Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Adh-Dhariyat 51:29–50
51:29Page 521
فَأَقۡبَلَتِ ٱمۡرَأَتُهُۥ فِي صَرَّةٖ فَصَكَّتۡ وَجۡهَهَا وَقَالَتۡ عَجُوزٌ عَقِيمٞ ٢٩
And his wife approached with a cry [of alarm] and struck her face and said, "[I am] a barren old woman!"
﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ﴾ أيْ سارَّةُ لَمّا سَمِعَتْ بِشارَتَهم إلى بَيْتِها وكانَتْ في زاوِيَةٍ تَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ إنَّها كانَتْ في خِدْمَتِهِمْ فَلَمّا تَكَلَّمُوا مَعَ زَوْجِها بِوِلادَتِها اسْتَحْيَتْ وأعْرَضَتْ عَنْهم فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِلَفْظِ الإقْبالِ عَلى الأهْلِ دُونَ الإدْبارِ عَنِ المَلائِكَةِ، وهو إنْ صُحَّ مَثَلُهُ عَنْ نَقْلٍ وأثَرٍ لا يَأْباهُ الخِطابُ الآتِي لِأنَّهُ يَقْتَضِي الإقْبالَ دُونَ الإدْبارِ إذْ يَكْفِي لِصِحَّتِهِ أنْ يَكُونَ بِمَسْمَعٍ مِنها وإنْ كانَتْ مُدَبَّرَةً، نَعَمْ في الكَلامِ عَلَيْهِ اسْتِعارَةٌ ضِدِّيَةٌ ولا قَرِينَةً ها هُنا تُصَحِّحُها، وقِيلَ: أقْبَلَتْ بِمَعْنى أخَذَتْ كَما تَقُولُ أخَذَ يَشْتُمُنِي ﴿فِي صَرَّةٍ﴾ في صَيْحَةٍ مِنَ الصَّرِيرِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: صَرَّتَها رَنَّتَها، وقِيلَ: قَوْلُها أوْهِ، وقِيلَ: يا ويْلَتِي، وقِيلَ: في شِدَّةٍ، وقِيلَ: الصُّرَّةُ الجَماعَةُ المُنْضَمُّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ كَأنَّهم صُرُّوا أيْ جُمِعُوا في وِعاءٍ - وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ بَحْرٍ - قالَ: أيْ أقْبَلَتْ في صَرَّةٍ مِن نِسْوَةٍ يُبادِرْنَ نَظَرًا إلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، أوِ المَفْعُولِ بِهِ إنْ فُسِّرَ أقْبَلَتْ بِأخَذَتْ قِيلَ: إنَّ ( في ) عَلَيْهِ زائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ:
يَجْرَحُ في عَراقِيبِها نَصْلِي والتَّقْدِيرُ أخَذَتْ صَيْحَةً، وقِيلَ: بَلِ الجارِّ والمَجْرُورِ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِأنَّ الفِعْلَ حِينَئِذٍ مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ ﴿فَصَكَّتْ وجْهَها﴾ قالَ مُجاهِدٌ: ضَرَبَتْ بِيَدِها عَلى جَبْهَتِها وقالَتْ: يا ويْلَتاهُ، وقِيلَ: إنَّها وجَدَتْ حَرارَةَ الدَّمِ فَلَطَمَتْوَجْهَها مِنَ الحَياءِ، وقِيلَ: إنَّها لَطَمَتْهُ تَعَجُّبًا وهو فِعْلُ النِّساءِ إذا تَعَجَّبْنَ مِن شَيْءٍ ﴿وقالَتْ عَجُوزٌ﴾ أيْ أنا عَجُوزٌ ﴿عَقِيمٌ﴾ عاقِرٌ فَكَيْفَ ألِدُ، وعَقِيمٌ فَعِيلٌ قِيلَ: بِمَعْنى فاعِلٍ أوْ مَفْعُولٍ وأصْلُ مَعْنى العُقْمِ اليُبْسُ
51:30Page 521
قَالُواْ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٠
They said, "Thus has said your Lord; indeed, He is the Wise, the Knowing."
﴿قالُوا كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ الكَرِيمِ الَّذِي أخْبَرَنا بِهِ ﴿قالَ رَبُّكِ﴾ وإنَّما نَحْنُ مُعَبِّرُونَ نُخْبِرُكَ بِهِ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ لا أنّا نَقُولُهُ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِنا، ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَها: انْظُرِي إلى سَقْفِ بَيْتِكَ فَنَظَرَتْ فَإذا جُذُوعُهُ مُورِقَةٌ مُثْمِرَةٌ ﴿إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ فَيَكُونُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ حَقًّا وفِعْلُهُ سُبْحانَهُ مُتْقَنًا لا مَحالَةَ، وهَذِهِ المُفاوَضَةُ لَمْ تَكُنْ مَعَ سارَّةَ فَقَطْ بَلْ كانَتْ مَعَ إبْراهِيمَ أيْضًا حَسْبَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ ها هُنا اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ هُناكَ كَما أنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ هُناكَ سارَّةُ اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ - ها هُنا وفي سُورَةِ هُودِ. .
51:31–33Page 522
۞ قَالَ فَمَا خَطۡبُكُمۡ أَيُّهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٣١
[Abraham] said, "Then what is your business [here], O messengers?"
قَالُوٓاْ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمٖ مُّجۡرِمِينَ ٣٢
They said, "Indeed, we have been sent to a people of criminals1
لِنُرۡسِلَ عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ مِّن طِينٖ ٣٣
To send down upon them stones of clay,
﴿قالَ﴾ أيْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَلِمَ أنَّهم مَلائِكَةٌ أُرْسِلُوا لِأمْرٍ ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ أيْ شَأْنُكُمُ الخَطِيرُ الَّذِي لِأجْلِهِ أُرْسِلْتُمْ سِوى البِشارَةِ ﴿أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ يَعْنُونَ قَوْمَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ بَعْدَ قَلْبِ قُراهم عالِيها سافِلِها حَسْبَما فُصِّلَ في سائِرِ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ
صفحة 14
﴿حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ أيْ طِينٍ مُتَحَجَّرٍ وهو السِّجِّيلُ وفي تَقْيِيدِ كَوْنِها مِن طِينٍ رُفِعَ تَوَهُّمُ كَوْنِها بَرْدًا فانٍ بَعْضَ النّاسِ يُسَمِّي البَرْدَ حِجارَةً
51:34Page 522
مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُسۡرِفِينَ ٣٤
Marked in the presence of your Lord for the transgressors."
﴿مُسَوَّمَةً﴾ مُعَلَّمَةً مِنَ السُّومَةِ وهي العَلامَةُ عَلى كُلِّ واحِدَةٍ مِنها اسْمُ مَن يُهْلَكُ بِها وقِيلَ: أُعْلِمَتْ بِأنَّها مِن حِجارَةِ العَذابِ، وقِيلَ: بِعَلامَةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِن حِجارَةِ الدُّنْيا، وقِيلَ: مُسَوَّمَةٌ مُرْسَلَةٌ مِن أُسْمَتِ الإبِلُ في المَرْعى، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النَّحْلُ: 10] ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيْ في مَحَلِّ ظُهُورِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وعَظْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، والمُرادُ أنَّها مُعَلَّمَةٌ في أوَّلِ خَلْقِها، وقِيلَ: المَعْنى أنَّها في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى مُعَدَّةٌ لِلْمُسْرِفِينَ المُجاوَزِينَ الحَدَّ في الفُجُورِ، وألْ - عِنْدَ الإمامِ لِلْعَهْدِ أيْ لِهَؤُلاءِ المُسْرِفِينَ، ووُضِعَ الظّاهِرُ. مَوْضِعَ الضَّمِيرِ ذَمًّا لَهم بِالإسْرافِ بَعْدَ ذَمِّهِمْ بِالإجْرامِ، وإشارَةً إلى عِلَّةِ الحُكْمِ.
51:35Page 522
فَأَخۡرَجۡنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٣٥
So We brought out whoever was in them [i.e., the cities] of the believers.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا﴾ إلى آخِرِهِ حِكايَةٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِما جَرى عَلى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَرِيقِ الإجْمالِ بَعْدَ حِكايَةِ ما جَرى بَيْنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُمِنَ الكَلامِ، والفاءُ فَصِيحَةٌ مُفْصِحَةٌ عَنْ جُمَلٍ قَدْ حُذِفَتْ ثِقَةً بِذِكْرِها في مَوْضِعٍ آخَرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَقامُوا مِنهُ وجاؤُوا لُوطًا فَجَرى بَيْنَهم وبَيْنَهُ ما جَرى فَباشَرُوا ما أُمِرُوا بِهِ فَأخْرَجْنا بِقَوْلِنا ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ [الحَجَرُ: 65] إلَخْ ﴿مَن كانَ فِيها﴾ أيْ في قُرى قَوْمِ لُوطٍ وإضْمارُها بِغَيْرِ ذِكْرٍ لِشُهْرَتِها.
﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ مِمَّنْ آمَنَ بِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
51:36Page 522
فَمَا وَجَدۡنَا فِيهَا غَيۡرَ بَيۡتٖ مِّنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٣٦
And We found not within them other than a [single] house of Muslims.1
﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ﴾ أيْ غَيْرَ أهْلِ بَيْتٍ لِلْبَيانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ فالكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالبَيْتِ نَفْسِهِ الجَماعَةُ مَجازًا، والمُرادُ بِهِمْ - كَما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ - عَنْ مُجاهِدِ لُوطُ وابْنَتاهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: كانُوا ثَلاثَةَ عَشَرَ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى اتِّحادِ الإيمانِ والإسْلامِ لِلِاسْتِثْناءِ المَعْنَوِيِّ فَإنَّ المَعْنى فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ فَلَمْ يَكُنِ المُخْرِجُ إلّا أهْلَ بَيْتٍ واحِدٍ وإلّا لَمَّ يَسْتَقِمِ الكَلامُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُما صادِقانِ عَلى الأمْرِ الواحِدِ لا يَنْفِكُ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ كالنّاطِقِ والإنْسانِ إمّا عَلى الِاتِّحادِ في المَفْهُومِ وهو المُخْتَلَفُ فِيهِ عِنْدَ أهْلِ الأُصُولِ والحَدِيثِ فَلا، فالِاسْتِدْلالُ بِها عَلى اتِّحادِهِما فِيهِ ضَعِيفٌ، نَعَمْ تَدُلُّ عَلى أنَّهُما صِفَتا مَدْحٍ مِن أوْجُهٍ عَدِيدَةٍ اسْتِحْقاقُ الإخْراجِ واخْتِلافُ الوَصْفَيْنِ وجَعَلَ كُلًّ مُسْتَقِلًّا بِأنْ يَجْعَلَ سَبَبَ النَّجاةِ وما في قَوْلِهِ تَعالى: ( مَن كانَ ) أوَّلًا، ( وغَيْرَ بَيْتٍ ) ثانِيًا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى المُبالَغَةِ فَإنَّ صاحِبَهُما مَحْفُوظٌ ( مَن كانَ ) وأيْنَ كانَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ومَعْنى الوِجْدانِ مَنسُوبًا إلَيْهِ تَعالى العِلْمُ عَلى ما قالَهُ الرّاغِبُ، وذَهَبَ بَعْضُ الأجِلَّةِ إلى أنَّهُ لا يُقالُ: ما وُجِدَتْ كَذا إلّا بَعْدَ الفَحْصِ والتَّفْتِيشِ، وجُعِلَ عَلَيْهِ مَعْنى الآيَةِ فَأخْرَجَ مَلائِكَتُنا ﴿مَن كانَ فِيها مَن المُؤْمِنِينَ﴾ فَما وجَدَ مَلائِكَتُنا فِيها ﴿غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أوْ في الكَلامِ ضَرْبٌ آخَرُ مِنَ المَجازِ فَلا تَغْفُلُ.
51:37Page 522
وَتَرَكۡنَا فِيهَآ ءَايَةٗ لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٣٧
And We left therein a sign for those who fear the painful punishment.
﴿وتَرَكْنا فِيها﴾ أيْ في القُرى ﴿آيَةً﴾ عَلامَةً دالَّةً عَلى ما أصابَهم مِنَ العَذابِ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هي أحْجارٌ كَثِيرَةٌ مَنضُودَةٌ، وقِيلَ: تِلْكَ الأحْجارُ الَّتِي أُهْلِكُوا بِها، وقِيلَ: ماءٌ مُنْتِنٌ قالَ الشِّهابُ: كَأنَّهُ بُحَيْرَةُ طَبَرِيَّةِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ ضَمِيرِ ( فِيها ) عائِدًا عَلى الإهْلاكَةِ الَّتِي أُهْلَكُوا فَإنَّها مِن أعاجِيبِ الإهْلاكِ بِجَعْلِ أعالِي القَرْيَةِ أسافِلَ، وإمْطارِ الحِجارَةِ، والظّاهِرُ هو الأوَّلُ ﴿لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾ أيْ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَخافُوهُ لِسَلامَةِ فِطْرَتِهِمْ ورِقَّةِ قُلُوبِهِمْ دُونَ مَن عَداهم مِن ذَوِي القُلُوبِ القاسِيَةِ فَإنَّهم لا يَعْتَدُّونَ بِها
صفحة 15
ولا يَعُدُّونَها آيَةً
51:38Page 522
وَفِي مُوسَىٰٓ إِذۡ أَرۡسَلۡنَٰهُ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ٣٨
And in Moses [was a sign], when We sent him to Pharaoh with clear authority.1
﴿وفِي مُوسى﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وتَرَكْنا فِيها﴾ بِتَقْدِيرِ عامِلٍ لَهُ أيْ وجَعَلْنا في مُوسى، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ، أوْ هو عَطْفٌ عَلى ( فِيها ) بِتَغْلِيبِ مَعْنى عامِلِ الآيَةِ، أوْ سُلُوكِ طَرِيقِ المُشاكَلَةِ في عَطْفِهِ عَلى الأوْجُهِ الَّتِي ذَكَرَها النُّحاةُ في نَحْوِ:
عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا لا يُصَحُ تَسْلِيطُ التَّرْكِ بِمَعْنى الإبْقاءِ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وفِي مُوسى﴾ فَقَوْلُ أبِي حَيّانَ: لا حاجَةَ إلى إضْمارِ ( تَرَكْنا ) لِأنَّهُ قَدْ أمْكَنَ العامِلَ في المَجْرُورِ تَرَكْنا الأوَّلَ فِيهِ بَحْثٌ، وقِيلَ: ( في مُوسى ) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ ( وفي مُوسى ) آيَةٌ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ. وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( وفي الأرْضِ ) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِتَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما مَرَّ، وتُعُقِّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا يُنَزَّهُ القُرْآنُ الكَرِيمُ عَنْ مِثْلِهِ ﴿إذْ أرْسَلْناهُ﴾ قِيلَ: بَدَلٌ مِن ( مُوسى )، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِآيَةٍ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ أيْ كائِنَةٌ وقْتَ إرْسالِنا، وقِيلَ: بِتَرْكِنا.
﴿إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ هو ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ، والسُّلْطانُ يُطْلَقُ عَلى ذَلِكَ مَعَ شُمُولِهِ لِلْواحِدِ والمُتَعَدِّدِ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ.
51:39Page 522
فَتَوَلَّىٰ بِرُكۡنِهِۦ وَقَالَ سَٰحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٞ ٣٩
But he turned away with his supporters and said, "A magician or a madman."
﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ﴾ فَأعْرَضَ عَنِ الإيمانِ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنْ رَكَنَهُ جانِبُ بَدَنِهِ وعِطْفِهِ، والتَّوَلِّي بِهِ كِنايَةٌ عَنِ الإعْراضِ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ لِأنَّ مَعْناهُ ثَنى عِطْفَهُ، أوْ لِلْمُلابَسَةِ، وقالَ قَتادَةُ: تَوَلّى بِقَوْمِهِ عَلى أنَّ الرُّكْنَ بِمَعْنى القَوْمِ لِأنَّهُ يَرْكَنُ إلَيْهِمْ ويَتَقَوّى بِهِمْ، والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ أوِ المُلابَسَةِ وكَوْنُها لِلسَّبَبِيَّةِ غَيْرُ وجِيهٍ، وقِيلَ: تَوَلّى بِقُوَّتِهِ وسُلْطانِهِ، والرُّكْنُ يُسْتَعارُ لِلْقُوَّةِ - كَما قالَ الرّاغِبُ - وقُرِئَ بِرُكْنِهِ بِضَمِّ الكافِ اتِّباعًا لِلرّاءِ ﴿وقالَ ساحِرٌ﴾ أيْ هو ساحِرٌ ﴿أوْ مَجْنُونٌ﴾ كانَ اللَّعِينُ جَعَلَ ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الخَوارِقِ العَجِيبَةِ مَنسُوبَةً إلى الجِنِّ وتُرُدِّدَ في أنَّهُ حَصَلَ بِاخْتِيارِهِ فَيَكُونُ سِحْرًا، أوْ بِغَيْرِ اخْتِيارِهِ فَيَكُونُ جُنُونًا، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى زَعْمِهِ الفاسِدِ وإلّا فالسِّحْرُ لَيْسَ مِنَ الجِنِّ كَما بَيَّنَ في مَحَلِّهِ - فَأوْ - لِلشَّكِّ، وقِيلَ: لِلْإبْهامِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي بِمَعْنى الواوِ لِأنَّ اللَّعِينَ قالَ الأمْرَيْنِ قالَ: ( إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ) [الأعْرافُ: 109، الشُّعَراءُ: 34] وقالَ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشُّعَراءُ: 27] وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اللَّعِينَ ( يَتَلَوَّنُ ) تَلَوُّنَ الحِرْباءِ فَلا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى جَعْلِها بِمَعْنى الواوِ.
51:40Page 522
فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٞ ٤٠
So We took him and his soldiers and cast them into the sea, and he was blameworthy.
﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ﴾ طَرَحْناهم غَيْرَ مُعْتَدِّيَ بِهِمْ ﴿فِي اليَمِّ﴾ في البَحْرِ، والمُرادُ فَأغْرَقْناهم فِيهِ، وفي الكَلامِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى غايَةِ عِظَمِ شَأْنِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ ونِهايَةِ قَمْأةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ما لا يَخْفى ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أيْ آتٍ بِما يُلامُ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ فالإفْعالُ هُنا لِلْإتْيانِ بِما يَقْتَضِي مَعْنى ثَلاثِيهِ كَأغْرَبَ إذا أتى أمْرًا غَرِيبًا، وقِيلَ: الصِّيغَةُ لِلنَّسَبِ، أوِ الإسْنادِ لِلسَّبَبِ - وهو كَما تَرى - وكَوْنُ المُلامُ عَلَيْهِ هُنا الكُفْرُ والطُّغْيانُ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ حالُ فِرْعَوْنَ وهو مِمّا يُخْتَلَفُ بِاعْتِبارِ مَن وُصِفَ بِهِ فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ كَيْفَ وُصِفَ اللَّعِينُ بِما وُصِفَ بِهِ ذُو النُّونِ عَلَيْهِ السَّلامُ
51:41Page 522
وَفِي عَادٍ إِذۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلۡعَقِيمَ ٤١
And in ʿAad [was a sign], when We sent against them the barren wind.1
﴿وفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا﴾ عَلى طِرْزِ ما تَقَدَّمَ ﴿عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ الشَّدِيدَ الَّتِي لا تُلَقِّحُ شَيْئًا كَما أخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ، وفي لَفْظٍ هي رِيحٌ لا بَرَكَةَ فِيها ولا مَنفَعَةَ ولا يُنْزَلُ مِنها غَيْثٌ ولا يُلَقَّحُ بِها شَجَرٌ كَأنَّهُ شِبْهُ عَدَمِ تَضَمُّنِ المَنفَعَةِ بِعُقْمِ المَرْأةِ فَفَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مِنَ اللّازِمِ وكَوْنُ هَذا المَعْنى لا يُصَحُّ هُنا مُكابَرَةً، وقالَ بَعْضُهم وهو حَسَنٌ: سُمِّيَتْ عَقِيمًا لِأنَّها أهْلَكَتْهم وقَطَعَتْ دابِرَهم عَلى أنَّ هُناكَ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً شِبْهَ إهْلاكِهِمْ وقُطِعَ دابِرُهم بِعُقْمِ النِّساءِ وعَدَمُ
صفحة 16
حَمْلِهِنَّ لِما فِيهِ مِن إذْهابِ النَّسْلِ ثُمَّ أُطْلِقَ المُشَبَّهُ بِهِ عَلى المُشَبَّهِ واشْتُقَّ مِنهُ العَقِيمُ، وفَعِيلٌ قِيلَ: بِمَعْنى فاعِلٍ أوْ مَفْعُولٍ، وهَذِهِ الرِّيحُ كانَتِ الدَّبُّورَ لِما صُحَّ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ»» وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّها النَّكْباءُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ أنَّها الجَنُوبُ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّها الصِّبا، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما ذَكَرْنا أوَّلًا، ولَعَلَّ الخَبَرَ عَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ
51:42Page 522
مَا تَذَرُ مِن شَيۡءٍ أَتَتۡ عَلَيۡهِ إِلَّا جَعَلَتۡهُ كَٱلرَّمِيمِ ٤٢
It left nothing of what it came upon but that it made it like disintegrated ruins.
﴿ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ﴾ ما تَدَعُ شَيْئًا ﴿أتَتْ عَلَيْهِ﴾ جَرَتْ عَلَيْهِ ﴿إلا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ﴾ الشَّيْءُ البالِي مِن عَظْمٍ، أوْ نَباتٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن ( رَمَّ ) الشَّيْءُ بَلِيَ، ويُقالُ لِلْبالِيِ: رُمامٌ كَغُرابٍ، وأُرَمٌ أيْضًا لَكِنْ قالَ الرّاغِبُ يُخْتَصُّ الرُّمُّ بِالفُتاتِ مِنَ الخَشَبِ والتِّبْنِ، والرِّمَّةُ بِالكَسْرِ تُخْتَصُّ بِالعَظْمِ البالِي، والرُّمَّةُ بِالضَّمِّ بِالحَبْلِ البالِي، وفَسَّرَهُ السُّدِّيُّ هُنا بِالتُّرابِ، وقَتادَةُ بِالهَشِيمِ، وقُطْرُبُ بِالرَّمادِ، وفَسَّرَهُ ابْنُ عِيسى بِالمُنْسَحِقِ الَّذِي لا يُرَمُّ أيْ لا يُصْلَحُ كَأنَّهُ جَعَلَ الهَمْزَةَ في أُرَمٍ لِلسَّلْبِ، والجُمْلَةُ بَعْدَ ( إلّا ) حالِيَّةٌ. والشَّيْءُ هُنا عامٌ مَخْصُوصٌ أيْ مِن شَيْءٍ أرادَ اللَّهُ تَعالى تَدْمِيرَهُ وإهْلاكَهُ مِن ناسٍ. أوْ دِيارٍ. أوْ شَجَرٍ. أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، رُوِيَ أنَّ الرِّيحَ كانَتْ تَمُرُّ بِالنّاسِ فِيهِمُ الرَّجُلُ مِن عادٍ فَتَنْتَزِعُهُ مِن بَيْنِهِمْ وتُهْلِكُهُ
51:43Page 522
وَفِي ثَمُودَ إِذۡ قِيلَ لَهُمۡ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٖ ٤٣
And in Thamūd, when it was said to them, "Enjoy yourselves for a time."
﴿وفِي ثَمُودَ إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ﴾ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ ثَلاثَةُ أيّامٍ - وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ - قالَ: تَفْسِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ) [هُودُ: 65] واسْتُشْكِلَ بِأنَّ هَذا التَّمَتُّعَ مُؤَخِّرٌ عَنِ العُتُوِّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا ) [هُودُ: 65]،
51:44Page 522
فَعَتَوۡاْ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِمۡ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَهُمۡ يَنظُرُونَ ٤٤
But they were insolent toward the command of their Lord, so the thunderbolt seized them while they were looking on.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العُتُوَّ مُؤَخَّرٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا مُرَتَّبٌ عَلى تَمامِ القِصَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: وجَعَلَنا في زَمانِ قَوْلِنا ذَلِكَ لِثَمُودَ آيَةً أوْ وفي زَمانِ قَوْلِنا ذَلِكَ لِثَمُودَ آيَةً، ثُمَّ أخَذَ في بَيانِ كَوْنِهِ آيَةً فَقِيلَ: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ فاسْتَكْبَرُوا عَنِ الِامْتِثالِ بِهِ إلى الآخَرِ، فالفاءُ لِلتَّفْصِيلِ قالَ في الكَشْفِ. وهو الظّاهِرُ مِن هَذا المَساقِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ﴾ مُرَتَّبٌ عَلى القِصَّةِ زَمانُ إرْسالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالسُّلْطانِ وإنْ كانَ هُناكَ لا مانِعَ مِنَ التَّرَتُّبِ عَلى الإرْسالِ وذَلِكَ لِأنَّهُ جِيءَ بِالظَّرْفِ مَجِيءَ الفَضْلَةِ حَيْثُ جُعِلَ فِيهِ الآيَةُ، والقِصَّةُ مِن تَوَلِّيهِمْ إلى هَلاكِهِمُ انْتَهى، وقالَ الحَسَنُ: هَذا أيْ - القَوْلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ - كانَ حِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ صالِحٌ أُمِرُوا بِالإيمانِ بِما جاءَ بِهِ، والتَّمَتُّعِ إلى أنْ تَأْتِيَ آجالُهم - ثُمَّ عَتَوا بَعْدَ ذَلِكَ - قالَ في البَحْرِ: ولِذَلِكَ جاءَ العَطْفُ بِالفاءِ المُقْتَضِيَةِ تَأخُّرَ العُتُوِّ عَمّا أُمِرُوا بِهِ فَهو مُطابِقٌ لَفَظا ووُجُودًا واخْتارَهُ الإمامُ فَقالَ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالحِينِ الأيّامُ الثَّلاثَةُ الَّتِي أُمْهِلُوها بَعْدَ عُقْرِ النّاقَةِ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ تَرَتَّبَ فَعَتَوا بِالفاءِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العُتُوَّ كانَ بَعْدَ القَوْلِ المَذْكُورِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ ما قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الآجالِ فَما مِن أحَدٍ إلّا وهو مُمْهَلُ مُدَّةَ الأجَلِ كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ. تَمَتَّعْ إلى آخَرِ أجَلِكَ فَإنْ أحْسَنْتَ فَقَدْ حَصَلَ لَكَ التَّمَتُّعُ في الدّارَيْنِ وإلّا فَما لَكَ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ انْتَهى، وما تَقَدَّمَ أبْعَدُ مَغْزى ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ أيْ أهْلَكَتْهم، رُوِيَ أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَهُمُ الهَلاكَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وقالَ لَهم: تُصْبِحُ وُجُوهُكم غَدًا مُصْفَرَّةً. وبَعْدَ غَدٍ مُحْمَرَّةً. واليَوْمُ الثّالِثُ مُسْوَدَّةً ثُمَّ يُصَبِّحُكُمُ العَذابُ. ولِما رَأوا الآياتِ الَّتِي بَيَّنَها عَلَيْهِ السَّلامُ عَمَدُوا إلى قَتْلِهِ فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى فَذَهَبَ إلى أرْضِ فِلَسْطِينَ ولَمّا كانَ ضَحْوَةَ اليَوْمِ الرّابِعِ تُحُنِّطُوا وتُكَفِّنُوا بِالأنْطاعِ فَأتَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وهي نارٌ مِنَ السَّماءِ، وقِيلَ: صَيْحَةُ مِنها فَهَلَكُوا، وقَرَأ عُمَرُ وعُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والكِسائِيُّ الصَّعْقَةَ
صفحة 17
وهِيَ المَرَّةُ مِنَ الصَّعْقِ بِمَعْنى الصّاعِقَةِ أيْضًا، أوِ الصَّيْحَةِ ﴿وهم يَنْظُرُونَ﴾ إلَيْها ويُعايِنُونَها ويُحْتاجُ إلى تَنْزِيلِ المَسْمُوعِ مَنزِلَةَ المُبْصَرِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الصّاعِقَةَ الصَّيْحَةُ وأنَّ المُرادَ يَنْظُرُونَ إلَيْها، وقالَ مُجاهِدُ: ( يَنْظُرُونَ ) بِمَعْنى يَنْتَظِرُونَ أيْ وهم يَنْتَظِرُونَ الأخْذَ والعَذابَ في تِلْكَ الأيّامِ الثَّلاثَةِ الَّتِي رَأوْا فِيها عَلاماتِهِ وانْتِظارُ العَذابِ أشَدُّ مِنَ العَذابِ.
51:45–47Page 522
فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مِن قِيَامٖ وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ ٤٥
And they were unable to arise, nor could they defend themselves.
وَقَوۡمَ نُوحٖ مِّن قَبۡلُۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٤٦
And [We destroyed] the people of Noah before; indeed, they were a people defiantly disobedient.
وَٱلسَّمَآءَ بَنَيۡنَٰهَا بِأَيۡيْدٖ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ٤٧
And the heaven We constructed with strength,1 and indeed, We are [its] expander.
﴿فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ( فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ ) [الأعْرافُ: 78، 91، العَنْكَبُوتُ: 37] وقِيلَ: هو مِن قَوْلِهِمْ: ما يَقُومُ فَلانُ بِكَذا إذا عَجَزَ عَنْ دَفْعِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ فَهو مَعْنى مَجازِيٌّ، أوْ كِنايَةٌ شاعَتْ حَتّى التَحَقَتْ بِالحَقِيقَةِ ﴿وما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ بِغَيْرِهِمْ كَما لَمْ يَتَمَنَّعُوا بِأنْفُسِهِمْ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ﴾ أيْ وأهْلَكْنا قَوْمَ، فَإنَّ ما قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، أوْ واذْكُرْ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ في ( فَأخَذَتْهُمُ )، وقِيلَ: في ( نَبَذْناهم ) لِأنَّ مَعْنى كُلٍّ فَأهْلَكْناهم - وهو كَما تَرى - وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ﴿وفِي عادٍ﴾ أوْ ﴿وفِي ثَمُودَ﴾ وأُيِّدَ بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ وأبِي عَمْرُو وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ
وقَوْمٍ بِالجَرِّ، وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ ومَحْبُوبٌ والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرُو وأبُو السَّمّالِ وابْنُ مِقْسَمٍ. وقَوْمٌ بِالرَّفْعِ والظّاهِرُ أنَّهُ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ أهْلَكْناهم ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ المُهْلَكِينَ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ خارِجِينَ عَنِ الحُدُودِ فِيما كانُوا فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿والسَّماءَ﴾ أيْ وبَنَيْنا السَّماءَ ﴿بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ أيْ بِقُوَّةٍ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ، ومِثْلُهُ - الآدُّ - ولَيْسَ جَمْعَ «يَدٍّ» وجَوَّزَهُ الإمامُ وإنْ صُحَّتِ التَّوْرِيَةُ بِهِ ﴿وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ أيْ لَقادِرُونَ مِنَ الوُسْعِ بِمَعْنى الطّاقَةِ، فالجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ إثْباتًا لِسِعَةِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ كُلِّ شَيْءٍ فَضْلًا عَنِ السَّماءِ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى التَّعْرِيضِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ [ق: 38]، وعَنِ الحَسَنِ ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ الرِّزْقُ بِالمَطَرِ وكَأنَّهُ أخَذَهُ مِن أنَّ المَساقَ مَساقُ الِامْتِنانِ بِذَلِكَ عَلى العِبادِ لا إظْهارَ القُدْرَةِ فَكَأنَّهُ أُشِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذّارِياتُ: 22] عَلى بَعْضِ الأقْوالِ فَناسَبَ أنْ يُتَمِّمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ مُبالَغَةً في المَنِّ ولا يُحْتاجُ أنَّ يُفَسِّرَ الأيْدَ بِالأنْعامِ عَلى هَذا القَوْلِ لِأنَّهُ يَتِمُّ المَقْصُودُ دُونَهُ، واليَدُ بِمَعْنى النِّعْمَةِ لا الإنْعامِ، وقِيلَ: أيْ لَمُوسِعُوها بِحَيْثُ إنَّ الأرْضَ وما يُحِيطُ بِها مِنَ الماءِ والهَواءِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ، وقِيلَ: أيْ لَجاعِلُونَ بَيْنَها وبَيْنَ الأرْضِ سِعَةً، والمُرادُ السِّعَةُ المَكانِيَّةُ، وفِيهِ عَلى القَوْلَيْنِ تَتْمِيمٌ أيْضًا
51:48–49Page 522
وَٱلۡأَرۡضَ فَرَشۡنَٰهَا فَنِعۡمَ ٱلۡمَٰهِدُونَ ٤٨
And the earth We have spread out, and excellent is the preparer.
وَمِن كُلِّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَا زَوۡجَيۡنِ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٤٩
And of all things We created two mates [i.e., counterparts]; perhaps you will remember.
﴿والأرْضَ﴾ أيْ وفَرَشْنا الأرْضَ ﴿فَرَشْناها﴾ أيْ مَهَدْناها وبَسَطْناها لِتَسْتَقِرُّوا عَلَيْها ولا يُنافِي ذَلِكَ شَبَهُها لِلْكُرَةِ عَلى ما يَزْعُمُهُ فَلاسِفَةُ العَصْرِ ﴿فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ أيْ نَحْنُ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ ومُجاهِدُ وابْنُ مِقْسَمٍ بِرَفْعِ السَّماءِ ورَفْعِ الأرْضِ عَلى أنَّهُما مُبْتَدَآنِ وما بَعْدَهُما خَبَرٌ لَهُما ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ جِنْسٍ مِنَ الحَيَوانِ ﴿خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ نَوْعَيْنِ ذَكَرًا وأُنْثى - قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ - وقالَ مُجاهِدُ: هَذا إشارَةٌ إلى المُتَضادّاتِ والمُتَقابِلاتِ كاللَّيْلِ والنَّهارِ والشِّقْوَةِ والسَّعادَةِ والهُدى والضَّلالِ والسَّماءِ والأرْضِ والسَّوادِ والبَياضِ والصِّحَّةِ والمَرَضِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرَيُ بِأنَّهُ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالجِنْسِ
صفحة 18
المَنطِقِيِّ، وأقَلُّ ما يَكُونُ تَحْتَهُ نَوْعانِ فَخَلَقَ سُبْحانَهُ مِنَ الجَوْهَرِ مَثَلًا المادِّيَّ والمُجَرَّدَ، ومِنَ المادِّيِّ النّامِيِّ والجامِدِ، ومِنَ النّامِيِّ المُدْرِكِ والنَّباتِ، ومِنَ المُدْرِكِ الصّامِتِ والنّاطِقِ وهو كَما تُرِيَ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ كُلَّهُ كَيْ تَتَذَكَّرُوا فَتَعْرِفُوا أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ الرَّبُّ القادِرُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فَتَعْمَلُوا بِمُقْتَضاهُ ولا تَعْبُدُوا ما سِواهُ، وقِيلَ: خَلَقَنا ذَلِكَ كَيْ تَتَذَكَّرُوا فَتَعْلَمُوا أنَّ التَّعَدُّدَ مِن خَواصِّ المُمَكَّناتِ وأنَّ الواجِبَ بِالذّاتِ سُبْحانَهُ لا يَقْبِلُ التَّعَدُّدَ والِانْقِسامَ، وقِيلَ: المُرادُ التَّذَكُّرُ بِجَمِيعِ ما ذُكِرَ لِأمْرِ الحَشْرِ والنَّشْرِ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إيجادِ ذَلِكَ فَهو قادِرٌ عَلى إعادَةِ الأمْواتِ يَوْمَ القِيامَةِ ولَهُ وجْهٌ، وقَرَأ أبِي تَتَذَكَّرُونَ بِتاءَيْنِ وتَخْفِيفِ الذّالِ
51:50Page 522
فَفِرُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٥٠
So flee to Allāh.1 Indeed, I am to you from Him a clear warner.
﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ وهو تَمْثِيلٌ لِلِاعْتِصامِ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وبِتَوْحِيدِهِ عَزَّ وجَلَّ، والمَعْنى قُلْ يا مُحَمَّدُ: ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ لِمَكانٍ ﴿إنِّي لَكم مِنهُ﴾ أيْ مِن عِقابِهِ تَعالى المُعَدِّ لِمَن لَمْ يَفِرْ إلَيْهِ سُبْحانَه ُوَلَمْ يُوَحِّدْهُ ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ بَيْنَ كَوْنِهِ مُنْذَرًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالمُعْجِزاتِ، أوْ ( مُبِينٌ ) ما يَجِبُ أنْ يُحَذِّرَ عَنْهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences