Al-AlusiAl‑Qamar · 54:36–54

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Qamar 54:36–54

54:36Page 530

وَلَقَدۡ أَنذَرَهُم بَطۡشَتَنَا فَتَمَارَوۡاْ بِٱلنُّذُرِ ٣٦

And he had already warned them of Our assault, but they disputed the warning.

﴿ولَقَدْ أنْذَرَهُمْ﴾ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿بَطْشَتَنا﴾ أخَذْتَنا الشَّدِيدَةَ بِالعَذابِ.

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها نَفْسُ العَذابِ ﴿فَتَمارَوْا﴾ فَكَذَّبُوا ﴿بِالنُّذُرِ﴾ مُتَشاكِّينَ، فالفِعْلُ مُضَمَّنٌ مَعْنى التَّكْذِيبِ ولَوْلاهُ تَعَدّى بِفي.

54:37Page 530

وَلَقَدۡ رَٰوَدُوهُ عَن ضَيۡفِهِۦ فَطَمَسۡنَآ أَعۡيُنَهُمۡ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ٣٧

And they had demanded from him his guests, but We obliterated their eyes, [saying], "Taste My punishment and warning."

﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ صَرَفُوهُ عَنْ رَأْيِهِ فِيهِمْ وطَلَبُوا الفُجُورَ بِهِمْ وهَذا مِن إسْنادِ ما لِلْبَعْضِ لِلْجَمِيعِ لِرِضاهم بِهِ ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ أيْ أزَلْنا أثَرَها وذَلِكَ بِمَسْحِها وتَسْوِيَتِها كَسائِرِ الوَجْهِ، وهو كَما قالَ عُبَيْدَةُ، ورُوِيَ «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ في عُقُوبَتِهِمْ لَيْلَةَ جاؤُوا وعالَجُوا البابَ لِيَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ فَصَفْقَهم بِجَناحِهِ فَتَرَكَهم عُمْيانًا يَتَرَدَّدُونَ لا يَهْتَدُونَ إلى طَرِيقِ خُرُوجِهِمْ حَتّى أخْرَجَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ»

صفحة 91

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: إنَّما حَجَبَ إدْراكَهم فَدَخَلُوا المَنزِلَ ولَمْ يَرَوْا شَيْئًا فَجَعَلَ ذَلِكَ كالطَّمْسِ فَعَبَّرَ بِهِ عَنْهُ.

وقَرَأ ابْنُ مُقْسِمٍ «فَطَمَّسْنا» بِتَشْدِيدِ المِيمِ لِلتَّكْثِيرِ في المَفْعُولِ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ فَقُلْنا لَهم ذَلِكَ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فالقَوْلُ في الحَقِيقَةِ لَهم وأُسْنِدَ إلَيْهِ تَعالى مَجازًا لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الآمِرُ أوِ القائِلُ ظاهِرَ الحالِ فَلا قَوْلَ وإنَّما هو تَمْثِيلٌ، والمُرادُ بِالعَذابِ الطَّمْسُ وهو مِن جُمْلَةِ ما أُنْذَرُوهُ.

54:38–39Page 530

وَلَقَدۡ صَبَّحَهُم بُكۡرَةً عَذَابٞ مُّسۡتَقِرّٞ ٣٨

And there came upon them by morning an abiding punishment.

فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ٣٩

So taste My punishment and warning.

﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً﴾ أوِ النَّهارَ وهي أخَصُّ مِنَ الصَّباحِ فَلَيْسَ في ذِكْرِها بَعْدَهُ زِيادَةٌ وكانَ ذَلِكَ أوَّلَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «بُكْرَةَ» غَيْرَ مَصْرُوفَةٍ لِلْعِلْمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ عَلى أنَّ المُرادَ بِها أوَّلُ نَهارٍ مَخْصُوصٍ.

﴿عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ يَسْتَقِرُّ بِهِمْ ويَدُومُ حَتّى يُسَلِّمَهم إلى النّارِ، أوْ لا يُدْفَعَ عَنْهم، أوْ يَبْلُغَ غايَتَهُ.

﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ حِكايَةٌ لِما قِيلَ لَهم بَعْدَ التَّصْحِيحِ مِن جِهَتِهِ تَعالى تَشْدِيدًا لِلْعَذابِ، أوْ هو تَمْثِيلٌ.

54:40–41Page 530

وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٤٠

And We have certainly made the Qur’ān easy for remembrance, so is there any who will remember?

وَلَقَدۡ جَآءَ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ ٱلنُّذُرُ ٤١

And there certainly came to the people of Pharaoh warning.

﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ تَقَدَّمَ ما فِيهِ مِنَ الكَلامِ ﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ صُدِّرَتْ قِصَّتُهم بِالتَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ - بِشَأْنِها لِغايَةِ عِظَمِ ما فِيها مِنَ الآياتِ وكَثْرَتِها وهَوْلِ ما لاقُوهُ مِنَ العَذابِ وقُوَّةِ إيجابِها لِلِاتِّعاظِ والِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ آلِ فِرْعَوْنَ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ نَفْسَهُ أوْلى بِذَلِكَ فَإنَّهُ رَأْسُ الطُّغْيانِ ومُدَّعِي الأُلُوهِيَّةِ، والقَوْلُ: بِأنَّهُ إشارَةٌ إلى إسْلامِهِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، و(النُّذُرُ ) إنْ كانَ جَمْعَ نَذِيرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ فالأمْرُ ظاهِرٌ وكَذا إنْ كانَ مَصْدَرًا، وأمّا إنْ كانَ جَمْعَ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرِ فالمُرادُ بِهِ مُوسى وهارُونُ وغَيْرُهُما لِأنَّهُما عَرَضا عَلَيْهِمْ ما أنْذَرَ بِهِ المُرْسَلُونَ أيْ وبِاللَّهِ تَعالى لَقَدْ جاءَهُمُ المُنْذِرُونَ، أوِ الإنْذاراتُ، أوِ الإنْذارُ،

54:42Page 530

كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذۡنَٰهُمۡ أَخۡذَ عَزِيزٖ مُّقۡتَدِرٍ ٤٢

They denied Our signs, all of them, so We seized them with a seizure of one Exalted in Might and Perfect in Ability.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ مَجِيءِ النُّذُرِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا فَعَلَ آلُ فِرْعَوْنَ حِينَئِذٍ ؟ فَقِيلَ: كَذَّبُوا بِجَمِيعِ آياتِنا وهي آياتُ الأنْبِياءِ كُلِّهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّ تَكْذِيبَ البَعْضِ تَكْذِيبٌ لِلْكُلِّ، أوْ هي الآياتُ التِّسْعُ، وجَوَّزالواحِدِيُّأنْ يُرادَ بِالنُّذُرِ نَفْسُ الآياتِ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( بِآياتِنا ) مِن إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ والأصْلُ كَذَّبُوا بِها، وزَعَمَ بَعْضُ غُلاةِ الشِّيعَةِ وهُمُ المُسْلِمُونَ بِالكَشْفِيَّةِ في زَمانِنا أنَّ المُرادَ - بِالآياتِ كُلِّها - عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَإنَّهُ الإمامُ المُبِينُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: 12] وأنَّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ظَهَرَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا - وهَذا مِنَ الهَذَيانِ بِمَكانٍ - نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ ( فَأخَذْناهم ) أيْ آلَ فِرْعَوْنَ، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ ضَمِيرَ ( كَذَّبُوا ) وضَمِيرَ أخَذْناهم عائِدانِ عَلى جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأُمَمِ وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ( النُّذُرُ ) ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ أيْ ﴿فَأخَذْناهُمْ﴾ وقَهَرْناهم لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ ﴿أخْذَ عَزِيزٍ﴾ لا يُغالَبُ ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، ونُصِبَ أخْذَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لا عَلى قَصْدِ التَّشْبِيهِ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ أيِ الكُفّارِ المَعْدُودِينَ قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وآلِ فِرْعَوْنَ، والمُرادُ الخَيْرِيَّةُ بِاعْتِبارِ الدُّنْيا وزِينَتِها كَكَثْرَةِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ ووُفُورِ العَدَدِ والعُدَّةِ، أوْ بِاعْتِبارِ لِينِ الشَّكِيمَةِ في الكُفْرِ بِأنْ يَكُونَ الكُفّارُ المُحَدَّثُ عَنْهم بِالخَيْرِيَّةِ أقَلَّ عِنادًا وأقْرَبَ طاعَةً وانْقِيادًا، وظاهِرُ كَلامِ كَثِيرٍ أنَّ الخِطابَ هُنا عامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ حَيْثُ قالُوا:

54:43–44Page 530

أَكُفَّارُكُمۡ خَيۡرٞ مِّنۡ أُوْلَٰٓئِكُمۡ أَمۡ لَكُم بَرَآءَةٞ فِي ٱلزُّبُرِ ٤٣

Are your disbelievers better than those [former ones], or have you immunity in the scriptures?

أَمۡ يَقُولُونَ نَحۡنُ جَمِيعٞ مُّنتَصِرٞ ٤٤

Or do they say, "We are an assembly supporting [each other]"?

﴿أكُفّارُكُمْ﴾ يا مَعْشَرَ العَرَبِ ﴿خَيْرٌ﴾ إلَخْ والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما كُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمُ الكُفّارِ المَعْدُودِينَ بِأنْ يَكُونُوا أكْثَرَ مِنهم قُوَّةً وشِدَّةً وأوْفَرَ عَدَدًا وعُدَّةً، أوْ بِأنْ يَكُونُوا ألْيَنَ شَكِيمَةً في الكُفْرِ والعِصْيانِ

صفحة 92

والضَّلالِ والطُّغْيانِ بَلْ هم دُونَهم في القُوَّةِ وما أشْبَهَها مِن زِينَةِ الدُّنْيا، أوْ أسْوَأ حالًا مِنهم في الكُفْرِ، وقَدْ أصابَ مَن هو خَيْرٌ ما أصابَ فَكَيْفَ يَطْمَعُونَ هم في أنْ لا يُصِيبَهم نَحْوُذَلِكَ، وكَذا قِيلَ: في الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ وجَعَلَ بِتَقْدِيرِ أمْ لِكُفّارِكم وهو إضْرابٌ وانْتِقالٌ إلى تَنْكِيتٍ آخَرَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ ألِكُفّارِكم بَراءَةٌ وأمْنٌ مِن تَبِعاتِ ما يَعْمَلُونَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي وغَوائِلِها في الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ فَلِذَلِكَ يُصِرُّونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ ولا يَخافُونَ، واخْتارَ بَعْضُهم في هَذا أنَّهُ خاصٌّ بِالكُفّارِ، وقالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إنَّهُ إضْرابٌ مِنَ التَّبْكِيتِ المَذْكُورِ إلى تَبْكِيتٍ آخَرَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِلْإيذانِ بِإفْضاءِ حالِهِمْ إلى الإعْراضِ عَنْهم وإسْقاطِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ وحِكايَةِ قَبائِحِهِمْ لِغَيْرِهِمْ.

أيْ بَلْ أيَقُولُونَ واثِقِينَ بِشَوْكَتِهِمْ نَحْنُ جَماعَةٌ أمْرُنا مُجْتَمِعٌ لا يُرامُ ولا يُضامُ، أوْ ﴿مُنْتَصِرٌ﴾ مِنَ الأعْداءِ لا يُغْلَبُ، أوْ مُتَناصِرٌ يَنْصُرُ بَعْضُنا بَعْضًا.

والَّذِي يَتَرَجَّحُ في نَظَرِ الفَقِيرِ أنَّ الخِطابَ في المَوْضِعَيْنِ خاصٌّ عَلى ما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ بِكُفّارِ أهْلِ مَكَّةَ أوِ العَرَبِ وهو ظَهْرٌ في المَوْضِعِ الثّانِي لا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ، وأمّا في المَوْضِعِ الأوَّلِ فَوَجْهُهُ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ مِثْلُها في الدَّراهِمِ كُلِّها كَذا، وطُورِ سَيْناءَ، ويَوْمَ الأحَدِ ولَمْ يَقُلْ أأنْتُمْ لِلتَّنْصِيصِ عَلى كُفْرِهِمُ المُقْتَضِي لِهَلاكِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ في ﴿أكُفّارُكُمْ﴾ ضَرْبٌ مِنَ التَّجْرِيدِ الَّذِي ذَكَرُوهُ في نَحْوِ ﴿لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ﴾ [فُصِّلَتْ: 28] فَكَأنَّهُ جُرِّدَ مِنهم كُفّارٌ وأضِيفُوا إلَيْهِمْ، وفي ذَلِكَ مِنَ المُبالَغَةِ ما فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا وجْهًا لِلْعُدُولِ عَنْ أأنْتُمْ، ورُبَّما يَتَرَجَّحُ بِهِ كَوْنُ الخَيْرِيَّةِ المَنفِيَّةِ بِاعْتِبارِ لِينِ الشَّكِيمَةِ في الكُفْرِ وكَأنَّهُ لَمّا خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ الَّذِينَ كَذَّبُوا الآياتِ وأعْرَضُوا عَنْها، وقالُوا هي سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ بِذِكْرِ ما حَلَّ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ مِمّا تَبْرُقُ وتُرْعِدُ مِنهُ أسارِيرُ الوَعِيدِ قالَ عَزَّ وجَلَّ لَهم: لِمَ لا تَخافُونَ أنْ يَحِلَّ بِكم مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ أأنْتُمْ أقَلُّ كُفْرًا وعِنادًا مِنهم لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْأمْنِ مِن حُلُولِ نَحْوِ عَذابِهِمْ بِكم أمْ أُعْطاكُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَراءَةً مِن عَذابِهِ أمْ أنْتُمْ أعَزُّ مِنهم مُنْتَصِرُونَ عَلى جُنُودِ اللَّهِ تَعالى وعَدَلَ سُبْحانَهُ عَنْ أمْ أنْتُمْ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا تَحَقُّقَ لَهُ أصْلًا إلّا بِاللَّفْظِ ومَحْضِ الدَّعْوى الَّتِي لا يُوافَقُ عَلَيْها فَتَأمَّلْ، فَأسْرارُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا تَتَناهى، ثُمَّ لا تَعْجَلْ بِالِاعْتِراضِ عَلى ما قُلْناهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَنا سَلَفٌ فِيهِ حَسْبَما تَتَبَّعْنا، ثُمَّ إنَّ ( جَمِيعٌ ) عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِمَعْنى الجَماعَةِ الَّتِي أمْرُها مُجْتَمِعٌ ولَيْسَ مِنَ التَّأْكِيدِ في شَيْءٍ بَلْ هو خَبَرُ ( نَحْنُ )، وجُوِّزَأنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُجْتَمِعٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وهو (أمْرُنا) والجُمْلَةُ خَبَرُ ( نَحْنُ ) وأنْ يَكُونَ هو الخَبَرَ والإسْنادُ مَجازِيٌّ، ( ومُنْتَصِرٌ ) عَلى ما سَمِعْتَ إمّا بِمَعْنى مُمْتَنِعٍ يُقالُ: نَصَرَهُ فانْتَصَرَ إذا مَنَعَهُ فامْتَنَعَ.

والمُرادُ بِالِامْتِناعِ عَدَمُ المَغْلُوبِيَّةِ أوْ هو بِمَعْنى مُنْتَقِمٍ مِنَ الأعْداءِ أوْ هو مِنَ النَّصْرِ بِمَعْنى العَوْنِ والِافْتِعالِ بِمَعْنى التَّفاعُلِ كالِاخْتِصامِ والتَّخاصُمِ وكانَ الظّاهِرُ مُنْتَصِرُونَ إلّا أنَّهُ أُفْرِدَ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الجَمِيعِ فَإنَّهُ مُفْرَدٌ لَفْظًا جَمْعٌ مَعْنى ورُجِّحَ هُنا جانِبُ اللَّفْظِ عَكْسَ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ لِخِفَّةِ الإفْرادِ مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ ولَيْسَ في الآيَةِ رِعايَةُ جانِبِ المَعْنى أوَّلًا، ثُمَّ رِعايَةُ جانِبِ اللَّفْظِ ثانِيًا عَلى عَكْسِ المَشْهُورِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ جائِزًا عَلى الصَّحِيحِ كَما لا يَخْفى عَلى الخَبِيرِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ومُوسى الأسْوارِيُّ وأبُو البَرَهْسَمِ - أمْ تَقُولُونَ - بِتاءِ الخِطابِ.

54:45Page 530

سَيُهۡزَمُ ٱلۡجَمۡعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ٤٥

[Their] assembly will be defeated, and they will turn their backs [in retreat].1

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ أيْ يُهْزَمُ جَمْعُهُمُ البَتَّةَ ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أيِ الأدْبارَ، وقَدْ قُرِئَكَذَلِكَ، والإفْرادُ لِإرادَةِ الجِنْسِ الصّادِقِ عَلى الكَثِيرِ مَعَ رِعايَةِ الفَواصِلِ ومُشاكَلَةِ القَرائِنِ، أوْ لِأنَّهُ في تَأْوِيلِ يُوَلِّي كُلُّ واحِدٍ مِنهم دُبُرَهُ عَلى حَدِّ: كَسانا الأمِيرُ حُلَّةً مَعَ الرِّعايَةِ المَذْكُورَةِ أيْضًا وقَدْ كانَ هَذا يَوْمَ بَدْرٍ وهو مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وقَدْ نَزَلَتْ حَيْثُ لَمْ يُفْرَضْ جِهادٌ ولا كانَ قِتالٌ ولِذا قالَ عُمَرُ

صفحة 93

رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يَوْمَ نَزَلَتْ أيُّجَمْعٍ يُهْزَمُ أيْ مِن جُمُوعِ الكُفّارِ ؟ ولَمْ يُتَعَرَّضْ لِقِتالِ أحَدٍ مِنهم، وقَدْ تَقَدَّمَ الخَبَرُ.

ومِمّا أشَرْنا إلَيْهِ يُعْلَمُ أنَّ قَوْلَ الطَّيِّبِيِّ في هَذِهِ الرِّوايَةِ نَظَرٌ لِأنَّ هَمْزَةَ الإنْكارِ في ( أمْ يَقُولُونَ ) إلَخْ دَلَّتْ عَلى أنَّ المُنْهَزِمِينَ مَن هم ناشِئٌ عَنِ الغَفْلَةِ عَنْ مُرادِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ومُوسى الأسْوارِيُّ وأبُو البَرَهْسَمِ - سَتَهْزِمُ الجَمْعَ - بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الزّايِ خِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ونَصْبِ الجَمْعِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ أيْضًا ويَعْقُوبُ - سَنَهْزِمُ - بِالنُّونِ مَفْتُوحَةً وكَسْرِ الزّايِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ، وعَنْ أبِي حَيْوَةَ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ «سَيَهْزِمُ الجَمْعَ» بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصْبِ الجَمْعِ أيْ سَيَهْزِمُ اللَّهُ تَعالى الجَمْعَ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وداوُدُ بْنُ أبِي سالِمٍ عَنْ أبِي عَمْرو - وتُوَلُّونَ - بِتاءِ الخِطابِ

54:46–47Page 530

بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوۡعِدُهُمۡ وَٱلسَّاعَةُ أَدۡهَىٰ وَأَمَرُّ ٤٦

But the Hour is their appointment [for due punishment], and the Hour is more disastrous and more bitter.

إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي ضَلَٰلٖ وَسُعُرٖ ٤٧

Indeed, the criminals are in error and madness.1.

﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ أيْ لَيْسَ هَذا تَمامَ عُقُوبَتِهِمْ بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُ عَذابِهِمْ وهَذا مِن طَلائِعِهِ ﴿والسّاعَةُ أدْهى﴾ أيْ أعْظَمُ داهِيَةً وهي الأمْرُ المُنْكَرُ الفَظِيعُ الَّذِي لا يُهْتَدى إلى الخَلاصِ عَنْهُ ﴿وأمَرُّ﴾ وأشَدُّ مَرارَةً في الذَّوْقِ وهو اسْتِعارَةٌ لِصُعُوبَتِها عَلى النَّفْسِ: وقِيلَ: أقْوى ولَيْسَ بِذاكَ وإظْهارُ السّاعَةِ في مَوْضِعِ إضْمارِها لِتَرْبِيَةِ تَهْوِيلِها ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ في هَلاكٍ ﴿وسُعُرٍ﴾ ونِيرانٍ مُسَعَّرَةٍ أوْ في ضَلالٍ عَنِ الحَقِّ ونِيرانٍ في الآخِرَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: في خُسْرانٍ وجُنُونٍ،

54:48Page 530

يَوۡمَ يُسۡحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ ٤٨

The Day they are dragged into the Fire on their faces [it will be said], "Taste the touch of Saqar."1

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ﴾ أيْ يُجَرُّونَ ﴿فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَهُ أيْ يَوْمَ يُسْحَبُونَ يُقالُ لَهم ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ وجُوِّزَأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمِقْدارٍ يُفْهَمُ مِمّا قَبْلُ أيْ يُعَذَّبُونَ، أوْ يُهانُونَ، أوْ نَحْوَهُ، وجُمْلَةُ القَوْلِ عَلَيْهِ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( يُسْحَبُونَ ) وجُوِّزَ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقًا - بِذُوقُوا - عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُكَذِّبِينَ المُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أكُفّارُكُمْ﴾ إلَخْ أيْ ذُوقُوا أيُّها المُكَذِّبُونَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ يُسْحَبُ المُجْرِمُونَ المُتَقَدِّمُونَ، والمُرادُ حَشْرُهم مَعَهم والتَّسْوِيَةُ بَيْنَهم في الآخِرَةِ كَما ساؤُوهم في الدُّنْيا وهو كَما تَرى، والمُرادُ - بِمَسِّ سَقَرَ - ألَمُها عَلى أنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنْهُ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ فَإنَّ مَسَّها سَبَبٌ لِلتَّألُّمِ بِها وتَعَلُّقُ الذَّوْقِ بِمِثْلِ ذَلِكَ شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ، وفي الكَشّافِ ﴿مَسَّ سَقَرَ﴾ كَقَوْلِكَ وجَدَ مَسَّ الحُمّى وذاقَ طَعْمَ الضَّرْبِ لِأنَّ النّارَ إذا أصابَتْهم بِحَرِّهاوَلَحِقَتْهم بِإيلامِها فَكَأنَّها تَمَسُّهم مَسًّا بِذَلِكَ كَما يَمَسُّ الحَيَوانَ ويُباشِرُ بِما يُؤْذِي ويُؤْلِمُ، وهو مُشْعِرٌ بِأنَّ في الكَلامِ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً نَحْوَ ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [الرَّعْدَ: 25] ويُحْتَمَلُ غَيْرُذَلِكَ، ( وسَقَرَ ) عَلَمٌ لِجَهَنَّمَ - أعاذَنا اللَّهُ تَعالى مِنها بِبَرَكَةِ كَلامِهِ العَظِيمِ وحُرْمَةِ حَبِيبِهِ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةُ وأكْمَلُ التَّسْلِيمِ - مِن سَقَرْتُهُ لِلنّارِ وصَقَرْتُهُ بِإبْدالِ السِّينِ صادًا لِأجْلِ القافِ إذا لَوَّحَتْهُ وغَيَّرَتْ لَوْنَهُ قالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ ثَوْرَ الوَحْشِ:

إذا ذابَتِ الشَّمْسُ اتَّقى صَقَراتِها بِأفْنانِ مَرْبُوعِ الصَّرِيمَةِ مُعْبِلِ

وعَدَمُ الصَّرْفِ لِلْعِلْمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ إلى النّارِ، وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرو «مَسْ سَّقَرَ» بِإدْغامِ السِّينِ في السِّينِ، وتَعَقَّبَذَلِكَ ابْنُ مُجاهِدٍ بِأنَّ إدْغامَهُ خَطَأٌ لِأنَّهُ مُشَدَّدٌ، والظَّنُّ بِأبِي عَمْرو أنَّهُ لَمْ يُدْغِمْ حَتّى حَذَفَ إحْدى السِّينَيْنِ لِاجْتِماعِ الأمْثالِ ثُمَّ أدْغَمَ

54:49Page 530

إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ ٤٩

Indeed, all things We created with predestination.

﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ ﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ أيْ مُقَدَّرًا مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، فالقَدَرُ بِالمَعْنى المَشْهُورِ الَّذِي يُقابِلُ القَضاءَ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ هو المَأْثُورُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ، ورَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««جاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُخاصِمُونَ

صفحة 94

رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في القَدَرِ فَنَزَلَتْ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾»» وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««صِنْفانِ مِن أُمَّتِي لَيْسَ لَهُما في الإسْلامِ نَصِيبٌ المُرْجِئَةُ والقَدَرِيَّةُ»» أُنْزِلَتْ فِيهِمْ آيَةٌ في كِتابِ اللَّهِ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَكْرَهُ القَدَرِيَّةَ جِدًّا، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي يَحْيى الأعْرَجِ قالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ - وقَدْ ذَكَرَ القَدَرِيَّةَ - يَقُولُ: لَوْ أدْرَكْتُ بَعْضَهم لَفَعَلْتُ بِهِ كَذا وكَذا ثُمَّ قالَ: الزِّنا بِقَدَرٍ والسَّرِقَةُ بِقَدَرٍ وشُرْبُ الخَمْرِ بِقَدَرٍ.

وأخْرَجَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: ما تَقُولُ فِيمَن يُكَذِّبُ بِالقَدَرِ ؟ قالَ: اجْمَعْ بَيْنِي وبَيْنَهُ قالَ: ما تَصْنَعُ بِهِ ؟ قالَ: أخْنُقُهُ حَتّى أقْتُلَهُ، وقَدْ جاءَ ذَمُّهم في أحادِيثَ كَثِيرَةٍ، مِنها ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسٌ ومَجُوسُ أُمَّتِي الَّذِينَ يَقُولُونَ لا قَدَرَ إنْ مَرِضُوا فَلا تَعُودُوهم وإنْ ماتُوا فَلا تَشْهَدُوهم»» .

وجُوِّزَ كَوْنُ المَعْنى إنّا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ مُقَدَّرًا مُحْكَمًا مُسْتَوْفًى فِيهِ مُقْتَضى الحِكْمَةِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها أمْرُ التَّكْوِينِ، فالآيَةُ مِن بابِ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفُرْقانَ: 2] ونُصِبَ ( كُلَّ ) بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ أيْ إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَوْمٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ بِرَفْعِ كُلَّ وهو عَلى الِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ ( خَلَقْناهُ ) هو الخَبَرُ، و(بِقَدَرٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ كَما في القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ، فَتَدُلُّ الآيَةُ أيْضًا عَلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَخْلُوقٌ بِقَدَرٍ ولا يَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ جُمْلَةُ خَلَقْناهُ صِفَةً، ويُجْعَلَ الخَبَرُ ( بِقَدَرٍ ) لِاخْتِلافِ القِراءَتَيْنِ مَعْنًى حِينَئِذٍ، والأصْلُ تَوافُقُ القِراءاتِ، وقالَ الرَّضِيُّ: لا يَتَفاوَتُ المَعْنى لِأنَّ مُرادَهُ تَعالى بِكُلِّ شَيْءٍ كَلُّ مَخْلُوقٍ سَواءٌ نَصَبْتَ ( كُلَّ ) أوْ رَفَعْتَهُ وسَواءٌ جَعَلْتَ ( خَلَقْناهُ ) صِفَةً مَعَ الرَّفْعِ، أوْ خَبَرًا عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّ خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ لا يُرِيدُ سُبْحانَهُ بِهِ خَلَقْنا كُلَّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ جَمِيعَ المُمْكِناتِ غَيْرِ المُتَناهِيَةِ واسْمُ الشَّيْءِ يَقَعُ عَلى كُلٍّ مِنها، وحِينَئِذٍ نَقُولُ: إنَّ مَعْنى ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ عَلى أنَّ خَلَقْناهُ هو الخَبَرُ ( كُلَّ ) مَخْلُوقُ مَخْلُوقٍ ( بِقَدَرٍ ) وعَلى أنَّ ( خَلَقْناهُ ) صِفَةُ ( كُلَ شَيْءٍ ) مَخْلُوقٌ كائِنٌ ( بِقَدَرٍ ) والمَعْنَيانِ واحِدٌ إذْ لَفْظُ ( كُلَّ ) في الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِالمَخْلُوقاتِ سَواءٌ كانَ ( خَلَقْناهُ ) صِفَةً لَهُ أوْ خَبَرًا، وتَعَقَّبَهُ السَّيِّدُ السَّنَدُ قُدِّسَ سِرُّهُ بِأنَّهُ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إذْ جَعَلْنا ( خَلَقْناهُ ) صِفَةً كانَ المَعْنى ( كُلَّ ) مَخْلُوقٌ مُتَّصِفٌ بِأنَّهُ مَخْلُوقُنا كائِنٌ بِقَدَرٍ، وعَلى هَذا لا يَمْتَنِعُ نَظَرًا إلى هَذا المَعْنى أنْ يَكُونَ هُناكَ مَخْلُوقاتٌ غَيْرُ مُتَّصِفَةٍ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَلا تَنْدَرِجُ تَحْتَ الحُكْمِ، وأمّا إذا جَعَلْناهُ خَبَرًا أوْ نَصَبْنا ( كُلَ شَيْءٍ ) فَلا مَجالَ لِهَذا الِاحْتِمالِ نَظَرًا إلى نَفْسِ المَعْنى المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ فَقَدِ اخْتَلَفَ المَعْنَيانِ قَطْعًا ولا يُجْدِيهِ نَفْعًا أنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ مُتَّصِفٌ بِتِلْكَ الصِّفَةِ في الواقِعِ لِأنَّهُ إنَّما يُفْهَمُ مِن خارِجِ الكَلامِ ولا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ ذَلِكَ المَعْنى الَّذِي لا احْتِمالَ فِيهِ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ ولِكَوْنِ النَّصْبِ نَصًّا في المَقْصُودِ اتَّفَقَتِ القِراءاتُ المُتَواتِرَةُ عَلَيْهِ مَعَ احْتِياجِهِ إلى التَّقْدِيرِ وبِذَلِكَ يَتَرَجَّحُ عَلى الرَّفْعِ المُوهِمِ لِخِلافِهِ وإنْ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ.

54:50Page 531

وَمَآ أَمۡرُنَآ إِلَّا وَٰحِدَةٞ كَلَمۡحِۭ بِٱلۡبَصَرِ ٥٠

And Our command is but one, like a glance of the eye.

﴿وما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ﴾ أيْ ما شَأْنُنا إلّا فِعْلَةٌ واحِدَةٌ عَلى نَهْجٍ لا يَخْتَلِفُ ووَتِيرَةٍ لا تَتَعَدَّدُ وهي الإيجادُ بِلا مُعالَجَةٍ ومَشَقَّةٍ، أوْ ما أمْرُنا إلّا كَلِمَةٌ واحِدَةٌ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُنْ﴾ [البَقَرَةَ: 117] وغَيْرُها فالأمْرُ مُقابِلُ النَّهْيِ وواحِدِ الأُمُورِ، فَإذا أرادَ عَزَّ وجَلَّ شَيْئًا قالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ أيْ في السَّيْرِ والسُّرْعَةِ، وقِيلَ: هَذا في قِيامِ السّاعَةِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾ [النَّحْلَ: 77].

54:51Page 531

وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَآ أَشۡيَاعَكُمۡ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٥١

And We have already destroyed your kinds,1 so is there any who will remember?

﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾ أيْ أشْباهَكم في الكُفْرِ

صفحة 95

مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وأصْلُهُ جَمْعُ شِيعَةٍ وهم مَن يَتَقَوّى بِهِمُ المَرْءُ مِنَ الأتْباعِ ولَمّا كانُوا في الغالِبِ مَن جِنْسٍ واحِدٍ أُرِيدَ بِهِ ما ذُكِرَ إمّا بِاسْتِعْمالِهِ في لازِمِهِ، أوْ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، والحالُ قَرِينَةٌ عَلى ذَلِكَ، وقِيلَ: هو باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ أيْ أتْباعَكم ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ مُتَّعِظٍ بِذَلِكَ

54:52Page 531

وَكُلُّ شَيۡءٖ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ ٥٢

And everything they did is in written records.

﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِلْأشْياعِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ، وجُمْلَةُ ( فَعَلُوهُ ) صِفَةُ ( شَيْءٍ ) والرّابِطُ ضَمِيرُ النَّصْبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( في الزُّبُرِ ) مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنٍ خاصٍّ خَبَرُ المُبْتَدَأِ أيْ كُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الدُّنْيا مَكْتُوبٌ في كُتُبِ الحَفَظَةِ غَيْرُ مَغْفُولٍ عَنْهُ، وتَفْسِيرُ ( الزُّبُرِ ) بِاللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما حَكاهُ الطَّبَرْسِيُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في رَفْعِ ( كُلُّ ) ولَيْسَتِ الآيَةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ فَلا يَجُوزُ النَّصْبُ لِعَدَمِ بَقاءِ المَعْنى الحاصِلِ بِالرَّفْعِ لَوْ عَمِلَ المُشْتَغِلُ بِالضَّمِيرِ في الِاسْمِ السّابِقِ كَما هو اللّازِمُ في ذَلِكَ البابِ إذْ يَصِيرُ المَعْنى ها هُناحِينَئِذٍ فَعَلُوا في الزُّبُرِكُلَّ شَيْءٍ إنْ عَلَّقْنا الجارَّ - يَفْعَلُوا وهم لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِن أفْعالِهِمْ في الكُتُبِ بَلْ فَعَلَوْها في أماكِنِهِمْ والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَتَبُوها عَلَيْهِمْ في الكُتُبِ، أوْ فَعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ مَكْتُوبٍ في الزُّبُرِإنْ جَعَلْنا الجارَّ نَعْتًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وهَذا وإنْ كانَ مَعْنًى مُسْتَقِيمًا إلّا أنَّهُ خِلافُ المَعْنى المَقْصُودِ حالَةَ الرَّفْعِ وهو ما تَقَدَّمَ آنِفًا

54:53Page 531

وَكُلُّ صَغِيرٖ وَكَبِيرٖ مُّسۡتَطَرٌ ٥٣

And every small and great [thing] is inscribed.

﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ مِنَ الأعْمالِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِما، وقِيلَ: مِنها ومِن كُلِّ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿مُسْتَطَرٌ﴾ مَسْطُورٌ مُكْتَتَبٌ في اللَّوْحِ بِتَفاصِيلِهِ وهو مِنَ السَّطْرِ بِمَعْنى الكَتْبِ، ويُقالُ: سَطَرْتُ واسْتَطَرْتُ بِمَعْنى، وقَرَأ الأعْمَشُ وعِمْرانُ وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ «مُسْتَطَرٌّ» بِتَشْدِيدِ الرّاءِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِعِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن - طَرَّ - النَّباتَ والشّارِبَ إذا ظَهَرَ، والمَعْنى كُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ ظاهِرٌ في اللَّوْحِ مُثْبَتٌ فِيهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الِاسْتِطارِ لَكِنْ شَدَّدَ الرّاءَ لِلْوَقْفِ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ ( جَعْفَرٌّ ويَفْعَلُّ ) - بِالتَّشْدِيدِ وقْفًا أيْ ثُمَّ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ ووَزْنُهُ عَلى التَّوْجِيهِ الأوَّلِ مُسْتَفْعَلٌ وعَلى الثّانِي مُفْتَعَلٌ، ولَمّا كانَ بَيانُ حالِ سُوءِ الكَفَرَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ إلَخْ

54:54Page 531

إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَهَرٖ ٥٤

Indeed, the righteous will be among gardens and rivers,

مِمّا يَسْتَدْعِي بَيانَ حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ لِيَتَكافَأ التَّرْهِيبُ والتَّرْغِيبُ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما لَهم مِن حُسْنِ الحالِ بِطَرِيقِ الإجْمالِ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ أيْ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وقِيلَ: مِنَ الكُفْرِ.

﴿فِي جَنّاتٍ﴾ عَظِيمَةِ الشَّأْنِ ﴿ونَهَرٍ﴾ أيْ أنْهارٍ كَذَلِكَ، والإفْرادُ لِلِاكْتِفاءِ بِاسْمِ الجِنْسِ مُراعاةً لِلْفَواصِلِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُهُ بِالسِّعَةِ، وأنْشَدَ عَلَيْهِ قَوْلَ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ - كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ - أوْ قَيْسِ بْنِ الخَطِيبِ - كَما في البَحْرِ - يَصِفُ طَعْنَةً:

مَلَكْتُ بِها كَفِّيَ فَأنْهَرْتُ فَتْقَها يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها

أيْ أوْسَعْتُ فَتْقَها، والمُرادُ بِالسِّعَةِ سِعَةُ المَنازِلِ عَلى ما هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: سَعَةُ الرِّزْقِ والمَعِيشَةِ، وقِيلَ: ما يَعُمُّهُما وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: ﴿ونَهَرٍ﴾ أيْ في نُورٍ وضِياءٍ وهو عَلى الِاسْتِعارَةِ بِتَشْبِيهِ الضِّياءِ المُنْتَشِرِ بِالماءِ المُتَدَفِّقِ مِن مَنبَعِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى النَّهارِعَلى الحَقِيقَةِ، والمُرادُ أنَّهم لا ظُلْمَةَ ولا لَيْلَ عِنْدَهم في الجَنّاتِ، وقَرَأ الأعْرَجُ ومُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ وأبُو السَّمّالِ والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ «ونَهْرٍ» بِسُكُونِ الهاءِ، وهو بِمَعْنى «نَهَرٍ» مَفْتُوحِها، وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو نُهَيْكٍ وأبُو مِجْلَزٍ واليَمانِيُّ «ونُهُرٍ» بِضَمِّ النُّونِ والهاءِ، وهو جَمْعُ نَهْرٍ المَفْتُوحِ أوِ السّاكِنِ - كَأسَدٍ وأُسُدٍ، ورَهْنٍ ورُهُنٍ - وقِيلَ: جَمْعُ نَهارٍ، والمُرادُ أنَّهم لا ظُلْمَةَ ولا لَيْلَ

صفحة 96

عِنْدَهم كَما حُكِيَ فِيما مَرَّ، وقِيلَ: قُرِئَ بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الهاءِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском