَدِيثٍ آخَرَ أنَّ صاحِبَ اليَمِينِ يَقُولُ: دَعْهُ سَبْعَ ساعاتٍ لَعَلَّهُ يُسَبِّحُ أوْ يَسْتَغْفِرُ، وظاهِرُ الآيَةِ عُمُومُ الحُكْمِ لِلْكافِرِ فَمَعَهُ أيْضًا مَلَكانِ يَكْتُبانِ ما لَهُ وما عَلَيْهِ مِن أعْمالِهِ وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ وذَكَرُوا أنَّ ما لَهُ الطّاعاتُ الَّتِي لا تَتَوَقَّفُ عَلى نِيَّةٍ كالصَّدَقَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ وما عَلَيْهِ كَثِيرٌ لا سِيَّما عَلى القَوْلِ بِتَكْلِيفِهِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ.
وفِي شَرْحِ الجَوْهَرَةِ الصَّحِيحُ كَتْبُ حَسَناتِ الصَّبِيِّ وإنْ كانَ المَجْنُونُ لا حَفَظَةَ عَلَيْهِ لِأنَّ حالَهُ لَيْسَتْ مُتَوَجِّهَةً لِلتَّكْلِيفِ بِخِلافِ الصَّبِيِّ وظاهِرُ الآيَةِ شُمُولُ الحُكْمِ لَهُ وتَرَدَّدَ الجَزُولِيُّ في الجِنِّ والمَلائِكَةِ أعَلَيْهِمْ حَفَظَةٌ أمْ لا ثُمَّ جَزَمَ بِأنَّ عَلى الجِنِّ حَفَظَةً وأتْبَعَهُ القَوْلُ بِذَلِكَ في المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، قالَ اللَّقّانِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ: ولَمْ أقِفْ عَلَيْهِ في الجِنِّ لِغَيْرِهِ ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ وقَفَ عَلَيْهِ في المَلائِكَةِ لِغَيْرِهِ ولَعَلَّهُ ما حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ المُرادَ بِالرُّوحِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ﴾ الحَفَظَةُ عَلى المَلائِكَةِ، ويَحْتاجُ دَعْوى ذَلِكَ فِيهِمْ وفي الجِنِّ إلى نَقْلٍ.
وأمّا اعْتِراضُ القَوْلِ بِهِ في المَلائِكَةِ بِلُزُومِ التَّسَلْسُلِ فَمَدْفُوعٌ بِما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمُ اسْتَظْهَرَ في المَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ مَعَ الإنْسانِ كَوْنُهُما مَلَكَيْنِ بِالشَّخْصِ لا بِالنَّوْعِ لِكُلِّ إنْسانٍ يَلْزَمانِهِ إلى مَماتِهِ فَيَقُومانِ عِنْدَ قَبْرِهِ يُسَبِّحانِ اللَّهَ تَعالى ويَحْمَدانِهِ ويُكَبِّرانِهِ ويَكْتُبانِ ثَوابَ ذَلِكَ لِصاحِبِهِما إنْ كانَ مُؤْمِنًا.
صفحة 181
أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(إنَّ اللَّهَ تَعالى وكَّلَ بِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبانِ عَمَلَهُ فَإذا ماتَ قالَ المَلَكانِ اللَّذانِ وُكِّلا بِهِ: قَدْ ماتَ فَأْذَنْ لَنا أنْ نَصْعَدَ إلى السَّماءِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: سَمائِي مَمْلُوءَةٌ مِن مَلائِكَتِي يُسَبِّحُونِي فَيَقُولانِ: أنُقِيمُ في الأرْضِ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: أرْضِي مَمْلُوءَةٌ مِن خَلْقِي يُسَبِّحُونِي فَيَقُولانِ فَأيْنَ؟ فَيَقُولُ: قُوما عَلى قَبْرِ عَبْدِي فَسَبِّحانِي واحْمِدانِي وكَبِّرانِي واكْتُبا ذَلِكَ لِعَبْدِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وجاءَ أنَّهُما يَلْعَنانِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنْ كانَ كافِرًا».
وقالَ الحَسَنُ: الحَفَظَةُ أرْبَعَةٌ اثْنانِ بِالنَّهارِ واثْنانِ بِاللَّيْلِ وهو يَحْتَمِلُ التَّبَدُّلَ بِأنْ يَكُونَ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ أرْبَعَةٌ غَيْرُ الأرْبَعَةِ الَّتِي في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ قَبْلَهُما وعَدَمَهُ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ مَلَكَ الحَسَناتِ يَتَبَدَّلُ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الطّائِعِ ومَلَكَ السَّيِّئاتِ لا يَتَبَدَّلُ سَتْرًا عَلى العاصِي في الجُمْلَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُما لا يُفارِقانِ الشَّخْصَ وقالُوا: يُفارِقانِهِ عِنْدَ الجِماعِ ودُخُولِ الخَلاءِ، ولا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِن كَتْبِهِما ما يَصْدُرُ عَنْهُ في تِلْكَ الحالِ، ولَهُما عَلامَةٌ لِلْحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ بِدَنِيَّتَيْنِ كانَتا أوْ قَلْبِيَّتَيْنِ، وبَعْضُ الأخْبارِ ظاهِرَةٌ في أنَّ ما في النَّفْسِ لا يُكْتَبُ.
أخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الإخْلاصِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ المَلائِكَةَ يَصْعَدُونَ بِعَمَلِ العَبْدِ مِن عِبادِ اللَّهِ تَعالى فَيُكَثِّرُونَهُ ويُزَكُّونَهُ حَتّى يَنْتَهُوا بِهِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن سُلْطانِهِ فَيُوحِي اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ إنَّكم حَفَظَةٌ عَلى عَمَلِ عَبْدِي وأنا رَقِيبٌ عَلى ما في نَفْسِهِ إنَّ عَبْدِي هَذا لَمْ يُخْلِصْ لِي عَمَلَهُ فاجْعَلُوهُ في سِجِّينٍ قالَ: ويَصْعَدُونَ بِعَمَلِ العَبْدِ مِن عِبادِ اللَّهِ تَعالى فَيَسْتَقِلُّونَهُ ويَحْتَقِرُونَهُ حَتّى يَنْتَهُوا بِهِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن سُلْطانِهِ فَيُوحِي اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ إنَّكم حَفَظَةٌ عَلى عَمَلِ عَبْدِي وأنا رَقِيبٌ عَلى ما في نَفْسِهِ فَضاعِفُوهُ لَهُ واجْعَلُوهُ في عِلِّيِّينَ)».
وجاءَ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ «أنَّهُ يُنادِي المَلَكَ اكْتُبْ لِفُلانِ بْنِ فُلانٍ كَذا وكَذا أيْ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ فَيَقُولُ: يا رَبّ إنَّهُ لَمْ يَعْمَلْهُ فَيَقُولُ سُبْحانَهُ وتَعالى: إنَّهُ نَواهُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُما يَكْتُبانِ ما في النَّفْسِ ما عَدا الرِّياءَ والطّاعاتِ المِئَوِيَّةَ جَمْعًا بَيْنَ الأخْبارِ، وجاءَ أنَّهُ يَكْتُبُ لِلْمَرِيضِ والمُسافِرِ مِثْلَ ما كانَ يَعْمَلُ في الصِّحَّةِ والإقامَةِ مِنَ الحَسَناتِ».
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والدّارَقُطْنِيُّ في الإفْرادِ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «ما مِن أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ يُبْتَلى بِبَلاءٍ في جَسَدِهِ إلّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى الحَفَظَةَ فَقالَ: اكْتُبُوا لِعَبْدِي ما كانَ يَعْمَلُ وهو صَحِيحٌ ما دامَ مَشْدُودًا في وثاقِي)».
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «مَن مَرِضَ أوْ سافَرَ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ما كانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا)».
وفِي بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ الطّاعاتِ يَكْتُبُها غَيْرُ هَذَيْنِ المَلَكَيْنِ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ مَعَ الإنْسانِ لَيْسُوا مَحْصُورِينَ بِالمَلَكَيْنِ الكاتِبَيْنِ، «فَعَنْ عُثْمانَ أنَّهُ سَألَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَمْ مَلَكٍ عَلى الإنْسانِ؟ فَذَكَرَ عِشْرِينَ مَلَكًا» قالَهُ المَهْدَوِيُّ في الفَيْصَلِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ المُعَقِّباتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ غَيْرُ الكاتِبَيْنِ بِلا خِلافٍ، وحَكى اللَّقّانِيُّ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ كُلَّ آدَمِيٍّ يُوكَّلُ بِهِ مِن حِينِ وُقُوعِهِ نُطْفَةً في الرَّحِمِ إلى مَوْتِهِ أرْبَعُمِائَةِ مَلَكٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ.
ورَوى ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ المُبارَكِ أنَّهُ قالَ: وُكِّلَ بِالعَبْدِ خَمْسَةُ أمْلاكٍ مَلَكانِ بِاللَّيْلِ ومَلَكانِ بِالنَّهارِ يَجِيئانِ ويَذْهَبانِ ومَلَكٌ خامِسٌ لا يُفارِقُهُ لا لَيْلًا ولا نَهارًا،
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences