Al-AlusiAr‑Rahman · 55:9–23

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ar-Rahman 55:9–23

55:9Page 531

وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ ٩

And establish weight in justice and do not make deficient the balance.

﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ﴾ قَوِّمُوا وزَنَكم بِالعَدْلِ، وقالَ الرّاغِبُ هَذا إشارَةٌ إلى مُراعاةِ المُعَدَلَةِ في جَمِيعِ ما يَتَحَرّاهُ الإنْسانُ مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المَعْنى أقِيمُوا لِسانَ المِيزانِ بِالعَدْلِ إذا أرَدْتُمُ الأخْذَ والإعْطاءَ، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الإقامَةُ بِاليَدِ، والقِسْطُ بِالقَلْبِ، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ قَبْلَها ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ كَوْنُها إنْشائِيَّةً، وتِلْكَ خَبَرِيَّةٌ لِأنَّها لِتَأْوِيلِها بِالمُفْرِدِ تَجَرَّدَتْ عَنْ مَعْنى الطَّلَبِ، وجَعْلَ بَعْضُهم لا في الأُولى مُطْلَقًا ناهِيَةً حِرْصًا عَلى التَّوافُقِ ﴿ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ أيْ لا تُنْقِصُوهُ فَإنَّ مِن حَقِّهِ أنْ يُسَوّى لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِن وضْعِهِ وكُرِّرَ لَفْظُ ( المِيزانَ ) بِدُونِ إضْمارِهِ كَما هو مُقْتَضى الظّاهِرِ تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ وتَأْكِيدًا لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ، بَلْ في الجُمَلِ الثَّلاثِ تَكْرارُ ما مَعْنى لِذَلِكَ، وقُرِئَ «ولا تُخْسِرُوا» بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ السِّينِ.

وحَكى ابْنُ جِنِّيٍّ وصاحِبُ اللَّوامِحِ عَنْ بِلالٍ أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحِهِما وخَرَّجَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّ الأصْلَ - ولا تُخْسِرُوا في المِيزانِ - فَحُذِفَ الجارُ، وأوْصَلَ الفِعْلَ بِناءً عَلى أنَّهُ لَمْ يَجِئْ إلّا لازِمًا، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ خَسِرَ قَدْ جاءَ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنْعامَ: 12] وغَيْرُها و﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحَجِّ: 11] فَلا حاجَةَ إلى دَعْوى الحَذْفِ والإيصالِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِأنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا هُنا لا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِالحَذْفِ والإيصالِ لِأنَّ المَعْنى عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ بِهِ أيْ لا تَخْسَرُوا أنْفُسَكم في المِيزانِ أيْ لا تَكُونُوا خاسِرِيها يَوْمَ القِيامَةِ بِسَبَبِ المِيزانِ بِأنْ لا تُراعُوا ما يَنْبَغِي فِيهِ، والرّاغِبُ جَوَّزَ حَمْلَ الآيَةِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ عَلى نَحْوِ هَذا فَقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى تَحَرِّي العَدالَةِ في الوَزْنِ وتَرْكَ الحَيْفِ فِيما يُعاطاهُ فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى تَعاطِي ما لا يَكُونُ بِهِ في القِيامَةِ خاسِرًا فَيَكُونُ مِمَّنْ قالَ سُبْحانَهُ فِيهِ: ﴿مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ [الأعْرافِ: 9، المُؤْمِنِينَ: 103، القارِعَةِ: 8] وكِلا المَعْنَيَيْنِ مُتَلازِمانِ، وقِيلَ: المَعْنى عَلى التَّعَدِّي بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مَوْزُونُ المِيزانِ، أوْ جَعْلَ المِيزانَ مَجازًا عَنِ المَوْزُونِ فِيهِ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.

55:10Page 531

وَٱلۡأَرۡضَ وَضَعَهَا لِلۡأَنَامِ ١٠

And the earth He laid [out] for the creatures.

﴿والأرْضَ وضَعَها﴾ خَلَقَها مَوْضُوعَةً مَخْفُوضَةً عَنِ السَّماءِ حَسْبَما يُشاهَدُ، وقالَ الرّاغِبُ: الوَضْعُ هُنا الإيجادُ والخَلْقُ وكَأنَّ مُرادَهُ ما ذُكِرَ، وقِيلَ: أيْ خَفْضِها مَدْحُوَّةٍ عَلى الماءِ،

صفحة 103

والظّاهِرُ عَلى تَقْدِيرِ اعْتِبارِ الدَّحْوِ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى اعْتِبارِ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَها كَذَلِكَ بَلْ لا يَصِحُّ لِأنَّها لَمْ تُخْلَقْ مَدْحُوَّةٌ وإنَّما دُحِيَتْ بَعْدُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ثُمَّ إنَّ كَوْنَها عَلى الماءِ مَبْنِيٌّ عَلى ما اشْتُهِرَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ الماءَ قَبْلَها وخَلَقَها سُبْحانَهُ مِن زُبْدِهِ ﴿لِلأنامِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ ومُجاهِدٌ عَلى ما في مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ: الحَيَوانُ كُلُّهُ، وقالَ الحَسَنُ: الإنْسُ والجِنُّ.

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هم بَنُو آدَمَ فَقَطْ ولَمْ أرَ هَذا التَّخْصِيصَ لِغَيْرِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَفي القامُوسِ الأنامُ الخَلْقُ أوِ الجِنُّ والإنْسُ، أوْ جَمِيعُ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا ذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّ اللّامَ لِلِانْتِفاعِ وأنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الِانْتِفاعِ التّامِّ وهو لِلْإنْسِ أتَمُّ مِنهُ لِغَيْرِهِمْ، والأوْلى عِنْدِي ما حُكِيَ عَنْهُ أوَّلًا، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ «والأرْضَ» بِالرَّفْعِ -

55:11–13Page 531

فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَٱلنَّخۡلُ ذَاتُ ٱلۡأَكۡمَامِ ١١

Therein is fruit and palm trees having sheaths [of dates]

وَٱلۡحَبُّ ذُو ٱلۡعَصۡفِ وَٱلرَّيۡحَانُ ١٢

And grain having husks and scented plants.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣

So which of the favors of your Lord would you deny?1

وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ مُسَوِّقٌ لِتَقْرِيرِ ما أفادَتْهُ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ مِن كَوْنِ الأرْضِ مَوْضُوعَةً لِنَفْعِ الأنامِ، وقِيلَ: حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الأرْضِ، أوْ مِن ضَمِيرِها، فالأحْسَنُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ الحالُ هو الجارُّ والمَجْرُورُ، ( وفاكِهَةٌ ) رُفِعَ عَلى الفاعِلِيَّةِ والتَّنْوِينِ بِمَعُونَةِ المَقامِ لِلتَّكْثِيرِ أيْ فِيها ضُرُوبٌ كَثِيرَةٌ مِمّا يَتَفَكَّهُ بِهِ ﴿والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ هي أوْعِيَةُ التَّمْرِ أعْنِي الطَّلْعَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ جَمْعُ - كِمُّ - بِكَسْرِ الكافِ وقَدْ تُضَمُّ، وهَذا في – كُمِّ - الثَّمَرِ، وأمّا - كُمُّ - القَمِيصِ فَهو بِالضَّمِّ لا غَيْرَ، أوْ كُلُّ ما يُكَمُّ ويُغَطّى مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وطَلَعٍ فَإنَّهُ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ كالمَكْمُومِ مِنَ الثَّمَرِ والجِمارِ مَثَلًا، واخْتارَهُ مَنِ اخْتارَهُ، ومِمّا ذُكِرَ يُعْلَمُ فائِدَةُ التَّوْصِيفِ ﴿والحَبُّ﴾ هو ما يُتَغَذّى بِهِ كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ ﴿ذُو العَصْفِ﴾ قِيلَ: هو ورَقُ الزَّرْعِ، وقَيَّدَهُ بَعْضُهم بِاليابِسِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ التِّبْنُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ القِشْرُالَّذِي يَكُونُ عَلى الحَبِّ وعَنِ السُّدِّيِّ والفَرّاءِ أنَّهُ بَقْلُ الزَّرْعِ وهو أوَّلُ ما يَنْبُتُ، وأخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ الحَبْرِ أيْضًا، واخْتارَ جَمْعٌ ما رُوِيَ عَنْهُ أوَّلًا، وفي تَوْصِيفِ الحَبِّ بِما ذُكِرَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ كَما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِما يُقَوَّتْهم مِنَ الحُبِّ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِما يُقَوَّتْ بَهائِمَهم مِنَ العَصْفِ ﴿والرَّيْحانُ﴾ هو كُلُّ مَشْمُومٍ طَيِّبِ الرِّيحِ مِنَ النَّباتِ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنٍ زَيْدٍ، وأخْرَجَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هو رَيْحانُكم هَذا أيِ الرَّيْحانُ المَعْرُوفُ: وأخْرَجَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ الرِّزْقُ بَلْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ:

كَما أخْرَجَ هو أيْضًا عَنْهُ كُلُّ رَيْحانٍ في القُرْآنِ فَهو رِزْقٌ، وزَعْمَ الطَّبَرِسِيُّ أنَّهُ قَوْلُ الأكْثَرِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ بَعْضِ الأعْرابِ، وقَدْ قِيلَ لَهُ: إلى أيْنَ أطْلُبُ مِن رَيْحانِ اللَّهِ فَإنَّهُ أرادَ مِن رِزْقِهِ عَزَّ وجَلَّ، ووَجْهُ إطْلاقِهِ عَلَيْهِ أنَّهُ يَرْتاحُ لَهُ، وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ أنَّهُ أُطْلِقَ وأُرِيدَ مِنهُ اللُّبُّ لِيُطابِقَ العَصْفَ ويُوافِقَ المُرادَ مِنهُ في قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ والأصْمَعِيِّ عَنْ أبِي عَمْرٍ و «والرَّيْحانُ» بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى ﴿العَصْفِ﴾ إذْ يَبْعُدُ عَلَيْها حَمْلُهُ عَلى المَشْمُومِ والقَرِيبِ حَمْلُهُ عَلى اللُّبِّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: والحُبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو رِزْقُ دَوابِّكم، وذُو اللُّبِّ الَّذِي هو رِزْقٌ لَكم، وجُوَّزَ أنْ يَكُونَ الرَّيْحانُ في هَذِهِ القِراءَةِ عَطْفًا عَلى فاكِهَةٍ كَما في قِراءَةِ الرَّفْعِ، والجَرُّ لِلْمُجاوِرَةِ وهو كَما تَرى، والزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ أنْ فَسَّرَ ﴿الأكْمامِ﴾ بِما ذَكَّرْناهُ ثانِيًا فِيها ﴿والرَّيْحانُ﴾ بِاللُّبِّ قالَ: أرادَ سُبْحانَهُ فِيها ما يُتَلَذَّذُ بِهِ مِنَ الفَواكِهِ، والجامِعُ بَيْنَ التَّغَذِّي والتَّلَذُّذِ - وهو ثَمَرُ النَّخْلِ - وما يَتَغَذّى بِهِ - وهو الحُبُّ - وهو عَلى ما في الكَشْفِ بَيانٌ لِإظْهارِ وجْهِ الِامْتِنانِ وأنَّهُ مُسْتَوْعِبٌ لِأقْسامِ ما يُتَناوَلُ في حالِ الرَّفاهِيَةِ لِأنَّهُ إمّا لِلتَّلَذُّذِ الخالِصِ وهو الفاكِهَةُ، أوْ لَهُ ولِلتَّغَذِّي أيْضًا

صفحة 104

وهُوَ ثَمَرُ النَّخْلِ، أوْ لِلتَّغَذِّي وحْدَهُ وهو الحَبُّ، ولَمّا كانَ الأخِيرانِ أدْخَلَ في الِامْتِنانِ شَفَعَ كُلًّا بِعِلاوَةٍ فِيها مِنَّةٌ أيْضًا، وأنْ تَعْلَمَ أنَّهُ إذا كانَ المَقْصُودُ مِنَ النَّخْلِ ثَمَرَهُ المَعْرُوفَ فالعَطْفُ عَلى أُسْلُوبِ مَلائِكَتِهِ وجِبْرِيلَ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرَّحْمَنِ: 68] وإذا كانَ ما يَعُمُّهُ وسائِرُ ما يُنْتَفَعْ بِهِ مِنهُ كالجُمّارِ والكُفُرّى، فالعَطْفُ لَيْسَ عَلى ذَلِكَ، وجَعَلَ صاحِبُ الكَشْفِ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ بَعْدَ ﴿الأكْمامِ﴾ بِالمَعْنى الأعَمِّ وكُلُّهُ مُنْتَفَعٌ بِهِ كالمَكْمُومِ إشارَةً إلى هَذا، ثُمَّ قالَ: ولا يُنافِي جَعْلُهُ مِنهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾ إلَخْ نَظَرًا إلى أنَّ الجَنَّةَ دارُ تُخَلُّصٍ لِلتَّلَذُّذِ فالنَّظَرُ هُنالِكَ إلى المَقْصُودِ وهو الثَّمَرُ فَقَطْ فَتَأمَّلَ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ - والحَبَّ ذا العَصْفِ والرَّيْحانِ - بِنَصْبِ الجَمِيعِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ بِتَقْدِيرِ وخَلْقِ الحَبِّ إلَخْ، وقِيلَ: يَجُوزُ تَقْدِيرُ أخَصُّ، وفِيهِ دَغْدَغَةٌ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الرَّيْحانُ بِمَعْنى اللُّبِّ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ والأصْلُ وذُو أوْ وذا الرَّيْحانِ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ ﴿والرَّيْحانُ﴾ فَيْعَلانُ مِنَ الرَّوْحِ. فَأصْلُهُ رَيُوحانِ قُلِبَتِ الواوُ ياءً لِاجْتِماعِها مَعَ ياءٍ ساكِنَةٍ قَبْلَها وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيَّحانُ بِالتَّشْدِيدِ ثُمَّ حُذِفَتِالياءُ الثّانِيَةُ الَّتِي هي عَيْنُ الكَلِمَةِ فَقِيلَ: رَيْحانٌ كَما قِيلَ: مَيِّتٌ وهَيِّنٌ بِسُكُونِ الياءِ.

وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّهُ فِعْلانِ وأصْلُهُ رَوْحانِ بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ الواوِ قُلِبَتْ واوُهُ ياءً لِلتَّخْفِيفِ ولِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الرُّوحانِ بِمَعْنى ما لَهُ رُوحُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى ما اخْتَرْناهُ، أوْ لِأنَّ الأنامَ عِبارَةٌ عَنْهُما عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وسَيُنْطَقُ بِهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: 31] وفي الأخْبارِ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا ما يُؤَيِّدْهُ، وقَدْ أبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ خِطابٌ لِلذِّكْرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ، وأبْعَدَ أكْثَرَ مِنهُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: 24] ويا شُرْطِيُّ اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإنْكارِ، والتَّوْبِيخِ عَلى ما فُصِّلَ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ وصُنُوفِ الآلاءِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ والشُّكْرِ حَتْمًا، والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنَبِّئَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ الكُلِّيَّةِ والتَّرْبِيَةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ ومَعْنى تَكْذِيبِهِمْ بِشَيْءٍ مِن آلائِهِ تَعالى كُفْرِهِمْ بِهِ إمّا بِإنْكارِ كَوْنِهِ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ مَعَ عَدَمِ الِاعْتِرافِ بِكَوْنِهِ نِعْمَةً في نَفْسِهِ كَتَعْلِيمِ القُرْآنِ وما يُسْتَنَدُ إلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ، وإمّا بِإنْكارِ كَوْنِهِ مِنهُ تَعالى مَعَ الِاعْتِرافِ بِكَوْنِهِ نِعْمَةً في نَفْسِهِ كالنِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ الواصِلَةِ إلَيْهِمْ بِإسْنادِهِ إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ اسْتِقْلالًا، أوِ اشْتِراكًا صَرِيحًا، أوْ دَلالَةً فَإنَّ إشْراكَهم لِآلِهَتِهِمْ بِهِ تَعالى في العِبادَةِ مِن دَواعِي إشْراكِهِمْ لَها بِهِ تَعالى فِيما يُوجِبُها، والتَّعْبِيرُ عَنْ كُفْرِهِمُ المَذْكُورِ بِالتَّكْذِيبِ لِما أنَّ دَلالَةَ الآلاءِ المَذْكُورَةِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ والشُّكْرِ وشَهادَةِ مِنها بِذَلِكَ فَكُفْرُهم بِها تَكْذِيبٌ لا مَحالَةَ أيْ فَإذا كانَ الأمْرُ كَما فُصِّلَ ﴿فَبِأيِّ﴾ فَرْدٍ مِن أفْرادِ نِعَمِ مالِكِكُما ومُرَبِّيكُما بِتِلْكَ النِّعَمِ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ مَعَ أنَّ كُلًّا مِنها ناطِقٌ بِالحَقِّ شاهِدٌ بِالصِّدْقِ ويَنْدُبُ أنْ يَقُولَ سامِعُ هَذِهِ الآيَةَ: لا بِشَيْءٍ مِن نِعَمِكَ رَبَّنا نُكَذِّبُ فَلَكَ الحَمْدُ، فَقَدْ أخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والدّارَقُطْنِيُّ في الإفْرادِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَرَأ سُورَةُ «الرَّحْمَنِ» عَلى أصْحابِهِ فَسَكَتُوا فَقالَ: ما لِي أسْمَعُ الجِنَّ أحْسَنَ جَوابًا لِرَبِّها مِنكم ما أتَيْتُ عَلى قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ( فَبِأيِ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) إلّا قالُوا: لا بِشَيْءٍ مِن نِعَمِكَ رَبُّنا نُكَذِّبُ فَلَكَ الحَمْدُ»».

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وجَماعَةٌ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ، وقُرِئَ «فَبِأيِّ» بِالتَّنْوِينِ في جَمِيعِ السُّورَةِ

صفحة 105

كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ ( آلاءِ رَبِّكُما ) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ.

55:14Page 531

خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ كَٱلۡفَخَّارِ ١٤

He created man from clay like [that of] pottery.

﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ تَمْهِيدٌ لِلتَّوْبِيخِ عَلى إخْلالِهِمْ بِمُواجِبِ شُكْرِ النِّعْمَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِذاتِي كُلِّ واحِدٍ مِنَ الثَّقَلَيْنِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ آدَمُ عِنْدَ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: الجِنْسُ وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِمّا ذُكِرَ، والصَّلْصالُ الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي لَهُ صَلْصَلَةٌ، وأصْلُهُ - كَما قالَ الرّاغِبُ - تَرَدُّدُ الصَّوْتِ مِنَ الشَّيْءِ اليابِسِ ومِنهُ قِيلَ: صَلَّ المِسْمارُ، وقِيلَ: هو المُنْتِنُ مِنَ الطِّينِ مِن قَوْلِهِمْ: صَلِ اللَّحْمَ، وكَأنَّ أصْلَهُ صَلّالُ فَقُلِبَتْ إحْدى اللّامَيْنِ صادًا ويُبْعِدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿كالفَخّارِ﴾ وهو الخَزَفُ أعْنِي ما أُحْرِقَ مِنَ الطِّينِ حَتّى تَحَجَّرَ وسُمِيَّ بِذَلِكَ لِصَوْتِهِ إذا نُقِرَ كَأنَّهُ تَصَوَّرَ بِصُورَةِ مَن يُكْثِرُ التَّفاخُرَ، وقَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تُرابٍ جَعَلَهُ طِينًا ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا ثُمَّ صَلْصالًا فَلا تَنافِيَ بَيْنَ الآيَةِ النّاطِقَةِ بِأحَدِها وبَيْنَ ما نُطِقَ بِأحَدِ الآخَرِينَ

55:15–16Page 531

وَخَلَقَ ٱلۡجَآنَّ مِن مَّارِجٖ مِّن نَّارٖ ١٥

And He created the jinn from a smokeless flame of fire.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٦

So which of the favors of your Lord would you deny?

﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾ هو أبُو الجِنِّ وهو إبْلِيسٌ قالَهُ الحَسَنُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ ولَيْسَ بِإبْلِيسٍ، وقِيلَ: هو اسْمُ جِنْسٍ شامِلٍ لِلْجِنِّ كُلِّهِمْ ﴿مِن مارِجٍ﴾ مِن لَهَبٍ خالِصٍ لا دُخّانَ فِيهِ - كَما هو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - وقِيلَ: هو اللَّهَبُ المُخْتَلِطُ بِسَوادِ النّارِ، أوْ بِخُضْرَةٍ وصُفْرَةٍ وحُمْرَةٍ - كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ - مِن مَرَجِ الشَّيْءِ إذا اضْطَرَبَ واخْتَلَطَ، و( مِن )لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن نارٍ﴾ بَيانٌ لِمارِجٍ والتَّنْكِيرُ لِلْمُطابَقَةِ ولِأنَّ التَّعْرِيفَ لَكِنَّهُ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: خُلِقَ مِن نارٍ خالِصَةٍ، أوْ مُخْتَلَطَةٍ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ، وجُوِّزَ جَعْلُ ( مِن ) فِيهِ ابْتِدائِيَّةٌ فالتَّنْكِيرُ لِأنَّهُ أُرِيدَ نارٌ مَخْصُوصَةٌ مُتَمَيِّزَةٌ مِن بَيْنِ النِّيرانِ لا هَذِهِ المَعْرُوفَةُ، وأيًّا ما كانَ فالمارِجُ بِالنِّسْبَةِ إلى الجانِّ كالتُّرابِ بِالنِّسْبَةِ إلى الإنْسانِ، وفي الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن يَزْعُمُ أنَّ الجِنَّ نُفُوسٌ مُجَرَّدَةٌ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مِمّا أفاضَ عَلَيْكُما في تَضاعِيفَ خَلْقِكُما مِن سَوابِغَ النِّعَمِ

55:17–18Page 532

رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ وَرَبُّ ٱلۡمَغۡرِبَيۡنِ ١٧

[He is] Lord of the two sunrises and Lord of the two sunsets.1

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٨

So which of the favors of your Lord would you deny?

﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو رَبٌّ إلَخْ، أوِ الَّذِي فَعَلَ ما ذَكَرَ مِنَ الأفاعِيلِ البَدِيعَةِ - رَبُّ مَشْرِقَيِ الشَّمْسِ صَيْفًا وشِتاءً ومَغْرِبَيْها - كَذَلِكَ عَلى ما أخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ أنَّ ( المَشْرِقَيْنِ ) مَشْرِقُ الشِّتاءِ ومَشْرِقُ الصَّيْفِ، ( والمَغْرِبَيْنِ ) مَغْرِبُ الشِّتاءِ ومَغْرِبُ الصَّيْفِ بِدُونِ ذِكْرِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: المَشْرِقانِ مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِباهُما.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ( المَشْرِقَيْنِ ) مَشْرِقُ الفَجْرِ ومَشْرِقُ الشَّفَقِ، و( المَغْرِبَيْنِ ) مَغْرِبُ الشَّمْسِ ومَغْرِبُ الشَّفَقِ، وحَكى أبُو حَيّانَ في المَغْرِبَيْنِ نَحْوَ هَذا، وفي المَشْرِقَيْنِ أنَّهُما مَطْلَعُ الفَجْرَ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ والمُعَوَّلُ ما عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ مِن مَشْرِقَيِ الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِبَيْهِما، ومِن قَضِيَّةِ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ سُبْحانَهُ رَبَّ ما بَيْنِهُما مِنَ المَوْجُوداتِ، وقِيلَ: ( رَبُّ ) مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَرَجَ﴾ إلَخْ، ولَيْسَ بِذاكَ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «رَبِّ» بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن رَبِّكُما ﴿فَبِأيِ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مِمّا في ذَلِكَ مِن فَوائِدَ لا تُحْصى كاعْتِدالِ الهَواءِ واخْتِلافِ الفُصُولِ وحُدُوثِ ما يُناسِبُ كُلَّ فَصْلٍ في وقْتِهِ.

55:19Page 532

مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ يَلۡتَقِيَانِ ١٩

He released the two seas,1 meeting [one another];

﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ أرْسَلَهُما وأجْراهُما مِن - مَرَجْتَ - الدّابَّةَ - في المَرْعى - أرْسَلْتَها فِيهِ، والمَعْنى أرْسَلَ البَحْرَ المِلْحَ والبَحْرَ العَذْبَ ﴿يَلْتَقِيانِ﴾ أيْ يَتَجاوَرانِ وتَتَماسَ سُطُوحُهُما لا فَصْلَ بَيْنَهُما في مَرْأى العَيْنِ، وقِيلَ:

أرْسَلَ بَحْرَيْ فارِسَ والرُّومِ يَلْتَقِيانِ في المُحِيطِ لِأنَّهُما خَلِيجانِ يُنْشَعِبانِ مِنهُ، ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ لَكِنَّهُ

صفحة 106

أوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يُوافِقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ هَذا ﴿عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [الفُرْقانَ: 53] والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضَهُ بَعْضًا، وعَلَيْهِ قِيلَ: جُمْلَةُ ﴿يَلْتَقِيانِ﴾ حالً مُقَدَّرَةً إنْ كانَ المُرادُ - إرْسالَهُما إلى المُحِيطِ، أوِ المَعْنى اتِّحادُ أصْلَيْهِما إنْ كانَ المُرادُ إرْسالَهُما إلَيْهِ.

55:20–21Page 532

بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ ٢٠

Between them is a barrier so neither of them transgresses.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢١

So which of the favors of your Lord would you deny?

﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ أيْ حاجِزٍ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، أوْ مِن أجْرامِ الأرْضِ كَما قالَ قَتادَةُ ﴿لا يَبْغِيانِ﴾ أيْ لا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ وإبْطالِ الخاصِّيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ بِناءً عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فِيما سَبَقَ، أوْ لا يَتَجاوَزانِ حَدَّيْهِما بِإغْراقِ ما بَيْنَهُما بِناءً عَلى الوَجْهِ الثّانِي، ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ أيْضًا، وفي مَعْناهُ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ ﴿لا يَبْغِيانِ﴾ عَلَيْكم فَيُغْرِقانِكم، وقِيلَ: المَعْنى لا يَطْلُبانِ حالًا غَيْرَ الحالِ الَّتِي خُلِقا عَلَيْها وسُخِّرا لَها ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مِمّا لَكُما في ذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ

55:22–23Page 532

يَخۡرُجُ مِنۡهُمَا ٱللُّؤۡلُؤُ وَٱلۡمَرۡجَانُ ٢٢

From both of them emerge pearl and coral.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٣

So which of the favors of your Lord would you deny?

﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ﴾ صِغارُ الدُّرِّ ﴿والمَرْجانُ﴾ كِبارُهُ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ

ومُجاهِدٌ، وأخْرَجَهُ عَبْدُ عَنِ الرَّبِيعِ وجَماعَةٍ مِنهُمُ المَذْكُورانِ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ( اللُّؤْلُؤُ ) ما عَظُمَ مِنهُ ( والمَرْجانُ ) اللُّؤْلُؤُ الصِّغارُ.

وأخْرَجَ هو وعَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيُّ في الوَقْفِ والِابْتِداءِ عَنْ مُجاهِدٍ، وأظُنُّ أنَّهُ إنِ اعْتُبِرَ في اللُّؤْلُؤِ مَعْنى التَّلَأْلُؤِ واللَّمَعانِ وفي المَرْجانِ مَعْنى المَرْجِ والِاخْتِلاطِ فالأوْفَقُ لِذَلِكَ ما قِيلَ ثانِيًا فِيهِما. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرَيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: - المَرْجانُ - الخَرَزُ الأحْمَرُ أعْنِي البُسَّذَ وهو المَشْهُورُ المُتَعارَفُ، ( واللُّؤْلُؤُ ) عَلَيْهِ شامِلٌ لِلْكِبارِ والصِّغارِ. ثُمَّ إنَّ اللُّؤْلُؤَ بِناءٌ غَرِيبٌ قِيلَ: لا يُحْفَظُ مِنهُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ مِن خَمْسَةٍ هو، والجُؤْجُؤُ الصَّدْرُ وقَرْيَةٌ بِالبَحْرَيْنِ، والدُّؤْدُؤُ آخِرُ الشَّهْرِ أوْ لَيْلَةُ خَمْسٍ وسِتٍّ وسَبْعِ وعِشْرِينَ أوْ ثَمانٍ وتِسْعٍ وعِشْرِينَ أوْ ثَلاثُ لَيالٍ مِن آخِرِهِ، والبُؤْبُؤُ بِالباءِ المُوَحَّدَةِ الأصْلُ والسَّيِّدُ الظَّرِيفُ ورَأْسُ المَكْحَلَةِ وإنْسانُ العَيْنِ ووَسَطُ الشَّيْءِ، واليُؤْيُؤُ بِالياءِ آخِرُ الحُرُوفِ طائِرٌ كالباشِقِ، ورَأيْتُ في كُتُبِ اللُّغَةِ عَلى هَذا البِناءِ غَيْرَها وهو الضُّؤْضُؤُ الأضَلُّ لِلطّائِرِ. والنُّؤْنُؤُ بِالنُّونِ المُكْثِرُ تَقْلِيبُ الحَدَقَةِ والعاجِزُ الجَبانُ، ومِن ذَلِكَ شُؤْشُؤُ دُعاءُ الحِمارِ إلى الماءِ وزَجْرُ الغَنَمِ والحِمارِ لِلْمُضِيِّ. أوْ هو دُعاءٌ لِلْغَنَمِ لِتَأْكُلَ، أوْ تَشْرَبَ وأمّا المَرْجانُ فَقَدْ ذَكَرَهُ صاحِبُ القامُوسِ في مادَّةِ - مَرَجَ - ولَمْ يَذْكُرْ ما يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ مُعَرَّبٌ، وقالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. وقالَ ابْنُ دُرَيْدِ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ بِفِعْلٍ مُتَصَرِّفٍ.

وقَرَأ طَلْحَةُ - اللُّؤْلِئُ - بِكَسْرِ اللّامِ الأخِيرَةِ. وقُرِئَ اللُّؤْلِي بِقَلْبِ الهَمْزَةِ المُتَطَرِّفَةِ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرِ ما قَبْلَها وكُلٌّ مِن ذَلِكَ لُغَةٌ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍ و «يَخْرُجُ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإخْراجِ، وقُرِئَ «يَخْرُجُ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مِنهُ ونُصِبَ «اللُّؤْلُؤَ والمَرْجانَ» أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ تَعالى. واسْتُشْكِلَتِ الآيَةُ عَلى تَفْسِيرِ البَحْرِينِ بِالعَذْبِ والمِلْحِ دُونَ بَحْرَيْ فارِسَ والرُّومِ بِأنَّ المُشاهِدَ خُرُوجُ ﴿اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ مِن أحَدِهِما وهو المِلْحُ فَكَيْفَ قالَ سُبْحانَهُ: ( مِنهُما) ؟ وأُجِيبَ بِأنَّهُما لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما كَما يُقالُ يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِهِ ولَكِنَّ مِن بَعْضِهِ، وكَما تَقُولُ خَرَجَتْ مِنَ البَلَدِ وإنَّما خَرَجَتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ، وقَدْ يُنْسَبُ إلى الِاثْنَيْنِ ما هو لِأحَدِهِما كَما يُسْنَدُ إلى الجَماعَةِ ما صَدَرَ مِن واحِدٍ مِنهم. ومِثْلُهُ ما في الِانْتِصافِ ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفَ: 31] وعَلى ما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ

صفحة 107

﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نُوحِ: 15، 16]، وقِيلَ: إنَّهُما لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى العَذْبِ والمِلْحِ ويَرُدُّهُ المُشاهَدَةَ وكَأنَّ مَن ذَكَرَهُ مَعَ ما تَقَدَّمَ لَمْ يَذْكُرْهُ لِكَوْنِهِ قَوْلًا آخَرَ بَلْ ذَكَرَهُ لِتَقْوِيَةِ الِاتِّحادِ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ عَلاقَةُ التَّجَوُّزِ أقْوى.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ والتَّقْدِيرُ يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما وجُعِلَ ﴿مِنَ القَرْيَتَيْنِ﴾ مِن ذَلِكَ. وهو عِنْدِي تَقْدِيرُ مَعْنى لا تَقْدِيرَ إعْرابٍ. وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ مِنهُما كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ فَهو كَما يُقالُ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى أيْ بِواسِطَتِهِما، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ لِأنَّ الأصْدافَ في شَهْرِ نِيسانَ تَتَلَقّى ماءَ المَطَرِ بِأفْواهِها فَتَتَكَوَّنُ مِنهُ، ولِذا تَقِلُّ في الجَدْبِ، وجُعِلَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ ( مِنهُما ) لِلْبَحْرَيْنِ بِاعْتِبارِ الجِنْسِ ولا يُحْتاجُ إلَيْهِ بِناءً عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّ المُرادَ بِالبَحْرَيْنِ بَحْرُ السَّماءِ وبَحْرُ الأرْضِ.

وأخْرَجَ هو وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ إلّا أنَّ في تَكَوُّنِ المَرْجانِ بِناءً عَلى تَفْسِيرٍ بِالبَسَذِ مِن ماءِ المَطَرِ كاللُّؤْلُؤِ تَرَدُّدًا وإنْ قالُوا: إنَّهُ يَتَكَوَّنُ في نِيسانَ، وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: ظاهِرُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ النّاسِ، ومَن عَلِمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المِلْحِ، ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ فَإنَّ خُرُوجَهُ مُحْتَمَلٌ تَلَذُّذًا بِالمُلُوحَةِ كَما تَلْتَذُّ المُتَوَحِّمَةُ بِها في أوائِلَ حَمْلِها حَتّى إذا خَرَجَ لَمْ يُمْكِنْهُ العَوْدَ، وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِما قُلْتُمْ وكَثِيرٌ مِنَ الأُمُورِ الأرْضِيَّةِ الظّاهِرَةِ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.( ومِن غَرِيبِ التَّفْسِيرِ )ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ عَلِيٌّ وفاطِمَةٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ الحَسَنُ والحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

وأخْرَجَ عَنْ إياسِ بْنِ مالِكٍ نَحْوَهُ لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ البَرْزَخَ، وذَكَرَ الطَّبَرَسِيُّ مِنَ الإمامِيَّةِ في تَفْسِيرِهِ مَجْمَعَ البَيانِ الأوَّلَ بِعَيْنِهِ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرِ وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، والَّذِي أراهُ أنَّ هَذا إنْ صَحَّ لَيْسَ مِنَ التَّفْسِيرِ في شَيْءٍ بَلْ هو تَأْوِيلٌ كَتَأْوِيلِ المُتَصَوِّفَةِ لِكَثِيرٍ مِنَ الآياتِ، وكُلٌّ مِن عَلَيَّ، وفاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عِنْدِي أعْظَمُ مِنَ البَحْرِ المُحِيطِ عِلْمًا وفَضْلًا، وكَذا كُلٌّ مِنَ الحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أبْهى وأبْهَجَ مِنَ اللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ بِمَراتِبَ

جاوَزَتْ حَدَّ الحُسْبانِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مِمّا في ذَلِكَ مِنَ الزِّينَةِ والمَنافِعِ الجَلِيلَةِ فَقَدْ ذَكَرَ الأطِبّاءُ أنَّ ( اللُّؤْلُؤُ ) يَمْنَعُ الخَفَقانَ والبَحْرَ وضَعْفَ الكَبِدِ والكُلى والحَصى وحُرْقَةَ البَوْلِ والسَّدَدَ واليَرَقانَ وأمْراضَ القَلْبِ والسُّمُومَ والوَسْواسَ والجُنُونَ والتَّوَحُّشَ والرَّبْوَ شُرْبًا والجُذامَ والبَرَصَ والبُهَقَ والآثارَ مُطْلَقًا بِالطَّلْيِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأنَّ المَرْجانَ أعْنِي بالبَسَذِ يُفْرِحُ ويُزِيلُ فَسادَ الشَّهْوَةِ ولَوْ تَعْلِيقًا ونَفَثَ الدَّمِ والطُّحالِ شُرْبًا والدَّمْعَةَ والبَياضَ والسُّلاقَ والجَرَبَ كُحْلًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مَذْكُورٌ في كُتُبِهِمْ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском