Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Qaf 50:19–29
50:19Page 519
وَجَآءَتۡ سَكۡرَةُ ٱلۡمَوۡتِ بِٱلۡحَقِّۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنۡهُ تَحِيدُ ١٩
And the intoxication of death will bring the truth; that is what you were trying to avoid.
وقَوْلُهُ تَعالى:
صفحة 182
﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ إلى آخِرِهِ كَلامٌ وارِدٌ بَعْدَ تَتْمِيمِ العَرْضِ مِن إثْباتِ ما أنْكَرُوهُ مِنَ البَعْثِ بِأبْيَنِ دَلِيلٍ وأوْضَحِهِ دالٌّ عَلى أنَّ هَذا المُنْكَرَ أنْتُمْ لاقُوهُ فَخُذُوا حِذْرَكُمْ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي هُنا وفِيما بَعْدُ لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، و﴿سَكْرَةُ المَوْتِ﴾ شِدَّتُهُ مُسْتَعارَةٌ مِنَ الحالَةِ الَّتِي تَعْرِضُ بَيْنَ المَرْءِ وعَقْلِهِ بِجامِعِ أنَّ كُلًّا مِنهُما يُصِيبُ العَقْلَ بِما يُصِيبُ، وجُوِّزَ أنْ يُشَبَّهَ المَوْتُ بِالشَّرابِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ ويُجْعَلُ إثْباتُ السَّكْرَةِ لَهُ تَخْيِيلًا، ولَيْسَ بِذاكَ، والباءُ إمّا لِلتَّعْدِيَةِ كَما في قَوْلِكَ: جاءَ الرَّسُولُ بِالخَبَرِ، والمَعْنى أحْضَرَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ حَقِيقَةَ الأمْرِ الَّذِي نَطَقَتْ بِهِ كُتُبُ اللَّهِ تَعالى ورُسُلُهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: حَقِيقَةُ الأمْرِ وجَلِيَّةُ الحالِ مِن سَعادَةِ المَيِّتِ وشَقاوَتِهِ، وقِيلَ:
بِالحَقِّ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِنَ المَوْتِ والجَزاءِ فَإنَّ الإنْسانَ خُلِقَ لَهُ، وإمّا لِلْمُلابَسَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ أيْ مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ أيْ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ، وقِيلَ: بِالحِكْمَةِ والغايَةِ الجَمِيلَةِ، وقُرِئَ (سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ) والمَعْنى أنَّها السَّكْرَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلى الإنْسانِ بِمُوجِبِ الحِكْمَةِ وأنَّها لِشِدَّتِها تُوجِبُ زَهُوقَ الرُّوحِ أوْ تَسْتَعْقِبُهُ، وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى مَعَ، وقِيلَ: سَكْرَةُ الحَقِّ سَكْرَةُ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّ الحَقَّ مِن أسْمائِهِ عَزَّ وجَلَّ، والإضافَةُ لِلتَّهْوِيلِ لِأنَّ ما يَجِيءُ مِنَ العَظِيمِ عَظِيمٌ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ سَكَراتُ المَوْتِ جَمْعًا، ويُوافِقُ ذَلِكَ ما أخْرَجَ البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ عائِشَةَ «(أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ أوْ عُلْبَةٌ فِيها ماءٌ فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ في الماءِ فَيَمْسَحُ بِهِما وجْهَهُ ويَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ إنَّ لِلْمَوْتِ سَكَراتٍ)».
وجاءَ في حَدِيثٍ صَحَّحَهُ الحاكِمُ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ «عَنْ عائِشَةَ أيْضًا قالَتْ: (لَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو بِالمَوْتِ وعِنْدَهُ قَدَحٌ فِيهِ ماءٌ وهو يُدْخِلُ يَدَهُ القَدَحَ ثُمَّ يَمْسَحُ وجْهَهُ بِالماءِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلى سَكَراتِ المَوْتِ)».
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الحَقُّ ﴿ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ﴾ أيْ تَمِيلُ وتَعْدِلُ، فالإشارَةُ إلى الحَقِّ والخِطابُ لِلْفاجِرِ لا لِلْإنْسانِ مُطْلَقًا والإشارَةُ إلى المَوْتِ لِأنَّ الكَلامَ في الكَفَرَةِ، وإنَّما جِيءَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ لِإثْباتِ العِلْمِ بِجُزْئِيّاتِ أحْوالِهِ وتَضْمِينِ شِبْهِ وعِيدٍ لِهَؤُلاءِ إدْماجًا والتَّخَلُّصِ مِنهُ إلى بَيانِ أحْوالِهِ في الآخِرَةِ ولِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ﴾ إلَخْ يُناسِبُ خِطابَ هَؤُلاءِ، وكَذَلِكَ ما يَعْقُبُهُ عَلى ما لا يَخْفى.
وأمّا حَدِيثُ مُقابِلِيهِمْ فَقَدْ أُخِذَ فِيهِ حَيْثُ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ﴾ الآياتِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: الإشارَةُ إلى المَوْتِ والخِطابُ لِلْإنْسانِ الشّامِلِ لِلْبَرِّ والفاجِرِ والنَّفْرَةُ عَنِ المَوْتِ شامِلَةٌ لِكُلٍّ مِن أفْرادِهِ طَبْعًا.
وقالَ الطَّيِّبِيُّ: إنْ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ﴾ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ فالمُناسِبُ أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ الحَقَّ والخِطابُ لِلْفاجِرِ، وإنْ كانَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ فالمُناسِبُ أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ المَوْتَ والخِطابُ لِلْجِنْسِ وفِيهِ البَرُّ والفاجِرُ، والِالتِفاتُ لا يُفارِقُ الوَجْهَيْنِ، والثّانِي هو الوَجْهُ لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ إلَخْ، وتَفْصِيلُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ .
﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ وفِيهِ ما يُعْلَمُ مِمّا قَدَّمْنا. وحُكِيَ في الكَشّافِ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ سَألَ زَيْدَ بْنَ أسْلَمَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَحَكاهُ لِصالِحِ بْنِ كَيْسانَ فَقالَ: واللَّهِ ما مِن عالِيَةٍ ولا لِسانٍ فَصِيحٍ ولا مَعْرِفَةٍ بِكَلامِ العَرَبِ هو لِلْكافِرِ، ثُمَّ حَكاهُما لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: أُخالِفُهُما جَمِيعًا
صفحة 183
هُوَ لِلْبَرِّ والفاجِرِ، وكَأنَّ هَذِهِ المُخالَفَةَ لِنَحْوِ ما سَمِعْتَ عَنِ الطَّيِّبِيِّ. وفي بَعْضِ الآثارِ ما يُؤَيِّدُ القَوْلَ بِالعُمُومِ
أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: لَمّا ماتَ الوَلِيدُ بَكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَقالَتْ:
يا عَيْنُ فابْكِي الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ كانَ الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ أبُو الوَلِيدِ فَتى العَشِيرَةِ
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا تَقُولِي هَكَذا يا أُمَّ سَلَمَةَ ولَكِنْ قَوْلِي: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ﴾» وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلى الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: لَمّا حَضَرَ أبُو بَكْرٍ الوَفاةُ تَمَثَّلَتْ عائِشَةُ بِهَذا البَيْتِ:
أعاذِلُ ما يُغْنِي الحِذارُ عَنِ الفَتى ∗∗∗ إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَّدْرُ
فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لَيْسَ كَذَلِكَ يا بُنَيَّةُ ولَكِنْ قَوْلِي: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ﴾ وفي رِوايَةٍ لِابْنِ المُنْذِرِ وأبِي عُبَيْدٍ أنَّها قالَتْ:
وأبْيَضَ يُسْتَسْقى الغَمامُ بِوَجْهِهِ ∗∗∗ ثِمالِ اليَتامى عِصْمَةٍ لِلْأرامِلِ
فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: بَلْ جاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ إلَخْ إذِ التَّمَثُّلُ بِالآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ العُمُومِ أوْفَقُ بِالحالِ كَما لا يَخْفى.
50:20Page 519
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡوَعِيدِ ٢٠
And the Horn will be blown. That is the Day of [carrying out] the threat.
﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ أيْ نَفْخَةُ البَعْثِ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى النَّفْخِ المَفْهُومِ مِن ( نُفِخَ ) والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ وقْتَ ذَلِكَ النَّفْخِ ﴿يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيْ يَوْمُ إنْجازِ الواقِعِ في الدُّنْيا أوْ يَوْمُ وُقُوعِ الوَعِيدِ عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ العَذابِ المَوْعُودِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الزَّمانِ المَفْهُومِ مِنَ ( نُفِخَ ) فَإنَّ الفِعْلَ كَما يَدُلُّ عَلى الحَدَثِ يَدُلُّ عَلى الزَّمانِ، وعَلَيْهِ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ شَيْءٍ، لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ الإشارَةَ إلى زَمانِ الفِعْلِ مِمّا لا نَظِيرَ لَهُ، وتَخْصِيصُ الوَعِيدِ بِالذِّكْرِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الخِطابِ لِلْإنْسانِ مُطْلَقًا مَعَ أنَّهُ يَوْمَ الوَعْدِ أيْضًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لِلتَّهْوِيلِ.
50:21Page 519
وَجَآءَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّعَهَا سَآئِقٞ وَشَهِيدٞ ٢١
And every soul will come, with it a driver and a witness.1
﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ مِنَ النُّفُوسِ البَرَّةِ والفاجِرَةِ كَما هو الظّاهِرُ ﴿مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ وإنِ اخْتَلَفَتْ كَيْفِيَّةُ السَّوْقِ والشَّهادَةِ حَسَبَ اخْتِلافِ النُّفُوسِ عَمَلًا أيْ مَعَها مَلَكانِ أحَدُهُما يَسُوقُها إلى المَحْشَرِ والآخَرُ يَشْهَدُ بِعَمَلِها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وغَيْرِهِ، وفي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا تَصْرِيحٌ بِأنَّ مَلَكَ الحَسَناتِ ومَلَكَ السَّيِّئاتِ أحَدُهُما سائِقٌ والآخَرُ شَهِيدٌ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ السّائِقُ مَلَكُ المَوْتِ والشَّهِيدُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ السّائِقُ مَلَكُ والشَّهِيدُ العَمَلُ وكِلاهُما كَما تَرى، وقِيلَ: الشَّهِيدُ الكِتابُ الَّذِي يَلْقاهُ مَنشُورًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ السّائِقُ مَلَكٌ والشَّهِيدُ جَوارِحُ الإنْسانِ، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِقَوْلِهِ: وهَذا بَعِيدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِأنَّ الجَوارِحَ إنَّما تَشْهَدُ بِالمَعاصِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ يَعُمُّ الصّالِحِينَ، وقِيلَ: السّائِقُ والشَّهِيدُ مَلَكٌ واحِدٌ والعَطْفُ لِمُغايِرَةِ الوَصْفَيْنِ أيْ مَعَها مَلَكٌ يَسُوقُها ويَشْهَدُ عَلَيْها، وقِيلَ: السّائِقُ نَفْسُ الجائِي والشَّهِيدُ جَوارِحُهُ. وتُعِقِّبَ بِأنَّ المَعِيَّةَ تَأْباهُ والتَّجْرِيدُ بَعِيدٌ، وفِيهِ أيْضًا ما تَقَدَّمَ آنِفًا عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: السّائِقُ شَيْطانُ كانَ في الدُّنْيا مَعَ الشَّخْصِ وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ ﴿سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ اسْما جِنْسٍ فالسّائِقُ مَلائِكَةٌ مُوَكَّلُونَ بِذَلِكَ والشَّهِيدُ الحَفَظَةُ وكُلٌّ مَن يَشْهَدُ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ يَشْهَدُ بِالخَيْرِ المَلائِكَةُ والبِقاعُ، وفي الحَدِيثِ «(لا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ إنْسٌ ولا جِنٌّ ولا شَيْءٌ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ)».
و﴿مَعَها﴾ صِفَةُ ( نَفْسٍ ) أوْ ( كُلُّ ) وما بَعْدَهُ
صفحة 184
فاعِلٌ بِهِ لِاعْتِمادِهِ أوْ ﴿مَعَها﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وما بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، واخْتِيرَ كَوْنُها مُسْتَأْنِفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ الأخْبارَ بَعْدَ العِلْمِ بِها أوْصافٌ ومَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَلا تَكُونُ صِفَةً إلّا أنْ يَدَّعِيَ العِلْمَ بِهِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذُكِرَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَحَلُّ ﴿مَعَها سائِقٌ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن ( كُلُّ ) لِتَعْرِفِهِ بِالإضافَةِ إلى ما هو في حُكْمِ المَعْرِفَةِ، فَإنَّ أصْلَ كُلٍّ أنْ يُضافَ إلى الجَمْعِ كَأفْعَلِ التَّفْضِيلِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: كُلُّ النُّفُوسِ يَعْنِي أنَّ هَذا أصْلُهُ وقَدْ عَدَلَ عَنْهُ في الِاسْتِعْمالِ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ كُلٍّ الإفْرادِيِّ والمَجْمُوعِيِّ، ولا يَخْفى أنَّ ما ذَكَرَهُ تَكَلُّفٌ لا تُساعِدُهُ قَواعِدُ العَرَبِيَّةِ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ في البَحْرِ: إنَّهُ كَلامٌ ساقِطٌ لا يَصْدُرُ عَنْ مُبْتَدِئٍ في النَّحْوِ، ثُمَّ إنَّهُ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ فَإنَّ الإضافَةَ لِلنَّكِرَةِ تُسَوِّغُ مَجِيءَ الحالِ مِنها، وأيْضًا ( كُلُّ ) تُفِيدُ العُمُومَ وهو مِنَ المُسَوِّغاتِ كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ. وقَرَأ طَلْحَةُ (مَحّا سائِقٌ) بِالحاءِ مُثَقَلَةً أدْغَمَ العَيْنَ في الهاءِ فانْقَلَبَتا حاءً كَما قالُوا: ذَهَبَ مَحَمْ يُرِيدُونَ مَعَهُمْ،
50:22Page 519
لَّقَدۡ كُنتَ فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا فَكَشَفۡنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلۡيَوۡمَ حَدِيدٞ ٢٢
[It will be said], "You were certainly in unmindfulness of this, and We have removed from you your cover,1 so your sight, this Day, is sharp."
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن﴾ هَذا مَحْكِيٌّ بِإضْمارِ قَوْلٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ بَعْدَ النَّفْخِ ومَجِيءِ كُلِّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ؟ فَقِيلَ: يُقالُ لِلْكافِرِ الغافِلِ إذا عايَنَ الحَقائِقَ الَّتِي لَمْ يُصَدِّقْ بِها في الدُّنْيا مِنَ البَعْثِ وغَيْرِهِ لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا الَّذِي تُعايِنُهُ، فالخِطابُ لِلْكافِرِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وصالِحُ بْنُ كَيْسانَ، وتَنْكِيرُ الغَفْلَةِ وجَعْلُهُ فِيها وهي فِيهِ يَدُلُّ عَلى أنَّها غَفْلَةٌ تامَّةٌ، وهَكَذا غَفْلَةُ الكَفَرَةِ عَنِ الآخِرَةِ وما فِيها، وقِيلَ: الجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ بِإضْمارِ قَوْلٍ هو صِفَةٌ- لِنَفْسٍ- أوْ حالٌ والخِطابُ عامٌّ أيْ يُقالُ لِكُلِّ نَفْسٍ أوْ قَدْ قِيلَ لَها: لَقَدْ كُنْتَ، والمُرادُ بِالغَفْلَةِ الذُّهُولُ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ بَعْدَ العِلْمِ أمْ لا، وما مِن أحَدٍ إلّا ولَهُ غَفْلَةٌ ما مِنَ الآخِرَةِ وما فِيها، وجُوِّزَ الِاسْتِئْنافُ عَلى عُمُومِ الخِطابِ أيْضًا. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ (لَقَدْ كُنْتِ) بِكَسْرِ التّاءِ عَلى مُخاطَبَةِ النَّفْسِ وهي مُؤَنَّثَةٌ وتَذْكِيرُها في قَوْلِهِ: يا نَفْسُ إنَّكَ بِاللَّذّاتِ مَسْرُورٌ. عَلى تَأْوِيلِها بِالشَّخْصِ، ولا يَلْزَمُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ لِأنَّ التَّعْبِيرَ بِالنَّفْسِ في الحِكايَةِ لا يَسْتَدْعِي اعْتِبارَهُ في المَحْكِيِّ كَما لا يَخْفى.
﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ الغِطاءُ الحِجابُ المُغَطِّي لِأُمُورِ المَعادِ وهو الغَفْلَةُ والِانْهِماكُ في المَحْسُوساتِ والإلْفِ بِها وقَصْرِ النَّظَرِ عَلَيْها، وجَعَلَ ذَلِكَ غِطاءً مَجازًا، وهو إمّا غِطاءُ الجَسَدِ كُلِّهِ أوِ العَيْنَيْنِ، وعَلى كِلَيْهِما يَصِحُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أيْ نافِذٌ لِزَوالِ المانِعِ لِلْإبْصارِ، أمّا عَلى الثّانِي فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّ غِطاءَ الجَسَدِ كُلِّهِ غِطاءٌ لِلْعَيْنَيْنِ أيْضًا فَكَشْفُهُ عَنْهُ يَسْتَدْعِي كَشْفَهُ عَنْهُما. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أمْرِ النَّفْخِ والبَعْثِ ومَجِيءِ كُلِّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ وغَيْرِ ذَلِكَ فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَ الغَفْلَةِ بِالوَحْيِ وتَعْلِيمِ القُرْآنِ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ تَرى ما لا يَرَوْنَ وتَعْلَمُ ما لا يَعْلَمُونَ، ولَعَمْرِي إنَّهُ زَعْمٌ ساقِطٌ لا يُوافِقُ السِّباقَ ولا السِّياقَ. وفي البَحْرِ وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قَوْلٌ في هَذِهِ الآيَةِ يَحْرُمُ نَقْلُهُ وهو في كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ انْتَهى، ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ هَذا لَكِنْ في دَعْوى حُرْمَةِ النَّقْلِ بَحْثٌ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِكَسْرِ الكافاتِ الثَّلاثَةِ أعْنِي كافَ ( عَنْكِ ) وما بَعْدَهُ عَلى خِطابِ النَّفْسِ، ولَمْ يَنْقُلْ صاحِبُ اللَّوامِحِ الكَسْرَ في الكافِ إلّا عَنْ طَلْحَةَ وقالَ: لَمْ أجِدْ عَنْهُ في ﴿لَقَدْ كُنْتَ﴾ الكَسْرَ فَإنْ كَسَرَ فِيهِ أيْضًا فَذاكَ وإنْ فَتَحَ يَكُونُ قَدْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى لَفْظِ ( كُلُّ ) وحَمْلُ الكَسْرِ فِيما بَعْدَهُ عَلى مَعْناهُ لِإضافَتِهِ إلى ( نَفْسٍ ) وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَهُ أجْرُهُ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَهُ ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ انْتَهى
50:23Page 519
وَقَالَ قَرِينُهُۥ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ٢٣
And his companion, [the angel], will say, "This [record] is what is with me, prepared."
﴿وقالَ قَرِينُهُ﴾
صفحة 185
أيْ شَيْطانُهُ المُقَيَّضُ لَهُ في الدُّنْيا كَما قالَ مُجاهِدٌ،
وفِي الحَدِيثِ: «(ما مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ولا أنا إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى أعانَنِي عَلَيْهِ فَأسْلَمَ فَلا يَأْمُرُنِي إلّا بِخَيْرٍ)».
﴿هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ إشارَةٌ إلى الشَّخْصِ الكافِرِ نَفْسِهِ أيْ هَذا ما عِنْدِي وفي مِلْكَتِي عَتِيدٌ لِجَهَنَّمَ قَدْ هَيَّأْتُهُ لَها بِإغْوائِي وإضْلالِي، ولا يُنافِي هَذا ما حَكاهُ سُبْحانَهُ عَنِ القَرِينِ في قَوْلِهِ تَعالى الآتِي:
﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ لِأنَّ هَذا نَظِيرُ قَوْلِ الشَّيْطانِ: ﴿ولأُضِلَّنَّهُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ وذاكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ .
وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: قَرِينُهُ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِسَوْقِهِ يَقُولُ مُشِيرًا إلَيْهِ: هَذا ما لَدَيَّ حاضِرٌ، وقالَ الحَسَنُ: هو كاتِبُ سَيِّئاتِهِ يَقُولُ مُشِيرًا إلى ما في صَحِيفَتِهِ أيْ هَذا مَكْتُوبٌ عِنْدِي عَتِيدٌ مُهَيَّأٌ لِلْعَرْضِ، وقِيلَ: قَرِينُهُ هُنا عَمَلُهُ قَلْبًا وجَوارِحَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، و(ما) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِالظَّرْفِ وبِعَتِيدٍ أوْ مَوْصُولَةٌ والظَّرْفُ صِلَتُها و( عَتِيدٌ ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِاسْمِ الإشارَةِ أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (ما) بِناءً عَلى أنَّهُ يَجُوزُ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ وإنْ لَمْ تُوصَفْ إذا حَصَلَتِ الفائِدَةُ بِإبْدالِها، وأمّا تَقْدِيرُهُ بِشَيْءٍ عَتِيدٍ عَلى أنَّ البَدَلَ هو المَوْصُوفُ المَحْذُوفُ الَّذِي قامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ أوْ أنَّ (ما) المَوْصُولَةَ لِإبْهامِها أشْبَهَتِ النَّكِرَةَ فَجازِ إبْدالُها مِنها فَقِيلَ عَلَيْهِ إنَّهُ ضَعِيفٌ لِما يَلْزَمُ الأوَّلُ مِن حَذْفِ البَدَلِ وقَدْ أباهُ النُّحاةُ، والثّانِي لا يَقُولُ بِهِ مَن يَشْتَرِطُ النَّعْتَ فَهو صُلْحٌ مِن غَيْرِ تَراضِي الخَصْمَيْنِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (عَتِيدًا) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ
50:24Page 519
أَلۡقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٖ ٢٤
[Allāh will say], "Throw into Hell every obstinate disbeliever,
﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ﴾ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ بِناءً عَلى أنَّهُما اثْنانِ لا واحِدَ جامِعٌ لِلْوَصْفَيْنِ أوْ لِلْمَلَكَيْنِ مِن خَزَنَةِ النّارِ أوْ لِواحِدٍ عَلى أنَّ الألِفَ بَدَلٌ مِن نُونِ التَّوْكِيدِ عَلى إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ الحَسَنِ ( ألْقِيَنْ ) بِنُونِ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ، وقِيلَ: إنَّ العَرَبَ كَثِيرًا ما يُرافِقُ الرَّجُلُ مِنهُمِ اثْنَيْنِ فَكَثُرَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ أنْ يَقُولُوا: خَلِيلَيَّ وصاحِبَيَّ وقِفا واسْعَدا حَتّى خاطَبُوا الواحِدَ خِطابَ الِاثْنَيْنِ، وما في الآيَةِ مَحْمُولٌ عَلى ذَلِكَ كَما حُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أوْ عَلى تَنْزِيلِ تَثْنِيَةِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ بِأنْ يَكُونَ أصْلُهُ ألْقِ ألْقِ ثُمَّ حَذَفَ الفِعْلَ الثّانِيَ وأبْقى ضَمِيرَهُ مَعَ الفِعْلِ الأُولى فَثَنّى الضَّمِيرَ لِلدَّلالَةِ عَلى ما ذُكِرَ كَما في قَوْلِهِ:
فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ وإنْ تَدَعانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعًا
وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ المازِنِيِّ والمُبَرِّدِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، ولْيُنْظَرْ هَلْ هو حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ والأظْهَرُ أنَّهُ خِطابٌ لِاثْنَيْنِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ. وجَماعَةٍ، وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ كَما مَرَّ، والإلْقاءُ طَرْحُ الشَّيْءِ حَيْثُ تَلْقاهُ أيْ تَراهُ ثُمَّ صارَ في التَّعارُفِ اسْمًا لِكُلِّ طَرْحٍ أيِ اطْرَحا في جَهَنَّمَ كُلَّ مُبالِغٍ في الكُفْرِ لِلْمُنْعِمِ والنِّعْمَةِ ﴿عَنِيدٍ﴾ مَبالِغٍ في العِنادِ وتَرْكِ الِانْقِيادِ لِلْحَقِّ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الحَسَنِ: جاحِدٌ مُتَمَرِّدٌ، وقالَ قَتادَةُ: أيْ مُنْحَرِفٌ عَنِ الطّاعَةِ يُقالُ: عَنَدَ عَنِ الطَّرِيقِ عَدَلَ عَنْهُ، وقالَ السُّدِّيُّ: المَشاقُّ مِنَ العِنْدِ وهو عَظْمٌ يَعْرِضُ في الحَلْقِ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: المُعْجَبُ بِما عِنْدَهُ
﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ مُبالِغٍ في المَنعِ لِلْمالِ عَنْ حُقُوقِهِ المَفْرُوضَةِ، قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: يَعْنِي الزَّكاةَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالخَيْرِ الإسْلامُ فَإنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ كانَ يَقُولُ لِبَنِي أخِيهِ: مَن دَخَلَ مِنكم في الإسْلامِ لَمْ أنْفَعْهُ بِشَيْءٍ ما عِشْتُ، والمُبالَغَةُ بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ بَنِي أخِيهِ أوْ بِاعْتِبارِ تَكَرُّرِ مَنعِهِ لَهم.
وضُعِّفَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ مَنّاعٍ عَنِ الخَيْرِ، وفي البَحْرِ الأحْسَنُ عُمُومُ الخَيْرِ في المالِ
صفحة 186
وغَيْرِهِ ﴿مُعْتَدٍ﴾ ظالِمٍ مُتَخَطٍّ لِلْحَقِّ مُتَجاوِزٍ لَهُ ﴿مُرِيبٍ﴾ شاكٍّ في اللَّهِ تَعالى ودِينِهِ، وقِيلَ: في البَعْثِ.
50:26Page 519
ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَأَلۡقِيَاهُ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ٢٦
Who made [as equal] with Allāh another deity; then throw him into the severe punishment."
﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ مُبْتَدَأٌ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ خَبَرُهُ ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ بِتَأْوِيلٍ فَيُقالُ في حَقِّهِ ألْقَياهُ أوْ لِكَوْنِهِ في مَعْنى جَوابِ الشَّرْطِ لا يَحْتاجُ لِلتَّأْوِيلِ أوْ بَدَلٌ مِن ( كُلَّ كَفّارٍ ) أوْ مِن ( كَفّارٍ ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقِياهُ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّوْكِيدِ فَهو نَظِيرُ ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ والفاءُ هاهُنا لِلْإشْعارِ بِأنَّ الإلْقاءَ لِلصِّفاتِ المَذْكُورَةِ أوْ مِن بابِ وحَقِّكَ ثُمَّ حَقِّكَ يَنْزِلُ التَّغايُرُ بَيْنَ المُؤَكِّدِ والمُفَسِّرِ والمُفَسَّرِ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ بَيْنَ الذّاتَيْنِ بِوَجْهٍ خِطابِيٍّ، ولا يَدَّعِي التَّغايُرَ الحَقِيقِيَّ لِأنَّ التَّأْكِيدَ يَأْباهُ، وقَوْلُ أهْلِ المَعانِي: إنَّ بَيْنَ المُؤَكِّدِ والمُؤَكَّدِ شِدَّةَ اتِّصالٍ تَمْنَعُ مِنَ العَطْفِ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ بِسَدِيدٍ، والنَّحْوِيُّونَ عَلى خِلافِهِ، فَقَدْ قالَ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ: فَصْلُ الجُمْلَتَيْنِ في التَّأْكِيدِ بِـ ثُمَّ إنْ أُمِنَ اللَّبْسُ أجْوَدُ مِن وصْلِهِما، وذَكَرَ بَعْضُ النُّحاةِ الفاءَ والزَّمَخْشَرِيُّ في الجاثِيَةِ الواوَ أيْضًا، وجَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ التَّأْكِيدِ الِاصْطِلاحِيِّ، ولَوْ جَعَلَ ( العَذابِ الشَّدِيدِ ) نَوْعًا مِن عَذابِ جَهَنَّمَ ومِن أهْوالِهِ فَكانَ مِن بابِ ( مَلائِكَتِهِ وجِبْرِيلَ ) دُونَ تَكْرِيرٍ لَكانَ كَما قالَ صاحِبُ الكَشْفِ حَسَنًا.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ﴿فَألْقِياهُ﴾ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْ يَكُونَ صِفَةَ ( كَفّارٍ ) وجازَ وصْفُهُ بِالمَعْرِفَةِ لِتَخَصُّصِهِ بِالأوْصافِ المَذْكُورَةِ. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ وصْفُ النَّكِرَةِ بِالمَعْرِفَةِ ولَوْ وُصِفَتْ بِأوْصافٍ كَثِيرَةٍ
50:27Page 519
۞ قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطۡغَيۡتُهُۥ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ ٢٧
His [devil] companion will say, "Our Lord, I did not make him transgress, but he [himself] was in extreme error."
﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ أيِ الشَّيْطانُ المُقَيَّضُ لَهُ، وإنَّما اسْتُؤْنِفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافَ الجُمَلِ الواقِعَةِ في حِكايَةِ المُقاوَلَةِ لِما أنَّها جَوابٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ فَإنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى سابِقَةِ كَلامٍ اعْتَذَرَ بِهِ الكافِرُ كَأنَّهُ قالَ: هو أطْغانِي فَأجابَ قَرِينُهُ بِتَكْذِيبِهِ وإسْنادِ الطُّغْيانِ إلَيْهِ بِخِلافِ الجُمْلَةِ الأُولى فَإنَّها واجِبَةُ العَطْفِ عَلى ما قَبْلَها دَلالَةً عَلى الجَمْعِ بَيْنَ مَفْهُومَيْهِما في الحُصُولِ أعْنِي مَجِيءَ كُلِّ نَفْسٍ مَعَ المَلَكَيْنِ، وقَوْلُ قَرِينِهِ: ﴿ولَكِنْ كانَ﴾ هو بِالذّاتِ ﴿فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ مِنَ الحَقِّ فَأعَنْتُهُ عَلَيْهِ بِالإغْواءِ والدَّعْوَةِ إلَيْهِ مِن غَيْرِ قَسْرٍ ولا إلْجاءٍ، فَهو كَما قَدَّمْنا نَظِيرُ ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ إلَخْ
50:28Page 519
قَالَ لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَيۡكُم بِٱلۡوَعِيدِ ٢٨
[Allāh] will say, "Do not dispute before Me, while I had already presented to you the threat [i.e., warning].
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ تَعالى؟ فَقِيلَ: قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ أيْ في مَوْقِفِ الحِسابِ والجَزاءِ إذْ لا فائِدَةَ في ذَلِكَ ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ عَلى الطُّغْيانِ في دارِ الكَسْبِ في كُتُبِي وعَلى ألْسِنَةِ رُسُلِي فَلا تَطْمَعُوا في الخَلاصِ عَنْهُ بِما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ التَّعَلُّلِ بِالمَعاذِيرِ الباطِلَةِ، والجُمْلَةُ حالٌ فِيها تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ ويُلاحَظُ مَعْنى العِلْمِ لِتَحْصُلَ المُقارَنَةُ الَّتِي تَقْتَضِيها الحالِيَّةُ أيْ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ عالِمِينَ أنِّي قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ حَيْثُ قُلْتُ لِإبْلِيسَ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ فاتَّبَعْتُمُوهُ مُعْرِضِينَ عَنِ الحَقِّ والباءُ مَزِيدَةٌ أوْ مُعَدِّيَةٌ عَلى أنَّ قَدَّمَ بِمَعْنى تَقَدَّمَ وهو لازِمٌ يُعَدّى بِالباءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( قَدَّمْتُ ) واقِعًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى:
50:29Page 519
مَا يُبَدَّلُ ٱلۡقَوۡلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٢٩
The word [i.e., decree] will not be changed with Me, and never will I be unjust to the servants."
﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ إلَخْ ويَكُونُ ﴿بِالوَعِيدِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ قُدِّمَ عَلَيْهِ أوِ الفاعِلِ أيْ وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم هَذا القَوْلَ مُلْتَبِسًا بِالوَعِيدِ مُقْتَرِنًا بِهِ أوْ قَدَّمْتُهُ إلَيْكم مَوْعِدًا لَكم فَلا تَطْمَعُوا أنَّ أُبَدِّلَ وعِيدِي، والأظْهَرُ اسْتِئْنافُ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وفي ( لَدَيَّ ) عَلى ما قالَ الإمامُ وجْهانِ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالقَوْلِ أيْ ما يُبَدَّلُ القَوْلُ الَّذِي عِنْدِي. الثّانِي أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالفِعْلِ قَبْلُ أيْ لا يَقَعُ التَّبْدِيلُ عِنْدِي، قالَ: وعَلى الأوَّلِ في القَوْلِ الَّذِي لَدَيْهِ تَعالى وُجُوهٌ.
أحَدُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْقِيا﴾ أرادُوا بِاعْتِذارِهِمْ أنْ يُبَدِّلَ ويَقُولَ سُبْحانَهُ: لا تُلْقِيا فَرَدَّ عَلَيْهِمْ.
صفحة 187
ثانِيها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ لِإبْلِيسَ: ﴿لأمْلأنَّ﴾ إلَخْ. ثالِثُها الإيعادُ مُطْلَقًا. رابِعُها القَوْلُ السّابِقُ يَوْمَ خَلَقَ العِبادَ هَذا سَعِيدٌ وهَذا شَقِيٌّ. وعَلى الثّانِي في مَعْنى الآيَةِ وُجُوهٌ أيْضًا. أحَدُها لا يُكْذَبُ لَدَيَّ فَإنِّي عالِمٌ عَلِمْتُ مَن طَغى ومَن أطْغى فَلا يُفِيدُ قَوْلُكم أطْغانِي شَيْطانِي وقَوْلُ الشَّيْطانِ: ﴿رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ ثانِيها لَوْ أرَدْتُمْ أنْ لا أقُولَ: ﴿فَألْقِياهُ﴾ كُنْتُمْ أبْدَلْتُمِ الكُفْرَ بِالإيمانِ قَبْلَ أنْ تَقِفُوا بَيْنَ يَدَيَّ وأمّا الآنَ فَما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ. ثالِثُها لا يُبَدَّلُ القَوْلُ الكُفْرُ بِالإيمانِ لَدَيَّ فَإنَّ الإيمانَ عِنْدَ اليَأْسِ غَيْرُ مَقْبُولٍ فَقَوْلُكم: رَبَّنا وإلَهَنا لا يُفِيدُكم فَمِن تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ لا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: رَبَّنا ما أشْرَكْنا وقَوْلُهُ: رَبَّنا آمَنّا. والمَشْهُورُ أنْ ( لَدَيَّ ) مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالقَوْلِ ما يَشْمَلُ الوَعْدَ والوَعِيدَ.
واسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ مَن قالَ بِعَدَمِ جَوازِ تَخَلُّفِهِما مُطْلَقًا. وأجابَ مَن قالَ بِجَوازِ العَفْوِ عَنْ بَعْضِ المُذْنِبِينَ بِأنَّ ذَلِكَ العَفْوَ لَيْسَ بِتَبْدِيلٍ فَإنَّ دَلائِلَ العَفْوِ تَدُلُّ عَلى تَخْصِيصِ الوَعِيدِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: المُرادُ نَفْيُ أنْ يُوقِعَ أحَدٌ التَّبْدِيلَ لَدَيْهِ تَعالى أيْ في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ أوْ يُبَدَّلُ القَوْلُ الَّذِي عَلِمَهُ عَزَّ وجَلَّ، فَإنَّ ما عِنْدَهُ تَبارَكَ وتَعالى هو ما في نَفْسِ الأمْرِ وهو لا يَقْبَلُ التَّبْدِيلَ أصْلًا، وأكْثَرُ الوَعِيداتِ مُعَلَّقَةٌ بِشَرْطِ المَشِيئَةِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الكَرَمُ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ عَلى ما يَقْتَضِيهِ التَّرْهِيبُ، فَمَتى حَصَلَ العَفْوُ لِعَدَمِ مَشِيئَتِهِ التَّعْذِيبَ لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَبْدِيلُ ما في نَفْسِ الأمْرِ فَتَدَبَّرْهُ فَإنَّهُ دَقِيقٌ ﴿وما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وارِدٌ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ تَعْذِيبَ مَن يُعَذَّبُ مِنَ العَبِيدِ إنَّما هو عَنِ اسْتِحْقاقٍ في نَفْسِ الأمْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ فَتَذَكَّرْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences