Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Waqi'ah 56:13–26
56:13–14Page 534
ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣
A [large] company of the former peoples
وَقَلِيلٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ ١٤
And a few of the later peoples,
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرِ أيْ هم ثُلَّةٌ إلَخْ، وجُوَّزَ كَوْنِهِ مُبْتَدَأ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ مِنهم، أوْ خَبَرًا أوَّلًا أوْ ثانِيًا - لِأُولَئِكَ - وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ مُبْتَدَأ والخَبَرُ ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، والثُّلَّةُ في المَشْهُورِ الجَماعَةُ كَثُرَتْ أوْ قَلَّتْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأُمَّةُ مِنَ النّاسِ الكَثِيرَةِ وأنْشَدَ قَوْلَهُ:
وجاءَتْ إلَيْهِمْ ثُلَّةٌ خُنْدُفِيَّةٌ بِجَيْشٍ كَتَيّارٍ مِنَ السَّيْلِ مُزْبِدِ
وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: ﴿وقَلِيلٌ﴾ إلَخْ كَفى بِهِ دَلِيلًا عَلى الكَثْرَةِ انْتَهى، والظّاهِرُ أنَّهُ أنْشَدَ البَيْتَ شاهِدًا لِمَعْنى الكَثْرَةِ في الثُّلَّةِ فَإنْ كانَتِ الباءُ تَجْرِيدِيَّةً وهو الظّاهِرُ فَنَصَّ وإلّا فالِاسْتِدْلالُ عَلَيْها مِن أنَّ المَقامَ مَقامُ مُبالَغَةٍ ومَدْحٍ، وأمّا اسْتِدْلالُهُ بِما بَعْدُ فَذَلِكَ لِأنَّ التَّقابُلَ مَطْلُوبٌ لِأنَّ الثُّلَّةَ لَمْ تُوضَعْ لِلْقَلِيلِ بِالإجْماعِ حَتّى يَحْمِلَ ما بَعْدُ عَلى التَّقَنُّنِ بَلْ هي إمّا لِلْكَثْرَةِ والِاشْتِقاقِ عَلَيْها أدُلُّ لِأنَّ الثَّلَّ بِمَعْنى الصَّبِّ وبِمَعْنى الهَدْمِ بِالكُلِّيَّةِ، والثُّلَّةِ بِالكَسْرِ الضَّأْنُ الكَثِيرَةِ وإمّا لِمُطْلَقِ الجَماعَةِ كالفِرْقَةِ والقِطْعَةِ مِنَ الثَّلِّ بِمَعْنى الكَسْرِ كَأنَّها جَماعَةٌ كُسِرَتْ مِنَ النّاسِ وقُطِعَتْ مِنهم إلّا أنَّ الاسْتِعْمالِ غَلَبَ عَلى الكَثِيرِ فِيها فالمَعْنى جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وهُمُ النّاسُ المُتَقَدِّمُونَ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى نَبِيِّنا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَلى مَن بَيْنِهُما مِنَ الأنْبِياءِ العِظامِ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وهُمُ النّاسُ مِن لَدُنْ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى قِيامِ السّاعَةِ ولا يُخالِفُهُ
قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنَّ أُمَّتِي يَكْثُرُونَ سائِرَ الأُمَمِ»» أيْ يَغْلِبُونَهم في الكَثْرَةِ لِأنَّ أكْثَرِيَّةَ سابِقِي المُتَقَدِّمِينَ مِن سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ لا تَمْنَعُ أكْثَرِيَّةَ تابِعِيٍّ هَؤُلاءِ مِن تابِعِيٍّ أُولَئِكَ.
وحاصِلُ ذَلِكَ غَلَبَةُ مَجْمُوعِ هَذِهِ الأُمَّةِ كَثْرَةً عَلى مَن سِواها كَقَرْيَةٍ فِيها عَشَرَةٌ مِنَ العُلَماءِ ومِائَةٌ مِنَ العَوامِّ وأُخْرى فِيها خَمْسَةٌ مِنَ العُلَماءِ وألْفٌ مِنَ العَوامِّ فَخَواصُّ الأُولى أكْثَرُ مِن خَواصِّ الثّانِيَةِ وعَوامُّ الثّانِيَةِ ومَجْمُوعُ أهْلِها أضْعافُ أُولَئِكَ، لا يُقالُ يَأْبى أكْثَرِيَّةُ تابِعِيٍّ هَؤُلاءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقِعَةِ: 39، 40] فَإنَّهُ في حَقِّ أصْحابِ اليَمِينِ وهُمُ التّابِعُونَ، وقَدْ عَبَّرَ في كُلٍّ بِالثُّلَّةِ أيِ الجَماعَةِ الكَثِيرَةِ لِأنّا نَقُولُ لا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى أكْثَرِ مِن وصْفِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِالكَثْرَةِ وذَلِكَ لا يُنافِي أكْثَرِيَّةَ أحَدِهِما فَتَحْصُلُ أنَّ سابِقِي الأُمَمِ السَّوالِفِ أكْثَرُ مِن سابِقِي أُمَّتِنا. وتابِعِيٌّ أمَتِّنا أكْثَرُ مِن تابِعِيِ الأُمَمِ، والمُرادُ بِالأُمَمِ ما يَدْخُلُ فِيهِ الأنْبِياءُ وحِينَئِذٍ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ كَثْرَةَ سابِقِي الأوَّلِينَ لَيْسَ إلّا بِأنْبِيائِهِمْ فَما عَلى سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ بَأْسٌ إذْ أكْثَرَهم سابِقُو الأُمَمِ بِضَمٍّ لِأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ بَلْأنْتُمْ نِصْفُ أهْلِ الجَنَّةِ - أوْ شَطْرُ أهْلِ الجَنَّةِ - وتُقاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثّانِي»» وظاهِرُهُ أنَّهُ شَقَّ عَلَيْهِمْ قِلَّةُ مَن وُصِفَ بِها وأنَّ الآيَةَ الثّانِيَةَ أزالَتْ ذَلِكَ ورَفَعَتْهُ وأبْدَلَتْهُ بِالكَثْرَةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ حَزِنَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
صفحة 135
وقالُوا إذًا لا يَكُونُ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلّا قَلِيلٌ فَنَزَلَتْ نِصْفَ النَّهارِ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَنَسَخَتْ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وأبى ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: إنَّ الرِّوايَةَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِأمْرَيْنِ:
أحَدِهِما أنَّ الآيَةَ الأُولى وارِدَةٌ في السّابِقِينَ، والثّانِيَةَ في أصْحابِ اليَمِينِ، والثّانِي أنَّ النَّسْخَ في الأخْبارِ غَيْرُ جائِزٍ فَإذا أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِالقِلَّةِ لَمْ يَجُزْ أنْ يُخْبِرَ عَنْهم بِالكَثْرَةِ مِن ذَلِكَ الوَجْهِ وما ذَكَرَ مِن عَدَمِ جَوازِ النَّسْخِ في الأخْبارِ أيْ في مَدْلُولِها مُطْلَقًا هو المُخْتارُ.
وقِيلَ: يَجُوزُ النَّسْخُ في المُتَغَيِّرِ إنْ كانَ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ لِجَوازِ المَحْوِ لِلَّهِ تَعالى فِيما يُقَدِّرُهُ والإخْبارُ يَتْبَعُهُ، وعَلى هَذا البَيْضاوِيِّ، وقِيلَ: يَجُوزُ عَنِ الماضِي أيْضًا وعَلَيْهِ الإمامُ الرّازِيُّ والآمَدَيُّ، وأمّا نَسْخُ مَدْلُولِ الخَبَرِ إذا كانَ مِمّا لا يَتَغَيَّرُ كَوُجُودِ الصّانِعِ وحُدُوثِ العالَمِ فَلا يَجُوزُ اتِّفاقًا فَإنْ كانَ ما نَحْنُ فِيهِ مِمّا يَتَغَيَّرُ فَنَسْخُهُ جائِزٌ عِنْدَ البَيْضاوِيِّ ويُوافِقُهُ ظَهْرُ خَبَرِ أبِي هُرَيْرَةَ الثّانِي، ولا يَجُوزُ عَلى المُخْتارِ الَّذِي عَلَيْهِ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ فَقَوْلُ صاحِبِ الكَشْفِ: لا خِلافَ في عَدَمِ جَوازِ النَّسْخِ في مِثْلِ ما ذُكِرَ مِنَ الخَبَرِ إذْ لا يَتَضَمَّنُ حُكْمًا شَرْعَيًّا لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ.
وأقُولُ: قَدْ يُتَعَقَّبُ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّ الحَدِيثَ قَدْ صَحَّ ووُرُودُ الآيَةِ الأُولى في السّابِقِينَ والثّانِيَةِ في أصْحابِ اليَمِينِ لا يُرَدُّ مُقْتَضاهُ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لَمّا سَمِعُوا الآيَةَ الأُولى حَسِبُوا أنَّ الأمْرَ في هَذِهِ الأُمَّةِ يَذْهَبُ عَلى هَذا النَّهْجِ فَيَكُونُ أصْحابُ اليَمِينِ ثُلَّةً مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلًا مِنهم فَيَكْثُرُهُمُ الفائِزُونَ بِالجَنَّةِ مِنَ الأُمَمِ السَّوالِفِ فَحَزِنُوا لِذَلِكَ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى في أصْحابِ اليَمِينِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما قالَ مِمّا أذْهَبَ بِهِ حُزْنَهم ولَيْسَ في هَذا نَسْخٌ لِلْخَبَرِ كَما لا يَخْفى.
وقَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ فَنَسَخَتْ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ إنْ صَحَّ عَنْهُ يَنْبَغِي تَأْوِيلُهُ بِأنْ يُقالَ أرادَ بِهِ فَأزالَتْ حُسْبانَ أنْ يُذْكَرَ نَحْوُهُ في الفائِزِينَ بِالجَنَّةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ غَيْرُ السّابِقَيْنِ فَتَدَبَّرْ، وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: الفِرْقَتانِ أيْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ في أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ في صَدْرِها ثُلَّةٌ وفي آخِرِها قَلِيلٌ، وقِيلَ: هُما مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانُوا في صَدْرِ الدُّنْيا كَثِيرِينَ وفي آخِرِها قَلِيلِينَ.
وقالَ أبُو حَيّانَ:
جاءَ في الحَدِيثِ - الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي فَسابِقُ أوَّلِ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ وسابِقُ سائِرِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ -
انْتَهى، وجاءَ في فِرْقَتِي أصْحابِ اليَمِينِ نَحْوَ ذَلِكَ، أخْرَجَ مُسَدَّدُ في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قالَ: هُما جَمِيعًا مِن هَذِهِ الأُمَّةِ».
وأخْرَجَ جَماعَةٌ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا ما لَفْظُهُ هُما جَمِيعًا مِن أُمَّتِي
وعَلى هَذا يَكُونُ الخِطابُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ لِهَذِهِ الأُمَّةِ فَقَطْ
56:15–16Page 534
عَلَىٰ سُرُرٖ مَّوۡضُونَةٖ ١٥
On thrones woven [with ornament],
مُّتَّكِـِٔينَ عَلَيۡهَا مُتَقَٰبِلِينَ ١٦
Reclining on them, facing each other.
﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ حالٌ مِنَ المُقَرَّبِينَ أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ بِناءً عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ كَما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: هو خَبَرٌ آخَرُ لِلضَّمِيرِ المَحْذُوفِ المُخْبِرِ عَنْهُ أوَّلًا – بِثُلَّةٍ - وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ، و﴿مَوْضُونَةٍ﴾ مِنَ الوَضْنِ وهو نَسْجُ الدِّرْعِ قالَ الأعْشى:
ومِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيرًا فَعِيرًا
واسْتُعِيرَ لِمُطْلَقِ النَّسْجِ أوْ لِنَسْجٍ مُحْكَمٍ مَخْصُوصٍ، ومِن ذَلِكَ وضِينُ النّاقَةِ وهو حِزامُها لِأنَّهُ مَوْضُونٌ أيْ مَفْتُولٌ والمُرادُ هُنا عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْمُولَةٌ أيْ مَنسُوجَةٍ بِالذَّهَبِ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ بِقُضْبانِ الفِضَّةِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ، وقِيلَ: ﴿مَوْضُونَةٍ﴾ مُتَّصِلٌ بَعْضُها بِبَعْضٍ كَحِلَقِ الدِّرْعِ، والمُرادُ مُتَقارِبَةٌ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو السَّمّالِ «سُرَرٍ» بِفَتْحِ الرّاءِ وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ تَمِيمٍ، وكَلْبٌ يَفْتَحُونَ
صفحة 136
عَيْنَ فُعُلٍ جَمْعُ فَعِيلٍ المُضَعَّفُ نَحْوَ سَرِيرٍ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَقِرِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ أعْنِي عَلى سُرُرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ حالٌ مِنهُ أيْضًا ولَكَ أنْ تَعْتَبِرَ الحالَيْنِ مُتَداخِلَيْنِ.
والمُرادُ كَما قالَ مُجاهِدٌ: لا يَنْظُرُ أحَدُهم في قَفا صاحِبِهِ وهو وصْفٌ لَهم بِحُسْنِ العِشْرَةِ وتَهْذِيبِ الأخْلاقِ ورِعايَةِ الآدابِ وصَفاءِ البَواطِنِ،
56:17Page 535
يَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ ١٧
There will circulate among them young boys made eternal
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ حالٌ أُخْرى أوِ اسْتِئْنافٌ أيْ يَدُورُ حَوْلَهم لِلْخِدْمَةِ ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أيْ مُبْقُونَ أبَدًا عَلى شَكْلِ الوِلْدانِ وحَدُّ الوَصّافَةِ لا يَتَحَوَّلُونَ عَنْ ذَلِكَ، وإلّا فَكَلُّ أهْلِ الجَنَّةِ مُخَلَّدٌ لا يَمُوتُ، وقالَ الفَرّاءُ وابْنُ جُبَيْرٍ: مُقْرَطُونَ بِخِلَدَةٍ وهي ضَرْبٌ مِنَ الأقْراطِ قِيلَ:
هَمْ أوْلادُ أهْلِ الدُّنْيا لَمْ يَكُنْ لَهم حَسَناتٌ فَيُثابُوا عَلَيْها ولا سَيِّئاتٌ فَيُعاقِبُوا عَلَيْها، ورَوى هَذا أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ -
واشْتُهِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: «أوْلادُ الكُفّارِ خَدَمُ أهْلِ الجَنَّةِ»
- وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّهُ لَمْ يَصِحْ بَلْ صَحَّ ما يَدْفَعُهُ:
أخْرَجَ البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: تُوُفِّيَ صَبِيٌّ فَقُلْتُ: طُوبى لَهُ عُصْفُورٌ في الجَنَّةِ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أوْ لا تَدْرِينَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الجَنَّةَ وخَلَقَ النّارَ فَخَلَقَ لِهَذِهِ أهْلًا ولِهَذِهِ أهْلًا، وفي رِوايَةٍ خَلَقَهم لَها وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ».
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنْها أنَّها قالَتْ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ذَرارِيُّ المُؤْمِنِينَ فَقالَ مِن آبائِهِمْ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ بِلا عَمَلٍ قالَ: اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَذَرارِيُّ المُشْرِكِينَ قالَ: مِن آبائِهِمْ فَقُلْتُ: بِلا عَمَلٍ قالَ: اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ، وقِيلَ: إنَّهم يُمْتَحَنُونَ يَوْمَ القِيامَةِ فَتَخْرُجُ لَهم نارٌ ويُؤْمَرُونَ بِالدُّخُولِ فِيها فَمَن دَخَلَها وجَدَها بَرْدًا وسَلامًا وأُدْخِلَ الجَنَّةَ، ومَن أبى أُدْخِلَ النّارَ مَعَ سائِرِ الكُفّارِ» ويَرْوُونَ في ذَلِكَ أثَرًا.
ومِنَ الغَرِيبِ ما قِيلَ: إنَّهم بَعْدُ الإعادَةِ يَكُونُونَ تُرابًا كالبَهائِمِ، وفي الكَشْفِ الأحادِيثُ مُتَعارِضَةٌ في المَسْألَةِ وكَذَلِكَ المَذاهِبُ، والمَسْألَةُ ظَنِّيَّةُ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وهو عَزَّ وجَلَّ أعْلَمُ انْتَهى والأكْثَرُ عَلى دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى ومَزِيدِ رَحْمَتِهِ تَبارَكَ وتَعالى، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ.
56:18Page 535
بِأَكۡوَابٖ وَأَبَارِيقَ وَكَأۡسٖ مِّن مَّعِينٖ ١٨
With vessels, pitchers and a cup [of wine] from a flowing spring -
﴿بِأكْوابٍ﴾ بِآنِيَةٍ لا عُرًا لَها ولا خَراطِيمَ، والظّاهِرُ أنَّها الأقْداحُ وبِذَلِكَ فَسَّرَها عِكْرِمَةُ وهي جَمْعُ كُوبٍ ﴿وأبارِيقَ﴾ جَمْعُ إبْرِيقٍ وهو إناءٌ لَهُ خُرْطُومٌ قِيلَ: وعُرْوَةُ، وفي البَحْرِ أنَّهُ مِن أوانِي الخَمْرِ، وأنْشَدَ قَوْلَ عُدَيِّ بْنِ زَيْدٍ:
ودَعَوْا بِالصَّبُوحِ يَوْمًا فَجاءَتْ قَيْنَةٌ في يَمِينِها إبْرِيقُ
وفِيهِ أيْضًا أنَّهُ إفْعِيلُ مِنَ البَرِيقِ، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ مُعَرَّبُ - آبَ رِيزايُ - صابُّ الماءِ وهو أنْسَبُ مِمّا في بَعْضِ نُسَخِ القامُوسِ أنَّهُ مُعْرَّبُ - آبَ رِي - بِلا زايٍ، وأيًّا ما كانَ فَهو لَيْسَ مَأْخُوذًا مِنَ البَرِيقِ، نَعَمِ الإبْرِيقُ بِمَعْنى المَرْأةِ الحَسَنَةِ والبَرّاقَةِ والسَّيْفِ البَرّاقِ والقَوْسِ فِيها تَلامِيعُ مَأْخُوذٌ مِن ذَلِكَ، ولَعَلَّهُ يَقُولُ بِأنَّهُ عَرَبِيٌّ لا مُعَرَّبَ، وأنَّ البَرِيقَ مِمّا فِيهِ مِنَ الخَمْرِ والشُّعَراءِ يَصِفُونَها بِذَلِكَ كَقَوْلِهِ:
مُشَعْشَعَةٌ كَأنَّ الحَصَّ فِيها ∗∗∗ إذا ما الماءُ خالَطَها سَخِينًا
أوْ لِأنَّهُ غالِبًا يُتَّخَذُ مِمّا لَهُ نَوْعُ بِرِيقٍ كالبَلُّورِ والفِضَّةِ ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ أيْ خَمْرٍ جارِيَةٍ مِنَ العُيُونِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ أيْ لَمْ يُعْصَرْ كَخَمْرِ الدُّنْيا، وقِيلَ: خَمْرٌ ظاهِرَةٌ لِلْعُيُونِ مَرْئِيَّةٌ بِها لِأنَّها كَذَلِكَ أهْنَأُ، وأُفْرِدَ الكَأْسُ عَلى ما قِيلَ لِأنَّها لا تُسَمّى كَأْسًا إلّا إذا كانَتْ مَمْلُوءَةً
56:19Page 535
لَّا يُصَدَّعُونَ عَنۡهَا وَلَا يُنزِفُونَ ١٩
No headache will they have therefrom, nor will they be intoxicated -
﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ أيْ بِسَبَبِها وحَقِيقَتِهَ
صفحة 137
لا يَصْدُرُ صُداعُهم عَنْها، والمُرادُ أنَّهم لا يَلْحَقُ رُؤُوسَهم صُداعٌ لِأجْلِ خِمارٍ يَحْصُلُ مِنها كَما في خُمُورِ الدُّنْيا، وقِيلَ: لا يُفَرَّقُونَ عَنْها بِمَعْنى لا تُقْطَعُ عَنْهم لَذَّتُهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كَما تُفَرِّقُ أهْلَ خَمْرِ الدُّنْيا بِأنْواعِ التَّفْرِيقِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ «لا يَصَّدَّعُونَ» بِفَتْحِ الياءِ وشَدِّ الصّادِ عَلى أنَّ أصْلَهُ يَتَصَدَّعُونَ فَأُدْغِمَ التّاءُ في الصّادِ أيْ لا يَتَفَرَّقُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الرُّومِ: 43]، وقُرِئَ «لا يَصْدَعُونَ» بِفَتْحِ الياءِ والتَّخْفِيفِ أيْ لا يُصَدِّعُ بَعْضُهم بَعْضًا ولا يُفَرِّقُونَهم أيْ لا يَجْلِسُ داخِلُ مِنهم بَيْنَ اثْنَيْنِ فَيُفَرِّقُ بَيْنَ المُتَقارِبِينَ فَإنَّهُ سُوءُ الأدَبِ ولَيْسَ مِن حُسْنِ العِشْرَةِ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم بِكَسْرِها مِن نَزْفِ الشّارِبِ كَعَنِيَ إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ، ويُقالُ لِلسَّكْرانِ نَزِيفٌ ومَنزُوفٌ، وقِيلَ: وهو مِن نَزَفَ الماءَ نَزَحَهُ مِنَ البِئْرِ شَيْئًا فَشَيْئًا فَكانَ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعَبْدُ اللَّهِ والسُّلَمِيُّ والجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وعِيسى وعاصِمُ كَما أخْرَجَ عَنْهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ «ولا يُنْزِفُونَ» بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مِن أنْزَفَ الشّارِبُ إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ أوْ شَرابُهُ، ومَعْناهُ صارَ ذا نَزْفٍ ونَظِيرُهُ أقْشَعَ السَّرابُ وقَشَعَتْهُ الرِّيحُ وحَقِيقَتُهُ دَخَلَ في القَشْعِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا «ولا يَنْزِفُونُ» بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ قالَ: في المَجْمَعِ وهو مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ لا يَفْنى خَمْرُهم، والتَّناسُبُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ عَلى ما سَمِعْتَ فِيهِما أوَّلًا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ أنَّ الأُولى لِبَيانِ نَفْيِ الضَّرَرِ عَنِ الأجْسامِ، والثّانِيَةُ لِبَيانِ نَفْيِ الضَّرَرِ عَنِ العُقُولِ وتَأمَّلْ لِتَعَرُّفِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَلى ما عَدا ذَلِكَ
56:20–21Page 535
وَفَٰكِهَةٖ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ ٢٠
And fruit of what they select
وَلَحۡمِ طَيۡرٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ ٢١
And the meat of fowl, from whatever they desire.
﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أيْ يَأْخُذُونَ خَيْرَهُ وأفْضَلَهُ والمُرادُ مِمّا يَرْضَوْنَهُ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ مِمّا تَمِيلُ نُفُوسُهم إلَيْهِ وتَرْغَبُ فِيهِ، والظّاهِرُ أنَّ فاكِهَةَ ولَحْمَ مَعْطُوفانِ عَلى أكْوابٍ فَتُفِيدُ الآيَةُ أنَّ الوِلْدانَ يَطُوفُونَ بِهِما عَلَيْهِمْ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّهُ قَدْ جاءَ في الآثارِ أنَّ فاكِهَةَ الجَنَّةِ وثِمارَها يَنالُها القائِمُ والقاعِدُ والنّائِمُ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها دانِيَةٌ مِن أرْبابِها فَيَتَناوَلُونَها مُتَّكِئِينَ فَإذا اضْطَجَعُوا نَزَلَتْ بِإزاءِ أفْواهِهِمْ فَيَتَناوَلُونَها مُضْطَجِعِينَ، وأنَّ الرَّجُلَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَشْتَهِي الطَّيْرَ مِن طُيُورِ الجَنَّةِ فَيَقَعُ في يَدِهِ مَقْلِيًّا نَضِجًا، وقَدْ أخْرَجَ هَذا ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ أبِي أُمامَةَ.
وأخْرَجَ عَنْ مَيْمُونَةَ مَرْفُوعًا «أنَّ الرَّجُلَ لِيَشْتَهِيَ الطَّيْرَ في الجَنَّةِ فَيَجِيءُ مِثْلَ البُخْتِيِّ حَتّى يَقَعَ عَلى خِوانِهِ لَمْ يُصِبْهُ دُخّانٌ ولَمْ تَمَسَّهُ نارٌ فَيَأْكُلُ مِنهُ حَتّى يَشْبَعَ ثُمَّ يَطِيرُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ»، وإذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ اسْتُغْنِيَ عَنْ طَوافِهِمْ بِالفاكِهَةِ واللَّحْمِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - حالَةُ الِاجْتِماعِ والشُّرْبِ، ويَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِلْإكْرامِ ومَزِيدِ المَحَبَّةِ والتَّعْظِيمِ والِاحْتِرامِ، وهَذا كَما يُناوِلُ أحَدُ الجُلَساءِ عَلى خُوانِ الآخَرِ بَعْضَ ما عَلَيْهِ مِنَ الفَواكِهِ ونَحْوَها وإنْ كانَ ذَلِكَ قَرِيبًا مِنهُ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ وإظْهارًا لِمَحَبَّتِهِ والِاحْتِفالِ بِهِ، وجُوَّزَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى جَنّاتِ النَّعِيمِ وهو مِن بابِ - مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا - أوْ مِن بابِهِ المَعْرُوفِ، وتَقْدِيمُ الفاكِهَةِ عَلى اللَّحْمِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم لَيْسُوا بِحالَةٍ تَقْتَضِي تَقْدِيمَ اللَّحْمِ كَما في الجائِعِ فَإنَّ حاجَتَهُ إلى اللَّحْمِ أشَدُّ مِن حاجَتِهِ إلى الفاكِهَةِ بَلْ هم بِحالَةٍ تَقْتَضِي تَقْدِيمَ الفاكِهَةِ واخْتِيارَها كَما في الشَّبْعانِ فَإنَّهُ إلى الفاكِهَةِ أمِيلُ مِنهُ إلى اللَّحْمِ، وجُوَّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّ عادَةً أهْلَ الدُّنْيا لا سِيَّما أهْلَ الشُّرْبِ مِنهم تَقْدِيمُ الفاكِهَةِ في الأكْلِ وهو طِبًّا مُسْتَحْسَنٌ لِأنَّها ألْطَفُ وأسْرَعُ انْحِدارًا وأقَلُّ احْتِياجًا إلى المُكْثِ في المَعِدَةِ لِلْهَضْمِ، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ أحَدَ أسْبابِ الهَيْضَةِ إدْخالُ اللَّطِيفِ مِنَ الطَّعامِ عَلى الكَثِيفِ مِنهُ ولِأنَّ الفاكِهَةَ تُحَرِّكُ الشَّهْوَةَ لِلْأكْلِ واللَّحْمِ يَدْفَعُها غالِبًا.
ويُعْلَمُ مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ وجْهَ تَخْصِيصِ التَّخَيُّرِ بِالفاكِهَةِ والِاشْتِهاءِ بِاللَّحْمِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الفاكِهَةَ
صفحة 138
لَمْ تَزَلْ حاضِرَةً عِنْدَهم وبِمَرْأى مِنهم دُونَ اللَّحْمِ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّها مِمّا تَلَذُّهُ الأعْيُنُ دُونَهُ، وقِيلَ: وجْهُ التَّخْصِيصِ كَثْرَةُ أنْواعِ الفاكِهَةِ واخْتِلافُ طَعُومِها وألْوانِها وأشْكالِها وعَدَمُ كَوْنِ اللَّحْمِ كَذَلِكَ، وفي التَّعْبِيرِ بِيَتَخَيَّرُونَ دُونَ يَخْتارُونَ وإنْ تَقارَبا مَعْنًى إشارَةٌ لِمَكانِ صِيغَةِ التَّفَعُّلِ إلى أنَّهم يَأْخُذُونَ ما يَكُونُ مِنها في نِهايَةِ الكَمالِ وأنَّهم في غايَةِ الغِنى عَنْها، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ
﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ عَطْفٌ عَلى ( وِلْدانٌ ) أوْ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ( مُتَّكِئِينَ ) أوْ عَلى مُبْتَدَأٍ حُذِفَ هو وخَبَرُهُ أيْ لَهم هَذا كُلٌّ ﴿وحُورٌ﴾ أوْ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ أيْ لَهم، أوْ فِيها حُورٌ، وتُعُقِّبَ الوَجْهُ الأوَّلُ بِأنَّ الطَّوافَ لا يُناسِبُ حالَهُنَّ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مِنَ الحُورِ ما لَيْسَ بِمَقْصُوراتٍ في الخِيامِ ولا مُخَدَّراتٍ هُنَّ كالخَدَمِ لَهُنَّ لا يُبالى بِطَوافِهِنَّ ولا يُنْكَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ، وأنَّ الطَّوافَ في الخِيامِ أنْفُسِها وهو لا يُنافِي كَوْنَهم مَقْصُوراتٍ فِيها، أوْ أنَّ العَطْفَ عَلى مَعْنى لَهم ( وِلْدانٌ وحُورٌ ) والثّانِي بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، والثّالِثُ بِكَثْرَةِ الحَذْفِ، ( وعِينٌ ) جَمْعُ عَيْناءَ وأصْلُهُ عُيْنٌ عَلى فُعْلٍ كَما تَقُولُ حَمْراءُ وحُمْرٌ فَكُسِرَتِ العَيْنُ لِئَلّا تَنْقَلِبَ الياءُ واوًا، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ ياءٌ ساكِنَةٌ قَبْلَها ضَمَّةٌ كَما أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ واوٌ ساكِنَةٌ قَبْلَها كَسْرَةٌ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ والمُفَضَّلُ وأبانٌ وعِصْمَةُ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ «وحُورٍ عِينٍ» بِالجَرِّ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ قَلَبَ الواوَ ياءً والضَّمَّةَ قَبْلَها كَسْرَةً في «حُورٍ» فَقالَ: وحِيرٍ عَلى الإتْباعِ - لِعِينٍ - وخُرِّجَ عَلى العَطْفِ عَلى ( جَنّاتِ النَّعِيمِ ) وفِيهِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قِيلَ: هم في جَنّاتٍ وفاكِهَةٍ ولَحْمٍ ومُصاحَبَةِ حُورٍ عَلى تَشْبِيهِ مُصاحَبَةِ الحُورِ بِالظَّرْفِ عَلى نَهْجِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، وقَرِينَتُها التَّخْيِيلِيَّةُ إثْباتُ مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ بِكَلِمَةِ ( في ) فَهي باقِيَةٌ عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ ولا جَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وذَهَبَ إلى العَطْفِ المَذْكُورِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ فَقالَ: فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكُ كَلامٍ مُرْتَبِطٍ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وهو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ - ولَيْسَ كَما قالَ كَما لا يَخْفى - أوْ عَلى (أكْوابِ) ويُجْعَلُ مِن بابِ - مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا - كَما سَمِعْتَ آنِفًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُنَعَّمُونَ بِأكْوابٍ وبِحُورٍ، وجُوِّزَ أنْ يَبْقى عَلى ظاهِرِهِ المَعْرُوفِ، وأنَّ الوِلْدانَ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ أيْضًا لِعَرْضِ أنْواعِ اللَّذّاتِ عَلَيْهِمْ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَنكُوحِ كَما تَأْتِي الخُدّامُ بِالسِّرارِي لِلْمُلُوكِ ويَعْرِضُوهُنَّ عَلَيْهِمْ، وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو عُمَرَ وقُطْرُبٌ، وأبى ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: أمّا العَطْفُ عَلى الوِلْدانِ عَلى الظّاهِرِ فَلا لِأنَّ الوِلْدانَ لا يَطُوفُونَ بِهِنَّ طَوافَهم بِالأكْوابِ، والقَلْبُ إلى هَذا أمْيَلُ إلّا أنْ يَكُونَ هُناكَ أثَرٌ يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ، وكَوْنُ الجَرِّ لِلْجِوارِ يَأْباهُ الفَصْلُ أوْ يُضَعِّفُهُ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ - وحُورًا عِينًا - بِالنَّصْبِ، وخُرِّجَ عَلى العَطْفِ عَلى مَحَلِّ ﴿بِأكْوابٍ﴾ لِأنَّ المَعْنى يُعْطَوْنَ أكْوابًا وحُورًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِمَحْذُوفٍ أيْ ويُعْطَوْنَ حُورًا أوْ عَلى العَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ وقَعَ مَفْعُولًا بِهِ لِمَحْذُوفٍ أيْضًا أيْ يُعْطَوْنَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا، وقَرَأ قَتادَةُ «وحُورُ» بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى «عِينٍ»، وابْنُ مُقْسِمٍ «وحُورَ» بِالنَّصْبِ مُضافًا، وعِكْرِمَةُ - وحَوْراءَ عَيْناءَ - عَلى التَّوْحِيدِ اسْمُ جِنْسٍ وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ فِيهِما فاحْتَمَلَ الجَرَّ والنَّصْبَ
56:23–24Page 535
كَأَمۡثَٰلِ ٱللُّؤۡلُوِٕ ٱلۡمَكۡنُونِ ٢٣
The likenesses of pearls well-protected,
جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٤
As reward for what they used to do.
﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ أيْ في الصَّفاءِ، وقُيِّدَ بِالمَكْنُونِ أيِ المَسْتُورِ بِما يَحْفَظُهُ لِأنَّهُ أصْفى وأبْعَدُ مِنَ التَّغَيُّرِ، وفي الحَدِيثِ صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي، ووَصْفُ الحَسِناتِ بِذَلِكَ شائِعٌ في العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ:
قامَتْ تَراءى بَيْنَ سِجْفَيْ كِلَّةٍ كالشَّمْسِ يَوْمَ طُلُوعِها بِالأسْعَدِ
صفحة 139
أوْ دُرَّةٌ صَدَفِيَّةٌ غَوّاصُها ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلُّ ويَسْجُدُ
والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِحُورٍ، أوِ الحالِ، والإتْيانُ بِالكافِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّشْبِيهِ، ولَعَلَّ الأمْرَ عَلَيْهِ نَحْوَ زَيْدٌ قَمَرٌ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ يُفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ كُلُّهُ جَزاءً بِأعْمالِهِمْ أوْ بِالَّذِي اسْتَمَرُّوا عَلى عَمَلِهِ أوْ هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً.
56:25–26Page 535
لَا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا تَأۡثِيمًا ٢٥
They will not hear therein ill speech or commission of sin -
إِلَّا قِيلٗا سَلَٰمٗا سَلَٰمٗا ٢٦
Only a saying [of] peace, peace.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ ما لا يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الكَلامِ وهو الَّذِي يُورَدُ لا عَنْ رَوِيَّةٍ وفِكْرٍ فَيَجْرِي مَجْرى اللَّغا - وهو صَوْتُ العَصافِيرِ ونَحْوِها مِنَ الطَّيْرِ - وقَدْ يُسَمّى كُلُّ كَلامٍ قَبِيحٍ لَغْوًا ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ أيْ ولا نِسْبَةً إلى الإثْمِ أيْ لا يُقالُ لَهم أثِمْتُمْ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ تَفْسِيرَهُ بِالكَذِبِ، وأخْرَجَهُ هَنّادٌ عَنِ الضَّحّاكِ - وهو مِنَ المَجازِ كَما لا يَخْفى - والكَلامُ مِن بابِ ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ ﴿إلا قِيلا﴾ أيْ قَوْلًا فَهو مَصْدَرٌ مِثْلُهُ ﴿سَلامًا سَلامًا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿قِيلا﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلا سَلامًا﴾ [مَرْيَمَ: 62] وقالَ الزَّجّاجُ: هو صِفَةٌ لَهُ بِتَأْوِيلِهِ بِالمُشْتَقِّ أيْ سالِمًا مِن هَذِهِ العُيُوبِ أوْ مَفْعُولُهُ، والمُرادُ لَفْظُهُ فَلِذا جازَ وُقُوعُهُ مَفْعُولًا لِلْقَوْلِ مَعَ إفْرادِهِ، والمَعْنى إلّا أنْ يَقُولَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ( سَلاما)، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِن لَفْظِهِ وهو مَقُولُ القَوْلِ ومَفْعُولُهُ حِينَئِذٍ أيْ نُسَلِّمُ سَلامًا، والتَّكْرِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى فُشُوِّ السَّلامِ وكَثْرَتِهِ فِيما بَيْنَهم لِأنَّ المُرادَ سَلامًا بَعْدَ سَلامٍ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ وهو مِن تَأْكِيدِ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ مُحْتَمِلٌ لِأنْ يَكُونَ مِنَ الضَّرْبِ الأوَّلِ مِنهُ، وهو أنْ يُسْتَثْنى مِن صِفَةِ ذَمٍّ مَنفِيَّةٍ عَنِ الشَّيْءِ صِفَةَ مَدْحٍ لَهُ بِتَقْدِيرِ دُخُولِها فِيها بِأنْ يُقَدَّرَ السَّلامُ هُنا داخِلًا فِيما قِيلَ فَيُفِيدُ التَّأْكِيدَ مِن وجْهَيْنِ، وأنْ يَكُونَ مِنَ الضَّرْبِ الثّانِي مِنهُ وهو أنْ يُثْبِتَ لِشَيْءٍ صِفَةَ مَدْحٍ ويُعَقِّبَ بِأداةِ اسْتِثْناءٍ يَلِيها صِفَةُ مَدْحٍ أُخْرى بِأنْ لا يُقَدِّرَ ذَلِكَ، ويَجْعَلُ الِاسْتِثْناءَ مِن أصْلِهِ مُنْقَطِعًا فَيُفِيدُ التَّأْكِيدَ مِن وجْهٍ، ولَوْلا ذِكْرُ التَّأْثِيمِ - عَلى ما قالَهُ السَّعْدُ - جازَ جَعْلُ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا حَقِيقَةً لِأنَّ مَعْنى السَّلامِ الدُّعاءُ بِالسَّلامَةِ وأهْلُ الجَنَّةِ أغْنِياءُ عَنْ ذَلِكَ فَكانَ ظاهِرُهُ مِن قَبِيلِ اللَّغْوِ وفُضُولِ الكَلامِ لَوْلا ما فِيهِ مِن فائِدَةِ الإكْرامِ، وإنَّما مُنِعَ التَّأْثِيمُ الَّذِي هو النِّسْبَةُ إلى الإثْمِ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ جَعْلُ السَّلامِ مِن قَبِيلِهِ ولَيْسَ لَكَ في الكَلامِ أنْ تَذْكُرَ مُتَعَدِّدَيْنِ ثُمَّ تَأْتِي بِالِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ مِنَ الأوَّلِ مِثْلَ أنْ تَقُولَ: ما جاءَ مِن رَجُلٍ ولا امْرَأةٍ إلّا زَيْدًا ولَوْ قَصَدْتَ ذَلِكَ كانَ الواجِبُ أنْ تُؤَخِّرَ ذِكْرَ الرَّجُلِ، وقُرِئَ - سَلامٌ سَلامٌ - بِالرَّفْعِ عَلى الحِكايَةِ،
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences