Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Qaf 50:40–45
50:40Page 520
وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَأَدۡبَٰرَ ٱلسُّجُودِ ٤٠
And [in part] of the night exalt Him and after prostration [i.e., prayer].
﴿ومِنَ اللَّيْلِ﴾ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ﴿فَسَبِّحْهُ﴾ بِاعْتِبارِ الِاتِّحادِ النَّوْعِيِّ، والعَطْفُ لِلتَّغايُرِ الشَّخْصِيِّ أيْ وسَبِّحْهُ بَعْضَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ أوْ مَفْعُولٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: (سَبِّحْهُ) عَلى أنَّ الفاءَ جَزائِيَّةٌ والتَّقْدِيرُ مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَسَبِّحْهُ بَعْضَ اللَّيْلِ، وقُدِّمَ المَفْعُولُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ ولِيَكُونَ كالعِوَضِ عَنِ المَحْذُوفِ ولِتَتَوَسَّطَ الفاءُ الجَزائِيَّةُ كَما هو حَقُّها، ولَعَلَّ المُرادَ بِهَذا البَعْضِ السَّحَرُ فَإنَّ فَضْلَهُ مَشْهُورٌ ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ وأعْقابَ الصَّلاةِ جَمْعُ دَبْرٍ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أوْ دُبُرٍ بِضَمَّتَيْنِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وعِيسى والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وشِبْلٌ والحَرَمِيّانِ (إدْبارَ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهو مَصْدَرٌ تَقُولُ: أدْبَرَتِ الصَّلاةُ إدْبارًا انْقَضَتْ وتَمَّتْ، والمَعْنى ووَقْتَ انْقِضاءِ السُّجُودِ كَقَوْلِهِمْ: آتِيكَ خُفُوقَ النَّجْمِ. وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ المُرادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ عَلى أنَّهُ مِن إطْلاقِ الجُزْءِ أوِ اللّازِمِ عَلى الكُلِّ أوِ المَلْزُومِ، وعَلَيْهِ فالصَّلاةُ قَبْلَ الطُّلُوعِ الصُّبْحُ وقَبْلَ الغُرُوبِ العَصْرُ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ، وأخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا، «ومِنَ اللَّيْلِ صَلاةُ العَتَمَةِ وإدْبارُ السُّجُودِ النَّوافِلُ بَعْدَ المَكْتُوباتِ» أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الصَّلاةُ قَبْلَ الطُّلُوعِ الفَجْرُ وقَبْلَ الغُرُوبِ الظُّهْرُ والعَصْرُ ومِنَ اللَّيْلِ العِشاءانِ وإدْبارُ السُّجُودِ النَّوافِلُ بَعْدَ الفَرائِضِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ الوَتْرُ بَعْدَ العَشاءِ، وفي أُخْرى عَنْهُ أيْضًا وعَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِهِ الحَسَنِ وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، والشَّعْبِيِّ وإبْراهِيمَ ومُجاهِدٍ والأوْزاعِيِّ رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وأخْرَجَهُ مُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ، وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَرْفُوعًا، وقالَ مُقاتِلٌ: رَكْعَتانِ بَعْدَ العَشاءِ يَقْرَأُ في الأُولى ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ وفي الثّانِيَةِ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾، وقِيلَ: مِنَ اللَّيْلِ صَلاةُ العِشاءَيْنِ والتَّهَجُّدُ. وعَنْ مُجاهِدٍ صَلاةُ اللَّيْلِ، وفِيهِ احْتِمالُ العُمُومِ لِصَلاةِ العِشاءَيْنِ والخُصُوصِ بِالتَّهَجُّدِ وهو الأظْهَرُ
50:41Page 520
وَٱسۡتَمِعۡ يَوۡمَ يُنَادِ ٱلۡمُنَادِ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ ٤١
And listen on the Day when the Caller1 will call out from a place that is near -
﴿واسْتَمِعْ﴾ أمْرٌ بِالِاسْتِماعِ، والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ حَقِيقَتُهُ، والمُسْتَمَعُ لَهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ واسْتَمِعْ لِما أُخْبِرُ بِهِ مِن أهْوالِ يَوْمَ القِيامَةِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ﴾ إلى آخِرِهِ، وسَلَكَ هَذا لِما في الإبْهامِ ثُمَّ التَّفْسِيرِ مِنَ التَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ لِشَأْنِ المُخْبَرِ بِهِ، وانْتَصَبَ ( يَوْمَ ) بِما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ أيْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ، وقِيلَ: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ نِداءُ المُنادِي، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ نِداءُ الكافِرِينَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ ( ويَوْمَ ) ظَرْفٌ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ، وقِيلَ: لا يَحْتاجُ ذَلِكَ إلى مَفْعُولٍ والمَعْنى كُنْ مُسْتَمِعًا ولا تَكُنْ غافِلًا، وقِيلَ: مَعْنى اسْتَمِعِ انْتَظِرْ، والخِطابُ لِكُلِّ
صفحة 194
سامِعٍ، وقِيلَ: لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ( ويَوْمَ ) مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِاسْتَمِعْ أيِ انْتَظِرْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي فَإنَّ فِيهِ تَبَيُّنَ صِحَّةِ ما قُلْتُهُ كَما تَقُولُ لِمَن تَعِدُهُ بِوُرُودِ فَتْحٍ: اسْتَمِعْ كَذا وكَذا. والمُنادِي عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْفُخُ إسْرافِيلُ في الصُّورِ ويُنادِي جِبْرِيلُ يا أيَّتُها العِظامُ النَّخِرَةُ والجُلُودُ المُتَمَزِّقَةُ والشُّعُورُ المُتَقَطِّعَةُ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أنْ تَجْتَمِعِي لِفَصْلِ الحِسابِ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، والواسِطِيُّ في فَضائِلِ بَيْتِ المَقْدِسِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ جابِرٍ أنَّ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْفُخُ في الصُّورِ فَيَقُولُ: يا أيَّتُها العِظامُ النَّخِرَةُ إلى آخِرِهِ فَيَكُونُ المُرادُ بِالمُنادِي هو عَلَيْهِ السَّلامُ. وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ الأوَّلُ هو الأصَحُّ ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ هو صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ جابِرٍ وكَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ وبُرَيْدَةَ وقَتادَةَ، وهي عَلى ما رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ بِثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا.
وفِي الكَشّافِ أنَّها أقْرَبُ إلَيْها بِاثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا وهي وسَطُ الأرْضِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ هَذا لا يُقْبَلُ إلّا بِوَحْيٍ، ثُمَّ إنَّ كَوْنَها وسَطَ الأرْضِ مِمّا تَأْباهُ القَواعِدُ في مَعْرِفَةِ العُرُوضِ والأطْوالِ، ومِن هُنا قِيلَ: المُرادُ قَرِيبٌ مِمَّنْ يُنادِيهِمْ فَقِيلَ: يُنادِي مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ، وقِيلَ: مِن مَنابِتِ شُعُورِهِمْ فَيَسْمَعُ مِن كُلِّ شَعْرَةٍ يا أيَّتُها العِظامُ النَّخِرَةُ إلَخْ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ بِقُرْبِهِ كَوْنُ النِّداءِ مِنهُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ بَلْ يَسْتَوِي في سَماعِهِ كُلُّ أحَدٍ، والنِّداءِ في كُلِّ ذَلِكَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في الإعادَةِ نَظِيرُ كُنْ في الِابْتِداءِ عَلى المَشْهُورِ فَهو تَمْثِيلٌ لِإحْياءِ المَوْتى بِمُجَرَّدِ الإرادَةِ ولا نِداءَ ولا صَوْتَ حَقِيقَةً، ثُمَّ إنَّ ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُنادِيَ مَلَكٌ وأنَّهُ يُنادِي بِما سَمِعْتَ هو المَأْثُورُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نِداؤُهُ بِقَوْلِهِ لِلنَّفْسِ: ارْجِعِي إلى رَبِّكِ لَتَدْخُلَنَّ مَكانَكِ مِنَ الجَنَّةِ أوِ النّارِ أوْ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ وهَؤُلاءِ لِلنّارِ، وأنْ يَكُونَ المُنادِي هو اللَّهَ تَعالى يُنادِي ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ أوْ ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ أوْ ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ أوْ ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وأنْ يَكُونَ غَيْرُهُ تَعالى وغَيْرُ المَلَكِ مِنَ المُكَلَّفِينَ يُنادِي يا ﴿مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ أوْ ﴿أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ
50:42Page 520
يَوۡمَ يَسۡمَعُونَ ٱلصَّيۡحَةَ بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡخُرُوجِ ٤٢
The Day they will hear the blast [of the Horn] in truth. That is the Day of Emergence [from the graves].
﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ﴾ وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، ( ويَوْمَ ) بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ يُنادِ﴾ إلَخْ، والعامِلُ فِيهِما ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ كَما تَقَدَّمَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ و( يَوْمَ يُنادِ ) غَيْرُ مَعْمُولٍ لَهُ بَلْ لِغَيْرِهِ عَلى ما مَرَّ، وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِـ ﴿يُنادِي﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ( بِالحَقِّ ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ ( الصَّيْحَةَ ) أيْ يَسْمَعُونَها مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ الَّذِي هو البَعْثُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (الحَقُّ) بِمَعْنى اليَقِينِ والكَلامِ نَظِيرَ صاحَ بِيَقِينٍ أيْ وُجِدَ مِنهُ الصِّياحُ يَقِينًا لا كالصَّدى وغَيْرِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الصَّيْحَةُ المُحَقَّقَةُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِـ ( يَسْمَعُونَ ) عَلى أنَّ المَعْنى يَسْمَعُونَ بِيَقِينٍ، وأنْ يَكُونَ الباءُ لِلْقَسَمِ و(الحَقُّ) هو اللَّهُ تَعالى أيْ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ أُقْسِمُ بِاللَّهِ وهو كَما تَرى ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ اليَوْمُ ﴿يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ مِنَ القُبُورِ وهو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ. وقِيلَ: الإشارَةُ إلى النِّداءِ واتَّسَعَ في الظَّرْفِ فَجُعِلَ خَبَرًا عَنِ المَصْدَرِ، أوِ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ذَلِكَ النِّداءُ نِداءُ يَوْمِ الخُرُوجِ أوْ وقْتُ ذَلِكَ النِّداءِ يَوْمُ الخُرُوجِ
50:43Page 520
إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِۦ وَنُمِيتُ وَإِلَيۡنَا ٱلۡمَصِيرُ ٤٣
Indeed, it is We who give life and cause death, and to Us is the destination
﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ في الدُّنْيا مِن غَيْرِ أنْ يُشارِكَنا في ذَلِكَ أحَدٌ ﴿وإلَيْنا المَصِيرُ﴾ الرُّجُوعُ لِلْجَزاءِ في الآخِرَةِ لا إلى غَيْرِنا لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا.
50:44Page 520
يَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلۡأَرۡضُ عَنۡهُمۡ سِرَاعٗاۚ ذَٰلِكَ حَشۡرٌ عَلَيۡنَا يَسِيرٞ ٤٤
On the Day the earth breaks away from them [and they emerge] rapidly; that is a gathering easy for Us.
﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ﴾ بَدْلٌ بَعْدَ بَدَلٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْمَصِيرِ أيْ إلَيْنا مَصِيرُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ
صفحة 195
أوْ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ﴾ أيْ يُحْشَرُونَ يَوْمَ تَشَقُّقُ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (تَشَّقُ) بِشَدِّ الشِّينِ وقُرِئَ (تُشَقَّقُ) بِضَمِّ التّاءِ مُضارِعَ شَقَقَتْ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ و( تَنْشَقُّ ) مُضارِعَ انْشَقَّتْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ( تَتَشَقَّقُ ) بِتاءَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سِراعًا﴾ مَصْدَرٌ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (عَنْهُمْ) بِتَأْوِيلِ مُسْرِعِينَ والعامِلُ (تَشَقَّقُ) وقِيلَ: التَّقْدِيرُ يَخْرُجُونَ سِراعًا فَتَكُونُ حالًا مِنَ الواوِ والعامِلُ يَخْرُجُ، وحَكاهُ أبُو حَيّانَ عَنِ الحَوْفِيِّ ثُمَّ قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا المُقَدَّرُ عامِلًا في ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ﴾ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: تُمْطِرُ السَّماءُ عَلَيْهِمْ حَتّى تَنْشَقَّ الأرْضُ عَنْهم، وجاءَ: إنَّ أوَّلَ مَن تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ واللَّفْظُ لَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أنا أوَّلُ مَن تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ ثُمَّ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ ثُمَّ أهْلُ البَقِيعِ فَيُحْشَرُونَ مَعِي ثُمَّ أنْتَظِرُ أهْلَ مَكَّةَ وتَلا ابْنُ عُمَرَ ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم سِراعًا﴾ )»
﴿ذَلِكَ حَشْرٌ﴾ بَعْثٌ وجَمْعٌ ﴿عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ أيْ هَيِّنٌ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِتَخْصِيصِ اليُسْرِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ العالَمُ القادِرُ لِذاتِهِ الَّذِي لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ
50:45Page 520
نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَقُولُونَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِجَبَّارٖۖ فَذَكِّرۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ٤٥
We are most knowing of what they say, and you are not over them a tyrant.1 But remind by the Qur’ān whoever fears My threat.
﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ مِن نَفْيِ البَعْثِ وتَكْذِيبِ الآياتِ النّاطِقَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ، وهَذا تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَهْدِيدٌ لَهم ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ أيْ ما أنْتَ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِمْ تَقْسِرُهم عَلى الإيمانِ أوْ تَفْعَلُ بِهِمْ ما تُرِيدُ وإنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ، فالباءُ زائِدَةٌ في الخَبَرِ ﴿وعَلَيْهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ.
ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ الأجِلَّةِ جَوازُ كَوْنِ جَبّارٍ مِن جَبَرَهُ عَلى الأمْرِ قَهَرَهُ عَلَيْهِ بِمَعْنى أجْبَرَهُ لا مِن أجْبَرَهُ إذْ لَمْ يَجِئْ فِعالٌ بِمَعْنى مَفْعِلٍ مِن أفْعَلَ إلّا فِيما قَلَّ كَدِراكِ وسِراعِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: لَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ إلّا في دِراكِ.
وقِيلَ: جَبّارٌ مِن جَبَرَ بِمَعْنى أجْبَرَ لُغَةُ كِنانَةَ وإنَّ (عَلَيْهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالٌ أيْ ما أنْتَ جَبّارٌ تُجْبِرُهم عَلى الإيمانِ والِيًا عَلَيْهِمْ، وهو مُحْتَمِلٌ لِلتَّضْمِينِ وعَدَمِهِ فَلا تَغْفُلْ، وقِيلَ: أُرِيدَ التَّحَلُّمُ عَنْهم وتَرْكُ الغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ، وعَلَيْهِ قِيلَ: الآيَةُ مَنسُوخَةٌ، وقِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ عَلى غَيْرِهِ أيْضًا بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ فَإنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «(قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ: لَوْ خَوَّفْتَنا فَنَزَلَتْ فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ)».
وما أنْسَبَ هَذا الِاخْتِتامَ بِالِافْتِتاحِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ هَذا ولِلشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ولِغَيْرِ واحِدٍ مِنَ الصُّوفِيَّةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ كَلامٌ أشَرْنا إلَيْهِ فِيما سَبَقَ، ومِنهم مَن يَجْعَلُ ق إشارَةً إلى الوُجُودِ الحَقِّ المُحِيطِ بِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ، وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى مَقاماتِ القُرْبِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وطَبَّقَ بَعْضُهم سائِرَ آياتِ السُّورَةِ عَلى ما في الأنْفُسِ وهو مِمّا يُعْلَمُ بِأدْنى التِفاتٍ مِمَّنْ لَهُ أدْنى مُمارَسَةٍ لِكَلامِهِمْ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
(تَمَّ والحَمْدُ لِلَّهِ الجُزْءُ السّادِسُ والعِشْرُونَ، ويَلِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ الجُزْءُ السّابِعُ والعِشْرُونَ، وأوَّلُهُ سُورَةُ الذّارِياتِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences