Al-AlusiAl‑Waqi'ah · 56:27–46

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Waqi'ah 56:27–46

56:27–31Page 535

وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ ٢٧

The companions of the right - what are the companions of the right?

فِي سِدۡرٖ مَّخۡضُودٖ ٢٨

[They will be] among lote trees with thorns removed

وَطَلۡحٖ مَّنضُودٖ ٢٩

And [banana] trees layered [with fruit]

وَظِلّٖ مَّمۡدُودٖ ٣٠

And shade extended

وَمَآءٖ مَّسۡكُوبٖ ٣١

And water poured out

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ﴾ إلَخْ شُرُوعٌ في بَيانِ تَفاصِيلِ شُؤُونِهِمْ بَعْدَ بَيانِ تَفاصِيلِ شُؤُونِ السّابِقِينَ «وأصْحابُ» مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: ﴿ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُشْعِرَةٌ بِتَفْخِيمِهِمْ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ وهي عَلى ما قالُوا: إمّا خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لَهُ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هم في سِدْرٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما أُبْهِمَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ما ( أصْحابُ اليَمِينِ ) مِن عُلُوِّ الشَّأْنِ، وإمّا مُعْتَرِضَةٌ والخَبَرُ هو قَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿فِي سِدْرٍ﴾ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ والخَبَرُ هو هَذا الجارُّ والمَجْرُورُ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى في شَرْحِ أحْوالِ السّابِقَيْنِ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقِعَةَ: 11، 12] أيْ ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ﴾ المَقُولُ فِيهِمْ ما ﴿أصْحابُ اليَمِينِ﴾ كائِنُونَ ﴿فِي سِدْرٍ﴾ إلَخْ، والظّاهِرُ أنَّ التَّعْبِيرَ بِالمَيْمَنَةِ فِيما مَرَّ، وبِاليَمِينِ هُنا لِلتَّفَنُّنِ، وكَذا يُقالُ في المَشْأمَةِ والشِّمالِ فِيما بَعْدُ، وقالَ الإمامُ: الحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنَّ في المَيْمَنَةِ وكَذا المَشْأمَةِ

صفحة 140

دَلالَةً عَلى المَوْضِعِ والمَكانِ والأزْواجِ الثَّلاثَةِ في أوَّلِ الأمْرِ يَتَمَيَّزُ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ ويَتَفَرَّقُونَ بِالمَكانِ فَلِذا جِيءَ أوَّلًا بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلى المَكانِ وفِيما بَعْدُ يَكُونُ التَّمَيُّزُ والتَّفَرُّقُ بِأمْرٍ فِيهِمْ فَلِذا لَمْ يُؤْتَ بِذَلِكَ اللَّفْظِ ثانِيًا، والسِّدْرُ شَجَرُ النَّبْقِ، والمَخْضُودُ الَّذِي خُضِدَ أيْ قُطِعَ شَوْكُهُ، أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: ««كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْفَعُنا بِالأعْرابِ ومَسائِلِهِمْ أقْبَلَ أعْرابِيٌّ يَوْمًا فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ شَجَرَةً مُؤْذِيَةً وما كُنْتُ أرى أنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً تُؤْذِي صاحِبَها قالَ: وما هي ؟ قالَ: السِّدْرُ فَإنَّ لَهُ شَوْكًا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ألَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ خَضَدَ اللَّهُ شَوْكَهُ فَجَعَلَ مَكانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةً وأنَّ الثَّمَرَةَ مِن ثَمَرِهِ تَفَتَّقُ عَنِ اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ لَوْنًا مِنَ الطَّعامِ ما فِيها لَوْنٌ يُشْبِهُ الآخَرَ»».

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ أنَّهُ المُوقَرُ حِمْلًا عَلى أنَّهُ في خَضْدِ الغُصْنِ إذا ثَناهُ وهو رَطْبٌ فَمَخْضُودٌ مَثْنِيُّ الأغْصانِ كُنِّيَ بِهِ عَنْ كَثِيرِ الحِمْلِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ يَزِيدَ الرُّقّاشِيِّ أنَّ النَّبْقَةَ أعْظَمُ مِنَ القِلالِ والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ لِلْمُبالَغَةِ في تَمَكُّنِهِمْ مِنَ التَّنَعُّمِ والِانْتِفاعِ بِما ذُكِرَ ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ قَدْ نُضِدَ حِمْلُهُ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ لَيْسَتْ لَهُ ساقٌ بارِزَةٌ وهو شَجَرُ المَوْزِ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وأخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ بِالمَوْزِ ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ رَطْبٌ، وقالَ السُّدِّيُّ: شَجَرٌ يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيا ولَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أحْلى مِنَ العَسَلِ، وقِيلَ: هو شَجَرٌ مِن عِظامِ العِضاهِ، وقِيلَ: شَجَرُ أمْ غِيلانَ ولَهُ نَوّارٌ كَثِيرٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ مُمْتَدٍّ مُنْبَسِطٍ لا يَتَقَلَّصُ ولا يَتَفاوَتُ كَظِلِّ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ، وظاهِرُ الآثارِ يَقْتَضِي أنَّهُ ظِلُّ الأشْجارِ.

أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرّاكِبُ في ظِلِّها مِائَةَ عامٍ لا يَقْطَعُها اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾»».

وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرّاكِبُ في ظِلِّها مِائَةَ عامٍ لا يَقْطَعُها وذَلِكَ الظِّلُّ المَمْدُودُ»».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: الظِّلُّ المَمْدُودُ شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ عَلى ساقٍ ظِلُّها قَدْرُ ما يَسِيرُ الرّاكِبُ في كُلِّ نَواحِيها مِائَةَ عامٍ يَخْرُجُ إلَيْها أهْلُ الجَنَّةِ وأهْلُ الغُرَفِ وغَيْرُهم فَيَتَحَدَّثُونَ في ظِلِّها فَيَشْتَهِي بَعْضُهم ويَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيا فَيُرْسِلُ اللَّهُ تَعالى رِيحًا مِنَ الجَنَّةِ فَتُحَرِّكُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ بِكُلِّ لَهْوٍ في الدُّنْيا وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: هَذا الظِّلُّ مِن سِدْرِها وطَلْحِها، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ أنَّهُ قالَ: الظِّلُّ المَمْدُودُ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ ألْفَ سَنَةٍ ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ قالَ سُفْيانُ وغَيْرُهُ: جارٍ مِن غَيْرِ أخادِيدَ، وقِيلَ: مُنْسابٌ حَيْثُ شاؤُوا لا يَحْتاجُونَ فِيهِ إلى سانِيَةٍ ولا رِشاءٍ وذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ لِما أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لِبَداوَتِهِمْ تَمَنَّوْها، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانُوا يُعْجَبُونَ بِوَجٍّ وظِلالِهِ مِن طَلْحِهِ وسِدْرِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ إلَخْ، وفي رِوايَةٍ عَنِ الضَّحّاكِ «نَظَرَ المُسْلِمُونَ إلى وجٍّ فَأعْجَبَهم سِدْرُهُ وقالُوا: يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ هَذا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ».

صفحة 141

وقِيلَ: كَأنَّهُ لَمّا شَبَّهَ حالَ السّابِقِينَ بِأقْصى ما يُتَصَوَّرُ لِأهْلِ المُدُنِ مِن كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ تَطُوفُ عَلَيْهِمْ خُدّامُهم بِأنْواعِ المَلاذِّ شَبَّهَ حالَ أصْحابِ اليَمِينِ بِأكْمَلِ ما يُتَصَوَّرُ لِأهْلِ البَوادِي مِن نُزُولِهِمْ في أماكِنَ مُخْصِبَةٍ فِيها مِياهٌ وأشْجارٌ وظِلالٌ إيذانًا بِأنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ كالتَّفاوُتِ بَيْنَ أهْلِ المُدُنِ والبَوادِي، وذَكَرَ الإمامُ مُدَّعِيًا أنَّهُ مِمّا وُفِّقَ لَهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ مِن بابِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿رَبُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ ) [الشُّعَراءَ: 28، المُزَّمِّلَ: 9] لِأنَّ السِّدْرَ أوْراقُهُ في غايَةِ الصِّغَرِ والطَّلْحَ يَعْنِي المَوْزَ أوْراقُهُ في غايَةِ الكِبَرِ فَوَقَعَتِ الإشارَةُ إلى الطَّرَفَيْنِ فَيُرادُ جَمِيعُ الأشْجارِ لِأنَّها نَظَرًا إلى أوْراقِها مَحْصُورَةٌ بَيْنَهُما وهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وعَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم «وطَلْعٍ» بِالعَيْنِ بَدَلَ ﴿وطَلْحٍ﴾ بِالحاءِ، وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبّادٍ قالَ: قَرَأْتُ عَلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ فَقالَ: ما بالُ الطَّلْحِ ؟ أما تَقْرَأُ وطَلْعٍ، ثُمَّ قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: 10] فَقِيلَ لَهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أنَحْكِها مِنَ المُصْحَفِ ؟ فَقالَ: لا يُهاجُ القُرْآنُ اليَوْمَ وهي رِوايَةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ كَما نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ الطَّيِّبِيُّ، وكَيْفَ يُقِرُّ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ تَحْرِيفًا في كِتابِ اللَّهِ تَعالى المُتَداوَلِ بَيْنَ النّاسِ، أوْ كَيْفَ يُظَنُّ بِأنَّ نَقَلَةَ القُرْآنِ ورُواتِهِ وكُتّابَهُ مِن قَبْلُ تَعَمَّدُوا ذَلِكَ أوْ غَفَلُوا عَنْهُ ؟ هَذا واللَّهُ تَعالى قَدْ تَكَفَّلَ بِحِفْظِهِ سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ.

ثُمَّ إنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ الجَلِيلُ كَما قالَ الطَّيِّبِيُّ: حَمْلُ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ إلَخْ عَلى مَعْنى التَّظْلِيلِ، وتَكاثُفِ الأشْجارِ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي لِأنَّ الفَواكِهَ مُسْتَغْنى عَنْها بِما بَعْدُ ولِيُقابِلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقِعَةَ: 41 - 43] قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ﴾ إلَخْ فَإذَنْ لا مَدْخَلَ لِحَدِيثِ الطَّلْعِ في مَعْنى الظِّلِّ وما يَتَّصِلُ بِهِ لَكِنْ قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّ وصْفَ الطَّلْحِ بِكَوْنِهِ مَنضُودًا لا يَظْهَرُ لَهُ كَثِيرُ مُلاءَمَةٍ لِكَوْنِ المَقْصُودِ مَنفَعَةَ التَّظْلِيلِ ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ الطَّلْحُ عَلى أنَّهُ مِن عِظامِ العِضاهِ عَلى ما ذَكَرَهُ في الصِّحاحِ فَشَجَرُ أُمِّ غِيلانَ والمَوْزِ لا ظِلَّ لَهُما يُعْتَدُّ بِهِ، ثُمَّ قالَ ولَوْ حُمِلَ الطَّلْحُ عَلى المَشْمُومِ لَكانَ وجْهًا انْتَهى، وقَدْ قَدَّمْنا لَكَ خَبَرَ سَبَبِ النُّزُولِ فَلا تَغْفُلْ

56:32–34Page 535

وَفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ ٣٢

And fruit, abundant [and varied],

لَّا مَقۡطُوعَةٖ وَلَا مَمۡنُوعَةٖ ٣٣

Neither limited [to season] nor forbidden,

وَفُرُشٖ مَّرۡفُوعَةٍ ٣٤

And [upon] beds raised high.

﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ أيْ بِحَسَبِ الأنْواعِ والأجْناسِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ.

﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ كَفَواكِهَ الدُّنْيا ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ عَمَّنْ يُرِيدُ تَناوُلَها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ولا يُحْظَرُ عَلَيْها كَما يُحْظَرُ عَلى بَساتِينِ الدُّنْيا، وقُرِئَ ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ بِالرَّفْعِ في الجَمِيعِ عَلى تَقْدِيرِ وهُناكَ فاكِهَةٌ إلَخْ ﴿وفُرُشٍ﴾ جَمْعُ فِراشٍ كَسِراجٍ وسُرُجُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِسُكُونِ الرّاءِ ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ مُنَضَّدَةٍ مُرْتَفِعَةٍ أوْ مَرْفُوعَةٍ عَلى الأسِرَّةِ فالرَّفْعُ حِسِّيٌّ كَما هو الظّاهِرُ، وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ارْتِفاعُها كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ ومَسِيرَةُ ما بَيْنَهُما خَمْسَمِائَةِ عامٍ» ولا تَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ العُرُوجُ والنُّزُولُ ونَحْوِهِما فالعالَمُ عالَمٌ آخَرُ وراءَ طَوْرِ عَقْلِكَ.

وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنِ الحَسَنِ أنَّ ارْتِفاعَها مَسِيرَةَ ثَمانِينَ سَنَةً ولَيْسَ بِمَثابَةِ الخَبَرِ السّابِقِ، وقالَ بَعْضُهم: أيْ رَفِيعَةُ القَدْرِ عَلى أنَّ رَفْعَها مَعْنَوِيٌّ بِمَعْنى شَرَفِها وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِالفُرُشِ ما يُفْرَشُ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ المُرادُ بِها النِّساءُ لِأنَّ المَرْأةَ يُكَنّى عَنْها بِالفِراشِ كَما يُكَنّى عَنْها بِاللِّباسِ ورَفْعُهُنَّ في الأقْدارِ والمَنازِلِ.

وقِيلَ: عَلى الأرائِكِ

56:35–36Page 535

إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ ٣٥

Indeed, We have produced them [i.e., the women of Paradise] in a [new] creation

فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا ٣٦

And made them virgins,

وأُيِّدَ إرادَةُ النِّساءِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ لِأنَّ الضَّمِيرَ في الأغْلَبِ

صفحة 142

يَعُودُ عَلى مَذْكُورٍ مُتَقَدِّمٍ ولَيْسَ إلّا الفُرُشُ ولا يُناسِبُ العَوْدُ إلَيْهِ إلّا بِهَذا المَعْنى والِاسْتِخْدامُ بَعِيدٌ هُنا، وعَلى القَوْلِ في الفُرُشِ الضَّمِيرُ لِلنِّساءِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِتَقَدُّمِ ما يَدُلُّ عَلَيْها فَهو تَتْمِيمٌ بَيانًا لِمُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ كَأنَّهُ قِيلَ: وفُرُشٌ مَرْفُوعَةٌ ونِساءٌ أوْ وحُورٌ عِينٌ، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ وصْفُهُنَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ﴾ تَتْمِيمًا لِلْبَيانِ زِيادَةً لِلتَّرْغِيبِ لا لِتَعْلِيلِ الرَّفْعِ، وقِيلَ: إنَّ المَرْجِعَ مُضْمَرٌ وتَقْدِيرُ المَنزِلِ وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ لِأزْواجِهِمْ أوْ لِنِسائِهِمْ فَإنّا إلَخِ اسْتِئْنافُ عِلَّةٍ لِلرَّفْعِ أيْ وفُرُشٌ مَرْفُوعَةٌ لِأزْواجِهِمْ لِأنّا أنْشَأْناهُنَّ، والأوَّلُ أوْفَقُ لِبَلاغَةِ القُرْآنِ العَظِيمِ، والمُرادُ بِأنْشَأْناهُنَّ أعَدْنا إنْشاءَهُنَّ مِن غَيْرِ وِلادَةٍ لِأنَّ المُخْبَرَ عَنْهُنَّ بِذَلِكَ نِساءَكُنَّ في الدُّنْيا.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وآخَرُونَ عَنْ أنَسٍ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: في الآيَةِ إنَّ المُنْشِئاتِ اللّاتِي كُنَّ في الدُّنْيا عَجائِزَ عُمْشًا رُمْصًا»» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وجَماعَةٌ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ الجُعْفِيِّ قالَ: ««سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ الثَّيِّبُ والأبْكارُ اللّاتِي كُنَّ في الدُّنْيا»» وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ في الشَّمائِلِ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ الحَسَنِ قالَ: ««أتَتْ عَجُوزٌ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أنْ يُدْخِلَنِي الجَنَّةَ فَقالَ: يا أُمَّ فُلانٍ إنَّ الجَنَّةَ لا تَدْخُلُها عَجُوزٌ فَوَلَّتْ تَبْكِي قالَ: أخْبِرُوها أنَّها لا تَدْخُلُها وهي عَجُوزٌ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ إلَخْ»، وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ الإنْشاءَ هو الِاخْتِراعُ الَّذِي لَمْ يُسْبَقْ بِخَلْقٍ ويَكُونُ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِالحُورِ العِينِ فالمَعْنى إنّا ابْتَدَأْناهُنَّ ابْتِداءً جَدِيدًا مِن غَيْرِ وِلادَةٍ ولا خَلْقٍ أوَّلَ ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ تَفْسِيرٌ لِما تَقَدَّمَ، والجَعْلُ إمّا بِمَعْنى التَّصْيِيرِ، ( وأبْكارا ) مَفْعُولٌ ثانٍ، أوْ بِمَعْنى الخَلْقِ و«أبْكارًا» حالٌ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ، والكَلامُ مِن قَبِيلِ ضِيقِ فَمِ الرَّكِيَّةِ، وفي الحَدِيثِ ««إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا جامَعُوا نِساءَهم عُدْنَ أبْكارًا»» أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ والبَزّارُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا

56:37–38Page 535

عُرُبًا أَتۡرَابٗا ٣٧

Devoted [to their husbands] and of equal age,

لِّأَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ ٣٨

For the companions of the right [who are]

﴿عُرُبًا﴾ مُتَحَبِّباتٍ إلى أزْواجِهِنَّ جَمْعُ عَرُوبٍ كَصَبُورٍ وصُبُرٍ، ورُوِيَ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وفَسَّرَها جَماعَةٌ أُخْرى بِغَنِجاتٍ، ولا يَخْفى أنَّ الغَنَجَ ألْطَفُ أسْبابِ التَّحَبُّبِ، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ العُرُوبُ الحَسَنَةُ الكَلامِ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ هُنَّ العَواشِقُ لِأزْواجِهِنَّ، ومِنهُ عَلى ما قِيلَ قَوْلُ لَبِيدٍ:

وفِي الخُدُورِ عُرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ رَيّا الرَّوادِفِ يُعْشى دُونَها البَصَرُ

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُنَّ الغُلُماتُ اللّاتِي يَشْتَهِينَ أزْواجَهم، وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا - «خَيْرُ نِسائِكُمُ العَفِيفَةُ الغُلْمَةُ» - وقالَ إسْحاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ النَّوْفَلِيُّ: العُرُوبُ الخَفِرَةُ المُتَبَذِّلَةُ لِزَوْجِها، وأنْشَدَ:

يَعْرِينَ عِنْدَ بُعُولِهِنَّ إذا خَلَوْا ∗∗∗ وإذا هم خَرَجُوا فَهُنَّ خِفارُ

ويَرْجِعُ هَذا إلى التَّحَبُّبِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عُرُبًا﴾ كَلامُهُنَّ عَرَبِيٌّ»، ولا أظُنُّ لِهَذا صِحَّةً والتَّفْسِيرُ بِالمُتَحَبِّباتِ هو الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وجَماعَةٌ - مِنها عَبّاسٌ والأصْمَعِيُّ - عَنْ أبِي عَمْرو، وأُخْرى - مِنها خارِجَةُ وكَرْدَمٌ - عَنْ نافِعٍ، وأُخْرى مِنها حَمّادٌ وأبُو بَكْرٍ وأبانٌ - عَنْ عاصِمٍ «عُرْبًا» بِسُكُونِ الرّاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي لِلتَّخْفِيفِ كَما في عُنُقٍ وعُنْقٍ ﴿أتْرابًا﴾ مُسْتَوَياتٍ في سَنٍّ واحِدٍ كَما قالَ أنَسٌ وابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ

صفحة 143

وقَتادَةُ وغَيْرُهم كَأنَّهُنَّ شُبِّهْنَ في التَّساوِي بِالتَّرائِبِ الَّتِي هي ضُلُوعُ الصَّدْرِ أوْ كَأنَّهُنَّ وقَعْنَ مَعًا عَلى التُّرابِ أيِ الأرْضِ وهُنَّ بَناتُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً وكَذا أزْواجُهُنَّ.

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُعاذٍ مَرْفُوعًا ««يَدْخُلُ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلِينَ أبْناءَ ثَلاثِينَ، أوْ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ»» والمُرادُ بِذَلِكَ كَمالُ الشَّبابِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ مُتَعَلِّقٌ - بِأنْشَأْنا - أوْ بِجَعَلْنا، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ - بِأتْرابًا - كَقَوْلِكَ فُلانٌ تِرْبٌ لِفُلانٍ أيْ مُساوٍ لَهُ فَهو مُحْتاجٌ إلى التَّأْوِيلِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَعَ هَذا لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ فائِدَةٍ وفِيهِ نَظَرٌ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ - لَأبْكارًا - أيْ كائِناتٌ لِأصْحابِ اليَمِينِ، وفِيهِ إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ لِطُولِ العَهْدِ أوْ لِلتَّأْكِيدِ والتَّحْقِيقِ [الواقِعَةَ: 39 - 80].

56:39–40Page 535

ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٩

A company of the former peoples

وَثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ ٤٠

And a company of the later peoples.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هم ثُلَّةٌ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لَهُمُ المُقَدَّرُ مُبْتَدَأً مَعَ ﴿فِي سِدْرٍ﴾ أوْ ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ مِنهم، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجارُّ والمَجْرُورُ قَبْلَهُ احْتِمالاتٌ اعْتُرِضَ الأخِيرُ مِنها بِأنَّ المَعْنى عَلَيْهِ غَيْرُ ظاهِرٍ ولا طَلاوَةَ فِيهِ، وجَعْلُ اللّامِ بِمَعْنى مِن كَما في قَوْلِهِ: ونَحْنُ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ أفْضَلُ لا يَخْفى حالُهُ - والأوَّلُونَ والآخِرُونَ - المُتَقَدِّمُونَ والمُتَأخِّرُونَ إمّا مِنَ الأُمَمِ وهَذِهِ الأُمَّةِ، أوْ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ فَقَطْ عَلى ما سَمِعْتَ فِيما تَقَدَّمَ، هَذا ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ في حَقِّ أصْحابِ اليَمِينِ - جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ - كَما قالَهُ عَزَّ وجَلَّ في حَقِّ السّابِقِينَ رَمْزًا إلى أنَّ الفَضْلَ في حَقِّهِمْ مُتَمَحِّضٌ كَأنَّ عَمَلَهم لِقُصُورِهِ عَنْ عَمَلِ السّابِقِينَ لَمْ يُعْتَبَرِ اعْتِبارُهُ. ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ ما ذُكِرَ مِن حالِ أصْحابِ اليَمِينِ هو حالُهُمُ الَّذِي يَنْتَهُونَ إلَيْهِ فَلا يُنافِي أنْ يَكُونَ مِنهم مَن يُعَذَّبُ لِمَعاصٍ فَعَلَها وماتَ غَيْرَ تائِبٍ عَنْها ثُمَّ يَدْخُلُ الجَنَّةَ. ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ المُؤْمِنَ العاصِيَ مِن أصْحابِ الشِّمالِ لِأنَّ صَرِيحَ أوْصافِهِمُ الآتِيَةِ يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا كافِرِينَ ويَلْزَمُ مِن جَعْلِ هَذا قِسْمًا عَلى حِدَةٍ كَوْنُ القِسْمَةِ غَيْرَ مُسْتَوْفاةٍ فَلْيُتَأمَّلْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

56:41–44Page 535

وَأَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ ٤١

And the companions of the left - what are the companions of the left?

فِي سَمُومٖ وَحَمِيمٖ ٤٢

[They will be] in scorching fire and scalding water

وَظِلّٖ مِّن يَحۡمُومٖ ٤٣

And a shade of black smoke,

لَّا بَارِدٖ وَلَا كَرِيمٍ ٤٤

Neither cool nor beneficial.

والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ﴾ عَلى نَمَطِ ما سَلَفَ في نَظِيرِهِ، والسَّمُومُ قالَ الرّاغِبُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تُؤَثِّرُ تَأْثِيرَ السُّمِّ، وفي الكَشّافِ حَرُّ نارٍ يَنْفُذُ في المَسامِّ والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَمِيمٍ﴾ وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ أيْ دُخانٌ أسْوَدُ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مالِكٍ وابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ وهي عَلى وزْنِ يَفْعُولٍ، ولَهُ نَظائِرُ قَلِيلَةٌ مِنَ الحُمَمَةِ القِطْعَةُ مِنَ الفَحْمِ وتَسْمِيَتُهُ ﴿ظِلا﴾ عَلى التَّشْبِيهِ التَّهَكُّمِيِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ سُرادِقُ النّارِ المُحِيطُ بِأهْلِها يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ فَإنَّها سَوْداءُ وكَذا كُلُّ ما فِيها أسْوَدُ بَهِيمٌ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنها. وقالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: هو جَبَلٌ مِنَ النّارِ أسْوَدُ يَفْزَعُ أهْلُ النّارِ إلى ذُراهُ فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ - لِظِلٍّ - وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ صِفَتانِ لَهُ، وتَقْدِيمُ الصِّفَةِ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الصِّفَةِ المُفْرَدَةِ جائِزٌ كَما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ وغَيْرُهُ أيْ لا بارِدٌ كَسائِرِ الظِّلالِ، ولا نافِعٌ لِمَن يَأْوِي إلَيْهِ مِن أذى الحَرِّ - وذَلِكَ كَرَمُهُ - فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ، ونَفى ذَلِكَ لِيَمْحَقَ تَوَهُّمَ ما في الظِّلِّ مِنَ الِاسْتِرْواحِ إلَيْهِ وإنْ وُصِفَ أوَّلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن يَحْمُومٍ﴾ والمَعْنى أنَّهُ ظِلٌّ حارٌّ ضارٌّ إلّا أنَّ لِلنَّفْيِ شَأْنًا لَيْسَ لِلْإثْباتِ. ومِن ذَلِكَ جاءَ التَّهَكُّمُ والتَّعْرِيضُ بِأنَّ الَّذِي يَسْتَأْهِلُ الظِّلَّ الَّذِي فِيهِ بَرْدٌ وإكْرامٌ غَيْرُ هَؤُلاءِ فَيَكُونُ

صفحة 144

أشْجى لِحُلُوقِهِمْ وأشَدَّ لِتَحَسُّرِهِمْ، وقِيلَ: الكَرَمُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَرَضِيٌّ في بابِهِ، فالظِّلُّ الكَرِيمُ هو المَرْضِيُّ في بَرْدِهِ ورَوْحِهِ، وفِيهِ أنَّهُ لا يُلائِمُ ما هُنا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا بارِدٍ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَفْيًا لِكَرامَةِ مَن يَسْتَرْوِحُ إلَيْهِ ونُسِبَ إلى الظِّلِّ مَجازًا، والمُرادُ أنَّهم يَسْتَظِلُّونَ بِهِ وهم مُهانُونَ، وقَدْ يَحْتَمِلُ المَجْلِسَ الرَّدِيءَ لِنَيْلِ الكَرامَةِ، وفي البَحْرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ - لِيَحْمُومٍ - ويَلْزَمُ مِنهُ وصْفُ الظِّلِّ بِهِما، وتُعُقِّبَ بِأنَّ وصْفَ اليَحْمُومِ وهو الدُّخانُ بِذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ فائِدَةٍ ! وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «لا بارِدٌ ولا كَرِيمٌ» بِرَفْعِهِما أيْ لا هو بارِدٌ ولا كَرِيمٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ أيْ لا أنا حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ،

56:45Page 535

إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُتۡرَفِينَ ٤٥

Indeed they were, before that, indulging in affluence,

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِابْتِلائِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ، وسَلَكَ هَذا المَسْلَكَ في تَعْلِيلِ الِابْتِداءِ بِالعَذابِ اهْتِمامًا بِدَفْعِ تَوَهُّمِ الظُّلْمِ في التَّعْذِيبِ، ولَمّا كانَ إيصالُ الثَّوابِ مِمّا لَيْسَ فِيهِ تَوَهُّمٌ نَقْصٌ أصْلًا لَمْ يَسْلُكْ فِيهِ نَحْوَ هَذا، والمُتْرَفُ هُنا بِقَرِينَةِ المَقامِ هو المَتْرُوكُ يَصْنَعُ ما يَشاءُ لا يُمْنَعُ، والمَعْنى أنَّهم عُذِّبُوا لِأنَّهم كانُوا قَبْلَ ما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا مُتَّبِعِينَ هَوى أنْفُسِهِمْ ولَيْسَ لَهم رادِعٌ مِنها يَرْدَعُهم عَنْ مُخالَفَةِ أوامِرِهِ عَزَّ وجَلَّ وارْتِكابِ نَواهِيهِ سُبْحانَهُ كَذا قِيلَ، وقِيلَ: هو العاتِي المُسْتَكْبِرُ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ والإذْعانِ لَهُ، والمَعْنى أنَّهم عُذِّبُوا لِأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا مُسْتَكْبِرِينَ عَنْ قَبُولِ ما جاءَتْهم بِهِ رُسُلُهم مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وما جاءَ مِنهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: هو الَّذِي أتْرَفَتْهُ النِّعْمَةُ أيْ أبْطَرَتْهُ وأطْغَتْهُ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: هو المُنَعَّمُ المُنْهَمِكُ في الشَّهَواتِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ أبِي السُّعُودِ أيْ إنَّهم كانُوا قَبْلَ ما ذُكِرَ مِن سُوءِ العَذابِ في الدُّنْيا مُنَعَّمِينَ بِأنْواعِ النِّعَمِ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ والمَقاماتِ الكَرِيمَةِ مُنْهَمِكِينَ في الشَّهَواتِ فَلا جَرَمَ عُذِّبُوا بِنَقائِضِها، وتُعُقِّبَ بِأنَّ كَثِيرًا مِن أهْلِ الشِّمالِ لَيْسُوا مُتْرَفِينَ بِالمَعْنى الَّذِي اعْتَبَرَهُ فَكَيْفَ يَصِحُّ تَعْلِيلُ عَذابِ الكُلِّ بِذَلِكَ ولا يَرُدُّ هَذا عَلى ما قَدَّمْناهُ مِنَ القَوْلَيْنِ كَما لا يَخْفى.

ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ المُتْرَفَ بِما ذُكِرَ وتَفَصّى عَنِ الِاعْتِراضِ بِأنَّ تَعْلِيلَ عَذابِ الكُلِّ بِما ذُكِرَ في حَيِّزِ العِلَّةِ لا يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ المَذْكُوراتِ مَوْجُودًا في كُلٍّ مِن أصْحابِ الشِّمالِ بَلْ وُجُودُ المَجْمُوعِ في المَجْمُوعِ وهَذا لا يَضُرُّ فِيهِ اخْتِصاصُ البَعْضِ بِالبَعْضِ فَتَأمَّلْهُ، وقِيلَ: المُتْرَفُ المَجْعُولُ ذا تُرْفَةٍ أيْ نِعْمَةٍ واسِعَةٍ والكُلُّ مُتْرَفُونَ بِالنِّسْبَةِ إلى الحالَةِ الَّتِي يَكُونُونَ عَلَيْها يَوْمَ القِيامَةِ، وهو عَلى ما فِيهِ لا يَظْهَرُ أمْرُ التَّعْلِيلِ عَلَيْهِ

56:46Page 535

وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلۡحِنثِ ٱلۡعَظِيمِ ٤٦

And they used to persist in the great violation,1

﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾ يَتَشَدَّدُونَ ويَمْتَنِعُونَ مِنَ الإقْلاعِ ويُداوِمُونَ ﴿عَلى الحِنْثِ﴾ أيِ الذَّنْبِ ﴿العَظِيمِ﴾ وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الحِنْثَ بِالذَّنْبِ العَظِيمِ لا بِمُطْلَقِ الذَّنْبِ وأُيِّدَ بِأنَّهُ في الأصْلِ العَدْلُ العَظِيمُ فَوَصْفُهُ بِالعَظِيمِ لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِهِ بِالعِظَمِ كَما وُصِفَ الطَّوْدُ وهو الجَبَلُ العَظِيمُ بِهِ أيْضًا، والمُرادُ بِهِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والضَّحّاكِ وابْنِ زَيْدٍ الشِّرْكُ وهو الظّاهِرُ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّ المُرادَ بِهِ الكَبائِرُ وكَأنَّهُ جَعَلَ المَعْنى - وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى كُلِّ حِنْثٍ عَظِيمٍ - وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ اليَمِينُ الغَمُوسُ وظاهِرُهُ الإطْلاقُ، وقالَ التّاجُ السُّبْكِيُّ في طَبَقاتِهِ: سَألْتُ الشَّيْخَ، يَعْنِي والِدَهُ تَقِيَّ الدِّينِ - ما الحِنْثُ العَظِيمُ ؟- فَقالَ: هو القَسَمُ عَلى إنْكارِ البَعْثِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النَّحْلَ: 38] وهو تَفْسِيرٌ حَسَنٌ لِأنَّ الحِنْثَ وإنْ فُسِّرَ بِالذَّنْبِ مُطْلَقًا أوِ العَظِيمِ فالمَشْهُورُ اسْتِعْمالُهُ في عَدَمِ البِرِّ في القَسَمِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском