Al-AlusiAl‑Waqi'ah · 56:73–79

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Waqi'ah 56:73–79

56:73Page 536

نَحۡنُ جَعَلۡنَٰهَا تَذۡكِرَةٗ وَمَتَٰعٗا لِّلۡمُقۡوِينَ ٧٣

We have made it a reminder1 and provision for the travelers,2

﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً﴾ اسْتِئْنافٌ مُعَيَّنٌ لِمَنافِعِها أيْ جَعَلْناها تَذْكِيرًا لِنارِ جَهَنَّمَ حَيْثُ عَلَّقْنا بِها أسْبابَ المَعاشِ لِيَنْظُرُوا إلَيْها ويَذْكُرُوا بِها ما أُوعِدُوا بِهِ، أوْ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وأُنْمُوذَجًا مِن جَهَنَّمَ لِما في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««نارُكم هَذِهِ الَّتِي تُوقِدُونَ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن نارِ جَهَنَّمَ»» وعَلى الوَجْهَيْنِ التَّذْكِرَةُ مِنَ الذِّكْرِ المُقابِلِ لِلنِّسْيانِ ولَمْ يُنْظَرْ في الأوَّلِ إلى أنَّها مِن جِنْسِ نارِ جَهَنَّمَ أوَّلًا وفي الثّانِي نُظِرَ إلى ذَلِكَ، وقِيلَ: تَبْصِرَةً في أمْرِ البَعْثِ لِأنَّ مَن أخْرَجَ النّارَ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ المُضادِّ لَها قادِرٌ عَلى إعادَةِ ما تَفَرَّقَتْ مَوادُّهُ، وقِيلَ: تَبْصِرَةً في الظَّلامِ يُبْصَرُ بِضَوْئِها، وفِيهِ أنَّ التَّذْكِرَةَ لا تَكُونُ بِمَعْنى التَّبْصِرَةِ المَأْخُوذَةِ مِنَ البَصَرِ وكَوْنُ المُرادِ تَذْكِرَةً لِنارِ جَهَنَّمَ هو المَأْثُورُ عَنِ الكَثِيرِينَ، ومِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ ﴿ومَتاعًا﴾ ومَنفَعَةً ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ لِلَّذِينِ يَنْزِلُونَ القِواءَ وهي القَفْرُ مِن أقْوى دَخَلَ القِواءَ كَأصْحَرَ دَخَلَ الصَّحْراءَ وتَخْصِيصُ المُقْوِينَ بِذَلِكَ لِأنَّهم أحْوَجُ إلَيْها فَإنَّ المُقِيمِينَ، أوِ النّازِلِينَ بِقُرْبٍ مِنهم لَيْسُوا بِمُضْطَرِّينَ إلى الِاقْتِداحِ بِالزِّنادِ.

وقِيلَ: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ أيِ المُسافِرِينَ، ورَواهُ جَمْعٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ، وهو وابْنُ جَرِيرٍ وعَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ بِزِيادَةِ كَمْ مِن قَوْمٍ قَدْ سافَرُوا ثُمَّ أرْمَلُوا فَأجَّجُوا نارًا فاسْتَدْفَئُوا وانْتَفَعُوا بِها، وكانَ إطْلاقُ المُقْوِينَ عَلى المُسافِرِينَ لِأنَّهم كَثِيرًا ما يَسْلُكُونَ القَفْراءَ والمَفاوِزَ، وقِيلَ: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ لِلْفُقَراءِ يَسْتَضِيئُونَ بِها في الظُّلْمَةِ ويَصْطَلُونَ مِنَ البَرْدِ كَأنَّهُ تَصَوَّرَ مِن حالِ الحاصِلِ في القَفْرِ الفَقْرَ، فَقِيلَ: - أقْوى - فُلانٌ أيِ افْتَقَرَ كَقَوْلِهِمْ أتْرَبَ وأرْمَلَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لِلْجائِعِينَ لِأنَّهم أقْوَتْ أيْ خَلَتْ بُطُونُهم ومَزاوِدُهم مِنَ الطَّعامِ فَهم يَحْتاجُونَ إلَيْها لِطَبْخِ ما يَأْكُلُونَ وخُصُّوا - عَلى ما قِيلَ - لِأنَّ غَيْرَهم يَتَنَعَّمُ بِها لا يَجْعَلُها مَتاعًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِعَدَمِ انْحِصارِ ما يُهِمُّهم ويَسُدُّ خَلَّتَهم فِيما لا يُؤْكَلُ إلّا بِالطَّبْخِ، وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: المُقْوِينَ المُسْتَمْتِعِينَ بِها مِنَ النّاسِ أجْمَعِينَ المُسافِرِينَ والحاضِرِينَ يَسْتَضِيئُونَ بِها ويَصْطَلُونَ مِنَ البَرْدِ ويَنْتَفِعُونَ بِها في الطَّبْخِ والخَبْزِ، قالَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ والطَّبَرْسِيُّ: وعَلى هَذا القَوْلِ - المُقْوِي - مِنَ الأضْدادِ يُقالُ لِلْفَقِيرِ: مُقْوٍ لِخُلُوِّهِ مِنَ المالِ، ولِلْغَنِيِّ مُقْوٍ لِقُوَّتِهِ عَلى ما يُرِيدُ يُقالُ: أقْوى الرَّجُلُ إذا صارَ إلى حالِ القُوَّةِ والمَعْنى مَتاعًا لِلْأغْنِياءِ والفُقَراءِ لِأنَّهُ لا غِنى لِأحَدٍ عَنْها انْتَهى.

وفِيهِ بَحْثٌ لا يَخْفى، ولَعَلَّ الأقْرَبَ عَلَيْهِ أنَّهُ أُرِيدَ بِالإقْواءِ الِاحْتِياجُ والمُسْتَمْتِعُ بِها مُحْتاجٌ إلَيْها فَتَدَبَّرْ، وتَأْخِيرُ هَذِهِ المَنفَعَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الأهَمَّ هو النَّفْعُ الأُخْرَوِيُّ وتَقْدِيمُ أمْرِ الماءِ عَلى أمْرِ النّارِ لِأنَّ الِاحْتِياجَ إلَيْهِ أشَدُّ وأكْثَرُ والِانْتِفاعُ بِهِ أعَمُّ وأوْفَرُ، وقالَ بَعْضُهم: قُدِّمَ أمْرُ خَلْقِ الإنْسانِ مِن نُطْفَةٍ لِأنَّ النِّعْمَةَ في ذَلِكَ قَبْلَ النِّعْمَةِ في الثَّلاثَةِ بَعْدُ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما بِهِ قَوامُ الإنْسانِ مِن فائِدَةِ الحَرْثِ وهو الطَّعامُ الَّذِي لا يَسْتَغْنِي عَنْهُ الجَسَدُ الحَيُّ وذَلِكَ الحَبُّ الَّذِي يَخْتَبِزُ فَيَحْتاجُ بَعْدَ حُصُولِهِ إلى حُصُولِ الماءِ لِيَعْجِنَ بِهِ فَلِذا ذُكِرَ بَعْدَهُ ثُمَّ إلى النّارِ لِتُصَيِّرَهُ خُبْزًا فَلِذا ذُكِرَتْ بَعْدَ الماءِ وهو كَما تَرى، واسْتَحْسَنَ بَعْضُهم مِنَ القارِئِ أنْ يَقُولَ بَعْدَ كُلِّ جُمْلَةٍ اسْتِفْهامِيَّةٍ مِنَ الجُمَلِ السّابِقَةِ: بَلْ أنْتَ يا رَبِّ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ حَجَرٍ المَرْوِيِّ

صفحة 151

قالَ: بِتُّ عِنْدَ عَلِيٍّ كَرَّمَ تَعالى وجْهَهُ فَسَمِعْتُهُ وهو يُصَلِّي بِاللَّيْلِ يَقْرَأُ فَمَرَّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ فَقالَ: بَلْ أنْتَ يا رَبِّ ثَلاثًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ فَقالَ: بَلْ أنْتَ يا رَبِّ ثَلاثًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ فَقالَ: بَلْ أنْتَ يا رَبِّ ثَلاثًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ فَقالَ:

بَلْ أنْتَ يا رَبِّ ثَلاثًا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في اسْتِحْسانِ قَوْلِ مِثْلِ ذَلِكَ في الصَّلاةِ اخْتِلافًا بَيْنَ العُلَماءِ.

56:74Page 536

فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ ٧٤

So exalt the name of your Lord, the Most Great.

﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ مُرَتَّبٌ عَلى ما عُدِّدَ مِن بَدائِعِ صُنْعِهِ عَزَّ وجَلَّ ووَدائِعِ نِعَمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والمُرادُ عَلى ما قِيلَ: أحْدَثَ التَّسْبِيحُ تَنْزِيلًا لِلْفِعْلِ المُتَعَدِّي مَنزِلَةَ اللّازِمِ وأُرِيدَ مِن إحْداثِهِ اسْتِمْرارُهُ لا إيجادُهُ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَيْرُ مُعْرِضٍ عَنْهُ، وتَعَقَّبَهُ الطَّيِّبِيُّ بِأنَّ هَذا عَكْسُ ما يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الإحْداثِ، فالمُرادُ تَجْدِيدُ التَّسْبِيحِ، وفي الكَلامِ إضْمارٌ أيْ سَبِّحْ بِذِكْرِ اسْمِ رَبِّكَ، أوِ الِاسْمُ مَجازٌ عَنِ الذِّكْرِ فَإنَّ إطْلاقَ الِاسْمِ لِلشَّيْءِ ذِكْرُهُ، والباءُ لِلِاسْتِعانَةِ أوِ المُلابَسَةِ وكَوْنُها لِلتَّعْدِيَةِ كَما هو ظاهِرُ كَلامِ أبِي حَيّانَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والعَظِيمُ صِفَةٌ لِلِاسْمِ، أوْ لِلرَّبِّ، وتَعْقِيبُ الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ لِما عُدِّدَ إمّا لِتَنْزِيهِهِ تَعالى عَمّا يَقُولُهُ الجاحِدُونَ لِوَحْدانِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ الكافِرُونَ بِنِعَمِهِ سُبْحانَهُ مَعَ عِظَمِها وكَثْرَتِها، أوْ لِلشُّكْرِ عَلى تِلْكَ النِّعَمِ السّابِقَةِ لِأنَّ تَنْزِيهَهُ تَعالى وتَعْظِيمَهُ جَلَّ وعَلا بَعْدَ ذِكْرِ نِعَمِهِ سُبْحانَهُ مَدْحٌ عَلَيْها فَهو شُكْرٌ لِلْمُنْعِمِ في الحَقِيقَةِ، أوْ لِلتَّعَجُّبِ مِن أمْرِ الكَفَرَةِ في غَمْطِ تِلْكَ النِّعَمِ الباهِرَةِ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِها وظُهُورِ أمْرِها وسُبْحانَ تَرِدُ لِلتَّعَجُّبِ مَجازًا مَشْهُورًا فَسَبَّحَ بِمَعْنى تَعَجَّبَ، وأصْلُهُ فَقُلْ سُبْحانَ اللَّهِ لِلتَّعَجُّبِ وفِيهِ بُعْدٌ وما تَقَدَّمَ أظْهَرُ.

هَذا وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ في ( بِاسْمِ رَبِّكَ ) إضْمارٌ ولا مَجازٌ بَلْ يَبْقى عَلى ظاهِرِهِ فَقَدْ قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعْلى: 1]: كَما يَجِبُ تَنْزِيهُ ذاتِهِ تَعالى وصِفاتِهِ سُبْحانَهُ عَنِ النَّقائِصِ يَجِبُ تَنْزِيهُ الألْفاظِ المَوْضُوعَةِ لَها عَنْ سُوءِ الأدَبِ وهو أبْلَغُ لِأنَّهُ يَلْزَمُهُ تَقْدِيسُ ذاتِهِ عَزَّ وجَلَّ بِالطَّرِيقِ الأوْلى عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ الرَّمْزِيَّةِ، وفِيهِ أنَّهُ إنَّما يَتَأتّى لَوْ لَمْ تُذْكَرِ الباءُ، وجَعْلُها زائِدَةً خِلافُ الظّاهِرِ، وحالَ كَوْنِها لِلتَّعْدِيَةِ قَدْ سَمِعْتَهُ، وجَعَلَ بَعْضُهم عَلى هَذا الخِطابَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما ذَكَرَ مِنَ الأُمُورِ وكانَ الكُلُّ مُعْتَرِفِينَ بِأنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى وكانَ الكُفّارُ إذا طُولِبُوا بِالوَحْدانِيَّةِ قالُوا: نَحْنُ لا نُشْرِكُ في المَعْنى وإنَّما نَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً وذَلِكَ إشْراكٌ في الِاسْمِ، والَّذِي خَلَقَنا وخَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ هو اللَّهُ تَعالى فَنَحْنُ نُنَزِّهُهُ في الحَقِيقَةِ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ عَلى مَعْنى كَما أنَّكَ أيُّها الغافِلُ اعْتَرَفْتَ بِعَدَمِ اشْتِراكِها في الحَقِيقَةِ اعْتَرِفْ بِعَدَمِ اشْتِراكِها في الِاسْمِ ولا تَقُلْ لِغَيْرِهِ تَعالى إلَهًا فَإنَّ الِاسْمَ يَتْبَعُ المَعْنى والحَقِيقَةَ، فالخِطابُ كالخِطابِ في قَوْلِ الواعِظِ يا مِسْكِينُ أفْنَيْتَ عُمْرَكَ وما أصْلَحْتَ أمْرَكَ لا يُرِيدُ بِهِ أحَدًا بِعَيْنِهِ، وإنَّما يُرِيدُ أيُّها المِسْكِينُ السّامِعُ وهو كَما تَرى، نَعَمِ احْتِمالُ عُمُومِ الخِطابِ مِمّا لا يُنْكَرُ لَكِنْ لا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ هَذا التَّقْرِيرُ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِذِكْرِ الرَّبِّ أوْ ذِكْرِ اسْمِهِ سُبْحانَهُ عَلى ما تَقَرَّرَ سابِقًا ما هو المُتَبادَرُ المَعْرُوفُ.

وفِي الكَشْفِ إنَّ المُرادَ بِذَلِكَ تِلاوَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْقُرْآنِ أوْ لِهَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِإثْباتِ البَعْثِ والجَزاءِ ومَراتِبِ أهْلِهِ لِيَنْطَبِقَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ وعَلى الأوَّلِ لا بُدَّ مِن إضْمارٍ - أيْ فَسَبِّحْ باسِمِ رَبِّكَ وامْتَثِلْ ما أُمِرْتَ بِهِ - فَأُقْسِمُ إنَّهُ لَقُرْآنٌ، والغَرَضُ تَأْكِيدُ الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ، وأنا أقُولُ يَتَأتّى الِانْطِباقُ عَلى الظّاهِرِ أيْضًا سِوى أنَّهُ يُعْتَبَرُ في الكَلامِ إضْمارٌ ولا بَأْسَ بِأنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما ذَكَرَ مِنَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ الدّاعِيَةِ لِتَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ ووَصْفِهِ بِما يَلِيقُ بِهِ عَزَّ وجَلَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ فَنَزِّهْهُ تَعالى عَمّا يَقُولُونَ في وصْفِهِ سُبْحانَهُ، وأقْبِلْ عَلى إنْذارِهِمْ بِالقُرْآنِ والِاحْتِجاجِ عَلَيْهِ بِهِ بَعْدَ الِاحْتِجاجِ بِما ذَكَرْنا فَأُقْسِمُ إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَيْتَ وكَيْتَ

56:75Page 536

۞ فَلَآ أُقۡسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ ٧٥

Then I swear by the setting of the stars,1

صفحة 152

فَلا في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحَدِيدَ: 29] أوْ هي لامُ القَسَمِ أُشْبِعَتْ فَتْحَتُها فَتَوَلَّدَتْ مِنها ألِفٌ نَظِيرَ ما في قَوْلِهِ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ ثُمَّ قالَ: وهو وإنْ كانَ قَلِيلًا فَقَدْ جاءَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ [إبْراهِيمَ: 37] بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ وذَلِكَ في قِراءَةِ هِشامٍ.

ويُؤَيِّدُ قِراءَةَ الحَسَنِ وعِيسى فَلا قَسَمَ - وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ تَبَعًا لِبَعْضِ النَّحْوِيِّينَ مِن أنَّ فِعْلَ الحالِ يَجُوزُ القَسَمُ عَلَيْهِ فَيُقالُ: واللَّهِ تَعالى لَيَخْرُجْ زَيْدٌ وعَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ:

لِيَعْلَمْ رَبِّي أنَّ بَيْتِيَ واسِعٌ

وحِينَئِذٍ لا يَصِحُّ أنْ يُقْرَنَ الفِعْلُ بِالنُّونِ المُؤَكِّدَةِ لِأنَّها تُخَلِّصُهُ لِلِاسْتِقْبالِ وهو خِلافُ المُرادِ، والَّذِي اخْتارَهُ ابْنُ عُصْفُورٍ والبَصْرِيُّونَ أنَّ فِعْلَ الحالِ كَما هُنا لا يَجُوزُ أنْ يُقْسَمَ عَلَيْهِ ومَتى أُرِيدَ مِنَ الفِعْلِ الِاسْتِقْبالُ لَزِمَتْ فِيهِ النُّونُ المُؤَكِّدَةُ فَقِيلَ: لَأُقْسِمَنَّ وحَذْفُها ضَعِيفٌ جِدًّا، ومِن هُنا خَرَّجُوا قِراءَةَ الحَسَنِ وعِيسى عَلى أنَّ اللّامَ لامُ الِابْتِداءِ والمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ لِأنَّها لا تَدْخُلُ عَلى الفِعْلِ والتَّقْدِيرُ فَلَأنا أُقْسِمَ، وقِيلَ: نَحْوُهُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَلى أنَّ الألِفَ قَدْ تَوَلَّدَتْ مِنَ الإشْباعِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المُبْتَدَأ إذْ دَخَلَ عَلَيْهِ لامُ الِابْتِداءِ يَمْتَنِعُ أوْ يَقْبُحُ حَذْفُهُ لِأنَّ دُخُولَها لِتَأْكِيدِهِ وهو يَقْتَضِي الِاعْتِناءَ بِهِ وحَذْفُهُ يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وبَعْضُ النُّحاةِ: - لا - نَفْيٌ ورَدٌّ لِما يَقُولُهُ الكُفّارُ في القُرْآنِ مِن أنَّهُ سِحْرٌ وشِعْرٌ وكِهانَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلا صِحَّةَ لِما يَقُولُونَ فِيهِ ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ فَقِيلَ: ( أُقْسِمُ ) إلَخْ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِما فِيهِ مِن حَذْفِ اسْمِ - لا - وخَبَرِها في غَيْرِ جَوابِ سُؤالٍ نَحْوَ - لا - في جَوابِ هَلْ مِن رَجُلٍ في الدّارِ، وقِيلَ: الأوْلى فِيما إذا قُصِدَ بِلا نَفْيٌ لِمَحْذُوفٍ واسْتِئْنافٌ لِما بَعْدَها في اللَّفْظِ الإتْيانُ بِالواوِ نَحْوَ - لا - وأطالَ اللَّهُ تَعالى بَقاءَكَ، وقالَ بَعْضُهم إنَّ - لا - كَثِيرًا ما يُؤْتى بِها قَبْلَ القَسَمِ عَلى نَحْوِ الِاسْتِفْتاحِ كَما في قَوْلِهِ:

لا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرُّ

وقالَ أبُو مُسْلِمٍ وجَمْعٌ: إنَّ الكَلامَ عَلى ظاهِرِهِ المُتَبادَرِ مِنهُ، والمَعْنى لا أُقْسِمُ إذِ الأمْرُ أوْضَحُ مِن أنْ يَحْتاجَ إلى قَسَمٍ أيْ لا يَحْتاجُ إلى قَسَمٍ ما فَضْلًا عَنْ أنَّ هَذا القَسَمَ العَظِيمَ، فَقَوْلُ مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ أنَّهُ يَأْباهُ تَعْيِينُ المُقْسَمِ بِهِ وتَفْخِيمُهُ ناشِئٌ عَنِ الغَفْلَةِ عَلى ما لا يَخْفى عَلى فَطِنٍ ﴿بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ أيْ بِمَساقِطِ كَواكِبِ السَّماءِ ومَغارِبِها كَما جاءَ في رِوايَةٍ عَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ عَلى أنَّ الوُقُوعَ بِمَعْنى السُّقُوطِ والغُرُوبِ وتَخْصِيصُها بِالقَسَمِ لِما في غُرُوبِها مِن زَوالِ أثَرِها، والدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ مُؤَثِّرٍ دائِمٍ لا يَتَغَيَّرُ، ولِذا اسْتَدَلَّ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأُفُولِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ جَلَّ وعَلا، أوْ لِأنَّ ذَلِكَ وقْتُ قِيامِ المُتَهَجِّدِينَ والمُبْتَهِلِينَ إلَيْهِ تَعالى وأوانُ نُزُولِ الرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ عَلَيْهِمْ.

وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ««يَنْزِلُ رَبُّنا كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ فَيَقُولُ مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ مَن يَسْألُنِي فَأُعْطِيَهُ مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ»» وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا المُرادُ مَواقِعُها عِنْدَ الِانْكِدارِ يَوْمَ القِيامَةِ قِيلَ: ومَوْقِعٌ عَلَيْهِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أوِ اسْمُ زَمانٍ ولَعَلَّ وُقُوعَها ذَلِكَ اليَوْمَ لَيْسَ دُفْعَةً واحِدَةً والتَّخْصِيصُ لِما في ذَلِكَ مِن ظُهُورِ عَظَمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَحَقُّقِ ما يُنْكِرُهُ الكُفّارُ مِنَ البَعْثِ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ وأبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلى آبائِهِما وعَلَيْهِما السَّلامُ المُرادُ مَواقِعُها عِنْدَ الِانْقِضاضِ إثْرَ المُسْتَرِقِينَ السَّمْعَ مِنَ الشَّياطِينِ، وقَدْ مَرَّ لَكَ تَحْقِيقُ أمْرِ هَذا الِانْقِضاضِ فَلا تَغْفُلْ، وقِيلَ: مَواقِعُ النُّجُومِ هي الأنْواءُ الَّتِي يَزْعُمُ الجاهِلِيَّةُ

صفحة 153

أنَّهم يُمْطَرُونَ بِها، ولَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِن بَعْضِ الآثارِ الوارِدَةِ في سَبَبِ النُّزُولِ وسَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ولَيْسَ نَصًّا في إرادَةِ الأنْواءِ بَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِ أنْ يُرادَ المَغارِبُ مُطْلَقًا.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّها مَنازِلُها ومَجارِيها عَلى أنَّ الوُقُوعَ النُّزُولُ كَما يُقالُ: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ وهو شائِعٌ والتَّخْصِيصُ لِأنَّ لَهُ تَعالى في ذَلِكَ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وكَمالِ حِكْمَتِهِ ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ البَيانِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ: النُّجُومُ نُجُومُ القُرْآنِ ومَواقِعُها أوْقاتُ نُزُولِها.

وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أنْ قالَ: ««أُنْزِلَ القُرْآنُ في لَيْلَةِ القَدْرِ مِنَ السَّماءِ العُلْيا إلى السَّماءِ الدُّنْيا جُمْلَةً واحِدَةً ثُمَّ فُرِّقَ في السِّنِينَ»» وفي لَفْظٍ ««ثُمَّ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ نُجُومًا ثُمَّ قَرَأ فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ»» وأُيِّدَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ﴾ يَعُودُ حِينَئِذٍ عَلى ما يُفْهَمُ مِن مَواقِعِ النُّجُومِ حَتّى يَكادَ يُعَدُّ كالمَذْكُورِ صَرِيحًا ولا يَحْتاجُ إلى أنْ يُقالَ يُفَسِّرُهُ السِّياقُ كَما في سائِرِ الأقْوالِ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، ولَعَلَّ الكَلامَ عَلَيْهِ مِن بابِ «وثَناياكَ إنَّها إغْرِيضٌ».

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأهْلُ المَدِينَةِ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «بِمَوْقِعِ» مُفْرَدًا مُرادًا بِهِ الجَمْعُ.

56:76–77Page 536

وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٞ لَّوۡ تَعۡلَمُونَ عَظِيمٌ ٧٦

And indeed, it is an oath - if you could know - [most] great.

إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانٞ كَرِيمٞ ٧٧

Indeed, it is a noble Qur’ān.

﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ مُشْتَمِلٌ عَلى اعْتِراضٍ في ضِمْنِ آخَرَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ( إنَّهُ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ ) مُعْتَرِضٌ بَيْنَ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ وهو تَعْظِيمٌ لِلْقَسَمِ مُقَرِّرٌ مُؤَكِّدٌ لَهُ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ وهو تَأْكِيدٌ لِذَلِكَ التَّعْظِيمِ وجَوابُ ( لَوْ ) إمّا مَتْرُوكٌ أُرِيدَ بِهِ نَفْيُ عِلْمِهِمْ أوْ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِظُهُورِهِ أيْ لَعَظَّمْتُمُوهُ أوْ لَعَمِلْتُمْ بِمُوجِبِهِ، ووَجْهُ كَوْنِ ذَلِكَ القَسَمِ عَظِيمًا قَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما مَرَّ، أوْ هو ظاهِرٌ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ ﴿بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والجَماعَةِ، ومَعْنى كَوْنِ القُرْآنِ كَرِيمًا أنَّهُ حَسَنٌ مَرْضِيٌّ في جِنْسِهِ مِنَ الكُتُبِ أوْ نَفّاعٌ جَمُّ المَنافِعِ، وكَيْفَ لا وقَدِ اشْتَمَلَ عَلى أُصُولِ العُلُومِ المُهِمَّةِ في إصْلاحِ المَعاشِ، والمَعادِ، والكَرَمُ عَلى هَذا مُسْتَعارٌ - كَما قالَ الطَّيِّبِيُّ - مِنَ الكَرَمِ المَعْرُوفِ.

وقِيلَ: الكَرَمُ أعَمُّ مِن كَثْرَةِ البَذْلِ والإحْسانِ والِاتِّصافِ بِما يُحْمَدُ مِنَ الأوْصافِ كَكَثْرَةِ النَّفْعِ فَإنَّهُ وصْفٌ مَحْمُودٌ فَكَوْنُهُ كَرَمًا حَقِيقَةٌ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ كَرِيمٌ عَلى اللَّهِ تَعالى قِيلَ: هو يَرْجِعُ لِما تَقَدَّمَ، وفِيهِ تَقْدِيرٌ مِن غَيْرِ حاجَةٍ وأيًّا ما كانَ فَمَحَطُّ الفائِدَةِ الوَصْفُ المَذْكُورُ قِيلَ: إنَّ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ هو القُرْآنُ لا مِن حَيْثُ عُنْوانُ كَوْنِهِ قُرْآنًا فَبِمُجَرَّدِ الإخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهُ قُرْآنٌ تَحْصُلُ الفائِدَةُ أيْ إنَّهُ لَمَقْرُوءٍ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا أنَّهُ أنْشَأهُ كَما زَعَمَهُ الكُفّارُ،

56:78Page 537

فِي كِتَٰبٖ مَّكۡنُونٖ ٧٨

In a Register well-protected;1.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ وصْفٌ آخَرُ لِلْقُرْآنِ أيْ كائِنٌ في كِتابٍ مَصُونٍ عَنْ غَيْرِ المُقَرَّبِينَ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مَن سِواهم، فالمُرادُ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ كَما رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: أيْ في كِتابٍ مَصُونٍ عَنِ التَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ وهو المُصْحَفُ الَّذِي بِأيْدِي المُسْلِمِينَ ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الإخْبارَ بِالغَيْبِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ مَصاحِفُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: في كِتابٍ أيِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وحُكِيَ ذَلِكَ في البَحْرِ ثُمَّ قالَ: كَأنَّهُ قالَ: ذُكِرَ في كِتابٍ مَكْنُونٍ كَرَمُهُ وشَرَفُهُ، فالمَعْنى عَلى هَذا الِاسْتِشْهادُ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ انْتَهى.

والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ عَلى هَذا بِالكِتابِ الجِنْسُ لِتَصِحَّ إرادَةُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وفي وصْفِ ذَلِكَ بِالمَكْنُونِ خَفاءٌ ولَعَلَّهُ أُرِيدَ بِهِ جَلِيلُ الشَّأْنِ عَظِيمُ القَدْرِ فَإنَّ السَّتْرَ كاللّازِمِ لِلشَّيْءِ الجَلِيلِ، وجُوِّزَ إرادَةُ هَذا المَعْنى المَجازِيِّ

صفحة 154

عَلى غَيْرِ هَذا القَوْلِ مِنَ الأقْوالِ، وقِيلَ: الكِتابُ المَكْنُونُ قَلْبُ المُؤْمِنِ وهو كَما تَرى.

وقِيلَ: المُرادُ مِن كَوْنِهِ في كِتابٍ مَكْنُونٍ كَوْنُهُ مَحْفُوظًا مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ لَيْسَ إلّا كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يُوسُفَ: 63] والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُ الجارِّ بِكَرِيمٍ كَما يُقالُ زَيْدٌ كَرِيمٌ في نَفْسِهِ، والمَعْنى إنَّهُ كَرِيمٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَرِيمًا عِنْدَ الكُفّارِ، والوَصْفِيَّةُ أبْلَغُ كَما لا يَخْفى،

56:79Page 537

لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ ٧٩

None touch it except the purified [i.e., the angels].

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ إمّا صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ لِكِتابٍ مُرادًا بِهِ اللَّوْحُ، فالمُرادُ بِالمُطَهَّرُونَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أيِ المُطَهَّرُونَ المُنَزَّهُونَ عَنْ كَدَرِ الطَّبِيعَةِ ودَنَسِ الحُظُوظِ النَّفْسِيَّةِ، وقِيلَ: عَنْ كَدَرِ الأجْسامِ ودَنَسِ الهَيُولى والطَّهارَةُ عَلَيْهِما طَهارَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، ونَفْيُ مَسِّهِ كِنايَةٌ عَنْ لازِمِهِ وهو نَفْيُ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ وعَلى ما فِيهِ، وإمّا صِفَةٌ أُخْرى لِقُرْآنٍ.

والمُرادُ بِالمُطَهَّرُونَ المُطَهَّرُونَ عَنِ الحَدَثِ الأصْغَرِ والحَدَثِ الأكْبَرِ بِحِمْلِ الطَّهارَةِ عَلى الشَّرْعِيَّةِ، والمَعْنى لا يَنْبَغِي أنْ يَمَسَّ القُرْآنَ إلّا مَن هو عَلى طَهارَةٍ مِنَ النّاسِ فالنَّفْيُ هَنا نَظِيرُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً﴾ [النُّورَ: 3] وقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ»» الحَدِيثَ وهو بِمَعْنى النَّهْيِ بَلْ أبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ الصَّرِيحِ، وهَذا أحَدُ أوْجُهٍ ذَكَرُوها لِلْعُدُولِ عَنْ جَعْلِ - لا - ناهِيَةً، وثانِيها أنَّ المُتَبادَرَ كَوْنُ الجُمْلَةِ صِفَةً والأصْلُ فِيها أنْ تَكُونَ خَبَرِيَّةً ولا داعِيَ لِاعْتِبارِ الإنْشائِيَّةِ وارْتِكابِ التَّأْوِيلِ، وثالِثُها أنَّ المُتَبادَرَ مِنَ الضَّمَّةِ أنَّها إعْرابٌ فالحَمْلُ عَلى غَيْرِهِ فِيهِ إلْباسٌ، ورابِعُها أنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَرَأ ما يَمَسُّهُ وهي تُؤَيِّدُ أنَّ لا نافِيَةٌ وكَوْنُ المُرادِ بِالمُطَهَّرِينَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَرْوِيٌّ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذا أخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنْ أنَسٍ وقَتادَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وأبِي العالِيَةِ وغَيْرِهِمْ إلّا أنَّ في بَعْضِ الآثارِ عَنْ بَعْضِ هَؤُلاءِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ مَعَ كَوْنِ المُرادِ بِالمُطَهَّرِينَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ.

أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: في الآيَةِ ذاكَ عِنْدَ رَبِّ العالَمِينَ لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ مِنَ المَلائِكَةِ فَأمّا عِنْدَكم فَيَمَسُّهُ المُشْرِكُ والنَّجِسُ، والمُنافِقُ الرَّجِسُ، وأخْرَجاهُما وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في المَعْرِفَةِ عَنِ الحَبْرِ قالَ: في الآيَةِ الكِتابُ المُنَزَّلُ في السَّماءِ لا يَمَسُّهُ إلّا المَلائِكَةُ، ويُشِيرُ إلَيْهِ ما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ النُّعَيْمِيِّ قالَ: قالَ مالِكٌ: أحْسَنُ ما سَمِعْتُ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ أنَّها بِمَنزِلَةِ الآيَةِ الَّتِي في عَبَسَ ﴿كَلا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عَبَسَ: 11 - 16] وكَوْنُ المُرادِ بِهِمُ المُطَهَّرِينَ مِنَ الأحْداثِ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ الباقِرِ عَلى آبائِهِ وعَلَيْهِ السَّلامُ وعَطاءٍ وطاوُسٍ وسالِمٍ.

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ قالَ: كُنّا مَعَ سَلْمانَ - يَعْنِي الفارِسِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فانْطَلَقَ إلى حاجَةٍ فَتَوارى عَنّا فَخَرَجَ إلَيْنا فَقُلْنا لَوْ تَوَضَّأْتَ فَسَألْناكَ عَنْ أشْياءَ مِنَ القُرْآنِ ؟ فَقالَ: سَلُونِي فَإنِّي لَسْتُ أمَسُّهُ إنَّما يَمَسُّهُ المُطَهَّرُونَ ثُمَّ تَلا ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾، وقِيلَ: الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِقُرْآنٍ، والمُرادُ - بِالمُطَهَّرُونَ - المُطَهَّرُونَ مِنَ الكُفْرِ، والمَسُّ مَجازٌ عَنِ الطَّلَبِ كاللَّمْسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ [الجِنَّ: 8] أيْ لا يَطْلُبُهُ إلّا المُطَهَّرُونَ مِنَ الكُفْرِ، ولَمْ أرَ هَذا مَرْوِيًّا عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ، والنَّفْيُ عَلَيْهِ عَلى ظاهِرِهِ، ورَجَّحَ جَمْعٌ جَعْلَ الجُمْلَةِ وصْفًا لِلْقُرْآنِ لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِحُرْمَتِهِ وتَعْظِيمِهِ لا لِشَأْنِ الكِتابِ المَكْنُونِ، وإنْ كانَ في تَعْظِيمِهِ تَعْظِيمُهُ. وصَحَّحَ الإمامُ جَعْلَها وصْفًا لِلْكِتابِ - وفِيهِ نَظَرٌ - وعَلى الوَصْفِيَّةِ لِلْقُرْآنِ ذَهَبَ مَن ذَهَبَ إلى اخْتِيارِ تَفْسِيرِ المُطَهَّرِينَ بِالمُطَهَّرِينَ عَنِ الحَدَثِ الأكْبَرِ والأصْغَرِ.

وفِي الأحْكامِ لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِالآيَةِ عَلى مَنعِ المُحْدِثِ مِن مَسِّ المُصْحَفِ وهو ظاهِرٌ في

صفحة 155

اخْتِيارِ ذَلِكَ، والِاحْتِمالُ جَعْلُ الجُمْلَةِ صِفَةً لِلْكِتابِ المَكْنُونِ أوْ لِلْقُرْآنِ، وكَوْنُ المُرادِ بِالمُطَهَّرِينَ المَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ما سَمِعْتَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ عَدَلَ الأكْثَرُونَ عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى ذَلِكَ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالإخْبارِ، فَقَدْ أخْرَجَ الإمامُ مالِكٌ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي داوُدَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ عَنْ أبِيهِ قالَ «فِي كِتابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ «ولا تَمَسَّ القُرْآنَ إلّا عَلى طُهُورٍ»».

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا يَمَسُّ القُرْآنَ إلّا طاهِرٌ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهم: يَجُوزُ أنْ يُؤْخَذَ مَنعُ مَسِّ غَيْرِ الطّاهِرِ القُرْآنَ مِنَ الآيَةِ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ الآخَرَيْنِ أيْضًا، وذَلِكَ لِأنَّها أفادَتْ تَعْظِيمَ شَأْنِ القُرْآنِ وكَوْنُهُ كَرِيمًا، والمَسُّ بِغَيْرِ طُهْرٍ مُخِلٌّ بِتَعْظِيمِهِ فَتَأْباهُ الآيَةُ وهو كَما تَرى، وأطالَ الإمامُ الكَلامَ في هَذا المَقامِ بِما لا يَخْفى حالُهُ عَلى مَن راجَعَهُ، نَعَمْ لا شَكَّ في دَلالَةِ الآيَةِ عَلى عِظَمِ شَأْنِ القُرْآنِ ومُقْتَضى ذَلِكَ الِاعْتِناءُ بِشَأْنِهِ ولا يَنْحَصِرُ الِاعْتِناءُ بِمَنعِ غَيْرِ الطّاهِرِ عَنْ مَسِّهِ بَلْ يَكُونُ بِأشْياءَ كَثِيرَةٍ كالإكْثارِ مِن تِلاوَتِهِ والوُضُوءِ لَها وأنْ لا يَقْرَأهُ الشَّخْصُ وهو مُتَنَجِّسُ الفَمِ فَإنَّهُ مَكْرُوهٌ.

وقِيلَ: حَرامٌ كالمَسِّ بِاليَدِ المُتَنَجِّسَةِ، وكَوْنُ القِراءَةِ في مَكانٍ نَظِيفٍ، والقارِئُ مُسْتَقْبِلٌ القِبْلَةَ مُتَخَشِّعًا بِسَكِينَةٍ ووَقارٍ مُطْرِقًا رَأْسَهُ، والِاسْتِياكُ لِقِراءَتِهِ، والتَّرْتِيلُ، والتَّدَبُّرُ، والبُكاءُ، أوِ التَّباكِي، وتَحْسِينُ الصَّوْتِ بِالقِراءَةِ وأنْ لا يَتَّخِذَهُ مَعِيشَةً، وأنْ يُحافِظَ عَلى أنْ لا يَنْسى آيَةً أُوتِيَها مِنهُ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ وغَيْرُهُ ««عُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أرَ ذَنْبًا أعْظَمَ مِن سُورَةِ القُرْآنِ أوْ آيَةٍ أُوتِيَها رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَها»، وأنْ لا يُجامِعَ بِحَضْرَتِهِ فَإنْ أرادَ سَتَرَهُ، وأنْ لا يَضَعَ غَيْرَهُ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ وغَيْرِها فَوْقَهُ، وأنْ لا يُقَلِّبَ أوْراقَهُ بِأُصْبُعٍ عَلَيْها بُزاقٌ يَنْفَصِلُ مِنهُ شَيْءٌ فَقَدْ قِيلَ بِكُفْرِ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ إلى أُمُورٍ أُخَرَ مَذْكُورَةٍ في مَحالِّها، وفي وُجُوبِ كَوْنِ القارِئِ طاهِرًا مِنَ الأحْداثِ خِلافٌ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ أنَّهُ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ قِراءَةُ القُرْآنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أحَبُّ إلَيَّ أنْ لا يَقْرَأ إلّا طاهِرٌ وكَأنَّهُمُ اعْتَبَرُوهُ كَسائِرِ الأذْكارِ والفَرْقُ مِثْلُ الشَّمْسِ ظاهِرٌ.

وقَرَأ عِيسى «المُطْهَرُونَ» اسْمَ مَفْعُولٍ مُخَفَّفًا مِن أطْهَرَ، ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ وأبِي عَمْرو، وقَرَأ سَلْمانُ الفارِسِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «المُطَهِّرُونَ» بِتَخْفِيفِ الطّاءِ وتَشْدِيدِ الهاءِ وكَسْرِها اسْمُ فاعِلٍ مِن طَهَّرَ أيْ ( المُطَهِّرُونَ ) أنْفُسَهم، أوْ غَيْرَهم بِالِاسْتِغْفارِ لَهم والإلْهامِ، وعَنْهُ أيْضًا «المُطَّهِّرُونَ» بِتَشْدِيدِهِما وأصْلُهُ المُتَطَهِّرُونَ فَأُدْغِمَ التّاءُ بَعْدَ إبْدالِها في الطّاءِ ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، وقُرِئَ المُتَطَهِّرُونَ عَلى الأصْلِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском