Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ar-Rahman 55:71–78
55:71–72Page 534
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧١
So which of the favors of your Lord would you deny? -
حُورٞ مَّقۡصُورَٰتٞ فِي ٱلۡخِيَامِ ٧٢
Fair ones reserved in pavilions -
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُورٌ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿خَيْراتٌ﴾ وهو جَمْعُ حَوْراءَ وكَذا جَمْعُ أحْوَرَ، والمُرادُ بِيضٌ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورَوَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ أيْضًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ:
وقالَ ابْنُ الأثِيرِ: الحَوْراءُ هي الشَّدِيدَةُ بَياضُ العَيْنِ الشَّدِيدَةُ سَوادُها، وفي القامُوسِ الحَوَرُ بِالتَّحْرِيكِ أنْ يَشْتَدَّ بَياضُ بَياضَ العَيْنِ وسَوادُ سَوادَها وتَسْتَدِيرُ حَدَقَتُها وتَرِقُّ جُفُونُها ويُبَيِّضُ ما حَوالَيْها أوْ شَدَّةُ بَياضِها وسَوادِها في بَياضِ الجَسَدِ، أوِ اسْوِدادُ العَيْنِ كُلِّها مِثْلُ الظِّباءِ ولا يَكُونُ في بَنِي آدَمَ بَلْ يُسْتَعارُ لَها. وإذا صَحَّ حَدِيثُ أمِّ سَلَمَةَ لَمْ يَعْدِلْ في القُرْآنِ عَنْ تَفْسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
﴿مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ أيْ مُخَدِّراتٍ يُقالُ: امْرَأةٌ قَصِيرَةٌ ومَقْصُورَةٌ أيْ مُخَدَّرَةٌ مُلازِمَةٌ لِبَيْتِها لا تَطُوفُ في الطُّرُقِ، قالَ كُثَيْرُ عَزَّةَ:
وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ إلَيَّ ولَمْ تَشْعُرْ بِذاكَ القَصائِرُ
عَنَيْتُ قَصِيراتِ الحِجالِ ولَمْ أُرِدْ ∗∗∗ قِصارَ الخُطا شَرَّ النِّساءِ البَحاتِرِ
والنِّساءُ يُمْدَحْنَ بِمُلازَمَتِهِنَّ البُيُوتَ لِدَلالَتِها عَلى صِيانَتِهِنَّ كَما قالَ قَيْسُ بْنُ الأسْلَتِ:
وتَكْسَلُ عَنْ جاراتِها فَيَزُرْنَها ∗∗∗ وتَغْفُلُ عَنْ أبْياتِهِنَّ فَتُعْذَرُ
وهَذا التَّفْسِيرُ مَأْثُورٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والضَّحّاكِ وهو رِوايَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهُنادُ بْنُ السَّرِيِّ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ قُلُوبُهُنَّ وأبْصارُهُنَّ ونُفُوسُهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ، والأوَّلُ أظْهَرُ، و ﴿فِي الخِيامِ﴾ عَلَيْهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَقْصُوراتٍ، وعَلى الثّانِي يُحْتَمَلُ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ كَوْنُهُ صِفَةً ثانِيَةً لِحُورٍ فَلا تَغْفَلُ، والخِيامُ جَمْعُ خَيْمَةَ - وهي عَلى ما في البَحْرِ - بَيْتٌ مِن خَشَبٍ وثُمامٍ وسائِرِ الحَشِيشِ، وإذا كانَ مِن شَعْرٍ فَهو بَيْتٌ ولا يُقالُ لَهُ خَيْمَةً وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي كُلُّ بَيْتٍ مُسْتَدِيرٍ أوْ ثَلاثَةُ أعْوادٍ أوْ أرْبَعَةٌ يُلْقى عَلَيْها الثُّمامُ ويُسْتَظَلُّ بِها في الحَرِّ أوْ كُلُّ بَيْتٍ يُبْنى مِن عِيدانِ الشَّجَرِ وتُجْمَعُ أيْضًا عَلى خَيْماتٍ وخَيْمُ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وخِيَمُ بِالفَتْحِ وكَعِنَبِ - والخِيامُ هُنا بُيُوتٌ مِن لُؤْلُؤٍ - أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الخَيْمَةُ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ أرْبَعَةِ فَراسِخَ لَها أرْبَعَةُ آلافِ مِصْراعٍ مِن ذَهَبٍ، وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ قالَ: الخَيْمَةُ لُؤْلُؤَةٌ واحِدَةٌ لَها سَبْعُونَ بابًا مِن دُرٍّ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: الخَيْمَةُ دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ طُولُها في السَّماءِ سِتُّونَ مَيْلًا في كُلِّ زاوِيَةٍ مِنها لِلْمُؤْمِنِ
صفحة 124
أهْلٌ لا يَراهُمُ الآخَرُونَ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُ»، إلى ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِيهِنَّ﴾ إلَخْ دُونَ ما تَقَدَّمَ في الجَنَّتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ أعْنِي قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرَّحْمَنِ: 58] في المَدْحِ عِنْدَ مَن فَضَّلَهُما عَلى الأخِيرَتَيْنِ قِيلَ لِما في ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي مِنَ الإشْعارِ بِالقَسْرِ في القَصْرِ، وأمّا عَلى تَفْسِيرِهِ الأوَّلِ فَكَوْنُهُ دُونَهُ ظاهِرٌ وإنْ لَمْ يُلاحِظْ كَوْنَها مُخَدَّرَةً فِيما تَقَدَّمَ، أوْ يَجْعَلُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ كِنايَةٌ عَنْهُ لِأنَّهُما مِمّا يُصانُ كَما قِيلَ: (جَوْهَرَةٌ أحْقاقُها الخُدُورُ) ومَن ذَهَبَ إلى تَفْضِيلِ الأخِيرَتَيْنِ يَقُولُ: هَذا أمْدَحُ لِعُمُومِ ﴿خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ الصِّفاتُ الحَسَنَةُ خُلُقًا وخَلْقًا ويَدْخُلُ في ذَلِكَ قَصْرُ الطَّرْفِ وغَيْرُهُ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّشْبِيهُ بِالياقُوتِ والمَرْجانِ، والمُرادُ بِالقاصِرِ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لِمَقْصُوراتٍ القاصِرُ الطَّبِيعِيُّ بِقَرِينَةِ المَقامِ فَيَكُونُ فِيهِ إشارَةٌ إلى تَعَذُّرِ تَرْكِ القَصْرِ مِنهُنَّ، و﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ رُبَّما يُوهِمُ أنَّ القَصْرَ بِاخْتِيارِهِنَّ فَمَتى شِئْنَ قَصَرْنَ ومَتى لَمْ يَشَأْنَ لَمْ يَقْصُرْنَ.
55:73–74Page 534
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٣
So which of the favors of your Lord would you deny? -
لَمۡ يَطۡمِثۡهُنَّ إِنسٞ قَبۡلَهُمۡ وَلَا جَآنّٞ ٧٤
Untouched before them by man or jinnī -
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في نَظِيرِهِ
55:75–76Page 534
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٥
So which of the favors of your Lord would you deny? -
مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفۡرَفٍ خُضۡرٖ وَعَبۡقَرِيٍّ حِسَانٖ ٧٦
Reclining on green cushions and beautiful fine carpets.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ قِيلَ: بِتَقْدِيرِ يَتَنَعَّمُونَ مُتَّكِئِينَ أوْ أعْنِي مُتَّكِئِينَ، والضَّمِيرُ لِأهْلِ الجَنَّتَيْنِ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِهِما ﴿عَلى رَفْرَفٍ﴾ اسْمُ جِنْسٍ أوِ اسْمُ جَمْعٍ واحِدُهُ رَفْرَفَةٌ، وعَلى الوَجْهَيْنِ يَصِحُّ وصْفُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُضْرٍ﴾ وجَعَلَهُ بَعْضُهم جَمْعًا لِهَذا الوَصْفِ ولا يَخْفى أنَّ أمْرَ الوَصْفِيَّةِ لا يُتَوَقَّفُ عَلى ذَلِكَ الجَعْلِ، وفَسَّرَهُ في الآيَةِ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ بِفُضُولِ المَحابِسِ وهي ما يُطْرَحُ عَلى ظَهْرِ الفِراشِ لِلنَّوْمِ عَلَيْهِ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: الرَّفْرَفُ ثِيابٌ خُضْرٌ تُتَّخَذُ مِنها المَحابِسُ واشْتِقاقُهُ مِن رَفٍّ إذا ارْتَفَعَ، وقالَ الحَسَنُ - فِيما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْهُ - هي البُسُطُ.
وأخْرَجَ عَنْ عاصِمٍ الجَحْدَرِيِّ أنَّها الوَسائِدُ، ورُوِيِّ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا وابْنِ كِيسانَ وقالَ الجِبائِيُّ: الفُرُشُ المُرْتَفِعَةُ، وقِيلَ: ما تَدَلّى مِنَ الأسِرَّةِ مِن غالِي الثِّيابِ، وقالَ الرّاغِبُ: ضَرْبٌ مِنَ الثِّيابِ مُشَبَّهَةٌ بِالرِّياضِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: الرَّفْرَفُ رِياضُ الجَنَّةِ، وأخْرَجَ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو عَلَيْهِ - كَما في البَحْرِ - مِن رَفِّ النَّبْتِ نَعِمَ وحَسُنَ، ويُقالُ الرَّفْرَفُ لِكُلِّ ثَوْبٍ عَرِيضٍ ولِلرَّقِيقِ مِن ثِيابِ الدِّيباجِ ولِأطْرافِ الفُسْطاطِ والخِباءِ الواقِعَةِ عَلى الأرْضِ دُونَ الأطْنابِ والأوْتادِ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قِيلَ بِهَذا المَعْنى هُنا وفِيهِ شَيْءٌ ﴿وعَبْقَرِيٍّ﴾ هو مَنسُوبٌ إلى عَبْقَرٍ تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّهُ اسْمُ بَلَدِ الجِنِّ فَيَنْسِبُونَ إلَيْهِ كُلَّ عَجِيبٍ غَرِيبٍ مِنَ الفُرُشِ وغَيْرِها فَمَعْناهُ الشَّيْءُ العَجِيبُ النّادِرُ، ومِنهُ ما جاءَ في عُمَرَ الفارُوقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلَمْ أرى عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرْيَةً، ولِتَناسِي تِلْكَ النِّسْبَةِ قِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ بِمَنسُوبٍ بَلْ هو مِثْلُ كُرْسِيٍّ وبُخْتِيٍّ كَما نَقُلْ عَنْ قُطْرُبٍ، والمُرادُ الجِنْسُ ولِذَلِكَ وُصِفَ بِالجَمْعِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ( حِسانٍ ) حَمَلا عَلى المَعْنى، وقِيلَ: هو اسْمُ جَمْعٍ أوْ جَمْعٌ واحِدُهُ عَبْقَرِيَّةٌ، وفَسَّرَهُ الأكْثَرُونَ بِعِتاقِ الزَّرابِيِّ وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ هو ما كُلُّهُ وشْيٌّ مِنَ البُسْطِ.
ورَوى غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ الدِّيباجُ الغَلِيظُ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّها بُسُطٌ فِيها صُوَرٌ وقَدْ سَمِعْتَ ما نُقِلَ عَنْهُ في الرَّفْرَفِ فَلا تَغْفَلُ عَمّا يَقْتَضِيهِ العَطْفُ.
وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ الجَحْدَرِيِّ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ وابْنُ مُحَيْصَنِ
صفحة 125
وزُهَيْرٌ الفُرْقُبِيُّ وغَيْرُهم رَفارِفُ جَمْعٌ لا يَنْصَرِفُ «خُضْرٌ» بِسُكُونِ الضّادِ، «وعَباقِرِيًّ» بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الياءِ مُشَدَّدَةً، وعَنْهم أيْضًا ضَمُّ الضّادِ، وعَنْهم أيْضًا فَتْحُ القافِ قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ ثُمَّ قالَ أمّا مَنعُ الصَّرْفِ مِن عَباقِرِيٍّ فَلِمُجاوَرَتِهِ لِرَفارِفَ يَعْنِي لِلْمُشاكَلَةِ وإلّا فَلا وجْهَ لِمَنعِ الصَّرْفِ مَعَ ياءَيِ النَّسَبِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ انْتَهى.
وقالَ ابْنُ خالَوَيْهَ قَرَأ - عَلى رَفارِفَ خُضْرٍ وعَباقَرِيَّ - النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والجَحْدَرِيُّ وابْنُ مُحَيْصَنٍ، وقَدْ رُوِيَ عَمَّنْ ذَكَرْنا - عَلى رَفارِفَ خُضْرٍ وعَباقَرِيٍّ - بِالصَّرْفِ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارِ، وقَرَأ أبُو مُحَمَّدٌ المَرْوَزِيُّ وكانَ نَحْوِيًّا - عَلى رَفارِفَ خِضارٍ - بِوَزْنِ فِعالٍ، وقالَ صاحِبُ الكامِلِ: قَرَأ رَفارِفَ بِالجَمْعِ ابْنُ مَصْرِفِ وابْنُ مُقْسِمٍ وابْنُ مُحَيْصَنٍ، واخْتارَهُ شِبْلٌ وأبُو حَيْوَةَ والجَحْدَرِيُّ والزَّعْفَرانِيُّ وهو الِاخْتِيارُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( خُضْرٍ )، و«عَباقِرِيِّ» بِالجَمْعِ وبِكَسْرِ القافِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ ابْنُ مُقْسِمٍ وابْنُ مُحَيْصَنٍ، ورُوِيَ عَنْهُما التَّنْوِينُ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَرَأ زُهَيْرٌ القُرْقُبِيُّ رَفارِفُ بِالجَمْعِ وتَرْكُ الصَّرْفِ، وأبُو طُعْمَةَ المَدَنِيُّ وعاصِمٌ فِيما رُوِيَ عَنْهُ رَفارِفٌ بِالصَّرْفِ وعُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَذَلِكَ، وعَباقَرِيُّ بِالجُمَعِ والصَّرْفِ، وعَنْهُ وعَباقَرِيُّ بِفَتْحِ القافِ والياءِ عَلى أنَّ اسْمَ المَوْضِعِ عَباقَرُ بِفَتْحِ القافِ، والصَّحِيحُ فِيهِ عَبْقَرُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قُرِئَ عَباقَرِيُّ كَمَدائِنِيِّ.
ورَوى أبُو حاتِمٍ عَباقَرِيُّ بِفَتْحِ القافِ ومَنعِ الصَّرْفِ وهَذا لا وجْهَ لِصِحَّتِهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ القِراءَةُ لا مُخْرِجَ لَها لِأنَّ ما جاوَزَ الثَّلاثَةَ لا يُجْمَعُ بِياءِ النَّسَبِ فَلَوْ جَمَعْتَ عَبْقَرِيَّ قُلْتَ: عَباقِرَةَ نَحْوَ مُهْلَبِيُّ ومَهالِبَةُ ولا تَقُولُ مَهالَبِيَّ.
وقالَ ابْنُ جِنِّيِّ: أمّا تَرْكُ صَرْفِ عَباقِرِيِّ فَشاذٌّ في القِياسِ ولا يُسْتَنْكَرُ شُذُوذَهُ مَعَ اسْتِعْمالِهِ، وقالَ ابْنُ هِشامٍ: كَوْنُهُ مِنَ النِّسْبَةِ إلى الجَمْعِ كَمَدائِنِيٍّ باطِلٌ فَإنَّ مَن قَرَأ بِذَلِكَ قَرَأ رَفارِفَ خُضْرٍ بِقَصْدِ المُجانَسَةِ ولَوْ كانَ كَما ذَكَرَ كانَ مُفْرَدًا ولا يَصِحُّ مَنعُ صَرْفِهِ كَمُدايِنِيِّ وقَدْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ بِمَنعِهِ الصَّرْفِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهو مِن بابِ كُرْسِيٍّ وكَراسِيٍّ وهو مِن صِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ لَكِنَّها خالَفَتِ القِياسَ في زِيادَةِ ما بَعْدَ الألْفِ عَلى المَعْرُوفِ كَما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ، وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ فَتْحُ القافِ لا وجْهَ لَهُ بِوَجْهٍ والمَذْكُورُ في المُنْتَقى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الكَسْرُ.
وأمّا مَنعُ الصَّرْفِ فَلَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ لِيُرَدَّ بَلْ وجْهُهُ أنَّهُ نُصِبَ عَلى مَحَلِّ رَفْرَفَ عَلى حَدِّ: يَذْهَبْنَ في نَجْدٍ وغَوْرًا.
وإضافَتُهُ إلى ( حِسانٍ ) مِثْلُ إضافَةِ حُورٍ إلى عِينٍ في قِراءَةِ عِكْرِمَةَ كَأنَّهُ قِيلَ: عَباقَرِيُّ مَفارِشُ، أوْ نَمارِقُ حِسانٌ فَهو مِن بابِ أخْلاقِ ثِيابِ لِأنَّ أحَدَ الوَصْفَيْنِ قائِمٌ مُقامَ المَوْصُوفِ، ولَعَلَّ عَبْقَرَ وعَباقِرَ مِثْلُ عَرَفَةَ وعَرَفاتِ انْتَهى، فَأحِطْ بِجَوانِبِ الكَلامِ ولا تَغْفُلْ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزِ خُضُرَ بِضَمِّ الضّادِ وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ طُرْفَةَ:
أيُّها القَيْناتُ في مَجْلِسِنا جَرِّدُوا مِنها وِرادًا وشُقْرَ
وقَوْلُ الآخَرِ:
وما انْتَمَيْتُ إلى خَوْدٍ ولا كَشْفٍ ∗∗∗ ولا لِئامٍ غَداةَ الرَّوْعِ أوْزاعِ
فَشُقْرٌ جَمْعُ أشْقَرِ، وكَشْفٌ جَمَعُ أكْشْفِ وهو مَن يَنْهَزِمُ في الحَرْبِ، هَذا والوَصْفُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ﴾ إلَخْ دُونَ الوَصْفِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرَّحْمَنِ: 54] عِنْدَ القائِلِ بِتَفْضِيلِ الجَنَّتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ لِما في هَذا الوَصْفِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ الظَّهائِرِ مِمّا يَعْجُزُ عَنْها الوَصْفُ. ومَن ذَهَبَ إلى تَفْضِيلِ الأخِيرَتَيْنِ يَقُولُ: الرَّفْرَفُ ما يُطْرَحُ عَلى ظَهْرِ الفَرّاشِ ولَيْسَتِ الفُرُشالَّتِي يُطْرَحُ عَلَيْها الرَّفْرَفُ مَذْكُورَةٌ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَرْكُ ذِكْرِها لِلْإشارَةِ إلى عَدَمِ إحاطَةِ الوَصْفِ بِها ظِهارَةً وبِطانَةً وهو أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ، ولا يَسْلَمُ أنَّ تِلْكَ الفُرُشَ هي العَبْقَرِيُّ، أوْ يَقُولُ الرَّفْرَفَ الفُرُشَ المُرْتَفِعَةَ وتَرَكَ التَّعَرُّضِ لِسِوى لَوْنَها وهو الخُضْرَةُ الَّتِي مَيْلُ الطِّباعِ
صفحة 126
إلَيْها أشَدُّ وهي جامِعَةٌ لِأُصُولِ الألْوانِ الثَّلاثَةِ عَلى ما بَيَّنَهُ الإمامُ يُشِيرُ إلى أنَّها مِمّا لا تَكادُ تُحِيطُ بِحَقِيقَتِها العَباراتُ، وقَدْ يُقالُ غَيْرُذَلِكَ فَتَأمَّلْ، ويَنْبَغِي عَلى القَوْلِ بِتَفْضِيلِ الأخِيرَتَيْنِ وكَوْنِهِما لِطائِفَةٍ غَيْرِ الطّائِفَةِ المُشارِ إلَيْهِمْ بِمَن خافَ أنْ لا يُفَسِّرُ مِن
خافَ بِمَن لَهُ شِدَّةُ الخَوْفِ بِحَيْثُ يُخْتَصُّ بِأفْضَلِ المُؤْمِنِينَ وأجَلِّهِمْ. أوْ يُقالُ: إنَّهُما مَعَ الأُولَيَيْنِ لِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ويَكُونُ المَعْنى ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ أيْضًا ( جَنَّتانِ ) صِفَتُهُما كَيْتٌ وكَيْتٌ مِن دُونِ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ، وعَلَيْهِ قِيلَ: ( جَنَّتانِ ) عَطْفٌ عَلى ( جَنَّتانِ ) قَبْلَهُ ﴿ومِن دُونِهِما﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ سَواءٌ كانَتا أفَضَّلَ مِنَ الأُولَيَيْنِ أمْ لا لِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ فَلَهُ يَوْمُ القِيامَةِ أرْبَعُ جِنانَ.
قالَ الطَّبَرَسِيُّ: والأخِيرَتانِ دُونَ الأُولَيَيْنِ أيْ أقْرَبَ إلى قَصْرِهِ ومَجالِسِهِ لِيَتَضاعَفَ لَهُ السُّرُورُ بِالتَّنَقُّلِ مِن جَنَّةٍ إلى جَنَّةٍ عَلى ما هو مَعْرُوفٌ مِن طَبْعِ البَشَرِ مِن شَهْوَةِ مِثْلِذَلِكَ وهو أبْعَدُ عَنِ المَلَلِ الَّذِي طُبِعَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ تَحْتَمِلُ ذَلِكَ احْتِمالًا ظاهِرًا لَكِنْ ما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَأْباهُ فَإذا صَحَّ ولَوْ مَوْقُوفًا - إذْ حُكْمُ مِثْلُهُ حَكَمُ المَرْفُوعِ - لَمْ يَكُنْ لَنا العُدُولُ عَمّا يَقْتَضِيهِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أيْضًا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ ذَكَرَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ يُشْعِرُ بِأنَّ الجِنانَ الأرْبَعَ هي جِنانُ الفِرْدَوْسِ.
وأخْرَجَ عَنْهُ أحْمَدٌ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم أنَّهُ قالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««جِنانُ الفِرْدَوْسِ أرْبَعُ جَنَّتانِ مِن ذَهَبٍ حِلْيَتُهُما وآنِيَتُهُما وما فِيهِما وجَنَّتانِ مِن فِضَّةٍ حِلْيَتُهُما وآنِيَتُهُما وما فِيهِما وما بَيْنَ القَوْمِ وبَيْنَ أنْ يَنْظُرُوا إلى رَبِّهِمْ إلّا رِداءَ الكِبْرِياءِ عَلى وجْهِهِ في جِنَّةِ عَدْنٍ»» والظّاهِرُ عَلى هَذا أنَّهُ يَشْتَرِكُ الأُلُوفُ في الجَنَّةِ الواحِدَةِ مِن هَذِهِ الجِنانِ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ﴾ إلَخْ عَلَيْهِ مِمّا لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ قاصِراتِ الطَّرْفِ كُنَّ مِنَ الإنْسِ فَهُنَّ أجَلُّ قَدْرًا وأحْسَنُ مَنظَرًا مِنَ الحَوَرِ المَقْصُوراتِ في الخِيامِ بِناءً عَلى أنَّهُنَّ النِّساءُ المَخْلُوقاتُ في الجَنَّةِ.
فَقَدْ جاءَ مِن حَدِيثِ أمِّ سَلَمَةَ ««قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: أنِساءُ الدُّنْيا أفْضَلُ أمِ الحُورُ العَيْنِ ؟ قالَ: نِساءُ الدُّنْيا أفْضَلُ مِنَ الحُورِ العِينِ كَفَضْلِ الظِّهارَةِ عَلى البِطانَةِ، قُلْتُ: يا رَسُولُ اللَّهِ وبِمَ ذاكَ ؟ قالَ: بِصَلاتِهِنَّ وصِيامِهِنَّ وعِبادَتِهِنَّ ألْبَسُ اللَّهُ وُجُوهَهُنَّ النُّورَ وأجْسادَهُنَّ الحَرِيرَ بِيضُ الوُجُوهِ خُضْرُ الثِّيابِ صُفْرُ الحُلِيِّ مَجامِرَهُنَّ الدُّرُّ وأمْشاطَهِنَّ الذَّهَبُ يَقُلْنَ ألا نَحْنُ الخالِداتُ فَلا نَمُوتُ أبَدًا ألا ونَحْنُ النّاعِماتُ فَلا نَيْأسُ أبَدًا طُوبى لِمَن كُنّا لَهُ وكانَ لَنا»» إلى غَيْرِهِ مِنَ الأخْبارِ ويَكُونُ هَذا مُؤَيَّدًا لِلْقَوْلِ بِتَفْضِيلِ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ عَلى الأخِيرَتَيْنِ ولَعَلَّهُ إنَّما قَدَّمَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ الِاتِّكاءِ أوَّلًا عَلى ذِكْرِ النِّساءِ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَكَرَ في صَدْرِ الآيَةِ الخَوْفَ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فَناسَبَ التَّعْجِيلَ بِذِكْرِ ما يُشْعِرْ بِزَوالِهِ إشْعارًا ظاهِرًا وهو الِاتِّكاءُ فَإنَّهُ مِن شَأْنِ الآمِنِينَ، وأخَّرَ سُبْحانَهُ ذِكْرَهُ ثانِيًا عَنْ ذِكْرِهِنَّ لِعَدَمِ ما يَسْتَدْعِيِ التَّقْدِيمَ وكَوْنُهُ مِمّا يَكُونُ لِلرَّجُلِ عادَةً بَعْدَ فَراغِ ذِهْنِهِ عَمّا يَحْتاجُهُ المَنزِلُ مِن طَعامٍ وشَرابٍ وقَيْنَةٍ تَكُونُ فِيهِ، وإذا قُلْنا: إنَّ الحَوَرَ كالجَوارِي في المَنزِلِ كانَ أمْرُ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أوْقَعَ، وقالَ الإمامُ في ذَلِكَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ تَعَبٌ وحَرَكَةٌ فَهم مُتَنَعِّمُونَ دائِمًا لَكِنَّ النّاسَ في الدُّنْيا عَلى أقْسامٍ مِنهم مَن يَجْتَمِعُ مَعَ أهْلِهِ اجْتِماعَ مُسْتَوْفِزَ وعِنْدَ قَضاءِ وطَرِهِ يَغْتَسِلُ ويَنْتَشِرُ في الأرْضِ لِلْكَسْبِ، ومِنهم مَن يَكُونُ مُتَرَدِّدًا في طَلَبِ الكَسْبِ وعِنْدَ تَحْصِيلِهِ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ ويَسْتَرِيحُ عَمّا لَحِقَهُ مَن تَعِبٍ قَبْلَ قَضاءَ الوَطَرِ أوْ بَعْدَهُ فاللَّهُ عَزَّ وجَلَّ قالَ في أهْلِ الجَنَّةِ: ( مُتَّكِئُونَ ) قِيلَ اجْتِماعُهم بِأهالِيهِمْ مُتَّكِئُونَ بَعْدَ الِاجْتِماعِ لِيُعْلِمَ أنَّهم دائِمُونَ عَلى السُّكُونِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا عَلى ما فِيهِ لا يَحْسِمُ السُّؤالَ إذْ لِقائِلٍ
صفحة 127
أنْ يَقُولَ لِمَ لَمْ يَعْكِسْ أمْرَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ في المَوْضِعَيْنِ مَعَ أنَّهُ يَتَضَمَّنُ الإشارَةَ إلى ذَلِكَ أيْضًا، ثُمَّ ذَكَرَ في ذَلِكَ وجْهًا ثانِيًا وهو عَلى ما فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلى ما لا مُسْتَنَدَ لَهُ فِيهِ مِنَ الآثارِ فَتَدَبَّرْ
55:77–78Page 534
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٧
So which of the favors of your Lord would you deny?
تَبَٰرَكَ ٱسۡمُ رَبِّكَ ذِي ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ ٧٨
Blessed is the name of your Lord, Owner of Majesty and Honor.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ تَنْزِيهٌ وتَقْدِيسٌ لَهُ تَعالى فِيهِ تَقْرِيرٌ لِما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِن آلائِهِ جَلَّ شَأْنُهُ الفائِضَةِ عَلى الأيّامِ، - فَتَبارَكَ - بِمَعْنى تَعالى لِأنَّهُ يَكُونُ بِمَعْناهُ وهو أنْسَبُ بِالوَصْفِ الآتِي، وقَدْ ورَدَ في الأحادِيثِ «تَعالى اسْمُهُ» أيْ تَعالى اسْمُهُ الجَلِيلُ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما صَدَرَتْ بِهِ السُّورَةُ مِنَ اسْمِ ( الرَّحْمَنُ ) المُنْبِئُ عَنْ إفاضَةِ الآلاءِ المُفَصَّلَةِ، وارْتَفَعَ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها جُحُودُ نَعْمائِهِ وتَكْذِيبِها، وإذا كانَ حالُ اسْمِهِ تَعالى بِمُلابَسَةِ دَلالَتِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ كَذَلِكَ فَما ظَنُّكَ بِذاتِهِ الأقْدَسِ الأعْلى ؟ ؟ .
وقِيلَ: الِاسْمُ بِمَعْنى الصِّفَةِ لِأنَّها عَلامَةٌ عَلى مَوْصُوفِها، وقِيلَ: هو مُقْحَمٌ كَما في قَوْلِ مَن قالَ: ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما، وقِيلَ: هو بِمَعْنى المُسَمّى، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الأنْسَبَ بِما قَصَدَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ هو تَعَدُّدُ الآلاءِ والنِّعَمِ تَفْسِيرُ ( تَبارَكَ ) بِكَثُرَتْ خَيْراتُهُ ثُمَّ إنَّهُ لا بُعْدَ في إسْنادِهِ بِهَذا المَعْنى لِاسْمِهِ تَعالى إذْ بِهِ يُسْتَمْطَرُ فَيُغاثُ ويُسْتَنْصَرُ فَيُعانُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ صِفَةٌ لِلرَّبِّ ووَصْفُ جَلَّ وعَلا بِذَلِكَ تَكْمِيلًا لِما ذُكِرَ مِنَ التَّنْزِيهِ والتَّقْرِيرِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الشّامِ - ذُو - بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِلِاسْمِ ووَصْفُهُ بِالجَلالِ والإكْرامِ بِمَعْنى التَّكْرِيمِ واضِحٌ.
* * *
هَذا «ومِن بابِ الإشارَةِ» في بَعْضِ الآياتِ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ إشارَةٌ إلى ما أوْدَعَهُ سُبْحانَهُ في الأرْواحِ الطَّيِّبَةِ القُدْسِيَّةِ مِنَ العُلُومِ الحَقّانِيَّةِ الإجْمالِيَّةِ عِنْدَ اسْتِوائِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى عَرْشِ الرَّحْمانِيَّةِ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ الكامِلَ الجامِعَ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ وهو تَفْصِيلُ تِلْكَ العُلُومِ الإجْمالِيَّةِ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القِيامَةِ: 18، 19] ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ يُشِيرُ إلى شَمْسِ النُّبُوَّةِ وقَمَرِ الوِلايَةِ الدّائِرَتَيْنِ في فَلَكِ وُجُودِ الإنْسانِ بِحِسابِ التَّجَلِّياتِ ومَراتِبَ الِاسْتِعْداداتِ، ﴿والنَّجْمُ﴾ القُوى السُّفْلِيَّةُ ﴿والشَّجَرُ﴾ الِاسْتِعْداداتُ العُلْوِيَّةُ ﴿يَسْجُدانِ﴾ يَتَذَلَّلانِ بَيْنَ يَدَيْهِ تَعالى عِنْدَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿والسَّماءَ﴾ سَماءُ القُوى الإلَهِيَّةِ القُدْسِيَّةِ ﴿رَفَعَها﴾ فَوْقَ أرْضِ البَشَرِيَّةِ ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ القُوَّةَ المُمَيَّزَةَ ﴿ألا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ لا تَتَجاوَزُوا عِنْدَ أخْذِ الحُظُوظِ السُّفْلِيَّةِ وإعْطاءَ الحُقُوقِ العُلْوِيَّةِ.
وجَوَّزَأنْ يَكُونَ ( المِيزانِ ) الشَّرِيعَةَ المُطَهَّرَةَ فَإنَّها مِيزانٌ يَعْرِفُ بِهِ الكامِلُ مِنَ النّاقِصِ ﴿والأرْضَ﴾ أرْضُ البَشَرِيَّةِ ﴿وضَعَها﴾ بَسَطَها وفَرَشَها ﴿لِلأنامِ﴾ لِلْقُوى الإنْسانِيَّةِ ﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾ مِن فَواكِهَ مُعَرَّفَةِ الصِّفاتِ الفِعْلِيَّةِ ﴿والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ وهي الشَّجَرَةُ الإنْسانِيَّةُ الَّتِي هي المَظْهَرُ الأعْظَمُ وذاتُ أطْوارٍ كُلُّ طَوْرٍ مَسْتُورٍ بِطَوْرٍ آخَرَ ﴿والحَبُّ﴾ هو حُبُّ الحُبِّ المَبْذُورِ في مَزارِعَ القُلُوبِ السَّلِيمَةِ مِنَ الدَّغَلِ ﴿ذُو العَصْفِ﴾ أوْراقُ المُكاشَفاتِ ﴿والرَّيْحانُ﴾ رَيْحانُ المُشاهَدَةِ ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ رَبُّ مَشْرِقِ شَمْسِ النُّبُوَّةِ ومَشْرِقِ قَمَرِ الوِلايَةِ في العالَمِ الجُسْمانِيِّ ورَبُّ مَغْرِبِهِما في العالَمِ الرُّوحانِيِّ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ بَحْرُ سَماءَ القُوى العُلْوِيَّةِ وبَحْرُ أرْضِ القُوى السُّفْلِيَّةِ ﴿يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ حاجِزُ القَلْبِ ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ أنْواعُ أنْوارِ الأسْرارِ ونِيرانِ الأشْواقِ ﴿ولَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ﴾ سُفُنُ الخَواطِرِ المُسَخَّرَةِ في بَحْرِ الإنْسانِ ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ ما شَمَّ رائِحَةَ الوُجُودِ ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ الجِهَةُ الَّتِي تَلِيهِ سُبْحانَهُ وهي شُؤُوناتُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ذُو الجَلالِ﴾ أيِ الِاسْتِغْناءِ التّامِّ عَنْ جَمِيعِ المَظاهِرِ ﴿والإكْرامِ﴾ الفَيْضُ العامُ يَفِيضُ عَلى القَوابِلِ حَسْبَما اسْتَعَدَّتْ لَهُ وسَألَتْهُ بِلِسانِ حالِها، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ
صفحة 128
والأرْضِ﴾ إلَخْ، واسْتَدَلَّ الشَّيْخُ الأكْبَرُ مُحْيِي الدِّينِ قَدَّسَ سِرَّهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ عَلى شَرَفِ التَّلَوُّنِ، وكَذا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلى عَدَمِ بَقاءِ الجَوْهَرِ آنِّينَ، وعَلى هَذا الطِّرازِ ما قِيلَ في الآياتِ بَعْدُ، وذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) قَدْ ذُكِرَ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً، ثَمانِيَةٌ مِنها عَقِيبَ تَعْدادِ عَجائِبِ خَلْقِهِ تَعالى وذِكْرِ المَبْدَأِ والمِعادِ، وسَبْعَةٌ عَقِيبَ ذِكْرِ ما يُشْعِرُ بِالنّارِ وأهْوالِها عَلى عَدَدِ أبْوابِ جَهَنَّمَ، وثَمانِيَةٌ في وصْفِ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ ومِثْلُها في وصْفِ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ دُونَهُما عَلى عَدَدِ أبْوابِ الجَنَّةِ فَكَأنَّهُ أُشِيرَ بِذَلِكَ إلى أنَّ مَنِ اعْتَقَدَ الثَّمانِيَةَ الأوْلى وعَمِلَ بِمُوجِبِها اسْتَحَقَّ كِلْتا الجَنَّتَيْنِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ووَقاهُ جَهَنَّمَ ذاتَ الأبْوابِ السَّبْعَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِإشاراتِ كِتابِهِ وحَقائِقَ خِطابِهِ ودَقائِقَ كَلامِهِ الَّتِي لا تُحِيطُ بِها الأفْهامُ وتَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences