Al-AlusiQaf · 50:1–8

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

ق

Qaf

The Letter "Qaf" · Meccan · 45 ayahs

50:1Page 518

قٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡمَجِيدِ ١

Qāf.1 By the honored Qur’ān...2

سُورَةُ ق وتُسَمّى سُورَةَ الباسِقاتِ

وهِيَ مَكِّيَّةٌ وأطْلَقَ الجُمْهُورُ ذَلِكَ، وفي التَّحْرِيرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَتادَةَ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الآيَةَ فَهي مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وآيُها خَمْسٌ وأرْبَعُونَ بِالإجْماعِ. ولَمّا أشارَ سُبْحانَهُ في آخِرِ السُّورَةِ السّابِقَةِ إلى أنَّ إيمانَ أُولَئِكَ الأعْرابِ لَمْ يَكُنْ إيمانًا حَقًّا ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ إنْكارُ النُّبُوَّةِ وإنْكارُ البَعْثِ افْتَتَحَ عَزَّ وجَلَّ هَذِهِ السُّورَةَ بِما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَثِيرًا ما يَقْرَؤُها في صَلاةِ الفَجْرِ كَما في حَدِيثِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وفي رِوايَةِ ابْنِ ماجَهْ. وغَيْرِهِ عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَقْرَؤُها في الرَّكْعَةِ الأُولى مِن صَلاةِ الفَجْرِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيُّ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَقْرَأُ في العِيدِ بِقافٍ

صفحة 171

واقْتَرَبَتْ».

وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ «عَنْ أُمِّ هِشامٍ ابْنَةِ حارِثَةَ قالَتْ: (ما أخَذْتُ ق والقُرْآنِ المَجِيدِ إلّا مِن في رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَقْرَأُ بِها في كُلِّ جُمُعَةٍ عَلى المِنبَرِ إذا خَطَبَ النّاسَ)».

وفِي حَدِيثِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي العَلاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَرْفُوعًا «(تَعَلَّمُوا ق والقُرْآنِ المَجِيدِ)».

وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّها مِن أعْظَمِ السُّوَرِ. ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ ذِي المَجْدِ والشَّرَفِ مِن بابِ النَّسَبِ كَلابِنٍ وتامِرٍ وإلّا فالمَعْرُوفُ وصْفُ الذّاتِ الشَّرِيفَةِ بِهِ، وصَنِيعُ بَعْضِهِمْ ظاهِرٌ في اخْتِيارِ هَذا الوَجْهِ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ في فَعِيلٍ كَما قالَهُ ابْنُ هِشامٍ في ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ، وشَرَفُهُ عَلى هَذا بِالنِّسْبَةِ لِسائِرِ الكُتُبِ، أمّا غَيْرُ الإلَهِيَّةِ فَظاهِرٌ، وأمّا الإلَهِيَّةُ فَلِإعْجازِهِ وكَوْنِهِ غَيْرَ مَنسُوخٍ بِغَيْرِهِ واشْتِمالِهِ مَعَ إيجازِهِ عَلى أسْرارٍ يَضِيقُ عَنْها كُلُّ واحِدٍ مِنها، وقالَ الرّاغِبُ: المَجْدُ السِّعَةُ في الكَرَمِ وأصْلُهُ مَجَدَتِ الإبِلُ إذا وقَعَتْ في مَرْعًى كَثِيرٍ واسِعٍ، ووَصْفُ القُرْآنِ بِهِ لِكَثْرَةِ ما يَتَضَمَّنُ مِنَ المَكارِمِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفُهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كَلامُ المَجِيدِ فَهو وصْفٌ بِصِفَةِ قائِلِهِ، فالإسْنادُ مَجازِيٌّ كَما في القُرْآنِ الحَكِيمِ أوْ لِأنَّ مَن عَلِمَ مَعانِيهِ وعَمِلَ بِما فِيهِ مُجِدٌّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وعِنْدَ النّاسِ، فالكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ حُذِفَ فارْتَفَعَ الضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ، أوْ فَعِيلٌ فِيهِ بِمَعْنى مُفْعِلٍ كَبَدِيعٍ بِمَعْنى مُبْدِعٍ لَكِنْ في مَجِيءِ فَعِيلٍ وصْفًا مِنَ الإفْعالِ كَلامٌ، وأكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ والعَرَبِيَّةِ لَمْ يُثْبِتْهُ، وأكْثَرُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ يَجْرِي هاهُنا حَتّى أنَّهُ قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ق أمْرًا مِن مُفاعَلَةِ قَفا أثَرَهُ أيْ تَبِعَهُ، والمَعْنى اتَّبِعِ القُرْآنَ واعْمَلْ بِما فِيهِ، ولَمْ يُسْمَعْ مَأْثُورًا، ومِثْلُهُ ما قِيلَ: إنَّهُ أمْرٌ بِمَعْنى قِفْ أيْ قِفْ عِنْدَ ما شَرَعَ لَكَ ولا تُجاوِزْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى مِن وراءِ هَذِهِ الأرْضِ بَحْرًا مُحِيطًا بِها ومِن وراءِ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ قافٌ السَّماءُ الدُّنْيا مُتَرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ الجَبَلِ أرْضًا مِثْلَ تِلْكَ الأرْضِ سَبْعَ مَرّاتٍ ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ بَحْرًا مُحِيطًا بِها ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ قافٌ السَّماءُ الثّانِيَةُ مُتَرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ حَتّى عَدَّ سَبْعِ أرْضِينَ وسَبْعَةَ أبْحُرٍ وسَبْعَةَ أجْبُلٍ ثُمَّ قالَ: وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في العُقُوباتِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَبَلًا يُقالُ لَهُ قافٌ مُحِيطًا بِالعالَمِ وعُرُوقُهُ إلى الصَّخْرَةِ الَّتِي عَلَيْها الأرْضُ فَإذا أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُزَلْزِلَ قَرْيَةً أمَرَ ذَلِكَ الجَبَلَ فَحَرَّكَ العِرْقَ الَّذِي يَلِي تِلْكَ القَرْيَةَ فَيُزَلْزِلُها ويُحَرِّكُها فَمِن ثَمَّ تُحَرَّكُ القَرْيَةُ دُونَ القَرْيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: قافٌ جَبَلٌ مِن زُمُرُّدٍ مُحِيطٍ بِالدُّنْيا عَلَيْهِ كَنَفا السَّماءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ أيْضًا قالَ: هو جَبَلٌ مُحِيطٌ بِالأرْضِ، وذَهَبَ القَرافِيُّ إلى أنَّ جَبَلَ قافٍ لا وُجُودَ لَهُ وبَرْهَنَ عَلَيْهِ بِما بَرْهَنَ ثُمَّ قالَ: ولا يَجُوزُ اعْتِقادُ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ فَقالَ: (يَرُدُّ ذَلِكَ ما جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن طُرُقٍ خَرَّجَها الحُفّاظُ وجَماعَةٌ مِنهم مِمَّنِ التَزَمُوا تَخْرِيجَ الصَّحِيحِ، وقَوْلُ الصَّحابِيِّ ذَلِكَ ونَحْوَهُ مِمّا لا مَجالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ حُكْمُهُ حُكْمُ المَرْفُوعِ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «أنَّ وراءَ أرْضِنا بَحْرًا مُحِيطًا ثُمَّ جَبَلًا يُقالُ لَهُ قافٌ» إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ، ثُمَّ قالَ: وكَما يَنْدَفِعُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: لا وُجُودَ لَهُ يَنْدَفِعُ قَوْلُهُ: ولا يَجُوزُ اعْتِقادٌ إلَخْ لِأنَّهُ إنْ أرادَ بِالدَّلِيلِ مُطْلَقَ الإمارَةِ فَهَذِهِ عَلَيْهِ أدِلَّةٌ أوِ الإمارَةَ القَطْعِيَّةَ فَهَذا مِمّا يَكْفِي فِيهِ الظَّنُّ كَما هو جَلِيٌّ انْتَهى، والَّذِي أذْهَبُ

صفحة 172

إلَيْهِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ القَرافِيُّ مِن أنَّهُ لا وُجُودَ لِهَذا الجَبَلِ بِشَهادَةِ الحِسِّ فَقَدْ قَطَعُوا هَذِهِ الأرْضَ بَرَّها وبَحْرَها عَلى مَدارِ السَّرَطانِ مَرّاتٍ فَلَمْ يُشاهِدُوا ذَلِكَ، والطَّعْنُ في صِحَّةِ هَذِهِ الأخْبارِ وإنْ كانَ جَماعَةٌ مِن رُواتُها مِمَّنِ التَزَمَ تَخْرِيجَ الصَّحِيحِ أهْوَنُ مِن تَكْذِيبِ الحِسِّ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن بابِ نَفْيِ الوُجُودِ لِعَدَمِ الوِجْدانِ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي العِرْفانِ، وأمْرُ الزَّلْزَلَةِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى ذَلِكَ الجَبَلِ بَلْ هي مِنَ الأبْخِرَةِ وطَلَبُها الخُرُوجَ مَعَ صَلابَةِ الأرْضِ وإنْكارِ ذَلِكَ مُكابَرَةٌ عِنْدَ مَن لَهُ أدْنى عِرْقٍ مِنَ الإنْصافِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

واخْتُلِفَ في جَوابِ القَسَمِ فَقِيلَ: مَحْذُوفٌ يُشْعِرُ بِهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: والقُرْآنِ المَجِيدِ إنّا أنْزَلْناهُ لِتُنْذِرَ بِهِ النّاسَ، وقَدَّرَهُ أبُو حَيّانَ إنَّكَ جِئْتَهم مُنْذِرًا بِالبَعْثِ ونَحْوَ ما قِيلَ: هو إنَّكَ لَمُنْذِرٌ وقِيلَ: ما رَدُّوا أمْرَكَ بِحُجَّةٍ.

وقالَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: تَقْدِيرُهُ لِتَبْعَثَنَّ، وقِيلَ: هو مَذْكُورٌ، فَعَنِ الأخْفَشِ ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ وحُذِفَتِ اللّامُ لِطُولِ الكَلامِ، وعَنْهُ أيْضًا وعَنِ ابْنِ كَيْسانَ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ وقِيلَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى﴾ وهو اخْتِيارُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيِّ، وقِيلَ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ وعَنْ نُحاةِ الكُوفَةِ هو قَوْلُهُ تَعالى:

50:2Page 518

بَلۡ عَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡ فَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا شَيۡءٌ عَجِيبٌ ٢

But they wonder that there has come to them a warner from among themselves, and the disbelievers say, "This is an amazing thing.

﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ وما ذُكِرَ أوَّلًا هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ، ( وبَلْ ) لِلْإضْرابِ عَمّا يُنْبِئُ عَنْهُ جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنّا أنْزَلْناهُ لِتُنْذِرَ بِهِ النّاسَ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ بَلْ جَعَلُوا كُلًّا مِنَ المُنْذِرِ والمُنْذَرِ بِهِ عُرْضَةً لِلتَّكَبُّرِ والتَّعَجُّبِ مَعَ كَوْنِهِما أوْفَقَ شَيْءٍ لِقَضِيَّةِ العُقُولِ وأقْرَبَهُ إلى التَّلَقِّي بِالقَبُولِ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ إنَّكَ جِئْتَهم مُنْذِرًا بِالبَعْثِ فَلَمْ يَقْبَلُوا بَلْ عَجِبُوا أوْ فَشَكُّوا فِيهِ بَلْ عَجِبُوا عَلى مَعْنى لَمْ يَكْتَفُوا بِالشَّكِّ والرَّدِّ بَلْ جَزَمُوا بِالخِلافِ حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ، وقِيلَ: هو إضْرابٌ عَمّا يُفْهَمُ مِن وصْفِ القُرْآنِ بِالمَجِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ سَبَبُ امْتِناعِهِمْ مِنَ الإيمانِ بِالقُرْآنِ أنْ لا مَجْدَ لَهُ ولَكِنْ لِجَهْلِهِمْ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ عَلَيْهِ لِأنَّ التَّعَجُّبَ مِنَ الشَّيْءِ يَقْتَضِي الجَهْلَ بِسَبَبِهِ.

قالَ في الكَشْفِ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ، ( وأنْ جاءَهم ) بِتَقْدِيرِ لِأنْ جاءَهُمْ، ومَعْنى ( مِنهم ) مِن جِنْسِهِمْ أيْ مِن جِنْسِ البَشَرِ أوْ مِنَ العَرَبِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ في الآيَةِ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، وقِيلَ: عائِدٌ عَلى النّاسِ ولَيْسَ بِذاكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ تَفْسِيرٌ لِتَعَجُّبِهِمْ وبَيانٌ لِكَوْنِهِ مُقارِنًا لِغايَةِ الإنْكارِ مَعَ زِيادَةِ تَفْصِيلٍ لِمَحَلِّ التَّعَجُّبِ، وهَذا إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُنْذِرًا بِالقُرْآنِ وإضْمارُهم أوَّلًا لِلْإشْعارِ بِتَعَيُّنِهِمْ بِما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ، وإظْهارُهم ثانِيًا لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ بِمُوجِبِهِ أوْ عَطْفٌ لِتَعَجُّبِهِمْ مِنَ البَعْثِ عَلى تَعَجُّبِهِمْ مِنَ البَعْثَةِ، وعَطْفُهُ بِالفاءِ لِوُقُوعِهِ بَعْدَهُ وتَفَرُّعِهِ عَلَيْهِ لِأنَّهُ إذا أُنْكِرَ المَبْعُوثُ أُنْكِرَ ما بُعِثَ بِهِ أيْضًا، عَلى أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى مُبْهَمٍ وهو البَعْثُ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ مِنَ الجُمْلَةِ الإنْكارِيَّةِ، ودَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ أيْضًا لِأنَّهُ دَلَّ عَلى أنَّ ثَمَّ مُنْذِرًا بِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ إنْذارَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلُ كُلِّ شَيْءٍ بِالبَعْثِ وما يَتْبَعُهُ.

ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إمّا لِسَبْقِ اتِّصافِهِمْ بِما يُوجِبُ كُفْرَهم وإمّا لِلْإيذانِ بِأنَّ تَعَجُّبَهم مِنَ البَعْثِ لِدَلالَتِهِ عَلى اسْتِقْصارِهِمْ لِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَنْهُ مَعَ مُعايَنَتِهِمْ لِقُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى ما هو أشَقُّ مِنهُ في قِياسِ العَقْلِ مِن مَصْنُوعاتِهِ البَدِيعَةِ أشْنَعُ مِنَ الأوَّلِ وأعْرَقُ في كَوْنِهِ كُفْرًا،

50:3Page 518

أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗاۖ ذَٰلِكَ رَجۡعُۢ بَعِيدٞ ٣

When we have died and have become dust, [we will return to life]? That is a distant [i.e., unlikely] return."

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ تَقْرِيرٌ لِلتَّعَجُّبِ وتَأْكِيدٌ لِلْإنْكارِ أوْ بَيانٌ لِمَوْضِعِ تَعَجُّبِهِمْ، والعامِلُ في ( إذا ) مُضْمَرٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ لِغايَةِ شُهْرَتِهِ مَعَ دَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ أيْ أحِينَ نَمُوتُ ونَصِيرُ تُرابًا نَرْجِعُ كَما يَنْطِقُ بِهِ النَّذِيرُ والمُنْذَرِ بِهِ مَعَ كَمالِ التَّبايُنِ بَيْنَنا وبَيْنَ

صفحة 173

الحَياةِ حِينَئِذٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَحَلِّ النِّزاعِ وهو الرَّجْعُ والبَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ أيْ ذَلِكَ الرَّجْعُ ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أيْ عَنِ الأوْهامِ أوِ العادَةِ أوِ الإمْكانِ، وقِيلَ: الرَّجْعُ بِمَعْنى المَرْجُوعِ أيِ الجَوابُ يُقالُ هَذا رَجْعُ رِسالَتِكَ ومَرْجُوعُها ومَرْجُوعَتُها أيْ جَوابُها، والإشارَةُ عَلَيْهِ إلى ( أإذا مِتْنا ) إلَخْ، والجُمْلَةُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، والمَعْنى ذَلِكَ جَوابٌ بَعِيدٌ مِنهم لِمُنْذِرِهِمْ، وناصِبُ ( إذا ) حِينَئِذٍ ما يُنْبِئُ عَنْهُ المُنْذِرُ مِنَ المُنْذَرِ بِهِ وهو البَعْثُ أيْ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا بَعَثَنا، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ لَمّا تَقَرَّرَ أنَّ ذَلِكَ جَوابٌ مِنهم لِمُنْذِرِهِمْ فَقَدْ عُلِمَ أنَّهُ أنْذَرَهم بِالبَعْثِ لِيَصْلُحَ ذَلِكَ جَوابًا لَهُ فَهو دَلِيلٌ أيْضًا عَلى المُقَدَّرِ، فالقَوْلُ بِأنَّهُ إذا كانَ الرَّجْعُ بِمَعْنى المَرْجُوعِ وهو الجَوابُ لا يَكُونُ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلى ناصِبِ ( إذا ) مُنْدَفِعٌ. نَعَمْ هَذا الوَجْهُ في نَفْسِهِ بَعِيدٌ بَلْ قالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ مَفْهُومٌ عَجِيبٌ يَنْبُو عَنْ إدْراكِهِ فَهْمُ العَرَبِ.

وقَرَأ الأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وابْنُ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ (إذا) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى صُورَةِ الخَبَرِ فَجازَ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا حُذِفَتْ مِنهُ الهَمْزَةُ وجازَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، قالَ في البَحْرِ: وأُضْمِرَ جَوابُ ( إذا ) أيْ إذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا رَجَعْنا، وأجازَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنْ يَكُونَ الجَوابُ ذَلِكَ رَجْعٌ بِعِيدٌ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ الفاءِ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَ بَعْضُهم في جَوابِ الشَّرْطِ مُطْلَقًا إذا كانَ جُمْلَةً اسْمِيَّةً، وقَصَرَهُ أصْحابُنا عَلى الشِّعْرِ في الضَّرُورَةِ.

50:4Page 518

قَدۡ عَلِمۡنَا مَا تَنقُصُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۡهُمۡۖ وَعِندَنَا كِتَٰبٌ حَفِيظُۢ ٤

We know what the earth diminishes [i.e., consumes] of them, and with Us is a retaining record.

﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ أيْ ما تَأْكُلُ مِن لُحُومِ مَوْتاهم وعِظامِهِمْ وأشْعارِهِمْ، وهو رَدٌّ لِاسْتِبْعادِهِمْ بِإزاحَةِ ما هو الأصْلُ فِيهِ وهو أنَّ أجَزاءَهم تَفَرَّقَتْ فَلا تُعْلَمُ حَتّى تُعادَ بِزَعْمِهِمُ الفاسِدِ، وقِيلَ: ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم مَن يَمُوتُ فَيُدْفَنُ في الأرْضِ مِنهُمْ، ووَجْهُ التَّعْبِيرِ بِما ظاهِرٌ والأوَّلُ أظْهَرُ وهو المَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ تَعْمِيمٌ لِعِلْمِهِ تَعالى أيْ وعِنْدَنا كِتابٌ حافِظٌ لِتَفاصِيلِ الأشْياءِ كُلِّها ويَدْخُلُ فِيها أعْمالُهم أوْ مَحْفُوظٌ عَنِ التَّغَيُّرِ، والمُرادُ إمّا تَمْثِيلُ عِلْمِهِ تَعالى بِكُلِّيّاتِ الأشْياءِ وجُزْئِيّاتِها بِعِلْمِ مَن عِنْدَهُ كِتابٌ حَفِيظٌ يَتَلَقّى مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ أوْ تَأْكِيدٌ لِعِلْمِهِ تَعالى بِثُبُوتِها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ.

هَذا وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى رَدِّ شُبْهَةٍ تَمَسَّكَ بِها مَن يَرى اسْتِحالَةَ إعادَةِ المَعْدُومِ وفي البَعْثِ لِذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّ أجْزاءَ المَيِّتِ تَعْدَمُ ولا تَتَفَرَّقُ فَقَطْ، وحاصِلُها أنَّ الشَّيْءَ إذا عُدِمَ ولَمْ يَسْتَمِرَّ وُجُودُهُ في الزَّمانِ الثّانِي ثُمَّ أُعِيدَ في الزَّمانِ الثّالِثِ لَزِمَ التَّحَكُّمُ الباطِلُ في الحُكْمِ بِأنَّ هَذا المَوْجُودَ المُتَأخِّرَ هو بِعَيْنِهِ المَوْجُودُ السّابِقُ لا مَوْجُودَ آخَرَ مِثْلَهُ مُسْتَأْنِفٌ إذْ لَمّا فَقَدَ هُوِيَّةَ المَوْجُودِ الأوَّلِ لَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ مِنَ المَوْضُوعِ والعَوارِضِ الشَّخْصِيَّةِ حَتّى يَكُونَ المَوْجُودُ الثّانِي مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ ويَكُونَ مُرَجِّحًا لِلْحُكْمِ المَذْكُورِ ويَنْدَفِعَ التَّحَكُّمُ.

وحاصِلُ الرَّدِّ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِيمٌ بِتَفاصِيلِ الأشْياءِ كُلِّها يَعْلَمُ كُلِّيّاتِها وجُزْئِيّاتِها عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِهِ. فَلِلْمَعْدُومِ صُورَةٌ جُزْئِيَّةٌ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ فَهو مَحْفُوظٌ بِعَوارِضِهِ الشَّخْصِيَّةِ في عِلْمِهِ تَعالى البَلِيغِ عَلى وجْهٍ يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنِ المُسْتَأْنِفِ فَلا يَلْزَمُ التَّحَكُّمُ، ويَكُونُ ذَلِكَ نَظِيرَ انْحِفاظِ وحْدَةِ الصُّورَةِ الخَيالِيَّةِ فِينا بَعْدَ غَيْبَةِ المَحْسُوسِ عَنِ الحِسِّ كَما إذا رَأيْنا شَخْصًا فَغابَ عَنْ بَصَرِنا ثُمَّ رَأيْناهُ ثانِيًا فَإنّا نَحْكُمُ بِأنَّ هَذا الشَّخْصَ هو مَن رَأيْناهُ سابِقًا وهو حُكْمٌ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ مَبْنِيٌّ عَلى انْحِفاظِ وحَدْةِ الصُّورَةِ الخَيالِيَّةِ قَطْعًا ولا يُنْكِرُهُ إلّا مُكابِرٌ، وقالَ بَعْضُ الأشاعِرَةِ: إنَّ لِلْمَعْدُومِ صُورَةً جُزْئِيَّةً حاصِلَةً بِتَعَلُّقِ صِفَةِ البَصَرِ مِنَ

صفحة 174

المُوجِدِ وهو اللَّهُ تَعالى، ولَيْسَتْ تِلْكَ الصُّورَةُ لِلْمُسْتَأْنِفِ وُجُودِهِ فَإنَّ صُورَتَهُ وإنْ كانَتْ جُزْئِيَّةً حَقِيقِيَّةً أيْضًا إلّا أنَّها لَمْ تَتَرَتَّبْ عَلى تَعَلُّقِ صِفَةِ البَصَرِ ولا شَكَّ أنَّ المُتَرَتِّبَ عَلى تَعَلُّقِ صِفَةِ البَصَرِ أكْمَلُ مِن غَيْرِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ فَبَيْنَ الصُّورَتَيْنِ تَمايُزٌ واضِحٌ، وإذا انْحَفَظَ وحَدْةُ المَوْجُودِ الخارِجِيِّ بِالصُّوَرِ الجُزْئِيَّةِ الخَيالِيَّةِ لَنا فانْحِفاظُها بِالصُّورَةِ الجُزْئِيَّةِ الحاصِلَةِ لَهُ تَعالى بِواسِطَةِ تَعَلُّقِ صِفَةِ البَصَرِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى انْتَهى، وهو حَسَنٌ لَكِنْ لا تُشِيرُ الآيَةُ إلَيْهِ.

وأيْضًا لا يَتِمُّ عِنْدَ القائِلِينَ بِعَدَمِ رُؤْيَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ المَعْدُوَماتِ مُطْلَقًا إلّا أنَّ أُولَئِكَ قائِلُونَ بِثُبُوتِ هُوِيّاتِ المَعْدُوماتِ مُتَمايِزَةً تَمايُزًا ذاتِيًّا حالَ العَدَمِ فَلا تَرِدُ عَلَيْهِمُ الشُّبْهَةُ السّابِقَةُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ صِفَةَ البَصَرِ تَرْجِعُ إلى صِفَةِ العِلْمِ وتَعَلُّقاتُهُ مُخْتَلِفَةٌ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِعِلْمِهِ تَعالى تَعَلُّقًا خاصًّا بِالمَوْجُودِ الَّذِي عُدِمَ غَيْرَ تَعَلُّقِهِ بِالمُسْتَأْنِفِ في حالِ عَدَمِهِ وبِذَلِكَ يَحْصُلُ الِامْتِيازُ ويَنْدَفِعُ التَّحَكُّمُ، ويُقالُ عَلى مَذْهَبِ الحُكَماءِ: إنَّ صُورَةَ المَعْدُومِ السّابِقِ مُرْتَسِمَةٌ في القُوى المُنْطَبِعَةِ لِلْأفْلاكِ بِناءً عَلى أنَّ صُوَرَ جَمِيعِ الحَوادِثِ الجُسْمانِيَّةِ مُنْطَبِعَةٌ فِيها عِنْدَهم فَلَهُ صُورَةٌ خَيالِيَّةٌ جُزْئِيَّةٌ مَحْفُوظَةُ الوَحْدَةِ الشَّخْصِيَّةِ بَعْدَ فَنائِهِ بِخِلافِ المُسْتَأْنِفِ إذْ لَيْسَ تِلْكَ الصُّورَةُ قَبْلَ وُجُودِهِ وإنَّما لَهُ الصُّوَرُ الكُلِّيَّةُ في الأذْهانِ العالِيَةِ والسّافِلَةِ فَإذا أُوجِدَتْ تِلْكَ الصُّورَةُ الجُزْئِيَّةُ كانَ مَعادًا وإذا أُوجِدَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ الكُلِّيَّةُ كانَ مُسْتَأْنِفًا ورُبَّما يَدَّعِي الإسْلامِيُّ المُتَفَلْسِفُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ رَمْزًا إلى ذَلِكَ، ولِلْجَلالِ الدَّوانِيُّ كَلامٌ في هَذا المَقامِ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ عِنْدَ ذَوِي الأفْهامِ، ثُمَّ إنَّ البَعْثَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى صِحَّةِ إعادَةِ المَعْدُومِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ لِأنَّهم لا يَقُولُونَ إلّا بِتَفَرُّقِ أجْزاءِ المَيِّتِ دُونَ انْعِدامِها بِالكُلِّيَّةِ، ولَعَلَّ في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُنْكِرِيهِ: ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ.

وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «لَيْسَ مِنَ الإنْسانِ شَيْءٌ لا يَبْلى إلّا عَظْمٌ واحِدٌ وهو عَجْبُ الذَّنَبِ مِنهُ يَرْكَبُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ)».

ولَيْسَ نَصًّا في انْعِدامِ ما عَدا العَجْبِ بِالمَرَّةِ لِاحْتِمالِ أنْ يُرادَ بِبَلا غَيْرِهِ مِنَ الأجْزاءِ انْحِلالُها إلى ما تَرَكَّبَتْ مِنهُ مِنَ العَناصِرِ وأمّا هو فَيَبْقى عَلى العَظْمِيَّةِ وهو جُزْءٌ صَغِيرٌ في العَظْمِ الَّذِي في أسْفَلِ الصُّلْبِ، ومِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ العَجَبُ أمْرُهُ عَجَبٌ هو أوَّلُ ما يُخْلَقُ وآخِرُ ما يُخْلَقُ

50:5Page 518

بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَهُمۡ فِيٓ أَمۡرٖ مَّرِيجٍ ٥

But they denied the truth when it came to them, so they are in a confused condition.

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ إضْرابٌ أتْبَعَ الإضْرابَ الأوَّلَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم جاؤُوا بِما هو أفْظَعُ مِن تَعَجُّبِهِمْ وهو التَّكْذِيبُ بِالحَقِّ الَّذِي هو النُّبُوَّةُ الثّابِتَةُ بِالمُعْجِزاتِ في أوَّلِ وهْلَةٍ مِن غَيْرِ تَفَكُّرٍ ولا تَدَبُّرٍ فَكَأنَّهُ بَدَلُ بَداءٍ مِنَ الأوَّلِ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ ما أجادُوا النَّظَرَ بَلْ كَذَّبُوا أوْ لَمْ يَكْذِبِ المُنْذِرُ بَلْ كَذَّبُوا، وكَوْنُ التَّكْذِيبِ المَذْكُورِ أفْظَعَ قِيلَ: مِن حَيْثُ إنَّ تَكْذِيبَهم بِالنُّبُوَّةِ تَكْذِيبٌ بِالمُنَبَّأِ بِهِ أيْضًا وهو البَعْثُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: لِأنَّ إنْكارَ النُّبُوَّةِ في نَفْسِهِ أفْظَعُ مِن إنْكارِ البَعْثِ، ورُبَّما لا يَتِمُّ عِنْدَ القائِلِينَ بِأنَّ العَقْلَ مُسْتَقِلٌّ بِإثْباتِ أصْلِ الجَزاءِ، عَلى أنَّ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونُوا قَدْ سَمِعُوا بِالبَعْثِ مِن أصْحابِ مِلَلٍ أُخْرى بِخِلافِ نَبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاصَّةً، وقِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ الإخْبارُ بِالبَعْثِ ولا شَكَّ أنَّ التَّكْذِيبَ أسْوَأُ مِنَ التَّعَجُّبِ وأفْظَعُ فَهو إضْرابٌ عَنْ تَعَجُّبِهِمْ بِالمُنْذِرِ والمُنْذَرِ بِهِ إلى تَكْذِيبِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ القُرْآنُ والمَضْرُوبُ عَنْهُ عَلَيْهِ عَلى ما قالَ الطَّيِّبِيُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ وجُعِلَ كَبَدَلِ البَداءِ مِنَ الإضْرابِ الأوَّلِ عَلى أنَّهُ إضْرابٌ عَنْ حَدِيثِ القُرْآنِ ومَجْدِهِ إلى التَّعَجُّبِ مِن مَجِيءِ مَن أنْذَرَهم بِالبَعْثِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ وإنَّ هَذا إضْرابٌ إلى التَّصْرِيحِ بِالتَّكْذِيبِ بِهِ ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ إنْكارَ جَمِيعِ ما تَضَمَّنَهُ كَذا قِيلَ فَتَأمَّلْ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ ( لِما ) بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ فاللّامُ تَوْقِيتِيَّةٌ بِمَعْنى عِنْدَ نَحْوُها في قَوْلِكَ: كَتَبَهُ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مَثَلًا، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ أيْ

صفحة 175

بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ عِنْدَ مَجِيئِهِ إيّاهم ﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ مُضْطَرِبٌ مِن مَرَجَ الخاتَمَ في إصْبَعِهِ إذا قَلِقَ مِنَ الهُزالِ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ كَما ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ مُبالَغَةً بِجَعْلِ المُضْطَرِبِ الأمْرَ نَفْسَهُ وهو في الحَقِيقَةِ صاحِبُهُ، وذَلِكَ نَفْيُهُمُ النُّبُوَّةَ عَنِ البَشَرِ بِالكُلِّيَّةِ تارَةً وزَعْمُهم أنَّ اللّائِقَ بِها أهْلُ الجاهِ والمالِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ تارَةً أُخْرى وزَعْمُهم أنَّ النُّبُوَّةَ سِحْرٌ مَرَّةً وأنَّها كِهانَةٌ أُخْرى حَيْثُ قالُوا في النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَرَّةً ساحِرٌ ومَرَّةً كاهِنٌ أوْ هو اخْتِلافُ حالِهِمْ ما بَيْنَ تَعَجُّبٍ مِنَ البَعْثِ واسْتِبْعادٍ لَهُ وتَكْذِيبٍ وتَرَدُّدٍ فِيهِ أوْ قَوْلُهم في القُرْآنِ هو شِعْرٌ تارَةً وهو سِحْرٌ أُخْرى إلى غَيْرِ ذَلِكَ

50:6Page 518

أَفَلَمۡ يَنظُرُوٓاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوۡقَهُمۡ كَيۡفَ بَنَيۡنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٖ ٦

Have they not looked at the heaven above them - how We structured it and adorned it and [how] it has no rifts?

﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ أيْ أغْفَلُوا أوْ عَمُوا فَلَمْ يَنْظُرُوا حِينَ كَفَرُوا بِالبَعْثِ ﴿إلى السَّماءِ فَوْقَهُمْ﴾ بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها كُلَّ وقْتٍ، قِيلَ: وهَذا ظاهِرٌ عَلى ما هو المَعْرُوفُ بَيْنَ النّاسِ مِن أنَّ المُشاهَدَ هو السَّماءُ الَّتِي هي الجِرْمُ المَخْصُوصُ الَّذِي يُطْوى يَوْمَ القِيامَةِ وقَدْ وُصِفَ في الآياتِ والأحادِيثِ بِما وُصِفَ. وأمّا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ مِن أنَّ المُشاهَدَ إنَّما هو كُرَةُ البُخارِ أوْ هَواءٌ ظَهَرَ بِهَذا اللَّوْنِ ولا لَوْنَ لَهُ حَقِيقَةً ودُونَ ذَلِكَ الجِرْمِ فَفِيهِ خَفاءٌ، وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ في هَذا المَقامِ: إنَّ ظَواهِرَ الآياتِ والأخْبارِ ناطِقَةٌ بِأنَّ السَّماءَ مَرْئِيَّةٌ، وما ذَكَرَهُ الفَلاسِفَةُ المُتَقَدِّمُونَ مِن أنَّ الأفْلاكَ أجْرامٌ صُلْبَةٌ شَفّافَةٌ لا تُرى غَيْرُ مُسَلَّمٍ أصْلًا، وكَذا كَوْنُ السَّماواتِ السَّبْعِ هي الأفْلاكُ السَّبْعَةُ غَيْرَ مُسَلَّمٍ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، وكَذا وُجُودُ كُرَةِ البُخارِ وأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ هَواءٌ مُخْتَلِفُ الأجْزاءِ في اللَّطافَةِ فَكُلَّما عَلا كانَ ألْطَفَ حَتّى أنَّهُ رُبَّما لا يَصْلُحُ لِلتَّعَيُّشِ ولا يَمْنَعُ خُرُوجَ الدَّمِ مِنَ المَسامِّ الدَّقِيقَةِ جِدًّا لِمَن وصَلَ إلَيْهِ، وإنَّ رُؤْيَةَ الجَوِّ بِهَذا اللَّوْنِ لا يُنافِي رُؤْيَةَ السَّماءِ حَقِيقَةً وإنْ لَمْ تَكُنْ في نَفْسِها مُلَوَّنَةً بِهِ ويَكُونُ ذَلِكَ كَرُؤْيَةِ قَعْرِ البَحْرِ أخْضَرَ مِن وراءِ مائِهِ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يُرى بِواسِطَةِ شَيْءٍ عَلى لَوْنٍ وهو في نَفْسِهِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ اللَّوْنِ، بَلْ قِيلَ: إنَّ رُؤْيَةَ السَّماءِ مَعَ وُجُودِ كُرَةِ البُخارِ عَلى نَحْوِ رُؤْيَةِ الأجْرامِ المُضِيئَةِ كالقَمَرِ وغَيْرِهِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأصْحابَ مَعَ الظَّواهِرِ حَتّى يَظْهَرَ دَلِيلٌ عَلى امْتِناعِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ وحِينَئِذٍ يُؤَوِّلُونَها، وأنَّ التِزامَ التَّطْبِيقِ بَيْنَ ما نَطَقَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ وما قالَهُ الفَلاسِفَةُ مَعَ إكْذابِ بَعْضِهِ بَعْضًا أصْعَبُ مِنَ المَشْيِ عَلى الماءِ أوِ العُرُوجِ إلى السَّماءِ، وأنا أقُولُ: لا بَأْسَ بِتَأْوِيلٍ ظاهِرٍ تَأْوِيلًا قَرِيبًا لِشَيْءٍ مِنَ الفَلْسَفَةِ إذا تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً شَرْعِيَّةً ولَمْ يَسْتَلْزِمْ مَفْسَدَةً دِينِيَّةً، وأرى الإنْصافَ مِنَ الدِّينِ، ورَدُّ القَوْلِ احْتِقارًا لِقائِلِهِ غَيْرُ لائِقٍ بِالعُلَماءِ المُحَقِّقِينَ، هَذا وحَمَلَ بَعْضٌ ( السَّماءِ ) هاهُنا عَلى جِنْسِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ وهو كَما تَرى، والظّاهِرُ أنَّها الجِرْمُ المَخْصُوصُ وأنَّها السَّماءُ الدُّنْيا أيْ أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ الدُّنْيا ﴿كَيْفَ بَنَيْناها﴾ أحْكَمْناها ورَفَعْناها بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿وزَيَّنّاها﴾ لِلنّاظِرِينَ بِالكَواكِبِ المَرَتَّبَةِ عَلى أبْدَعِ نِظامٍ ﴿وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ أيْ مِن فُتُوقٍ وشُقُوقٍ، والمُرادُ سَلامَتُها مِن كُلِّ عَيْبٍ وخَلَلٍ فَلا يُنافِي القَوْلَ بِأنَّ لَها أبْوابًا. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ مُتَلاصِقَةُ الطِّباقِ وهو يُنافِي ما ورَدَ في الحَدِيثِ مِن أنَّ بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ وسَماءٍ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ولَعَلَّ تَأْخِيرَ هَذا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ.

وقِيلَ هاهُنا ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ بِالفاءِ وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ بِالواوِ لِسَبْقِ إنْكارِ الرَّجْعِ فَناسَبَ التَّعْقِيبَ بِما يُشْعِرُ بِالِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ، وجِيءَ بِالنَّظَرِ دُونَ الرُّؤْيَةِ كَما في الأحْقافِ اسْتِبْعادًا لِاسْتِبْعادِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ:

النَّظَرُ كافٍ في حُصُولِ العِلْمِ بِإمْكانِ الرَّجْعِ ولا حاجَةَ إلى الرُّؤْيَةِ قالَهُ الإمامُ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ما لَها مِن فُرُوجٍ ) لِلْفَلاسِفَةِ عَلى امْتِناعِ الخَرْقِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ نَفْيَ الشَّيْءِ لا يَدُلُّ عَلى امْتِناعِهِ، عَلى أنَّكَ قَدْ سَمِعْتَ المُرادَ بِذَلِكَ، ولا يَضُرُّ كَوْنُهُ لَيْسَ مَعْنًى

صفحة 176

حَقِيقِيًّا لِشُيُوعِهِ

50:7Page 518

وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ ٧

And the earth - We spread it out and cast therein firmly set mountains and made grow therein [something] of every beautiful kind,

﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ بَسَطْناها وهو لا يُنافِي كُرِّيَّتَها التّامَّةِ أوِ النّاقِصَةِ مِن جِهَةِ القُطْبَيْنِ لِمَكانِ العِظَمِ ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ جِبالًا ثَوابِتَ تَمْنَعُها مِنَ المَيْدِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ وهو ظاهِرٌ في عَدَمِ حَرَكَةِ الأرْضِ، وخالَفَ في ذَلِكَ بَعْضَ الفَلاسِفَةِ المُتَقَدِّمِينَ وكُلَّ الفَلاسِفَةِ المَوْجُودِينَ اليَوْمَ، ووافَقَهم بَعْضُ المَغارِبَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَزَعَمُوا أنَّها تَتَحَرَّكُ بِالحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ بِما فِيها مِنَ العَناصِرِ وأبْطَلُوا أدِلَّةَ المُتَقَدِّمِينَ العَقْلِيَّةَ عَلى عَدَمِ حَرَكَتِها، وهَلْ يَكْفُرُ القائِلُ بِذَلِكَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ لا ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ صِنْفٍ ﴿بَهِيجٍ﴾ حَسَنٍ يُبْهِجُ ويَسُرُّ مَن نَظَرَ إلَيْهِ

50:8Page 518

تَبۡصِرَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ ٨

Giving insight and a reminder for every servant who turns [to Allāh].

﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ راجِعٍ إلى رَبِّهِ، وهو مَجازٌ عَنِ التَّفَكُّرِ في بَدائِعِ صُنْعِهِ سُبْحانَهُ بِتَنْزِيلِ التَّفَكُّرِ في المَصْنُوعاتِ مَنزِلَةَ الرُّجُوعِ إلى صانِعِها، و( وتَبْصِرَةً وذِكْرى ) عِلَّتانِ لِلْأفْعالِ السّابِقَةِ مَعْنًى وإنِ انْتَصَبا بِالفِعْلِ الأخِيرِ أوْ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ أيْ فَعَلْنا ما فَعَلْنا تَبْصِيرًا وتَذْكِيرًا، وقالَ أبُو حَيّانَ: مَنصُوبانِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِن لَفْظِهِما أيْ بَصِرْنا وذَكَرْنا والأوَّلُ أوْلى.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (تَبْصِرَةٌ وذِكْرى) بِالرَّفْعِ عَلى مَعْنى خَلْقُهُما تَبْصِرَةٌ وذِكْرى،

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском