Al-AlusiAn‑Najm · 53:30–38

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Najm 53:30–38

53:30Page 527

ذَٰلِكَ مَبۡلَغُهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱهۡتَدَىٰ ٣٠

That is their sum of knowledge. Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of who is guided.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ أمْرُ الحَياةِ الدُّنْيا المَفْهُومُ مِنَ الكَلامِ ولِذا ذُكِرَ اسْمُ الإشارَةِ، وقِيلَ: أيْ ما أدّاهم إلى ما هم فِيهِ مِنَ التَّوَلِّي وقَصْرِ الإرادَةِ عَلى الحَياةِ الدُّنْيا، وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الظَّنِّ الَّذِي يَتَّبِعُونَهُ، وقِيلَ: إلى جَعْلِهِمُ المَلائِكَةَ بَناتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى ﴿مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾ أيْ مُنْتَهى عِلْمِهِمْ لا عِلْمَ لَهم فَوْقَهُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مِن قَصْرِ الإرادَةِ عَلى الحَياةِ الدُّنْيا.

والمُرادُ بِالعِلْمِ مُطْلَقُ الإدْراكِ المُنْتَظِمِ لِلظَّنِّ الفاسِدِ، وضَمِيرُ ﴿مَبْلَغُهُمْ﴾ - لِمَن - وجُمِعَ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ كَما أنَّ إفْرادَهُ قُبِلَ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِمَن اهْتَدى﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإعْراضِ، وتَكْرِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ( هو أعْلَمُ ) لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والإيذانِ بِكَمالِ تَبايُنِ المَعْلُومَيْنِ، والمُرادُ ( بِمَن ضَلَّ ) مَن أصَرَّ عَلى الضَّلالِ ولَمْ يَرْجِعْ إلى الهُدى أصْلًا، ( وبِمَنِ اهْتَدى ) مَن شَأْنُهُ الِاهْتِداءُ في الجُمْلَةِ، أيْ هو جَلَّ شَأْنُهُ المُبالِغُ في العِلْمِ بِمَن لا يَرْعَوِي عَنِ الضَّلالِ أبَدًا، وبِمَن يَقْبَلُ الِاهْتِداءَ في الجُمْلَةِ لا غَيْرُهُ سُبْحانَهُ فَلا تُتْعِبْ نَفْسَكَ في دَعْوَتِهِمْ ولا تُبالِغْ في الحِرْصِ عَلَيْها فَإنَّهم مِنَ القَبِيلِ الأوَّلِ:

53:31Page 527

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى ٣١

And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth - that He may recompense those who do evil with [the penalty of] what they have done and recompense those who do good with the best [reward] -

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ لَهُ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ أيْ خَلْقًا ومِلْكًا لا لِغَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ أصْلًا لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا، ويُشْعِرُ بِفِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ

صفحة 61

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا﴾ أيْ خَلَقَ ما فِيهِما لِيَجْزِيَ الضّالِّينَ بِعِقابِ ما عَمِلُوا مِنَ الضَّلالِ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالإساءَةِ بَيانًا لِحالِهِ أوْ بِمِثْلِ ما عَمِلُوا، أوْ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا عَلى أنَّ الباءَ صِلَةُ الجَزاءِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ بِلا تَقْدِيرٍ ﴿ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ أيِ اهْتَدَوْا ﴿بِالحُسْنى﴾ أيْ بِالمَثُوبَةِ الحُسْنى الَّتِي هي الجَنَّةُ، أوْ بِأحْسَنَ مِن أعْمالِهِمْ أوْ بِسَبَبِ الأعْمالِ الحُسْنى تَكْمِيلٌ لِما قَبْلُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإعْراضِ نَفى تَوَهُّمَ أنَّ ذَلِكَ لِأنَّهم يَتْرُكُونَ سُدى، وفي العُدُولِ عَنْ ضَمِيرِ رَبِّكَ إلى الِاسْمِ الجامِعِ ما يُنْبِئُ عَنْ زِيادَةِ القُدْرَةِ وأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِوَعِيدِ المُعْرِضِينَ وأنَّ تَسْوِيَةَ هَذا المُلْكِ العَظِيمِ لِهَذِهِ الحِكْمَةِ فَلا بُدَّ مِن ضالٍّ ومُهْتَدٍ، ومِن أنْ يَلْقى كُلٌّ ما يَسْتَحِقُّهُ، وفِيهِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَلْقى الحُسْنى جَزاءً لِتَبْلِيغِهِ وهم يَلْقَوْنَ السُّوءَ أيْ جَزاءً لِتَكْذِيبِهِمْ، وكُرِّرَ فِعْلُ الجَزاءِ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِهِ والتَّنْبِيهِ عَلى تَبايُنِ الجَزاءَيْنِ.

وجُوِّزَأنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿فَأعْرِضْ﴾ إلَخْ لا تُقابِلْهم بِصَنِيعِهِمْ وكِلْهم إلى رَبِّكَ إنَّهُ أعْلَمُ بِكَ وبِهِمْ فَيَجْزِي كُلًّا ما يَسْتَحِقُّهُ، ولا يَخْفى ما في العُدُولِ عَنِ الضَّمِيرَيْنِ في «بِمَن ضَلَّ» «وبِمَنِ اهْتَدى» وجَعْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ( لِيَجْزِيَ ) عَلى هَذا مُتَعَلِّقًا بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ( إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ ) إلَخْ أيْ مَيَّزَ الضّالَّ عَنِ المُهْتَدِي وحَفِظَ أحْوالَهم ( لِيَجْزِيَ ) إلَخْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ تُؤَكِّدُ حَدَثَ أنَّهم يُجْزَوْنَ البَتَّةَ ولا يُهْمَلُونَ كَأنَّهُ قِيلَ: هو سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِهِمْ وهم تَحْتَ مِلْكِهِ وقُدْرَتِهِ، وجُوِّزَ عَلى ذَلِكَ المَعْنى أنْ يَتَعَلَّقَ ( لِيَجْزِيَ ) بِقَوْلِهِ تَعالى: ( ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ ) كَما تَقَدَّمَ عَلى تَأْكِيدِ أمْرِ الوَعِيدِ، أيْ - هو أعْلَمُ بِهِمْ - وإنَّما سَوّى هَذا المُلْكَ لِلْجَزاءِ، ورَجَّحَ بَعْضُهم ذَلِكَ المَعْنى بِالوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ عَلى ما مَرَّ، وجُوِّزَ في جُمْلَةِ ( لِلَّهِ ما في السَّماواتِ ) كَوْنُها حالًا مِن فاعِلِ أعْلَمُ سَواءً كانَ بِمَعْنى عالِمٍ أوْ لا، وفي ﴿لِيَجْزِيَ﴾ تَعَلُّقُهُ - بِضَلَّ. واهْتَدى - عَلى أنَّ اللّامَ لِلْعاقِبَةِ أيْ هو تَعالى ﴿أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ﴾ لِيَؤُولَ أمْرُهُ إلى أنْ يَجْزِيَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَمَلِهِ، ﴿بِمَنِ اهْتَدى﴾ لِيَؤُولَ أمْرُهُ إلى أنْ يَجْزِيَهُ بِالحُسْنى، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وأبْعَدُ مِنهُ بِمَراحِلَ تَعَلُّقُهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ﴾ كَما ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ - لِنَجْزِيَ - ونَجْزِيَ بِالنُّونِ فِيهِما

53:32Page 527

ٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلۡمَغۡفِرَةِۚ هُوَ أَعۡلَمُ بِكُمۡ إِذۡ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَإِذۡ أَنتُمۡ أَجِنَّةٞ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡۖ فَلَا تُزَكُّوٓاْ أَنفُسَكُمۡۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ ٣٢

Those who avoid the major sins and immoralities, only [committing] slight ones. Indeed, your Lord is vast in forgiveness. He was most knowing of you when He produced you from the earth and when you were fetuses in the wombs of your mothers. So do not claim yourselves to be pure; He is most knowing of who fears Him.

﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الثّانِي وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ في صِلَتِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ الِاجْتِنابِ واسْتِمْرارِهِ أوْ بَيانٌ أوْ نَعْتٌ أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ ( والإثْمِ ) الفِعْلُ المُبْطِئُ عَنِ الثَّوابِ وهو الذَّنْبُ. وكَبائِرُهُ ما يَكْبُرُ عِقابُهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ - كَبِيرَ الإثْمِ - عَلى إرادَةِ الجِنْسِ، أوِ الشِّرْكِ ﴿والفَواحِشَ﴾ ما عَظُمَ قُبْحُهُ مِنَ الكَبائِرِ فَعَطْفُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وقِيلَ: الفَواحِشُ والكَبائِرُ مُتَرادِفانِ ﴿إلا اللَّمَمَ﴾ ما صَغُرَ مِنَ الذُّنُوبِ وأصْلُهُ ما قَلَّ قَدْرُهُ، ومِنهُ لُمَّةُ الشَّعَرِ لِأنَّها دُونَ الوَفْرَةِ، وفَسَّرَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ بِالنَّظْرَةِ والغَمْزَةِ والقُبْلَةِ وهو مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وقِيلَ: مَعْناهُ الدُّنُوُّ مِنَ الشَّيْءِ دُونَ ارْتِكابٍ لَهُ مِن ألْمَمْتُ بِكَذا أيْ نَزَلْتُ بِهِ وقارَبْتُهُ مِن غَيْرِ مُواقَعَةٍ - وعَلَيْهِ قَوْلُ الرُّمّانِيِّ - هو الهَمُّ بِالذَّنْبِ وحَدِيثُ النَّفْسِ دُونَ أنْ يُواقِعَ، وقَوْلُ ابْنِ المُسَيَّبِ: ما خَطَرَ عَلى القَلْبِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ زَيْدٍ هو ما ألَمُّوا بِهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ الإسْلامِ، والآيَةُ نَزَلَتْ لِقَوْلِ الكُفّارِ لِلْمُسْلِمِينَ قَدْ كُنْتُمْ بِالأمْسِ تَعْمَلُونَ أعْمالَنا فَهي مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النِّساءَ: 23] عَلى ما في البَحْرِ، وقِيلَ: هو مُطْلَقُ الذَّنْبِ.

صفحة 62

وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ما يُلِمُّ بِهِ المَرْءُ في الحِينِ مِنَ الذُّنُوبِ ثُمَّ يَتُوبُ، والمُعَظَّمُ عَلى تَفْسِيرِهِ بِالصَّغائِرِ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وقِيلَ: إنَّهُ لا اسْتِثْناءَ فِيهِ أصْلًا،و (إلّا ) صِفَةٌ بِمَعْنى غَيْرُ إمّا لِجَعْلِ المُضافِ إلى المُعَرَّفِ بِاللّامِ الجِنْسِيَّةِ أعْنِي كَبائِرَ الإثْمِ في حُكْمِ النَّكِرَةِ، أوْ لِأنَّ غَيْرَ ( وإلّا ) الَّتِي بِمَعْناها قَدْ يَتَعَرَّفانِ بِالإضافَةِ كَما في ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ﴾ [الفاتِحَةَ: 7] وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنَّ شَرْطَ جَوازِ وُقُوعِ ( إلّا ) صِفَةً كَوْنُها تابِعَةً لِجَمْعٍ مُنْكَرٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ ولَمْ يُوجَدْ هُنا، ورُدَّ بِأنَّ هَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الحاجِبِ، وسِيبَوَيْهِ يَرى جَوازَ وُقُوعِها صِفَةً مَعَ جَوازِ الِاسْتِثْناءِ فَهو لا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ، وتَبِعَهُ أكْثَرُ المُتَأخِّرِينَ، نَعَمْ كَوْنُها هُنا صِفَةً خِلافُ الظّاهِرِ ولا داعِيَ إلى ارْتِكابِهِ، والآيَةُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَعاصِيَ مِنها كَبائِرُ ومِنها صَغائِرُ وأنْكَرَ جَماعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ هَذا الِانْقِسامَ وقالُوا: سائِرُ المَعاصِي كَبائِرُ، مِنهُمُ الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ الإسْفَرايِنِيُّ، والقاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ، وإمامُ الحَرَمَيْنِ في الإرْشادِ، وتَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وابْنُ القُشَيْرِيِّ في المُرْشِدِ بَلْ حَكاهُ ابْنُ فَوْرَكَ عَنِ الأشاعِرَةِ. واخْتارَهُ في تَفْسِيرِهِ فَقالَ مَعاصِي اللَّهِ تَعالى كُلُّها عِنْدَنا كَبائِرُ وإنَّما يُقالُ لِبَعْضِها صَغِيرَةٌ وكَبِيرَةٌ بِالإضافَةِ، وحَكى الِانْقِسامَ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، وقالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وقالَ القاضِي عَبْدُ الوَهّابِ: لا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في مَعْصِيَةٍ إنَّها صَغِيرَةٌ إلّا عَلى مَعْنى أنَّها تَصْغُرُ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ ويُوافِقُ ذَلِكَ ما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَكِنَّهُ مُنْقَطِعٌ أنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ الكَبائِرُ فَقالَ: كُلُّ ما نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَهو كَبِيرَةٌ، وفي رِوايَةٍ كُلُّ شَيْءٍ عَصى اللَّهَ تَعالى فِيهِ فَهو كَبِيرَةٌ، والجُمْهُورُ عَلى الِانْقِسامِ قِيلَ: ولا خِلافَ في المَعْنى، وإنَّما الخِلافُ في التَّسْمِيَةِ، والإطْلاقِ لِإجْماعِ الكُلِّ عَلى أنَّ مِنَ المَعاصِي ما يَقْدَحُ في العَدالَةِ ومِنها ما لا يَقْدَحُ فِيها وإنَّما الأوَّلُونَ فَرُّوا مِنَ التَّسْمِيَةِ فَكَرِهُوا تَسْمِيَةَ مَعْصِيَةٍ صَغِيرَةٍ لِأنَّها بِالنَّظَرِ إلى باهِرِ عَظَمَتِهِ كَبِيرَةٌ أيْ كَبِيرَةٌ ولَمْ يَنْظُرِ الجُمْهُورُ إلى ذَلِكَ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ وقَسَّمُوها إلى ما ذُكِرَ لِظَواهِرِ الآياتِ والأحادِيثِ ولِذَلِكَ قالالغَزالِيُّ: لا يَلِيقُ إنْكارُ الفَرْقِ بَيْنَ الكَبائِرِ والصَّغائِرِ وقَدْ عَرَفْنا مِن مَدارِكِ الشَّرْعِ، ثُمَّ القائِلُونَ بِالفَرْقِ اخْتَلَفُوا في حَدِّ الكَبِيرَةِ فَقِيلَ: هي ما لَحِقَ صاحِبَها عَلَيْها بِخُصُوصِها وعِيدٌ شَدِيدٌ بِنَصِّ كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ وهي عِبارَةُ كَثِيرٍ مِنَ الفُقَهاءِ، وقِيلَ: كُلُّ مَعْصِيَةٍ أوْجَبَتِ الحَدَّ- وبِهِ قالَ البَغَوِيُّ وغَيْرُهُ - والأوَّلُ أوْفَقُ لِما ذَكَرُوهُ في تَفْصِيلِ الكَبائِرِ إذْ عَدُّوا الغَيْبَةَ والنَّمِيمَةَ والعُقُوقَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنها ولاحَدَّ فِيهِ فَهو أصَحُّ مِنَ الثّانِي وإنْ قالَ الرّافِعِيُّ: إنَّهم إلى تَرْجِيحِهِ أمْيَلُ، وقَدْ يُقالُ: يَرُدُّ عَلى الأوَّلِ أيْضًا أنَّهم عَدُّوا مِنَ الكَبائِرِ ما لَمْ يَرِدْ فِيهِ بِخُصُوصِهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ.

وقِيلَ: هي كُلُّ ما نَصَّ الكِتابُ عَلى تَحْرِيمِهِ أوْ وجَبَ في جِنْسِهِ حَدٌّ وتَرْكُ فَرِيضَةٍ تَجِبُ فَوْرًا والكَذِبُ في الشَّهادَةِ والرِّوايَةِ واليَمِينِ، زادَ الهَرَوِيُّ وشُرَيْحٌ وكُلُّ قَوْلٍ خالَفَ الإجْماعَ العامَّ، وقِيلَ: كُلُّ جَرِيمَةٍ تُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْتِراثِ مُرْتَكِبِها بِالدِّينِ ورِقَّةِ الدِّيانَةِ وهو المَحْكِيُّ عَنْ إمامِ الحَرَمَيْنِ، ورَجَّحَهُ جَمْعٌ لِما فِيهِ مِن حُسْنِ الضَّبْطِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بِظاهِرِهِ يَتَناوَلُ صَغِيرَةَ الخِسَّةِ، والإمامُ - كَما قالَ الأذْرَعِيُّ - إنَّما ضَبَطَ بِهِ ما يُبْطِلُ العَدالَةَ مِنَ المَعاصِي الشّامِلَةِ لِذَلِكَ لا الكَبِيرَةُ فَقَطْ، نَعَمْ هو أشْمَلُ مِنَ التَّعْرِيفَيْنِ الأوَّلَيْنِ، وقِيلَ: هي ما أوْجَبَ الحَدَّ أوْ تَوَجَّهَ إلَيْهِ الوَعِيدُ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ في فَتاوِيهِ، وقِيلَ: كُلُّ مُحَرَّمٍ لِعَيْنِهِ مَنهِيٍّ عَنْهُ لِمَعْنى في نَفْسِهِ فَإنَّ فِعْلَهُ عَلى وجْهٍ يَجْمَعُ وجْهَيْنِ أوْ وُجُوهًا مِنَ التَّحْرِيمِ كانَ فاحِشَةً، فالزِّنا كَبِيرَةٌ وبِحَلِيلَةِ الجارِ فاحِشَةٌ والصَّغِيرَةُ تَعاطِي ما تَنْقُصُ رُتْبَتُهُ عَنْ رُتْبَتِهِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ. أوْ تَعاطِيهِ عَلى وجْهٍ دُونَ المَنصُوصِ عَلَيْهِ فَإنْ تَعاطاهُ عَلى وجْهٍ يَجْمَعُ وجْهَيْنِ أوْ أكْثَرَ مِنَ التَّحْرِيمِ

صفحة 63

كانَ كَبِيرَةً فالقُبْلَةُ واللَّمْسُ والمُفاخَذَةُ صَغِيرَةٌ، ومَعَ حَلِيلَةِ الجارِ كَبِيرَةٌ كَذا نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وغَيْرُهُ عَنِ القاضِي حُسَيْنٍ عَنِ الحَلِيمِيِّ، وقِيلَ: هي كُلُّ فِعْلٍ نَصَّ الكِتابُ عَلى تَحْرِيمِهِ أيْ بِلَفْظِ التَّحْرِيمِ وهو أرْبَعَةُ أشْياءَ: أكْلُ المَيْتَةِ، ولَحْمُ الخِنْزِيرِ، ومالُ اليَتِيمِ، والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ ورُدَّ بِمَنعِ الحَصْرِ، وقِيلَ: إنَّها كُلُّ ذَنْبٍ قُرِنَ بِهِ حَدٌّ، أوْ وعِيدٌ أوْ لَعْنٌ بِنَصِّ كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ أوْ عُلِمَ أنَّ مَفْسَدَتَهُ كَمَفْسَدَةِ ما قُرِنَ بِهِ ذَلِكَ أوْ أكْثَرُ أوْ أشْعَرَ بِتَهاوُنِ مُرْتَكِبِهِ في دِينِهِ إشْعارًا صَغَّرَ الكَبائِرَ المَنصُوصَ عَلَيْها بِذَلِكَ كَما لَوْ قَتَلَ مَن يَعْتَقِدُهُ مَعْصُومًا فَظَهَرَ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِدَمِهِ أوْ وطِئَ امْرَأةً ظانًّا أنَّهُ زانٍ بِها فَإذا هي زَوْجَتُهُ أوْ أمَتُهُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ شَيْخُ الإسْلامِ البارِزِيُّ وقالَ: هو التَّحْقِيقُ وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، واعْتَمَدَ الواحِدِيُّ أنَّها لا حَدَّ لَها يَحْصُرُها فَقالَ الصَّحِيحُ أنَّ الكَبِيرَةَ لَيْسَ لَها حَدٌّ يَعْرِفُها العِبادُ بِهِ وإلّا لاقْتَحَمَ النّاسُ الصَّغائِرَ واسْتَباحُوها ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أخْفى ذَلِكَ عَنْهم لِيَجْتَهِدُوا في اجْتِنابِ المَنهِيِّ عَنْهُ رَجاءَ أنْ تُجْتَنَبَ الكَبائِرُ. ونَظِيرُ ذَلِكَ إخْفاءُ الِاسْمِ الأعْظَمِ والصَّلاةِ الوُسْطى ولَيْلَةِ القَدْرِ وساعَةِ الإجابَةِ، وقالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ: كُلُّ ما ذُكِرَ مِنَ الحُدُودِ إنَّما قُصِدَ بِهِ التَّقْرِيبُ فَقَطْ وإلّا فَهي لَيْسَتْ بِحُدُودٍ جامِعَةٍ، وكَيْفَ يُمْكِنُ ضَبْطُ ما لا مَطْمَعَ في ضَبْطِهِ ؟ وذَهَبَ جَمْعٌ إلى تَعْرِيفِها بِالعَدِّ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ إلى قَوْلِهِسُبْحانَهُ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النِّساءَ: 31].

وقِيلَ: هي سَبْعٌ ورَوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وعَطاءٍ وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، واسْتُدِلَّ لَهُ بِما في الصَّحِيحَيْنِ ««اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ: الإشْراكُ بِاللَّهِ تَعالى والسَّحَرُ وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى إلّا بِالحَقِّ وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ وأكْلُ الرِّبا والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وقَذْفُ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ»» وقِيلَ: خَمْسَ عَشْرَةَ، وقِيلَ: أرْبَعَ عَشْرَةَ، وقِيلَ: أرْبَعٌ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ثَلاثٌ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَشْرَةٌ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ العَلائِيُّ:المَنصُوصُ عَلَيْهِ في الأحادِيثِ أنَّهُ كَبِيرَةٌ خَمْسٌ وعِشْرُونَ، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِزِيادَةٍ عَلى ذَلِكَ، وقالَ أبُو طالِبٍ المَكِّيُّ: هي سَبْعَ عَشْرَةَ أرْبَعٌ في القَلْبِ الشِّرْكُ والإصْرارُ عَلى المَعْصِيَةِ والقُنُوطُ والأمْنُ مِنَ المَكْرِ، وأرْبَعٌ في اللِّسانِ القَذْفُ وشَهادَةُ الزُّورِ والسِّحْرُ، وهو كُلُّ كَلامٍ يُغَيِّرُ الإنْسانَ أوْ شَيْئًا مِن أعْضائِهِ. واليَمِينُ الغَمُوسُ وهي الَّتِي تُبْطِلُ بِها حَقًّا أوْ تُثْبِتُ بِها باطِلًا، وثَلاثٌ في البَطْنِ أكْلُ مالِ اليَتِيمِ ظُلْمًا وأكْلُ الرِّبا وشُرْبُ كُلِّ مُسْكِرٍ، واثْنانِ في الفَرْجِ: الزِّنا واللِّواطُ، واثْنَتانِ في اليَدِ القِتْلَةُ والسَّرِقَةُ، وواحِدَةٌ في الرِّجْلِ الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، وواحِدَةٌ في جَمِيعِ الجَسَدِ عُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وفِيهِ ما فِيهِ، ورَوى الطَّبَرانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: كَمِ الكَبائِرُ سَبْعٌ هي ؟ فَقالَ هي إلى سَبْعِمِائَةٍ أقْرَبُ مِنها إلى سَبْعٍ غَيْرَ أنَّهُ لا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ ولا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرارِ، وقَدْ ألَّفَ فِيها غَيْرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ، وفي كِتابِ الزَّواجِرِ تَأْلِيفُ العَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ ما فِيهِ كِفايَةٌ فَلْيُراجَعْ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ وإنّا لَنَسْتَغْفِرُهُ ونَتُوبُ إلَيْهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ حَيْثُ يَغْفِرُ الصَّغائِرَ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ، فالجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِاسْتِثْناءِ اللَّمَمِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إخْراجَهُ عَنْ حُكْمِ المُؤاخَذَةِ لَيْسَ لِخُلُوِّهِ عَنِ الذَّنْبِ في نَفْسِهِ بَلْ لِسِعَةِ المَغْفِرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى لَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَغْفِرَ لِمَن يَشاءُ مِنَ المُؤْمِنِينَ ما يَشاءُ مِنَ الذُّنُوبِ صَغِيرِها وكَبِيرِها، ولَعَلَّ تَعْقِيبَ وعِيدِ المُسِيئِينَ ووَعْدِ المُحْسِنِينَ بِذَلِكَ حِينَئِذٍ لِئَلّا يَيْأسَ صاحِبُ الكَبِيرَةِ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى ولا يَتَوَهَّمَ وُجُوبَ العِقابِ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وزَعَمَ بَعْضٌ جَوازَ كَوْنِ المَوْصُولِ مُبْتَدَأً وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُهُ والرّابِطُ مَحْذُوفٌ أيْ ﴿واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ لَهم لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.

﴿هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ﴾ أيْ بِأحْوالِكم مِن كُلِّ أحَدٍ ﴿إذْ أنْشَأكُمْ﴾ في ضِمْنِ إنْشاءِ أبِيكم آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

صفحة 64

﴿مِنَ الأرْضِ﴾ إنْشاءً إجْمالِيًّا حَسْبَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ، وقِيلَ: إنْشاؤُهم مِنَ الأرْضِ بِاعْتِبارِ أنَّ المَنِيَّ الَّذِي يَتَكَوَّنُونَ مِنهُ في الأغْذِيَةِ الَّتِي مَنشَؤُها الأرْضُ، وأيًّا ما كانَ - فَإذا - ظَرْفٌ - لِأعْلَمَ - وهو عَلى بابِهِ مِنَ التَّفْصِيلِ.

وقالَ مَكِّيٌّ: هو بِمَعْنى عالِمٍ إذْ تَعَلُّقُ عِلْمِهِ تَعالى بِأحْوالِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ لا مُشارِكَ لَهُ تَعالى فِيهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ قَدْ يَتَعَلَّقُ عِلْمُ مَن أطْلَعَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: ( إذْ ) مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ اذْكُرُوا ﴿إذْ أنْشَأكُمْ﴾ وهو كَما تَرى ﴿وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ﴾ ووَقْتُ كَوْنِكم أجِنَّةً ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ مُتَرَتِّبَةٍ لا يَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ حالٌ مِن أحْوالِكم وعَمَلٌ مِن أعْمالِكُمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها اللَّمَمُ الَّذِي لَوْلا المَغْفِرَةُ الواسِعَةُ لَأصابَكم وبالُهُ. فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها وذَكَرَ ( في بُطُونِ أُمَّهاتِكم ) مَعَ أنَّ الجَنِينَ ما كانَ في البَطْنِ لِلْإشارَةِ إلى الأطْوارِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وقِيلَ: لِتَأْكِيدِ شَأْنِ العِلْمِ لِما أنَّ بَطْنَ الأُمِّ في غايَةِ الظُّلْمَةِ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ عَلى ما سَبَقَ مِن أنَّ عَدَمَ المُؤاخَذَةِ بِاللَّمَمِ لَيْسَ لِعَدَمِ كَوْنِهِ مِن قَبِيلِ الذُّنُوبِ بَلْ لِمَحْضِ مَغْفِرَتِهِ تَعالى مَعَ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِصُدُورِهِ عَنْكم أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلا تَثْنُوا عَلى أنْفُسِكم بِالطَّهارَةِ عَنِ المَعاصِي بِالكُلِّيَّةِ أوْ بِزَكاءِ العَمَلِ وزِيادَةِ الخَيْرِ بَلِ اشْكُرُوا اللَّهَ تَعالى عَلى فَضْلِهِ ومَغْفِرَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ المَعاصِيَ جَمِيعًا وهو اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلنَّهْيِ ومُشْعِرٌ بِأنَّ فِيهِمْ مَن يَتَّقِيها بِأسْرِها كَذا في الإرْشادِ، وقِيلَ: اتَّقى الشِّرْكَ، وقِيلَ: اتَّقى شَيْئًا مِنَ المَعاصِي، والآيَةُ نَزَلَتْ عَلى ما قِيلَ: في قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَعْمَلُونَ أعْمالًا حَسَنَةً ثُمَّ يَقُولُونَ صَلاتُنا وصِيامُنا وحَجُّنا وهَذا مَذْمُومٌ مَنهِيٌّ عَنْهُ إذا كانَ بِطَرِيقِ الإعْجابِ، أوِ الرِّياءِ أمّا إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلا بَأْسَ بِهِ ولا يُعَدُّ فاعِلُهُ مِنَ المُزَكِّينَ أنْفُسَهم، ولِذا قِيلَ: المَسَرَّةُ بِالطّاعَةِ طاعَةٌ وذِكْرُها شُكْرٌ، ولا فَرْقَ في التَّزْكِيَةِ بَيْنَ أنْ تَكُونَ عِبارَةً وأنْ تَكُونَ إشارَةً وعُدَّ مِنها التَّسْمِيَةُ بِنَحْوِ بَرَّةٍ، أخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ سَعْدٍ «عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أبِي سَلَمَةَ أنَّها سُمِّيَتْ بَرَّةَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمُ اللَّهُ أعْلَمُ بِأهْلِ البِرِّ مِنكم سَمُّوها زَيْنَبَ»» وكَذا غَيَّرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى ذَلِكَ اسْمَ بَرَّةَ بِنْتِ جَحْشٍ، وتَغْيِيرُ مِثْلِ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ وكَذا ما يُوقِعُ نَفْيَهُ بَعْضُ النّاسِ في شَيْءٍ مِنَ الطِّيَرَةِ كَبَرَكَةَ ويَسارٍ، والنَّهْيُ عَنِ التَّسْمِيَةِ بِهِ لِلتَّنْزِيهِ وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما رَوى جابِرٌ: ««إنْ عِشْتُ إنْ شاءَ اللَّهُ أنْهى أُمَّتِي أنْ يُسَمُّوا نافِعًا وأفْلَحَ وبَرَكَةَ»» مَحْمُولٌ كَما قالَ النَّوَوِيُّ عَلى إرادَةِ أنْهى نَهْيَ تَحْرِيمٍ، والظّاهِرُ أنَّ كَراهَةَ ما يُشْعِرُ بِالتَّزْكِيَةِ مَخْصُوصَةٌ بِما إذا كانَ الإشْعارُ قَوِيًّا كَما إذا كانَ الِاسْمُ قَبْلَ النَّقْلِ ظاهِرَ الدَّلالَةِ عَلى التَّسْمِيَةِ مُسْتَعْمَلًا فِيها فَلا كَراهَةَ في التَّسْمِيَةِ بِما يُشْعِرُ بِالمَدْحِ إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَسَعِيدٍ وحَسَنٍ، «وقَدْ كانَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ابْنَةٌ يُقالُ لَها: عاصِيَةُ فَسَمّاها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جَمِيلَةَ كَذا قِيلَ»، والمَقامُ بَعْدُ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ فَلْيُراجَعْ، وقِيلَ: مَعْنى - لا تُزَكُّوا أنْفُسَكم - لا يُزَكِّي بَعْضُكم بَعْضًا، والمُرادُ النَّهْيُ عَنْ تَزْكِيَةِ السُّمْعَةِ أوِ المَدْحِ لِلدُّنْيا، أوْ تَزْكِيَةٌ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ، وأمّا التَّزْكِيَةُ لِإثْباتِ الحُقُوقِ ونَحْوِهِ فَهي جائِزَةٌ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ.

أخْرَجَ الواحِدِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ ثابِتِ بْنِ الحارِثِ الأنْصارِيِّ قالَ: ««كانَتِ اليَهُودُ إذا هَلَكَ لَهم صَبِيٌّ صَغِيرٌ قالُوا: هو صِدِّيقٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: كَذَبَتْ يَهُودٌ ما مِن نَسَمَةٍ يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى في بَطْنِ أُمِّها إلّا يَعْلَمُ سَعادَتَها أوْ شَقاوَتَها» فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ﴾ الآيَةَ.»

53:33–35Page 527

أَفَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ ٣٣

Have you seen the one who turned away

وَأَعۡطَىٰ قَلِيلٗا وَأَكۡدَىٰٓ ٣٤

And gave a little and [then] refrained?

أَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡغَيۡبِ فَهُوَ يَرَىٰٓ ٣٥

Does he have knowledge of the unseen, so he sees?1

صفحة 65

﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ أيْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ والثَّباتِ عَلَيْهِ ﴿وأعْطى قَلِيلا﴾ أيْ شَيْئًا قَلِيلًا، أوْ إعْطاءً قَلِيلًا ﴿وأكْدى﴾ أيْ قَطَعَ العَطاءَ مِن قَوْلِهِمْ حَفَرَ فَأكْدى إذا بَلَغَ إلى كُدْيَةٍ أيْ صَلابَةٍ في الأرْضِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الحَفْرُ، قالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ كانَ قَدْ سَمِعَ قِراءَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وجَلَسَ إلَيْهِ ووَعَظَهُ فَقَرُبَ مِنَ الإسْلامِ وطَمِعَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ إنَّهُ عاتَبَهُ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقالَ لَهُ: أتَتْرُكُ مِلَّةَ آبائِكَ ؟! ارْجِعْ إلى دِينِكَ واثْبُتْ عَلَيْهِ وأنا أتَحَمَّلُ عَنْكَ كُلَّ شَيْءٍ تَخافُهُ في الآخِرَةِ لَكِنْ عَلى أنْ تُعْطِيَنِي كَذا وكَذا مِنَ المالِ فَوافَقَهُ الوَلِيدُ عَلى ذَلِكَ ورَجَعَ عَمّا هَمَّبِهِ مِنَ الإسْلامِ وضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا، وأعْطى بَعْضَ المالِ لِذَلِكَ الرَّجُلِ ثُمَّ أمْسَكَ عَنْهُ وشَحَّ، وقالَ الضَّحّاكُ: هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ أعْطى خَمْسَ قَلائِصَ لِفَقِيرٍ مِنَ المُهاجِرِينَ حَتّى ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ وضَمِنَ لَهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مَأْثَمَ رُجُوعِهِ، وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ كانَ يُوافِقُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في بَعْضِ الأُمُورِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: في أبِي جَهْلٍ قالَ: واللَّهِ ما يَأْمُرُ مُحَمَّدٌ إلّا بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، والأوَّلُ هو الأشْهَرُ الأنْسَبُ لِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِه ِسُبْحانَهُ: ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ﴾ إلى آخِرِهِ، وأمّا ما في الكَشّافِ مِن أنَّها نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ يُعْطِي مالَهُ في الخَيْرِ فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ: يُوشِكُ أنْ لا يَبْقى لَكَ شَيْءٌ فَقالَ عُثْمانُ: إنَّ لِي ذُنُوبًا وخَطايا وإنِّي أطْلُبُ بِما أصْنَعُ رِضا اللَّهِ تَعالى وأرْجُو عَفْوَهُ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: أعْطِنِي ناقَتَكَ بِرَحْلِها وأنا أحْمِلُ عَنْكَ ذُنُوبَكَ كُلَّها فَأعْطاهُ وأشْهَدَ عَلَيْهِ وأمْسَكَ عَنِ العَطاءِ فَباطِلٌ - كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ - ولا أصْلَ لَهُ، وعُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مُنَزَّهٌ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ، ( وأفَرَأيْتَ ) هُنا عَلى ما في البَحْرِ بِمَعْنى أخْبِرْنِي ومَفْعُولُها الأوَّلُ المَوْصُولُ، والثّانِي الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهُوَ يَرى﴾ لِلتَّسَبُّبِ عَمّا قَبْلَهُ أيْ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِالأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ فَهو بِسَبَبِ ذَلِكَ يَعْلَمُ أنَّ صاحِبَهُ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ ما يَخافُهُ، وقِيلَ: يَرى أنَّ ما سَمِعَهُ مِنَ القُرْآنِ باطِلٌ: وقالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى أأُنْزِلَ عَلَيْهِ قُرْآنٌ فَرَأى أنَّ ما صَنَعَهُ حَقٌّ، وأيًّا ما كانَ - فَيَرى - مِنَ الرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ أيْ فَهو يُبْصِرُ ما خَفِيَ عَنْ غَيْرِهِ مِمّا هو غَيْبٌ

53:36–37Page 527

أَمۡ لَمۡ يُنَبَّأۡ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ ٣٦

Or has he not been informed of what was in the scriptures of Moses

وَإِبۡرَٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰٓ ٣٧

And [of] Abraham, who fulfilled [his obligations] -

﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾ أيْ بَلْ ألَمْ يُخْبَرْ.

﴿بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ وهي التَّوْراةُ ﴿وإبْراهِيمَ﴾ وبِما في صُحُفِ إبْراهِيمَ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَيْهِ ﴿الَّذِي وفّى﴾ أيْ وفّى وأتَمَّ ما أُمِرَ بِهِ، أوْ بالَغَ في الوَفاءِ بِما عاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ تَعالى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وفّى بِسِهامِ الإسْلامِ كُلِّها ولَمْ يُوَفِّها أحَدٌ غَيْرُهُ وهي ثَلاثُونَ سَهْمًا مِنها عَشْرَةٌ في بَراءَةٍ ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ [التَّوْبَةَ: 111] الآياتِ، وعَشْرَةٌ في الأحْزابِ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ [الأحْزابَ: 35] الآياتِ، وسِتٌّ في - قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ - الآياتِ الَّتِي في أوَّلِها، وأرْبَعٌ في سَألَ سائِلٌ ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المَعارِجَ: 26] الآياتِ، وفي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ «عَنْ أبِي أُمامَةَ يَرْفَعُهُ، ﴿وفّى﴾ بِأرْبَعِ رَكَعاتٍ كانَ يُصَلِّيهِنَّ في كُلِّ يَوْمٍ، وفي رِوايَةٍ يُصَلِّيهِنَّ أوَّلَ النَّهارِ» .

وأخْرَجَ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ مَرْفُوعًا أيْضًا ««ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهَ تَعالى إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وفّى لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وأمْسى سُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ الآيَةَ»» وقالَ عِكْرِمَةُ: ﴿وفّى﴾ بِتَبْلِيغِ هَذِهِ العَشْرَةِ أنْ لا تَزِرُ إلى آخِرِهِ «وقِيلَ، وقِيلَ:» والأوْلى العُمُومُ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: ما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِشَيْءٍ إلّا وفّى بِهِ وتَخْصِيصُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا الوَصْفِ لِاحْتِمالِهِ ما لا يَحْتَمِلُهُ غَيْرُهُ، وفي قِصَّةِ الذَّبْحِ ما فِيهِ كِفايَةٌ

صفحة 66

وخُصَّ هَذانِ النَّبِيّانِ عَلَيْهِما السَّلامُ بِالذِّكْرِ قِيلَ: لِأنَّهُ فِيما بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ كانُوا يَأْخُذُونَ الرَّجُلَ بِابْنِهِ وبِأبِيهِ وعَمِّهِ وخالِهِ، والزَّوْجَ بِامْرَأتِهِ، والعَبْدَ بِسَيِّدِهِ فَأوَّلُ مَن خالَفَهم إبْراهِيمُ وقَرَّرَ ذَلِكَ مُوسى ولَمْ يَأْتِ قَبْلَهُ مُقَرِّرٌ مِثْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَقْدِيمُهُ لِما أنَّ صُحُفَهُ أشْهَرُ عِنْدَهم وأكْثَرُ، وقَرَأ أبُو أُمامَةَ الباهِلِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبُو مالِكٍ الغِفارِيُّ وابْنُ السَّمَيْفَعِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «وفى» بِتَخْفِيفِ الفاءِ.

53:38Page 527

أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ ٣٨

That no bearer of burdens will bear the burden of another

﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ إنَّهُ لا تَحْمِلُ نَفْسٌ مِن شَأْنِها الحَمْلُ حِمْلَ نَفْسٍ أُخْرى عَلى أنَّ (أنْ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ وضَمِيرُ الشَّأْنِ الَّذِي هو اسْمُها مَحْذُوفٌ، والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ خَبَرُها ومَحَلُّ الجُمْلَةِ الجَرُّ عَلى أنَّها بَدَلٌ مِمّا في صُحُفِ مُوسى، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والِاسْتِئْنافُ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: ما في صُحُفِهِما ؟ فَقِيلَ: هو ﴿ألا تَزِرُ﴾ إلَخْ، والمَعْنى أنَّهُ لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ لِيَتَخَلَّصَ الثّانِي عَنْ عِقابِهِ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ»» فَإنَّ ذَلِكَ وِزْرُ الإضْلالِ الَّذِي هو وِزْرُهُ لا وِزْرُ غَيْرِهِ،

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском