Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ar-Rahman 55:37–54
55:37–38Page 532
فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ وَرۡدَةٗ كَٱلدِّهَانِ ٣٧
And when the heaven is split open and becomes rose-colored like oil1 -
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٨
So which of the favors of your Lord would you deny? -
﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ أيِ انْصَدَعَتْ يَوْمَ القِيامَةِ، وحَدِيثُ امْتِناعِ الخَرْقِ حَدِيثُ خُرافَةٍ، ومَثْلُهُ ما يَقُولُهُ أهْلُ الهَيْئَةِ اليَوْمَ في السَّماءِ عَلى أنَّ الِانْشِقاقَ فِيها عَلى زَعْمِهِمْ أيْضًا مُتَصَوَّرٌ ﴿فَكانَتْ ورْدَةً﴾ أيْ كالوَرْدَةِ في الحُمْرَةِ، والمُرادُ بِها النُّورُ المَعْرُوفُ قالَهُ الزَّجّاجُ وقَتادَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو صالِحٍ: كانَتْ مِثْلَ لَوْنِ الفَرَسِ الوَرْدِ، والظّاهِرُ أنَّ مُرادَهُما كانَتْ حَمْراءَ. وقالَ الفَرّاءُ: أُرِيدَ لَوْنَ الفَرَسِ الوَرْدِ يَكُونُ في الرَّبِيعِ إلى الصُّفْرَةِ، وفي الشِّتاءِ إلى الحُمْرَةِ، وفي اشْتِدادِ البَرْدِ إلى الغَبَرَةِ فَشَبَّهَ تَلَوُّنَ السَّماءِ بِتَلَوُّنِ الوَرْدِ مِنَ الخَيْلِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الكَلْبِيُّ أيْضًا، وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: ﴿ورْدَةً﴾ صَفْراءُ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ إرادَةُ الحُمْرَةِ، ونُصِبَ ﴿ورْدَةً﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ - كانَ - وفي الكَلامِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، وقَرَأ عَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ «ورْدَةٌ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ - كانَ - تامَّةٌ أيْ فَحَصَلَتْ سَماءٌ ورْدَةٌ فَيَكُونُ مِن بابِ التَّجْرِيدِ لِأنَّهُ بِمَعْنى كانَتْ مِنها، أوْ فِيها سَماءُ ورْدَةُ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ أنَّها نَفْسَها كَذَلِكَ فَهو كَقَوْلِ قَتادَةَ بْنِ مَسْلَمَةَ:
فَلَئِنْ بَقَيْتَ لَأرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ نَحْوَ المَغانِمِ أوْ يَمُوتُ كَرِيمُ
حَيْثُ عَنى بِالكَرِيمِ نَفْسَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كالدِّهانِ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِكانَتْ - أوْ نَعَتٌ - لِوَرْدَةٍ - أوْ حالٌ
صفحة 114
مِنَ اسْمِ - كانَتْ - عَلى رَأْيِ مَن أجازَهُ أيْ كَدِهْنِ الزَّيْتِ كَما قالَ تَعالى: ( كالمُهْلِ ) [الكَهْفَ: 29، الدُّخانِ: 45، المَعارِجَ: 8] وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وهو ما جُمِعَ دِهْنٍ كَقِرْطٍ وقِراطٍ، أوَ اسْمٌ لِما يُدْهَنُ بِهِ كالحِزامِ والأدامِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ في وصْفِ عَيْنَيْنِ كَثِيرَتَيِ التَّذارُفِ:
كَأنَّهُما مَزادَتا مُتَعَجِّلٍ ∗∗∗ فَرِيّانِ لَمّا يُسْلَقا بِدِهانِ
وهُوَ الدُّهْنُ أيْضًا إلّا أنَّهُ أخَصَّ لِأنَّهُ الدُّهْنُ بِاعْتِبارِ إشْرابِهِ الشَّيْءِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ الذَّوَبانِ وهو في السَّماءِ عَلى مَقِيلٍ مِن حَرارَةِ جَهَنَّمَ وكَذا الحُمْرَةُ، وقِيلَ: اللَّمَعانُ، وقالَ الحَسَنُ: أيْ كالدِّهانِ المُخْتَلِفَةِ لِأنَّها تَتَلَوَّنُ ألْوانًا وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ:
الدِّهانُ الأدِيمُ الأحْمَرُ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
وأجْرَدَ مِن فُحُولِ الخَيْلِ طِرْفٍ ∗∗∗ كَأنَّ عَلى شَواكِلِهِ دِهانًا
وهُوَ مُفْرِدٌ، أوْ جَمْعٌ، واسْتَدَلَّ لِلثّانِي بِقَوْلِهِ:
تَبِعْنَ الدِّهانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ∗∗∗ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ أوْ بِسُوقِ عُكاظِ
وإذا شَرْطِيَّةٌ جَوابُها مُقَدَّرٌ أيْ كانَ ما كانَ مِمّا لا تُطِيقُهُ قُوَّةُ البَيانِ، أوْ وجَدْتَ أمْرًا هائِلًا، أوْ رَأيْتَ ما يُذْهِلُ النّاظِرِينَ وهو النّاصِبُ لإذا، ولِهَذا كانَ مُفَرَّعًا ومُسَبِّبًا عَمّا قَبْلَهُ لِأنَّ في إرْسالِ الشُّواظِ ما هو سَبَبٌ لِحُدُوثِ أمْرٍ هائِلٍ، أوْ رُؤْيَتِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ الإخْبارَ بِنَحْوِ ما ذُكِرَ مِمّا يَزْجُرُ عَنِ الشَّرِّ فَهو لُطْفٌ أيُّ لُطْفٍ ونِعْمَةٌ أيُّ نِعْمَةٍ.
55:39–40Page 532
فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُسۡـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٞ وَلَا جَآنّٞ ٣٩
Then on that Day none will be asked about his sin among men or jinn.1
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٠
So which of the favors of your Lord would you deny?
﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ تَنْشَقُّ السَّماءُ حَسْبَما ذُكِرَ.
﴿لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ لِأنَّهم يُعْرَفُونَ بِسِيماهم وهَذا في مَوْقِفٍ، وما دَلَّ عَلى السُّؤالِ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحِجْرَ: 92] في مَوْقِفٍ آخَرَ قالَهُ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ، ومَوْقِفُ السُّؤالِ عَلى ما قِيلَ: عِنْدَ الحِسابِ، وتَرْكُ السُّؤالِ عِنْدَ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَيْثُ ذُكِرَ السُّؤالُ فَهو سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيرٍ، وحَيْثُ نُفِيَ فَهو اسْتِخْبارٌ مَحْضٌ عَنِ الذَّنْبِ، وقِيلَ: المَنفِيُّ هو السُّؤالُ عَنِ الذَّنْبِ نَفْسِهِ والمُثْبَتُ هو السُّؤالُ عَنِ الباعِثِ عَلَيْهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى السُّؤالِ عَنْ نَفْسِ الذَّنْبِ.
وحَكى الطَّبْرَسِيُّ عَنِ الرِّضا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ مَنِ اعْتَقَدَ الحَقَّ ثُمَّ أذْنَبَ ولَمْ يَتُبْ عُذِّبَ في البَرْزَخِ ويَخْرُجُ يَوْمَ القِيامَةِ ولَيْسَ لَهُ ذَنْبٌ يُسْألُ عَنْهُ، ولَعَمْرِي إنَّ الرِّضا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، وحَمَّلَ الآيَةَ عَلَيْهِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ بِعَيْنِ الرِّضا كَما لا يَخْفى، وضَمِيرُ ذَنْبِهِ لِلْإنْسِ وهو مُتَقَدِّمٌ رُتْبَةٌ لِأنَّهُ نائِبٌ عَنِ الفاعِلِ، وإفْرادُهُ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، وقِيلَ: لَمّا أنَّ المُرادَ فَرْدٌ مِنَ الإنْسِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسِيٌّ ولا جِنِّيٌّ، وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عَبِيدٍ - ولا جَأْنَ - بِالهَمْزَةِ فِرارًا مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ وإنْ كانَ عَلى حَدِّهِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ يُقالُ فِيهِ نَحْوُ ما سَمِعَتْ في سِباقِهِ
55:41–42Page 533
يُعۡرَفُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ بِسِيمَٰهُمۡ فَيُؤۡخَذُ بِٱلنَّوَٰصِي وَٱلۡأَقۡدَامِ ٤١
The criminals will be known by their marks, and they will be seized by the forelocks and the feet.
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٢
So which of the favors of your Lord would you deny?
﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ يَجْرِي مَجْرى التَّعْلِيلِ لِانْتِفاءِ السُّؤالِ، ( والمُجْرِمُونَ ) قِيلَ: مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعُ الضَّمِيرِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُرادَ بَعْضٌ مِنَ الإنْسِ وبَعْضٌ مِنَ الجِنِّ وهُمُ المُجْرِمُونَ فَيَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [القَصَصِ: 78]، وسِيماهم - عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ سَوادُ الوُجُوهِ وزُرْقَةُ العُيُونِ، وقِيلَ: ما يَعْلُوهم مِنَ الكَآبَةِ والحُزْنِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ أُمُورًا أُخَرَ كالعَمى. والبُكْمِ. والصَّمَمِ. .
وقَرَأ حَمّادُ بْنُ سُلَيْمانَ بِسِيمائِهِمْ ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي﴾ جَمْعُ ناصِيَةٍ وهي مُقَدَّمُ الرَّأْسِ ﴿والأقْدامِ﴾ جَمْعُ قَدَمٍ وهي قَدَمُ الرَّجُلِ المَعْرُوفَةُ والباءُ لِلْآلَةِ مَثَلَها في أخَذْتَ بِخِطامِ الدّابَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ نائِبُ الفاعِلِ
صفحة 115
وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ الباءَ لِلتَّعْدِيَةِ والفِعْلَ مُضَمَّنٌ مَعْنى ما يُعَدّى بِها أيْ فَيُسْحَبُ بِالنَّواصِي إلَخْ، وفِيهِ بَحْثٌ وظاهِرُ كَلامِ غَيْرِ واحِدٍ أنَّ - ألْ - عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ الضَّمِيرِ أيْ بِنَواصِيهِمْ وأقْدامِهِمْ، ونَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ فَقالَ: - ألْ - فِيهِما عِوَضٌ عَنِ الضَّمِيرِ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، والضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ أيْ بِالنَّواصِي والأقْدامِ مِنهم، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الخِلافَ بَيْنَ أهْلِ البَلَدَيْنِ فِيما إذا احْتِيجَ إلى الضَّمِيرِ لِلرَّبْطِ ولا احْتِياجَ إلَيْهِ هُنا، نَعَمِ المَعْنى عَلى الضَّمِيرِ وكَيْفِيَّةِ هَذا الأخْذِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أنْ يَجْمَعَ المَلِكُ بَيْنَ ناصِيَةِ أحَدِهِمْ وقَدَمَيْهِ في سِلْسِلَةٍ مِن وراءِ ظَهْرِهِ ثُمَّ يَكْسِرُ ظَهْرَهُ ويُلْقِيهِ في النّارِ، وقِيلَ: تَأْخُذُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعْضَهم سَحْبًا بِالنّاصِيَةِ وبَعْضَهم سَحْبًا بِالقَدَمِ، وقِيلَ: تَسْحَبَهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تارَةً بِأخْذِ النَّواصِي وتارَةً بِأخْذِ الأقْدامِ، فالواوُ بِمَعْنى أوِ الَّتِي لِلتَّقْسِيمِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وإبْهامُ الفاعِلِ لِأنَّهُ كالمُتَعَيِّنِ، وقِيلَ: لِلرَّمْزِ إلى عَظَمَتِهِ
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ في صِفَةِ النّارِ عَنْ أنَسٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ خُلِقَتْ مَلائِكَةُ جَهَنَّمَ قَبْلَ أنْ تُخْلَقَ جَهَنَّمُ بِألْفِ عامٍ فَهم كُلَّ يَوْمٍ يَزْدادُونَ قُوَّةً إلى قُوَّتِهِمْ حَتّى يَقْبِضُوا عَلى مَن قَبَضُوا بِالنَّواصِي والأقْدامِ»» ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ يُقالُ فِيهِ نَحْوُ ما تَقَدَّمَ.
55:43–45Page 533
هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٤٣
This is Hell, which the criminals deny.
يَطُوفُونَ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَ حَمِيمٍ ءَانٖ ٤٤
They will circulate between it and scalding water, heated [to the utmost degree].
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٥
So which of the favors of your Lord would you deny?
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: (يُؤْخَذُ ) إلَخْ أيْ ويُقالُ هَذِهِ إلَخْ أوْ مُسْتَأْنِفٌ في جَوابِ ماذا يُقالُ لَهم لِأنَّهُ مَظَنَّةٌ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، أوْ حالٌ مِن أصْحابِ النَّواصِي بِناءً عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ نَواصِيهِمْ أوِ النَّواصِي مِنهم، وما في البَيْنِ اعْتِراضٌ عَلى الأوَّلِ والأخِيرِ وكانَ أصْلُ ﴿الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ الَّتِي كَذَّبْتُمْ بِها فَعَدَلَ عَنْهُ لِما ذَكَرَ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِذَلِكَ وبَيانٍ لِوَجْهِ تَوْبِيخِهِمْ وعِلَّتِهِ.
﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها﴾ أيْ يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ نارِها ﴿وبَيْنَ حَمِيمٍ﴾ ماءٌ حارٌّ ﴿آنٍ﴾ مُتَناهٍ إناهُ وطَبْخُهُ بالِغٌ في الحَرارَةِ أقْصاها، قالَ قَتادَةُ: الحَمِيمُ يَغْلِي مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَهَنَّمَ والمُجْرِمُ ويُعاقِبُ بَيْنَ تَصْلِيَةِ النّارِ وشُرْبِ الحَمِيمِ، وقِيلَ:
يَحْرَقُونَ في النّارِ ويُصَبُّ عَلى رُؤُوسِهِمُ الحَمِيمُ، وقِيلَ: إذا اسْتَغاثُوا مِنَ النّارِ جُعِلَ غِياثُهُمُ الحَمِيمَ، وقِيلَ: يُغْمَسُونَ في وادٍ في جَهَنَّمَ يَجْتَمِعُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ فَتَنْخَلِعُ أوْصالُهم ثُمَّ يُخْرَجُونَ مِنهُ وقَدْ أحْدَثَ اللَّهُ تَعالى لَهم خَلْقًا جَدِيدًا، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ النُّحاسُ انْتَهى حَرُّهُ، وقِيلَ: ( آنٍ ) حاضِرٌ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ يُطافُونَ، والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ مُقْسِمٍ ( يُطَوِّفُونَ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِ الواوِ مُشَدَّدَةً، وقُرِئَ «يَطَّوَّفُونَ» أيْ يَتَطَوَّفُونَ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ هو أيْضًا كَما تَقَدَّمَ.
55:46Page 533
وَلِمَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ ٤٦
But for he who has feared the position of his Lord1 are two gardens -
﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ إلَخْ شُرُوعٌ في تَعْدِيدِ الآلاءِالَّتِي تُفاضُ في الآخِرَةِ، ( ومَقامَ ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى القِيامِ مُضافٌ إلى الفاعِلِ أيْ ﴿ولِمَن خافَ﴾ قِيامَ رَبِّهِ وكَوْنَهُ مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ مُراقَبًا لَهُ حافِظًا لِأحْوالِهِ، فالقِيامُ هُنا مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرَّعْدِ: 33] وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ، أوْ هو اسْمُ مَكانٍ، والمُرادُ بِهِ مَكانُ وُقُوفِ الخَلْقِ في يَوْمِ القِيامَةِ لِلْحِسابِ، والإضافَةُ إلَيْهِ تَعالى لامِيَّةٌ اخْتِصاصِيَّةٌ لِأنَّ المُلْكَ لَهُ عَزَّ وجَلَّ وحْدَهُ فِيهِ بِحَسْبِ نَفْسِ الأمْرِ، والظّاهِرُ والخَلْقُ قائِمُونَ لَهُ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المُطَفِّفِينَ: 6] مُنْتَظِرُونَ ما يَحِلُّ عَلَيْهِمْ مِن قِبَلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الإضافَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: المَعْنى ﴿ولِمَن خافَ﴾ مَقامَهُ عِنْدَ رَبِّهِ عَلى أنَّ المَقامَ مُصْدَرٌ أوَ اسْمُ مَكانٍ وهو لِلْخائِفِ نَفْسِهِ، وإضافَتُهُ
صفحة 116
لِلرَّبِّ لِأنَّهُ عِنْدَهُ تَعالى فَهي مِثْلُها في قَوْلِهِمْ: شاةٌ رَقُودُ الحَلْبِ، وهي بِمَعْنى - عِنْدَ - عِنْدَ الكُوفِيِّينَ أيْ رَقُودٍ عِنْدَ الحَلْبِ، وبِمَعْنى اللّامِ عِنْدَ الجُمْهُورِ كَما صَرَّحَ بِهِ شُرّاحُ التَّسْهِيلِ ولَيْسَتْ لِأدْنى مُلابَسَةٍ كَما زَعَمَ أيْضًا، ثُمَّ إنَّ المُرادَ بِالعِنْدِيَّةِ هُنا مِمّا لا يَخْفى، وجُوِّزَأنْ يَكُونَ مُقْحَمًا عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ، فالمُرادُ ولِمَن خافَ رَبَّهُ لَكِنْ بِطْرِيقٍ بُرْهانِيٍّ بَلِيغٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:
ذَعَرْتُ بِهِ القَطا ونَفَيْتُ عَنْهُ مَقامَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللَّعِينِ
وهُوَ الأظْهَرُ عَلى ما ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشْفِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ ولِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنَ الخائِفِينَ: ( جَنَّتانِ ) فَقِيلَ:
إحْداهُما مَنزِلُهُ ومَحَلُّ زِيارَةِ أحْبابِهِ لَهُ، والأُخْرى مَنزِلُ أزْواجِهِ وخَدَمِهِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجِبائِيُّ، وقِيلَ: بُسْتانانِ بُسْتانٌ داخِلُ قَصْرِهِ وبُسْتانٌ خارِجُهُ، وقِيلَ: مَنزِلانِ يَنْتَقِلُ مِن أحَدِهِما إلى الآخَرِ لِتَتَوَفَّرَ دَواعِي لَذَّتِهِ وتَظْهَرُ ثِمارُ كَرامَتِهِ، وأيْ هَذا مِمَّنْ يَطُوفُ بَيْنَ النّارِ، وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ؟ ؟ .
وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: جَنَّةٌ لِعَقِيدَتِهِ وجَنَّةٌ لِعَمَلِهِ، أوْ جَنَّةٌ لِفِعْلِ الطّاعاتِ وجَنَّةٌ لِتَرْكِ المَعاصِي، أوْ جَنَّةٌ يُثابُ بِها وأُخْرى يُتَفَضَّلُ بِها عَلَيْهِ، أوْ إحْداهُما رُوحانِيَّةٌ والأُخْرى جُسْمانِيَّةٌ، ولا يَخْفى أنَّ الصِّفاتِ الآتِيَةَ ظاهِرَةٌ في الجُسْمانِيَّةِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: جَنَّةُ عَدْنٍ وجَنَّةُ نَعِيمٍ، وقِيلَ: المُرادُ لِكُلِّ خائِفَيْنَ مِنكُما جَنَّتانِ جَنَّةٌ لِلْخائِفِ الإنْسِيِّ وجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الجِنِّيِّ، فَإنَّ الخِطابَ لِلْفَرِيقَيْنِ، وهَذا عِنْدِي خِلافُ الظّاهِرِ، وفي الآثارِ ما يُبْعِدُهُ، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ شابٌّ عَلى عَهْدِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مُلازِمٌ لِلْمَسْجِدِ والعِبادَةِ فَعَشِقَتْهُ جارِيَةٌ فَأتَتْهُ في خَلْوَةٍ فَكَلَّمَتْهُ فَحَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِذَلِكَ فَشَهِقَ شَهْقَةً فَغُشِيَ عَلَيْهِ فَجاءَ عَمٌّ لَهُ فَحَمَلَهُ إلى بَيْتِهِ فَلَمّا أفاقَ قالَ: يا عَمُّ انْطَلِقْ إلى عُمَرَ فَأقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ وقُلْ لَهُ ما جَزاءُ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ؟ فانْطَلَقَ فَأخْبَرَ عُمَرَ وقَدْ شَهِقَ الفَتى شَهْقَةً أُخْرى فَماتَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ عَمَّرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: لَكَ جَنَّتانِ لَكَ جَنَّتانِ.
والخَوْفُ في الأصْلِ تَوَقُّعُ مَكْرُوهٍ عِنْدَ أمارَةٍ مَظْنُونَةٍ أوْ مَعْلُومَةٍ ويُضادُهُ الأمْنُ قالَ الرّاغِبُ: والخَوْفُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا يُرادُ بِهِ ما يَخْطُرُ بِالبالِ مِنَ الرُّعْبِ كاسْتِشْعارِ الخَوْفِ مِنَ الأسَدِ بَلْ إنَّما يُرادُ بِهِ الكَفُّ عَنِ المَعاصِي وتَحَرِّي الطّاعاتِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: لا يُعَدُّ خائِفًا مَن لَمْ يَكُنْ لِلذُّنُوبِ تارِكًا، ويُؤَيِّدُ هَذا تَفْسِيرُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما الخائِفُ هُنا كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٌ عَنْهُ بِمَن رَكِبَ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى وتَرَكَ مَعْصِيَتَهُ.
وقَوْلُ مُجاهِدٍ: هو الرَّجُلُ يُرِيدُ الذَّنْبَ فَيَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى فَيَدَعُ الذَّنْبَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ ارْتِكابَ الذَّنْبِ قَدْ يُجامِعُ الخَوْفَ مِنَ اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ كَما إذا غَلَبَتْهُ نَفْسُهُ فَفَعَلَهُ خائِفًا مِن عِقابِهِ تَعالى عَلَيْهِ، وأيَّدَ ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والطَّبَرانِيُّ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرَ الأُصُولِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ ««أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فَقُلْتُ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: الثّانِيَةَ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فَقُلْتُ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ ؟
فَقالَ الثّالِثَةَ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فَقُلْتُ وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ ؟ قالَ: نَعَمْ وإنْ رَغْمَ أنْفِ أبِي الدَّرْداءِ»» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ الجَرِيرِيِّ عَنْ أخِيهِ قالَ: سَمَعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ يَقْرَأُ - ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ - وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ - فَقُلْتُ: لَيْسَ فِيهِ وإنْ زَنى وإنْسَرَقَ
صفحة 117
فَقالَ: سَمِعْتُ أبا الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ فَأنا أقْرَؤُها كَذَلِكَ حَتّى أمُوتَ، وصَرَّحَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِالخَوْفِ في الآيَةِ أشَدُّهُ فَتَأمَّلَ. وجاءَ في شَأْنِ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ مِن
حَدِيثِ عِياضِ بْنِ غَنَمٍ مَرْفُوعًا ««إنَّ عَرْضَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما مَسِيرَةُ مِائَةِ عامٍ»» والآيَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وابْنِ شَوْذَبِ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ عَطاءٍ أنَّ أبا بَكْرِ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ذَكَرَ ذاتَ يَوْمٍ وفَكَّرَ في القِيامَةِ والمَوازِينِ والجَنَّةِ والنّارِ وصُفُوفِ المَلائِكَةِ وطَيِّ السَّماواتِ ونَسْفِ الجِبالِ وتَكْوِيرِ الشَّمْسِ وانْتِثارِ الكَواكِبِ فَقالَ: ودِدْتُ أنِّي كُنْتُ خُضَرًا مِن هَذِهِ الخُضَرِ تَأْتِي عَلَيَّ بَهِيمَةٌ فَتَأْكُلَنِي وأنِّي لَمْ أُخْلَقْ فَنَزَلَتْ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾
55:47–48Page 533
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٧
So which of the favors of your Lord would you deny? -
ذَوَاتَآ أَفۡنَانٖ ٤٨
Having [spreading] branches.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ صِفَةٌ لِجَنَّتانِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وسَّطَ بَيْنَهُما تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَكْذِيبَ كُلٍّ مِنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ مُوجَبٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، وجَوَّزَأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أيْ هُما ذَواتا، وأيًّا ما كانَ فَهو تَثْنِيَةَ - ذاتَ - بِمَعْنى صاحِبَةٍ فَإنَّهُ إذا ثَنّى فِيهِ لُغَتانِ ذاتا عَلى لَفْظِهِ وهو الأقْيَسُ كَما يُثَنّى مُذَكَّرُهُ ذَوا، والأُخْرى ( ذَواتا ) بِرَدِّهِ إلى أصْلِهِ فَإنَّ التَّثْنِيَةَ تَرُدُّ الأشْياءَ إلى أُصُولِها، وقَدْ قالُوا:
أصْلُ ذاتِ ذَواتٍ لَكِنْ حُذِفَتِ الواَوُ تَخْفِيفًا وفَرْقًا بَيْنَ الواحِدِ والجَمْعَ ودَلَّتِ التَّثْنِيَةُ ورُجُوعُ الواوِ فِيها عَلى أصْلِ الواحِدِ ولَيْسَ هو تَثْنِيَةَ الجَمْعِ كَما يُتَوَهَّمُ وتَفْصِيلُهُ في بابِ التَّثْنِيَةِ مِن شَرْحِ التَّسْهِيلِ، والأفْنانُ إمّا جَمْعُ فَنٍّ بِمَعْنى النَّوْعِ ولِذا اسْتُعْمِلَ في العُرْفِ بِمَعْنى العِلْمِ أيْ ذَواتا أنْواعٍ مِنَ الأشْجارِ والثِّمارِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ وعَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
ومِن كُلِّ أفْنانِ اللَّذاذَةِ والصِّبا لَهَوْتُ بِهِ والعَيْشُ أخْضَرُ ناضِرُ
وإمّا جَمْعُ فَنَنِ وهو ما دَقَّ ولانَ مِنَ الأغْصانِ كَما قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ، وقَدْ يُفَسَّرُ بِالغُصْنِ، وحُمِّلَ عَلى التَّسامُحِ وتَخْصِيصِها بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّها ذَواتا قَصَبٍ وأوْراقٍ وثِمارٍ أيْضًا لِأنَّها هي الَّتِي تُورِقُ وتُثْمِرُ،فَمِنها تَمْتَدُّ الظِّلالُ ومِنها تُجْنى الثِّمارُ فَفي الوَصْفِ تَذْكِيرٌ لَهُما فَكَأنَّهُ قِيلَ: ( ذَواتا ) ثِمارٍ وظِلالٍ لَكِنْ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ هو أخْصَرُ وأبْلَغَ، وتَفْسِيرُهُ بِالأغْصانِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ فَنَنِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٌ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ أبُو حَيّانَ: وهو أوْلى لِأنَّ أفْعالًا في فِعْلِ أكْثَرَ مِنهُ في فِعْلٍ بِسُكُونِ العَيْنِ كَفَنِّ، ويُجْمَعُ هو عَلى فُنُونِ.
55:49–50Page 533
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٩
So which of the favors of your Lord would you deny?
فِيهِمَا عَيۡنَانِ تَجۡرِيَانِ ٥٠
In both of them are two springs, flowing.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِجْنَّتانِ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ أيْ في كُلٍّ مِنهُما عَيْنٌ تَجْرِي بِالماءِ الزُّلالِ تُسَمّى إحْدى العَيْنَيْنِ بِالتَّسْنِيمِ، والأُخْرى بِالسَّلْسَبِيلِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، وقالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيِّ: ( عَيْنانِ ) إحْداهُما مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، والأُخْرى مَن خَمْرٍ لَذَّةً لِلشّارِبِينَ، وقِيلَ: ( عَيْنانِ ) مِنَ الماءِ ( تَجْرِيانِ ) حَيْثُ شاءَ صاحِبُهُما مِنَ الأعالِي والأسافِلَ مِن جَبَلٍ مِن مَسْكٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَيْنانِ﴾ مِثْلُ الدُّنْيا أضْعافًا مُضاعَفَةً ﴿تَجْرِيانِ﴾ بِالزِّيادَةِ والكَرامَةِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ.
55:51–52Page 533
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥١
So which of the favors of your Lord would you deny?
فِيهِمَا مِن كُلِّ فَٰكِهَةٖ زَوۡجَانِ ٥٢
In both of them are of every fruit, two kinds.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ صِنْفانِ مَعْرُوفٌ وغَرِيبٌ لَمْ يَعْرِفُوهُ في الدُّنْيا، أوْ رَطْبٌ ويابِسٌ ولا يَقْصُرُ يابِسُهُ عَنْ رَطْبِهِ في الفَضْلِ والطِّيبِ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ: ما في الدُّنْيا ثَمَرَةٌ حُلْوَةٌ ولا مَرَّةٌ إلّا وهي في الجَنَّةِ حَتّى الحَنْظَلَ، ونُقِلَ هَذا في البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا إلّا أنَّهُ حُلْوٌ، والجُمْلَةُ كالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها.
55:53–54Page 533
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٣
So which of the favors of your Lord would you deny?
مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ فُرُشِۭ بَطَآئِنُهَا مِنۡ إِسۡتَبۡرَقٖۚ وَجَنَى ٱلۡجَنَّتَيۡنِ دَانٖ ٥٤
[They are] reclining on beds whose linings are of silk brocade, and the fruit of the two gardens is hanging low.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾
﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حالٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى:- ولِمَن خافَ - وجُمِعَ رِعايَةً لِلْمَعْنى بَعْدَ الإفْرادِ
صفحة 118
رِعايَةَ اللَّفْظِ، وقِيلَ: العامِلُ مَحْذُوفٌ أيْ يَتَنَعَّمُونَ مُتَّكِئِينَ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ بِهِ بِتَقْدِيرِ أعْنِي، والِاتِّكاءُ مِن صِفاتِ المُتَنَعِّمِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ الجِسْمِ وفَراغِ القَلْبِ، والمَعْنى مُتَّكِئِينَ في مَنازِلِهِمْ ﴿عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ مِن دِيباجٍ ثَخِينٍ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - كَما رَواهُ عَنْهُ جَمْعٌ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ - أُخْبِرْتُمْ بِالبَطائِنِ فَكَيْفَ بِالظَّهائِرِ، وقِيلَ: ظَهائِرُها مِن سُنْدُسٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ مِن نُورٍ جامِدٍ، وفي حَدِيثٍ مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ
وهُوَ إنْ صَحَّ وُقِفَ عِنْدَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٌ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: ﴿بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ فَماذا الظَّواهِرُ ؟ قالَ: ذَلِكَ مِمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السَّجْدَةِ: 17] وقالَ الحَسَنُ: البَطائِنُ هي الظَّهائِرُ ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ الفَرّاءُ: قَدْ تَكُونُ البِطانَةُ الظِّهارَةُ والظِّهارَةُ البِطانَةُ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يَكُونُ وجْهًا والعَرَبُ تَقُولُ: هَذا ظَهْرُ السَّماءِ وهَذا بَطْنُ السَّماءِ، والحَقُّ أنَّ البَطائِنَ هُنا مُقابِلُ الظَّهائِرِ عَلى الوَجْهِ المَعْرُوفِ، وقَرَأأبُو حَيْوَةَ «فُرْشٍ» بِسُكُونِ الرّاءِ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ عَلى «سُرُرٍ. وفُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ» ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ﴾ أيْ ما يُجْنى ويُؤْخَذُ مِن أشْجارِهِما مِنَ الثِّمارِ، فَجَنى اسْمٌ أوْ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ بِمَعْنى المَجْنِيِّ ﴿دانٍ﴾ قَرِيبٌ يَنالُهُ القائِمُ والقاعِدُ والمُضْطَجِعُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: تَدْنُو الشَّجَرَةُ حَتّى يَجْتَنِيَها ولِيُّ اللَّهِ تَعالى إنْ شاءَ قائِمًا وإنْ شاءَ قاعِدًا وإنْ شاءَ مُضْطَجِعًا، وعَنْ مُجاهِدٍ ثِمارُ الجَنَّتَيْنِ دانِيَةٌ إلى أفْواهِ أرْبابِها فَيَتَناوَلُونَها مُتَّكِئِينَ فَإذا اضْطَجَعُوا نَزَلَتْ بِإزاءِ أفْواهِهِمْ فَيَتَناوَلُونَها مُضْطَجِعِينَ لا يَرُدُّ أيْدِيَهم عَنْها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ، وقَرَأ عِيسى «وجَنِي» بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ النُّونِ كَأنَّهُ أمالَ النُّونَ وإنْ كانَتِ الألْفُ قَدْ حُذِفَتْ في اللَّفْظِ كَما أمالَ أبُو عَمْرو ﴿حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البَقَرَةِ: 55] وقَرَئَ «وجِنى» بِكَسْرِ الجِيمِ وهو لُغَةٌ فِيهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences