Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Waqi'ah 56:47–72
56:47–48Page 535
وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ٤٧
And they used to say, "When we die and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?
أَوَءَابَآؤُنَا ٱلۡأَوَّلُونَ ٤٨
And our forefathers [as well]?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ إلى آخِرِهِ لِلُزُومِ التَّكْرارِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ
صفحة 145
وصْفُهم بِالثَّباتِ عَلى القَسَمِ الكاذِبِ وبِالثّانِي وصْفُهم بِالِاسْتِمْرارِ عَلى الإنْكارِ والرَّمْزُ إلى اسْتِدْلالٍ ظاهِرِ الفَسادِ مَعَ أنَّهُ لا مَحْذُورَ في تَكْرارِ ما يَدُلُّ عَلى الإنْكارِ وهو تَوْطِئَةٌ وتَمْهِيدٌ لِبَيانِ فَسادِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِمْ: - كُنّا تُرابًا وعِظامًا - كانَ بَعْضُ أجْزائِنا مِنَ اللَّحْمِ والجِلْدِ ونَحْوِهِما تُرابًا وبَعْضُها عِظامًا نَخِرَةً، وتَقْدِيمُ التُّرابِ لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الحَياةِ الَّتِي يَقْتَضِيها ما هم بِصَدَدِ إنْكارِهِ مِنَ البَعْثِ، - وإذا - مُتَمَحِّضَةٌ لِلظَّرْفِيَّةِ والعامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ لا مَبْعُوثُونَ نَفْسُهُ لِتَعَدُّدِ ما يَمْنَعُ مِن عَمَلِ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ - وهو نَبْعَثُ - وهو المَرْجِعُ لِلْإنْكارِ وتَقْيِيدُهُ بِالوَقْتِ المَذْكُورِ لَيْسَ لِتَخْصِيصِ إنْكارِهِ بِهِ فَإنَّهم مُنْكِرُونَ لِلْإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ وإنْ كانَ البَدَنُ عَلى حالِهِ لِتَقْوِيَةِ الإنْكارِ لِلْبَعْثِ بِتَوْجِيهِهِ إلَيْهِ في حالَةٍ مُنافِيَةٍ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ وهَذا كالِاسْتِدْلالِ عَلى ما يَزْعُمُونَهُ، وتَكْرِيرُ الهَمْزَةِ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَحْلِيَةِ الجُمْلَةِ بِأنَّ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ لا لِإنْكارِ التَّأْكِيدِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ عُطِفَ عَلى مَحَلِّ - إنَّ - واسْمِها أوْ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في مَبْعُوثُونَ وحَسُنَ لِلْفَصْلِ بِالهَمْزَةِ وإنْ كانَتْ حَرْفًا واحِدًا - كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - ولا يَضُرُّ عَمَلُ ما قَبْلَ هَذِهِ الهَمْزَةِ في المَعْطُوفِ بَعْدَها لِأنَّها مُكَرَّرَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وقَدْ زُحْلِقَتْ عَنْ مَكانِها، وقَوْلُهم: الحَرْفُ إذا كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ فَلا بُدَّ أنْ يُعادَ مَعَهُ ما اتَّصَلَ بِهِ أوَّلًا أوْ ضَمِيرٌ لا يُسَلَّمُ اطِّرادُهُ لِوُرُودِ: «ولا - لِلَمّا - بِهِمْ أبَدًا دَواءُ» وأمْثالُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( آباؤُنا ) مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلُ أيْ مَبْعُوثُونَ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ وهو تَكَلُّفٌ يُغْنِي عَنْهُ العَطْفُ المَذْكُورُ والمَعْنى - أيُبْعَثُ أيْضًا آباؤُنا - عَلى زِيادَةِ الِاسْتِبْعادِ يَعْنُونَ أنَّهم أقْدَمُ فَبَعْثُهم أبْعَدُ وأبْطَلُ، وقَرَأ قالُونُ وابْنُ عامِرٍ «أوْ آباؤُنا» بِإسْكانِ الواوِ وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ لا يُعْطَفُ عَلى الضَّمِيرِ إذْ لا فاصِلَ.
56:49–50Page 535
قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَوَّلِينَ وَٱلۡأٓخِرِينَ ٤٩
Say, [O Muḥammad], "Indeed, the former and later peoples
لَمَجۡمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ٥٠
Are to be gathered together for the appointment of a known Day."
﴿قُلْ﴾ رَدًّا لِإنْكارِهِمْ وتَحْقِيقًا لِلْحَقِّ ﴿إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ أنْتُمْ وآباؤُكم، وتَقْدِيمُ الأوَّلِينَ لِلْمُبالَغَةِ في الرَّدِّ حَيْثُ كانَ إنْكارُهم لِبَعْثِ آبائِهِمْ أشَدَّ مِن إنْكارِهِمْ لِبَعْثِهِمْ مَعَ مُراعاةِ التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ بَعْدَ البَعْثِ، وقُرِئَ «لَمُجْمَعُونَ» ﴿إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ ومَعْنى كَوْنِهِ مَعْلُومًا كَوْنُهُ مُعَيَّنًا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والمِيقاتُ ما وُقِّتَ بِهِ الشَّيْءُ أيْ حُدَّ، ومِنهُ مَواقِيتُ الإحْرامِ وهي الحُدُودُ الَّتِي لا يَتَجاوَزُها مَن يُرِيدُ دُخُولَ مَكَّةَ إلّا مُحْرِمًا، وإضافَتُهُ إلى ( يَوْمٍ ) بَيانِيَّةٌ كَما في خاتَمِ فِضَّةٍ، وكَوْنُ يَوْمِ القِيامَةِ مِيقاتًا لِأنَّهُ وُقِّتَتْ بِهِ الدُّنْيا، و(إلى ) لِلْغايَةِ والِانْتِهاءِ، وقِيلَ: والمَعْنى ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ مُنْتَهِينَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، وقِيلَ: ضُمِّنَ مَعْنى السَّوْقِ فَلِذا تَعَدّى بِها
56:51–54Page 536
ثُمَّ إِنَّكُمۡ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلۡمُكَذِّبُونَ ٥١
Then indeed you, O those astray [who are] deniers,
لَأٓكِلُونَ مِن شَجَرٖ مِّن زَقُّومٖ ٥٢
Will be eating from trees of zaqqūm
فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ ٥٣
And filling with it your bellies
فَشَٰرِبُونَ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡحَمِيمِ ٥٤
And drinking on top of it from scalding water
﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿إنَّ الأوَّلِينَ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ القَوْلِ، ( وثُمَّ ) لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ أوِ الرُّتْبِيِّ ﴿المُكَذِّبُونَ﴾ بِالبَعْثِ، أوْ بِما يَعُمُّهُ وغَيْرُهُ ويَدْخُلُ هو دُخُولًا أوَّلِيًّا لِلسِّياقِ عَلى ما قِيلَ، والخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ وأضْرابِهِمْ ﴿لآكِلُونَ﴾ بَعْدَ البَعْثِ والجَمْعِ ودُخُولِ جَهَنَّمَ ﴿مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ مِنَ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ والثّانِيَةُ لِبَيانِ الشَّجَرِ وتَفْسِيرِهِ أيْ مُبْتَدِئُونَ لِلْأكْلِ مِن شَجَرٍ هو زَقُّومٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ الأُولى تَبْعِيضِيَّةً ( ومِنَ ) الثّانِيَةِ عَلى حالِها، وجُوِّزَ كَوْنُ ﴿مِن زَقُّومٍ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن شَجَرٍ﴾ فَمِن تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، وقِيلَ: الأُولى زائِدَةٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ مِن شَجَرَةٍ فَوَجْهُ التَّأْنِيثِ ظاهِرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ أيْ بُطُونَكم مِن شِدَّةِ الجُوعِ فَإنَّهُ الَّذِي اضْطَرَّهم وقَسَرَهم عَلى أكْلِ مِثْلِها مِمّا
صفحة 146
لا يُؤْكَلُ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَوَجْهُهُ الحَمْلُ عَلى المَعْنى لِأنَّهُ بِمَعْنى الشَّجَرَةِ، أوِ الأشْجارِ إذا نُظِرَ لِصِدْقِهِ عَلى المُتَعَدِّدِ، وأمّا التَّذْكِيرُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَقِيبَ ذَلِكَ بِلا رَيْثٍ ﴿مِنَ الحَمِيمِ﴾ أيِ الماءِ الحارِّ في الغايَةِ لِغَلَبَةِ العَطَشِ فَظاهِرٌ لا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ، وقالَ بَعْضُهم: التَّأْنِيثُ أوَّلًا بِاعْتِبارِ المَعْنى والتَّذْكِيرُ ثانِيًا بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، فَقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ فِيهِ اعْتِبارَ اللَّفْظِ بَعْدَ اعْتِبارِ المَعْنى عَلى خِلافِ المُتَعارَفِ فَلَوْ أُعِيدَ الضَّمِيرُ المَذْكُورُ عَلى الشَّجَرِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مَأْكُولًا لِيَكُونَ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ المَعْنى كانَ أوْلى وفِيهِ بَحْثٌ، ووَجْهُهُ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى الزَّقُّومِ أوْ عَلى الشَّجَرِ بِاعْتِبارِ أنَّها زَقُّومٌ أوْ بِاعْتِبارِ أنَّها مَأْكُولٌ، وقِيلَ: هو مُطْلَقًا عائِدٌ عَلى الأكْلِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِأنَّ الشُّرْبَ عَلَيْهِ لا عَلى تَناوُلِهِ مَعَ ما فِيهِ مِن تَفْكِيكِ الضَّمائِرِ وكَوْنُهُ مَجازًا شائِعًا وغَيْرَ مُلْبِسٍ لا يَدْفَعُ البُعْدَ فَتَأمَّلْ.
﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ جَمْعُ أهْيَمَ وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ بِضَمِّ الهاءِ وهو داءٌ يُشْبِهُ الِاسْتِسْقاءَ يُصِيبُ الإبِلَ فَتَشْرَبُ حَتّى تَمُوتَ، أوْ تَسْقَمُ سَقَمًا شَدِيدًا، ويُقالُ إبِلٌ هَيْماءُ وناقَةٌ هَيْماءُ كَما يُقالُ: جَمَلٌ أهْيَمُ قالَ الشّاعِرُ:
فَأصْبَحْتُ كالهَيْماءِ لا الماءُ مُبْرِدٌ صَداها ولا يَقْضِي عَلَيْها هُيامُها
وجَعَلَ بَعْضُهم ﴿الهِيمِ﴾ هُنا جَمْعَ الهَيْماءِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ هائِمٍ أوْ هائِمَةٍ، وجَمْعُ فاعِلٍ عَلى فُعْلٍ كَبازِلٍ وبُزْلٍ شاذٌّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وسُفْيانَ ﴿الهِيمِ﴾ الرِّمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ لِتَخَلْخُلِها ومُفْرَدُهُ هَيامٌ بِفَتْحِ الهاءِ عَلى المَشْهُورِ كَسَحابٍ وسُحُبٍ ثُمَّ خُفِّفَ وفُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِجَمْعِ أبْيَضَ مِن قَلْبِ الضَّمَّةِ كَسْرَةً لِتَسْلَمَ بِالياءِ ويُخَفَّفُ اللَّفْظُ فَكُسِرَتِ الهاءُ لِأجْلِ الياءِ وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ في بابِهِ، وقالَ ثَعْلَبٌ: هو بِالضَّمِّ كَقُرادٍ وقِرْدٍ ثُمَّ خُفِّفَ وفُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ مِمّا سَمِعْتَ والعَطْفُ بِالفاءِ قِيلَ: لِأنَّ الإفْراطَ بَعْدَ الأصْلِيِّ، وقِيلَ: لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ أخَصُّ مِنَ الآخَرِ فَإنَّ شارِبَ الحَمِيمِ قَدْ لا يَكُونُ بِهِ داءُ الهُيامِ ومَن بِهِ داءُ الهُيامِ قَدْ يَشْرَبُ غَيْرَ الحَمِيمِ، والشُّرْبُ الَّذِي لا يَحْصُلُ الرِّيُّ ناشِئٌ عَنْ شُرْبِ الحَمِيمِ لِأنَّهُ لا يَبُلُّ الغَلِيلَ، والَّذِي اخْتارَهُ ما قالَهُ مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ: إنَّ ذَلِكَ كالتَّفْسِيرِ لِما قَبْلَهُ أيْ لا يَكُونُ شُرْبُكم شُرْبًا مُعْتادًا بَلْ يَكُونُ مِثْلَ شُرْبِ الهِيمِ، والشُّرْبُ بِالضَّمِّ مَصْدَرٌ، وقِيلَ: اسْمٌ لِما يُشْرَبُ، وقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كَما رَوى جَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «شَرْبَ» بِفَتْحِ الشِّينِ وهو مَصْدَرُ شَرِبَ المَقِيسُ، وبِذَلِكَ قَرَأ جَمْعٌ مِنَ السَّبْعَةِ والأعْرَجُ وابْنُ المُسَيَّبِ وشُعَيْبٌ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ وابْنُ جُرَيْجٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ بِكَسْرِ الشِّينِ وهو اسْمٌ بِمَعْنى المَشْرُوبِ لا مَصْدَرٌ كالطَّحْنِ والرَّعْيِ
56:56Page 536
هَٰذَا نُزُلُهُمۡ يَوۡمَ ٱلدِّينِ ٥٦
That is their accommodation on the Day of Recompense.
﴿هَذا﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن ألْوانِ العَذابِ ﴿نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ يَوْمَ الجَزاءِ فَإذا كانَ ذَلِكَ نُزُلَهم وهو ما يُقَدَّمُ لِلنّازِلِ مِمّا حَضَرَ فَما ظَنُّكَ بِما لَهم بَعْدَ ما اسْتَقَرَّ لَهُمُ القَرارُ واطْمَأنَّتْ لَهُمُ الدّارُ في النّارِ، وفي جَعْلِهِ نُزُلًا مَعَ أنَّهُ مِمّا يُكْرَمُ بِهِ النّازِلُ مِنَ التَّهَكُّمِ ما لا يَخْفى، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزُلا
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ ونُعَيْمٌ ومَحْبُوبٌ وأبُو زَيْدٍ وهارُونُ وعِصْمَةُ وعَبّاسٌ كُلُّهم عَنْ أبِي عَمْرو نُزْلُهم بِتَسْكِينِ الزّايِ المَضْمُومَةِ لِلتَّخْفِيفِ كَما في البَيْتِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِطَرِيقِ الفَذْلَكَةِ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ الكَلامِ المُلَقَّنِ غَيْرَ داخِلَةٍ تَحْتَ القَوْلِ.
56:57Page 536
نَحۡنُ خَلَقۡنَٰكُمۡ فَلَوۡلَا تُصَدِّقُونَ ٥٧
We have created you, so why do you not believe?
وقَوْلُهُ تَعالى:
صفحة 147
﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى الكَفَرَةِ بِطَرِيقِ الإلْزامِ والتَّبْكِيتِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ التَّحْضِيضِ عَلى ما قَبْلَها أيْ فَهَلّا تُصَدِّقُونَ بِالخَلْقِ بِقَرِينَةِ ( نَحْنُ خَلَقْناكم ) ولَمّا لَمْ يُحَقِّقْ تَصْدِيقُهُمُ المُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ( ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) [لُقْمانَ: 25، الزُّمُرَ: 38] عَمَلَهم حَيْثُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِالطّاعَةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ بَلِ اقْتَرَنَ بِما يُنْبِئُ عَنْ خِلافِهِ مِنَ الشِّرْكِ والعِصْيانِ نُزِّلَ مَنزِلَةَ العَدَمِ والإنْكارِ فَحُضُّوا عَلى التَّصْدِيقِ بِذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ فَهَلّا تُصَدِّقُونَ بِالبَعْثِ لِتَقَدُّمِهِ وتَقَدُّمِ إنْكارِهِ في قَوْلِهِمْ ( أإنّا لَمَبْعُوثُونَ ) [الإسْراءَ: 49، 98، المُؤْمِنُونَ: 82، الصّافّاتِ: 16، الواقِعَةَ: 47] فَيَكُونُ الكَلامُ إشارَةً إلى الِاسْتِدْلالِ بِالإبْداءِ عَلى الإعادَةِ فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلَيْهِ قَدَرَ عَلَيْها حَتْمًا، والأوَّلُ هو الوَجْهُ كَما يَظْهَرُ مِمّا بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ أيْ ما تَقْذِفُونَهُ في الأرْحامِ مِنَ النُّطَفِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو الثِّمالِ «تَمْنُونَ» بِفَتْحِ التّاءِ مِن مَنِيَ النُّطْفَةَ بِمَعْنى أمْناها أيْ أزالَها بِدَفْعِ الطَّبِيعَةِ.
56:59Page 536
ءَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٥٩
Is it you who creates it, or are We the Creator?
﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أيْ تُقَدِّرُونَهُ وتُصَوِّرُونَهُ بَشَرًا سَوِيًّا تامَّ الخِلْقَةِ، فالمُرادُ خَلْقُ ما يَحْصُلُ مِنهُ عَلى أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرًا أوْ تَجَوُّزًا، وجُوِّزَ إبْقاءُ ذَلِكَ عَلى ظاهِرِهِ أيْ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ وتُنْشِئُونَ نَفْسَ ذاتِ ما تُمْنُونَهُ ﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ لَهُ مِن غَيْرِ دَخْلِ شَيْءٍ فِيهِ - وأرَأيْتُمْ - قَدْ مَرَّ الكَلامُ غَيْرَ مَرَّةٍ فِيهِ، ويُقالُ هُنا: إنَّ اسْمَ المَوْصُولِ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ والجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ مَفْعُولُهُ الثّانِي، وكَذا يُقالُ فِيمَ بَعْدُ مِن نَظائِرِهِ وما يُعْتَبَرُ فِيهِ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ تَكُونُ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ فِيهِ مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ في - أنْتُمْ - أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، وأنْ يَكُونَ فاعِلًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والأصْلُ أتَخْلُقُونَ فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ انْفَصَلَ الضَّمِيرُ، واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ. ( وأمْ ) قِيلَ: مُنْقَطِعَةٌ لِأنَّ ما بَعْدَها جُمْلَةٌ فالمَعْنى - بَلْ أنَحْنُ الخالِقُونَ - عَلى أنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلتَّقْرِيرِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ النُّحاةِ: مُتَّصِلَةٌ مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ﴾ ثُمَّ جِيءَ - بِالخالِقُونَ - بَعْدُ بِطَرِيقِ التَّأْكِيدِ لا بِطَرِيقِ الخَبَرِيَّةِ أصالَةً
56:60–61Page 536
نَحۡنُ قَدَّرۡنَا بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ ٦٠
We have decreed death among you, and We are not to be outdone
عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمۡثَٰلَكُمۡ وَنُنشِئَكُمۡ فِي مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦١
In that We will change your likenesses and produce you in that [form] which you do not know.1
﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ قَسَّمْناهُ عَلَيْكم ووَقَّتْنا مَوْتَ كُلِّ أحَدٍ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُنا المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «قَدَرْنا» بِالتَّخْفِيفِ ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أيْ لا يَغْلِبُنا أحَدٌ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ أيْ عَلى أنْ نُذْهِبَكم ونَأْتِيَ مَكانَكم أشْباهَكم مِنَ الخَلْقِ فالسَّبْقُ مَجازٌ عَنِ الغَلَبَةِ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنْ لازِمِهِ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِ الأجِلَّةِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في ذَلِكَ إذا تَعَدّى بِعَلى، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( قَدَّرْنا ) وكَأنَّ المُرادَ: قَدَّرْنا ذَلِكَ ونَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نُمِيتَكم دُفْعَةً واحِدَةً ونَخْلُقَ أشْباهَكم.
﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِنَ الخَلْقِ والأطْوارِ الَّتِي لا تَعْهَدُونَها، وقالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِكم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ولَعَلَّ اخْتِيارَ ذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ، والمُرادُ ونَحْنُ قادِرُونَ عَلى هَذا أيْضًا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أمْثالُكم جَمْعَ مَثَلٍ بِفَتْحَتَيْنِ بِمَعْنى الصِّفَةِ لا جَمْعَ مِثْلٍ بِالسُّكُونِ بِمَعْنى الشَّبَهِ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ أيْ ونَحْنُ نَقْدِرُ عَلى أنْ نُغَيِّرَ صِفاتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْهِ خَلْقًا وخُلُقًا ونُنْشِئَكم في صِفاتٍ لا تَعْلَمُونَها، وقِيلَ: المَعْنى ونُنْشِئُكم في البَعْثِ عَلى غَيْرِ صُوَرِكم في الدُّنْيا، وقِيلَ: المَعْنى وما يَسْبِقُنا أحَدٌ فَيَهْرُبُ مِنَ المَوْتِ أوْ يُغَيِّرُ وقْتَهُ الَّذِي وقَّتْناهُ، عَلى أنَّ المُرادَ تَمْثِيلُ حالِ مَن سَلِمَ مِنَ المَوْتِ أوْ تَأخَّرَ أجْلُهُ عَنِ الوَقْتِ المُعَيَّنِ لَهُ بِحالِ مَن طَلَبَهُ طالِبٌ فَلَمْ يَلْحَقْهُ وسَبَقَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في مَسْبُوقِينَ أيْ حالَ كَوْنِنا قادِرِينَ
صفحة 148
أوْ عازِمِينَ عَلى تَبْدِيلِ أمْثالِكم، والجُمْلَةُ السّابِقَةُ عَلى حالِها، وقالَ الطَّبَرِيُّ: ( عَلى أنْ نُبَدِّلَ ) مُتَعَلِّقٌ بـ ( بقدّرنا) وعِلَّةٌ لَهُ وجُمْلَةُ ( وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ) اعْتِراضٌ، والمَعْنى نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ لِأنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم أيْ نُمِيتُ طائِفَةً ونُبَدِّلُها بِطائِفَةٍ هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ
56:62Page 536
وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُولَىٰ فَلَوۡلَا تَذَكَّرُونَ ٦٢
And you have already known the first creation, so will you not remember?
﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾ مِن خَلْقِكم مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ وقالَ قَتادَةُ: هي فِطْرَةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التُّرابِ ولا يُنْكِرُها أحَدٌ مِن ولَدِهِ ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ فَهَلّا تَتَذَكَّرُونَ أنَّ مَن قَدَرَ عَلَيْها فَهو عَلى النَّشْأةِ الأُخْرى أقْدَرُ وأقْدَرُ فَإنَّها أقَلُّ صُنْعًا لِحُصُولِ المَوادِّ وتَخْصِيصِ الأجْزاءِ وسَبْقِ المِثالِ، وهَذا - عَلى ما قالُوا - دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ القِياسِ لَكِنْ قِيلَ: لا يَدُلُّ إلّا عَلى قِياسِ الأوْلى لِأنَّهُ الَّذِي في الآيَةِ، وفي الخَبَرِ عَجَبًا كُلَّ العَجَبِ لِلْمُكَذِّبِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ وهو يَرى النَّشْأةَ الأُولى، وعَجَبًا لِلْمُصَدِّقِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ وهو يَسْعى لِدارِ الغُرُورِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ تَذْكُرُونَ بِالتَّخْفِيفِ وضَمِّ الكافِ
56:63–64Page 536
أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَحۡرُثُونَ ٦٣
And have you seen that [seed] which you sow?
ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّٰرِعُونَ ٦٤
Is it you who makes it grow, or are We the grower?
﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ما تَبْذُرُونَ حَبَّهُ وتَعْمَلُونَ في أرْضِهِ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ تُنْبِتُونَهُ وتَرُدُّونَهُ نَباتًا يَرِفُّ ويَنْمى إلى أنْ يَبْلُغَ الغايَةَ ﴿أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ أيِ المُنْبِتُونَ لا أنْتُمْ والكَلامُ في ( أنْتُمْ ) و(أمْ ) كَما مَرَّ آنِفًا، وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ - وضَعَّفَهُ - وابْنُ حِبّانَ - كَما قالَ الخَفاجِيُّ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لا يَقُولَنَّ أحَدُكم زَرَعْتُ ولَكِنْ لِيَقُلْ حَرَثْتُ، ثُمَّ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ألَمْ تَسْمَعُوا اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾»» يُشِيرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أخَذَ النَّهْيَ مِن هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّهُ أسْنَدَ الحَرْثَ إلى المُخاطَبِينَ دُونَ الزَّرْعِ، وقالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلزّارِعِ أنَّ يَقُولَ بَعْدَ الِاسْتِعاذَةِ وتِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ اللَّهُ تَعالى الزّارِعُ والمُنْبِتُ والمُبَلِّغُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وارْزُقْنا ثَمَرَهُ وجَنِّبْنا ضَرَرَهُ واجْعَلْنا لِأنْعُمِكَ مِنَ الشّاكِرِينَ، وقِيلَ: وقَدْ جَرَّبَ هَذا الدُّعاءَ لِدَفْعِ آفاتِ الزَّرْعِ كُلِّها وإنْتاجِهِ
56:65Page 536
لَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَٰهُ حُطَٰمٗا فَظَلۡتُمۡ تَفَكَّهُونَ ٦٥
If We willed, We could make it [dry] debris, and you would remain in wonder,1
﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ هَشِيمًا مُتَكَسِّرًا مُتَفَتِّتًا لِشِدَّةِ يَبْسِهِ بَعْدَ ما أنْبَتْناهُ وصارَ بِحَيْثُ طَمِعْتُمْ في حِيازَةِ غِلالِهِ ﴿فَظَلْتُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ تَتَعَجَّبُونَ مِن سُوءِ حالِهِ إثْرَ ما شاهَدْتُمُوهُ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ مِنَ الحالِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ، وقالَ الحَسَنُ: تَنْدَمُونَ أيْ عَلى ما تَعِبْتُمْ فِيهِ، وأنْفَقْتُمْ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ حُصُولِ نَفْعٍ، أوْ عَلى ما اقْتَرَفْتُمْ لِأجْلِهِ مِنَ المَعاصِي، وقالَ عِكْرِمَةُ: تُلاوَمُونَ عَلى ما فَعَلْتُمْ، وأصْلُ التَّفَكُّهِ التَّنَقُّلُ بِصُنُوفِ الفاكِهَةِ واسْتُعِيرَ لِلتَّنَقُّلِ بِالحَدِيثِ وهو هُنا ما يَكُونُ بَعْدَ هَلاكِ الزَّرْعِ وقَدْ كُنِّيَ بِهِ في الآيَةِ عَنِ التَّعَجُّبِ، أوِ النَّدَمِ أوِ التَّلاوُمِ عَلى اخْتِلافِ التَّفاسِيرِ، وفي البَحْرِ كُلُّ ذَلِكَ تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ، ومَعْنى ( تَفَكَّهُونَ ) تَطْرَحُونَ الفُكاهَةَ عَنْ أنْفُسِكم وهي المَسَرَّةُ، ورَجُلٌ فَكِهٌ مُنْبَسِطُ النَّفْسِ غَيْرُ مُكْتَرِثٍ بِشَيْءٍ وتَفَكَّهَ مِن أخَواتٍ تَحَرَّجَ وتَحَوَّبَ أيْ إنَّ التَّفَعُّلَ فِيهِ لِلسَّلْبِ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةِ العُتْكِيِّ عَنْهُ «فَظِلْتُمْ» بِكَسْرِ الظّاءِ كَما قالُوا: مِسْتُ بِالكَسْرِ ومَسْتُ بِالفَتْحِ، وحَكاها الثَّوْرِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وجاءَتْ عَنِ الأعْمَشِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والجَحْدَرِيُّ - فَظَلِلْتُمْ - بِلامَيْنِ أُولاهُما مَكْسُورَةٌ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ أيْضًا كَذَلِكَ مَعَ فَتْحِ اللّامِ والمَشْهُورُ ظَلِلْتُ بِالكَسْرِ، وقَرَأ أبُو حِزامٍ «تَفَكَّنُونَ» بِالنُّونِ بَدَلَ الهاءِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: تَفَكَّهَ بِالهاءِ تَعَجَّبَ، وتَفَكَّنَ بِالنُّونِ تَنَدَّمَ.
56:66–67Page 536
إِنَّا لَمُغۡرَمُونَ ٦٦
[Saying], "Indeed, we are [now] in debt;
بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ ٦٧
Rather, we have been deprived."
﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أيْ مُعَذَّبُونَ
صفحة 149
مُهْلَكُونَ مِنَ الغَرامِ وهو الهَلاكُ قالَ الشّاعِرُ:
إنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرامًا وإنْ يُعْ طِ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي
والمُرادُ مُهْلَكُونَ بِهَلاكِ رِزْقِنا، وقِيلَ: بِالمَعاصِي أوْ مُلْزَمُونَ غَرامَةً بِنَقْصِ رِزْقِنا، وقَرَأ الأعْمَشُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو بَكْرٍ - أإنّا بِالِاسْتِفْهامِ والتَّحْقِيقِ، والجُمْلَةُ عَلى القِراءَتَيْنِ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ هو في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن فاعِلِ تَفَكَّهُونَ أيْ قائِلِينَ، أوْ تَقُولُونَ ذَلِكَ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ مَحْدُودُونَ لا مَجْدُودُونَ أوْ مَحْرُومُونَ الرِّزْقَ كَأنَّهم لَمّا قالُوا: إنّا مُهْلَكُونَ لِهَلاكِ رِزْقِنا أضْرَبُوا عَنْهُ وقالُوا: بَلْ هَذا أمْرٌ قُدِّرَ عَلَيْنا لِنُحُوسَةِ طالِعِنا وعَدَمِ بَخْتِنا، أوْ لَمّا قالُوا: إنّا مُلْزَمُونَ غَرامَةً بِنَقْصِ أرْزاقِنا أضْرَبُوا فَقالُوا: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ الرِّزْقَ بِالكُلِّيَّةِ
56:68–69Page 536
أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلۡمَآءَ ٱلَّذِي تَشۡرَبُونَ ٦٨
And have you seen the water that you drink?
ءَأَنتُمۡ أَنزَلۡتُمُوهُ مِنَ ٱلۡمُزۡنِ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنزِلُونَ ٦٩
Is it you who brought it down from the clouds, or is it We who bring it down?
﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ عَذْبًا فُراتًا، وتَخْصِيصُ هَذا الوَصْفِ بِالذِّكْرِ مَعَ كَثْرَةِ مَنافِعِهِ لِأنَّ الشُّرْبَ أهَمُّ المَقاصِدِ المَنُوطَةِ بِهِ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ﴾ أيِ السَّحابِ واحِدَتُهُ مُزْنَةٌ، قالَ الشّاعِرُ:
فَلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقَها ولا أرْضٌ أبَقَلَ إبْقالُها
وقِيلَ: هو السَّحابُ الأبْيَضُ وماؤُهُ أعْذَبُ ﴿أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ لَهُ بِقُدْرَتِنا.
56:70Page 536
لَوۡ نَشَآءُ جَعَلۡنَٰهُ أُجَاجٗا فَلَوۡلَا تَشۡكُرُونَ ٧٠
If We willed, We could make it bitter, so why are you not grateful?
﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ مِلْحًا ذُعاقًا لا يُمْكِنُ شُرْبُهُ مِنَ الأجِيجِ وهو تَلَهُّبُ النّارِ. وقِيلَ: الأُجاجُ كُلُّ ما يَلْذَعُ الفَمَ ولا يُمْكِنُ شُرْبُهُ فَيَشْمَلُ المِلْحَ والمُرَّ والحارَّ، فَإمّا أنْ يُرادَ ذَلِكَ، أوِ المِلْحُ بِقَرِينَةِ المَقامِ وحُذِفَتِ اللّامُ مِن جَوابِ لَوْ ها هُنا لِلْقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ والحالِيَّةِ ومَتى جازَ حَذْفٌ - لَمْ أرَ - في قَوْلِ أوْسٍ:
حَتّى إذا الكِلابُ قالَ لَها كاليَوْمِ مَطْلُوبًا ولا طَلَبا
والقَرِينَةُ حالِيَّةٌ فَأوْلى أنْ يَجُوزَ حَذْفُها وحْدَها لِذَلِكَ عَلى ما قَرَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَرَّرَ وجْهًا آخَرَ حاصِلُهُ أنَّ اللّامَ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ فَتُناسِبُ مَقامَ التَّأْكِيدِ فَأُدْخِلَتْ في آيَةِ المَطْعُومِ دُونَ المَشْرُوبِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ أمْرَهُ مُقَدَّمٌ عَلى أمْرِهِ، وأنَّ الوَعِيدَ بِفَقْدِهِ أشَدُّ وأصْعَبُ مِن قَبْلِ أنَّ المَشْرُوبَ تَبَعٌ لَهُ ألا يَرى أنَّ الضَّيْفَ يُسْقى بَعْدَ أنْ يُطْعَمَ، وقَدْ ذَكَرَ الأطِبّاءُ أنَّ الماءَ مُبَذْرَقٌ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ تَقْدِيمُهُ عَلى المَشْرُوبِ في النَّظْمِ الجَلِيلِ، ولِلْإمامِ في هَذا المَقامِ كَلامٌ طَوِيلٌ اعْتَرَضَ بِهِ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ وبَيَّنَ فِيهِ وجْهَ الذِّكْرِ أوَّلًا والحَذْفِ ثانِيًا، ولَمْ أرَهُ أتى بِما يَشْرَحُ الصَّدْرَ، وخَيْرٌ مِنهُ عِنْدِي قَوْلُ ابْنِ الأثِيرِ في المَثَلِ السّائِرِ: إنَّ اللّامَ أُدْخِلَتْ في المَطْعُومِ دُونَ المَشْرُوبِ لِأنَّ جَعْلَ الماءِ العَذْبِ مِلْحًا أسْهَلَ إمْكانًا في العُرْفِ والعادَةِ والمَوْجُودُ مِنَ الماءِ المِلْحِ أكْثَرُ مِنَ الماءِ العَذْبِ، وكَثِيرًا ما إذا جَرَتِ المِياهُ العَذْبَةُ عَلى الأراضِي المُتَغَيِّرَةِ التُّرْبَةِ أحالَتْها إلى المُلُوحَةِ فَلَمْ يَحْتَجْ في جَعْلِ الماءِ العَذْبِ مِلْحًا إلى زِيادَةِ تَأْكِيدٍ فَلِذا لَمْ تَدْخُلْ لامُ التَّأْكِيدِ المُفِيدَةُ لِزِيادَةِ التَّحْقِيقِ، وأمّا المَطْعُومُ فَإنَّ جَعْلَهُ حُطامًا مِنَ الأشْياءِ الخارِجَةِ عَنِ المُعْتادِ وإذا وقَعَ يَكُونُ عَنْ سُخْطٍ شَدِيدٍ، فَلِذا قُرِنَ بِاللّامِ لِتَقْرِيرِ إيجادِهِ وتَحْقِيقِ أمْرِهِ انْتَهى.
﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ تَحْضِيضٌ عَلى شُكْرِ الكُلِّ لِأنَّهُ أفْيَدُ دُونَ عُذُوبَةِ الماءِ فَقَطْ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ.
نَعْمَ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ««أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ إذا شَرِبَ الماءَ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَقانا عَذْبًا فُراتًا بِرَحْمَتِهِ ولَمْ يَجْعَلْهُ مِلْحًا أُجاجًا بِذُنُوبِنا»»
56:71–72Page 536
أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ ٧١
And have you seen the fire that you ignite?
ءَأَنتُمۡ أَنشَأۡتُمۡ شَجَرَتَهَآ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنشِـُٔونَ ٧٢
Is it you who produced its tree, or are We the producer?
﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أيْ تَقْدَحُونَها وتَسْتَخْرِجُونَها مِنَ الزِّنادِ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها﴾ الَّتِي مِنها الزِّنادُ وهي المَرْخُ والعِفارُ، وقِيلَ:
صفحة 150
المُرادُ بِالشَّجَرَةِ نَفْسُ النّارِ كَأنَّهُ قِيلَ: نَوْعُها أوْ جِنْسُها فاسْتُعِيرَ الشَّجَرَةُ لِذَلِكَ وهو قَوْلٌ مُتَكَلَّفٌ بِلا حاجَةٍ.
﴿أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ لَها بِقُدْرَتِنا والتَّعْبِيرُ عَنْ خَلْقِها بِالإنْشاءِ المُنْبِئِ عَنْ بَدِيعِ الصُّنْعِ المُعْرِبِ عَنْ كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ لِما فِيهِ مِنَ الغَرابَةِ الفارِقَةِ بَيْنَها وبَيْنَ سائِرِ الأشْجارِ الَّتِي لا تَخْلُو عَنِ النّارِ حَتّى قِيلَ - في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ، واسْتُمْجِدَ المَرْخُ والعِفارُ - كَما أنَّ التَّعْبِيرَ عَنْ نَفْخِ الرُّوحِ بِالإنْشاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: 14] لِذَلِكَ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences