Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Hadid 57:12–15
57:12Page 539
يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۖ بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢
On the Day you see the believing men and believing women, their light proceeding before them and on their right, [it will be said], "Your good tidings today are [of] gardens beneath which rivers flow, wherein you will abide eternally." That is what is the great attainment.
﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ ظَرْفٌ لِما تَعَلَّقَ بِهِ لَهُ أوْ لَهُ أوْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( فَيُضاعِفَهُ ) أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ تَفْخِيمًا لِذَلِكَ اليَوْمِ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ والخِطابُ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ أوْ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَسْعى نُورُهُمْ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ تَرى والمُرادُ بِالنُّورِ حَقِيقَتُهُ عَلى ما ظَهَرَ مِن شُمُوسِ الأخْبارِ - وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ - والمَعْنى يَسْعى نُورُهم إذا سَعَوْا.
﴿بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: «يُؤْتَوْنَ نُورَهم عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ يَمُرُّونَ عَلى الصِّراطِ مِنهم مَن نُورُهُ مِثْلُ الجَبَلِ ومِنهم مَن نُورُهُ مِثْلُ النَّخْلَةِ وأدْناهم نُورًا مَن نُورُهُ عَلى إبْهامِهِ يُطْفَأُ مَرَّةً ويَقِدُ أُخْرى» وظاهِرُهُ أنَّ هَذا النُّورَ يَكُونُ عِنْدَ المُرُورِ عَلى الصِّراطِ، وقالَ بَعْضُهم: يَكُونُ قَبْلَ ذَلِكَ ويَسْتَمِرُّ مَعَهم إذا مَرُّوا عَلى الصِّراطِ، وفي الأخْبارِ ما يَقْتَضِيهِ كَما سَتَسْمَعُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والمُرادُ أنَّهُ يَكُونُ لَهم في جِهَتَيْنِ جِهَةُ الأمامِ وجِهَةُ اليَمِينِ وخُصّا لِأنَّ السُّعَداءَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ مِن هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ كَما أنَّ الأشْقِياءَ يُؤْتَوْنَها مِن شَمائِلِهِمْ ووَراءَ ظُهُورِهِمْ، وفي البَحْرِ الظّاهِرُ أنَّ النُّورَ قِسْمانِ: نُورٌ بَيْنَ أيْدِيهِمْ يُضِيءُ الجِهَةَ الَّتِي يَؤُمُّونَها. ونُورٌ بِأيْمانِهِمْ يُضِيءُ ما حَوالَيْهِمْ مِنَ الجِهاتِ، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ النُّورَ أصْلُهُ بِأيْمانِهِمْ والَّذِي بَيْنَ أيْدِيهِمْ هو الضَّوْءُ المُنْبَسِطُ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى عَنْ أيْ وعَنْ أيْمانِهِمْ والمَعْنى في جَمِيعِ جِهاتِهِمْ، وذُكِرَ الأيْمانُ لِشَرَفِها انْتَهى، ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى
صفحة 175
ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نَضِيرٍ أنَّهُ سَمِعَ أبا ذَرٍّ وأبا الدَّرْداءِ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أنا أوَّلُ مَن يُؤْذَنُ لَهُ في السُّجُودِ يَوْمَ القِيامَةِ وأوَّلُ مَن يُؤْذَنُ لَهُ فَيَرْفَعُ رَأْسَهُ فَأرْفَعُ رَأْسِي فَأنْظُرُ بَيْنَ يَدَيَّ ومِن خَلْفِي وعَنْ يَمِينِي وعَنْ شِمالِي فَأعْرِفُ أُمَّتِي بَيْنَ الأُمَمِ فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ وكَيْفَ تَعْرِفُهم مِن بَيْنِ الأُمَمِ ما بَيْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أُمَّتِكَ ؟ قالَ: غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِن أثَرِ الوُضُوءِ ولا يَكُونُ لِأحَدٍ غَيْرِهِمْ وأعْرِفُهم أنَّهم يُؤْتَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ وأعْرِفُهم بِسِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ وأعْرِفُهم بِنُورِهِمُ الَّذِي يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ»» وظاهِرُ هَذا الخَبَرِ اخْتِصاصُ النُّورِ بِمُؤْمِنِي هَذِهِ الأُمَّةِ وكَذا إيتاءُ الكُتُبِ بِالأيْمانِ وبَعْضُ الأخْبارِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: ««تُبْعَثُ ظُلْمَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ فَما مِن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ يَرى كَفَّهُ حَتّى يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى بِالنُّورِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِقَدْرِ أعْمالِهِمْ»» الخَبَرَ، وأخْرَجَ عَنْهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ وابْنُ المُبارَكِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ خَبَرًا طَوِيلًا فِيهِ أيْضًا ما هو ظاهِرٌ في العُمُومِ، وكَذا ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَيْنَما النّاسُ في ظُلْمَةٍ إذْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى نُورًا فَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ النُّورَ تَوَجَّهُوا نَحْوَهُ وكانَ النُّورُ دَلِيلًا لَهم مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلى الجَنَّةِ، ولا يُنافِي هَذا الخَبَرُ كَوْنَهم يَمُرُّونَ بِنُورِهِمْ عَلى الصِّراطِ كَما لا يَخْفى، وكَذا إيتاءُ الكُتُبِ بِالأيْمانِ، فَفي هِدايَةِ المُرِيدِ لِجَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ ظاهِرُ الآياتِ والأحادِيثِ عَدَمُ اخْتِصاصِهِ يَعْنِي أخْذَ الصُّحُفِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ وإنْ تَرَدَّدَ فِيهِ بَعْضُ العُلَماءِ انْتَهى.
ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ ما يَكُونُ مِنَ النُّورِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ أجْلى مِنَ النُّورِ الَّذِي يَكُونُ لِغَيْرِها أوْ هو مُمْتازٌ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الِامْتِيازِ، وأمّا إيتاءُ الكُتُبِ بِالأيْمانِ فَلَعَلَّهُ لِكَثْرَتِهِ فِيها بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ الأُمَمِ تُعْرَفُ بِهِ، وفي هَذا المَطْلَبِ أبْحاثٌ أُخَرُ تُذْكَرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في مَحَلِّها، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالنُّورِ القُرْآنُ، وقالَ الضَّحّاكُ: النُّورُ اسْتِعارَةٌ عَنِ الهُدى والرِّضْوانِ الَّذِي هم فِيهِ، وقَرَأ سَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ السَّهْمِيِّ وأبُو حَيْوَةَ «وبِإيمانِهِمْ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وخَرَّجَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ عَلى أنَّ الظَّرْفَ يَعْنِي أيْدِيَهم مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ والعَطْفُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ أيْ كائِنًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ وكائِنًا بِسَبَبِ إيمانِهِمْ وهو كَما تَرى، ولَعَلَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالقَوْلِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ﴾ أيْ وبِسَبَبِ إيمانِهِمْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، وجُمْلَةُ القَوْلِ، إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلُ أوِ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ ويَجُوزُ عَلى الحالِيَّةِ تَقْدِيرُ الوَصْفِ مِنهُ أيْ مَقُولًا لَهم، والقائِلُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَتَلَقَّوْنَهم.
والمُرادُ بِالبُشْرى ما يُبَشَّرُ بِهِ دُونَ التَّبْشِيرِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ما تُبَشَّرُونَ بِهِ دُخُولُ جَنّاتٍ يَصِحُّ بِدُونِهِ أيْ ما تُبَشَّرُونَ بِهِ جَنّاتٌ، ويَصِحُّ بِدُونِهِ أيْ ما تُبَشَّرُونَ بِهِ جَنّاتٌ، وما قِيلَ: البِشارَةُ لا تَكُونُ بِالأعْيانِ فِيهِ نَظَرٌ، وتَقْدِيرُ المُضافِ لا يُغْنِي عَنْ تَأْوِيلِ البُشْرى لِأنَّ التَّبْشِيرَ لَيْسَ عَيْنَ الدُّخُولِ، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِجَنّاتٍ: وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مِن جَنّاتٍ، قالَ أبُو حَيّانَ: وفي الكَلامِ التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في ﴿بُشْراكُمُ﴾ إلى ضَمِيرِ الغائِبِ في ( خالِدِينَ ) ولَوْ أُجْرِيَ عَلى الخِطابِ لَكانَ التَّرْكِيبُ خالِدًا أنْتُمْ فِيها: ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِهِ تَعالى فالإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِنَ النُّورِ والبُشْرى بِالجَنّاتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المُتَلَقِّينَ لَهم، فالإشارَةُ إلى ما هم فِيهِ مِنَ النُّورِ وغَيْرِهِ أوْ إلى الجَنّاتِ بِتَأْوِيلِ ما ذُكِرَ أوْ لِكَوْنِها فَوْزًا عَلى ما قِيلَ، وقُرِئَ ذَلِكَ الفَوْزُ بِدُونِ ( هُوَ) .
57:13Page 539
يَوۡمَ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ قِيلَ ٱرۡجِعُواْ وَرَآءَكُمۡ فَٱلۡتَمِسُواْ نُورٗاۖ فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ ١٣
On the [same] Day the hypocrite men and hypocrite women will say to those who believed, "Wait for us that we may acquire some of your light." It will be said, "Go back behind you1 and seek light." And a wall will be placed between them with a door, its interior containing mercy, but on the outside of it is torment.
صفحة 176
﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ تَرى﴾، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِاذْكُرْ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَظْهَرُ لِي أنَّ العامِلَ فِيهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ، ويَكُونُ مَعْنى الفَوْزِ عَلَيْهِ أعْظَمَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ المُؤْمِنِينَ يَفُوزُونَ يَوْمَ يَعْتَرِي المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ كَذا وكَذا لِأنَّ ظُهُورَ المَرْءِ يَوْمَ خُمُولِ عَدُوِّهِ مُضادُّهُ أبْدَعُ وأفْخَمُ.
وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ ظاهِرَ تَقْرِيرِهِ أنَّ يَوْمَ مَنصُوبٌ بِالفَوْزِ وهو لا يَجُوزُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ قَدْ وُصِفَ قَبْلَ أخْذِ مُتَعَلِّقاتِهِ فَلا يَجُوزُ إعْمالُهُ ولَوْ أُعْمِلَ وصْفُهُ وهو العَظِيمُ لَجازَ - أيِ الفَوْزُ الَّذِي عَظُمَ - أيْ قَدْرُهُ يَوْمَ انْتَهى، وفي عَدَمِ جَوازِ إعْمالِ مِثْلِ هَذا المَصْدَرِ في مِثْلِ هَذا المَعْمُولِ خِلافٌ، ثُمَّ إنَّ تَعَلُّقَ هَذا الظَّرْفِ بِشَيْءٍ مِن تِلْكَ الجُمْلَةِ خِلافُ الظّاهِرِ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا﴾ أيِ انْتَظِرُونا ﴿نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ نُصِبْ مِنهُ وذَلِكَ أنْ يَلْحَقُوا بِهِمْ فَيَسْتَنِيرُوا بِهِ.
وقِيلَ: فَيَأْخُذُوا شَيْئًا مِنهُ يَكُونُ مَعَهم تَخَيَّلُوا تَأتِّي ذَلِكَ فَقالُوهُ، وأصْلُ الِاقْتِباسِ طَلَبُ القَبَسِ أيِ الجَذْوَةِ مِنَ النّارِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى انْظُرُوا إلَيْنا نَقْتَبِسْ إلَخْ لِأنَّهم إذا نَظَرُوا إلَيْهِمُ اسْتَقْبَلُوهم بِوُجُوهِهِمْ والنُّورُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ فَيَسْتَضِيئُونَ بِهِ فانْظُرُونا عَلى الحَذْفِ والإيصالِ لِأنَّ النَّظَرَ بِمَعْنى مُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ يَتَعَدّى بِإلى فَإنْ أُرِيدَ التَّأمُّلُ تَعَدّى بِفي لَكِنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ وقَوْلُهم: لِلْمُؤْمِنِينَ ذَلِكَ لِأنَّهم في ظُلْمَةٍ لا يَدْرُونَ كَيْفَ يَمْشُونَ فِيها، ورُوِيَ أنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى الصِّراطِ.
وفِي الآثارِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم يَكُونُ لَهم نُورٌ فَيُطْفَأُ فَيَقُولُونَ ذَلِكَ، أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ يَدْعُو النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأُمَّهاتِهِمْ سَتْرًا مِنهُ عَلى عِبادِهِ وأمّا عِنْدُ الصِّراطِ قالَ اللَّهُ يُعْطِي كُلَّ مُؤْمِنٍ نُورًا وكُلَّ مُنافِقٍ نُورًا فَإذا اسْتَوَوْا عَلى الصِّراطِ أطْفَأ اللَّهُ نُورَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ فَقالَ المُنافِقُونَ: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم، وقالَ المُؤْمِنُونَ: أتْمِمْ لَنا نُورَنا فَلا يَذْكُرُ عِنْدَ ذَلِكَ أحَدٌ أحَدًا»».
وفِي حَدِيثٍ آخَرَ مَرْفُوعٍ عَنْهُ أيْضًا «إنَّ نُورَ المُنافِقِ يُطْفَأُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ الصِّراطَ».
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي فاخِتَةَ «يَجْمَعُ اللَّهُ تَعالى الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ ويُرْسِلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى النّاسِ ظُلْمَةً فَيَسْتَغِيثُونَ رَبَّهم فَيُؤْتِي اللَّهُ تَعالى كُلَّ مُؤْمِنٍ مِنهم نُورًا ويُؤْتِي المُنافِقِينَ نُورًا فَيَنْطَلِقُونَ جَمِيعًا مُتَوَجِّهِينَ إلى الجَنَّةِ مَعَهم نُورُهم فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ أطْفَأ اللَّهُ نُورَ المُنافِقِينَ فَيَتَرَدَّدُونَ في الظُّلْمَةِ ويَسْبِقُهُمُ المُؤْمِنُونَ بِنُورِهِمْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ فَيَقُولُونَ انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمُ الخَبَرَ»، والأخْبارُ في إيتاءِ المُنافِقِ نُورًا ثُمَّ إطْفائِهِ كَثِيرَةٌ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَأْباهُ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وحَمْزَةُ «أنْظِرُونا» بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وفَتْحِها وكَسْرِ الظّاءِ مِنَ النَّظِرَةِ وهي الإمْهالُ يُقالُ: أنْظِرِ المَدْيُونُ أيْ أمْهِلْهُ، وضْعُ ( أنْظِرُونا ) بِمَعْنى المُهْلَةِ وإنْظارِ الدّائِنِ المَدْيُونِ مَوْضِعَ اتِّئادِ الرَّفِيقِ ومَشْيِهِ الهُوَيْنا لِيَلْحَقَهُ رَفِيقُهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ بَعْدَ سَبْقِ تَشْبِيهِ الحالَةِ بِالحالَةِ مُبالَغَةٌ في العَجْزِ وإظْهارِ الِافْتِقارِ، وقِيلَ: هو مِن أنْظَرَ أيْ أخَّرَ، والمُرادُ اجْعَلُونا في آخِرِكم ولا تَسْبِقُونا بِحَيْثُ تَفُوتُونا ولا نَلْحَقُ بِكم. وقالَ المَهْدَوِيُّ: «أنْظِرُونا» «وانْظُرُونا» بِمَعْنى وهُما مِنَ الِانْتِظارِ تَقُولُ العَرَبُ: أنْظَرْتُهُ بِكَذا وانْتَظَرْتُهُ بِمَعْنى واحِدٍ والمَعْنى أمْهِلُونا ﴿قِيلَ﴾ القائِلُونَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ المُؤْمِنُونَ، وعَلى ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
﴿ارْجِعُوا وراءَكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ مِن حَيْثُ جِئْتُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ أوْ إلى المَكانِ الَّذِي قُسِّمَ فِيهِ النُّورُ عَلى ما صَحَّ عَنْ أبِي أُمامَةَ ﴿فالتَمِسُوا نُورًا﴾ هُناكَ، قالَ مُقاتِلٌ: هَذا مِنَ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ كَما اسْتَهْزَؤُوا بِالمُؤْمِنِينَ
صفحة 177
فِي الدُّنْيا حِينَ قالُوا آمَنّا ولَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البَقَرَةَ: 15] أيْ حِينَ يُقالُ لَهُمُ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا، وقالَ أبُو أُمامَةَ: يَرْجِعُونَ حِينَ يُقالُ لَهم ذَلِكَ إلى المَكانِ الَّذِي قُسِّمَ فِيهِ النُّورُ فَلا يَجِدُونَ شَيْئًا فَيَنْصَرِفُونَ إلَيْهِمْ وقَدْ ضُرِبَ بَيْنَهم بِسُوَرٍ وهي خُدْعَةُ اللَّهِ تَعالى الَّتِي خَدَعَ بِها المُنافِقِينَ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النِّساءَ: 142]، وقِيلَ: المُرادُ ارْجِعُوا إلى الدُّنْيا والتَمِسُوا نُورًا أيْ بِتَحْصِيلِ سَبَبِهِ وهو الإيمانُ أوْ تَنَحَّوْا عَنّا والتَمِسُوا نُورًا غَيْرَ هَذا فَلا سَبِيلَ لَكم إلى الِاقْتِباسِ مِنهُ، والغَرَضُ التَّهَكُّمُ والِاسْتِهْزاءُ أيْضًا.
وقِيلَ: أرادُوا بِالنُّورِ ما وراءَهم مِنَ الظُّلْمَةِ الكَثِيفَةِ تَهَكُّمًا بِهِمْ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ وراءَكم مَعْمُولٌ لِارْجِعُوا.
وقِيلَ: لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ لِأنَّهُ بِمَعْنى ارْجِعُوا فَكَأنَّهُ قِيلَ: ارْجِعُوا ارْجِعُوا كَقَوْلِهِمْ وراءَكَ أوْسَعُ لَكَ أيِ ارْجِعْ تَجِدْ مَكانًا أوْسَعَ لَكَ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ «فَضَرَبَ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ فَضَرَبَ هو أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿بِسُورٍ﴾ أيْ بِحاجِزٍ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الأعْرافُ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: حاجِزٌ غَيْرُهُ والباءُ مَزِيدَةٌ ﴿لَهُ بابٌ باطِنُهُ﴾ أيِ البابُ كَما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أوِ السُّورُ وهو الجانِبُ الَّذِي يَلِي مَكانَ المُؤْمِنِينَ أعْنِي الجَنَّةَ ﴿فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ الثَّوابُ والنَّعِيمُ الَّذِي لا يُكْتَنَهُ ﴿وظاهِرُهُ﴾ الجانِبُ الَّذِي يَلِي مَكانَ المُنافِقِينَ أعْنِي النّارَ ﴿مِن قِبَلِهِ﴾ أيْ مِن جِهَتِهِ ﴿العَذابُ﴾ وهَذا السُّورُ قِيلَ: يَكُونُ في تِلْكَ النَّشْأةِ وتَبَدُّلِ هَذا العالَمِ واخْتِلافِ أوْضاعِهِ في مَوْضِعِ الجِدارِ الشَّرْقِيِّ مِن مَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي سِنانٍ قالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ وادِي جَهَنَّمَ يَعْنِي المَكانَ المَعْرُوفَ عِنْدَ بَيْتِ المَقْدِسِ فَحَدَّثَ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ، وقَدْ تَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ هَذا مَوْضِعُ السُّورِ عِنْدَ وادِي جَهَنَّمَ، وأخْرَجَ هو وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: إنَّ السُّورَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ هو سُورُ بَيْتِ المَقْدِسِ الشَّرْقِيُّ ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ المَسْجِدُ ﴿وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ يَعْنِي وادِيَ جَهَنَّمَ وما يَلِيَهُ.
وأخْرَجَ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ أنَّهُ كانَ عَلى سُورِ بَيْتِ المَقْدِسِ الشَّرْقِيِّ فَبَكى فَقِيلَ: ما يُبْكِيكَ ؟ فَقالَ: ها هُنا أخْبَرَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ رَأى جَهَنَّمَ. ولا يَخْفى أنَّ هَذا ونَظائِرَهُ أُمُورٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى اخْتِلافِ العالَمَيْنِ وتَغايُرِ النَّشْأتَيْنِ عَلى وجْهٍ لا تَصِلُ العُقُولُ إلى إدْراكِ كَيْفِيَّتِهِ والوُقُوفِ عَلى تَفاصِيلِهِ، فَإنْ صَحَّ الخَبَرُ لَمْ يَسَعْنا إلّا الإيمانُ لِعَدَمِ خُرُوجِ الأمْرِ عَنْ دائِرَةِ الإمْكانِ، وأبُو حَيّانَ حَكى عَمَّنْ سَمِعْتُ وعَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ الجِدارُ الشَّرْقِيُّ مِن مَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ واسْتَبْعَدَهُ ثُمَّ قالَ: ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُمْ
57:14Page 539
يُنَادُونَهُمۡ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ وَتَرَبَّصۡتُمۡ وَٱرۡتَبۡتُمۡ وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ١٤
They [i.e., the hypocrites] will call to them [i.e., the believers], "Were we not with you?" They will say, "Yes, but you afflicted yourselves1 and awaited [misfortune for us] and doubted, and wishful thinking deluded you until there came the command of Allāh. And the Deceiver [i.e., Satan] deceived you concerning Allāh.
﴿يُنادُونَهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَفْعَلُونَ بَعْدَ ضَرْبِ السُّورِ ومُشاهَدَةِ العَذابِ ؟ فَقِيلَ: يُنادِي المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴿ألَمْ نَكُنْ﴾ في الدُّنْيا ﴿مَعَكُمْ﴾ يُرِيدُونَ بِهِ مُوافَقَتَهم لَهم في الظّاهِرِ ﴿قالُوا بَلى﴾ كُنْتُمْ مَعَنا كَما تَقُولُونَ ﴿ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ مَحَنْتُمُوها بِالنِّفاقِ وأهْلَكْتُمُوها ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ بِالمُؤْمِنِينَ الدَّوائِرَ ﴿وارْتَبْتُمْ﴾ وشَكَكْتُمْ في أُمُورِ الدِّينِ ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ الفارِغَةُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الطَّمَعُ في انْتِكاسِ الإسْلامِ
صفحة 178
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ بِالشَّهَواتِ واللَّذّاتِ ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ بِالتَّوْبَةِ ﴿وارْتَبْتُمْ﴾ قالَ مَحْبُوبٌ اللِّيثِيُّ: شَكَكْتُمْ في اللَّهِ ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ طُولُ الآمالِ، وقالَ أبُو سِنانٍ: قُلْتُمْ سَيُغْفَرُ لَنا ﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيِ المَوْتُ ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ الشَّيْطانُ قالَ لَكم: إنَّ اللَّهَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ لا يُعَذِّبُكم.
وعَنْ قَتادَةَ كانُوا عَلى خُدْعَةٍ مِنَ الشَّيْطانِ واللَّهِ ما زالُوا عَلَيْها حَتّى قَذَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى في النّارِ.
وقَرَأ سِماكُ بْنُ حَرْبٍ الغُرُورِ بِالضَّمِّ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: وهو كَقَوْلِهِ: وغَرَّكم بِاللَّهِ تَعالى الِاغْتِرارُ، وتَقْدِيرُهُ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ وغَرَّكم بِاللَّهِ تَعالى سَلامَةُ الِاغْتِرارِ ومَعْناهُ سَلامَتُكم مِنهُ اغْتِرارُكم.
57:15Page 539
فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُؤۡخَذُ مِنكُمۡ فِدۡيَةٞ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ مَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُۖ هِيَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٥
So today no ransom will be taken from you or from those who disbelieved. Your refuge is the Fire. It is most worthy of you, and wretched is the destination."
﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكُمْ﴾ أيُّها المُنافِقُونَ ﴿فِدْيَةٌ﴾ فِداءٌ وهو ما يُبْذَلُ لِحِفْظِ النَّفْسِ عَنِ النّائِبَةِ والنّاصِبُ لِيَوْمِ الفِعْلِ المَنفِيِّ بِلا، وفِيهِ حُجَّةٌ عَلى مَن مَنَعَ ذَلِكَ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْرَجُ وابْنُ عامِرٍ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرو لا تُؤْخَذُ التّاءُ الفَوْقِيَّةُ ﴿ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ ظاهِرًا وباطِنًا فَيُغايِرُ المُخاطَبِينَ المُنافِقِينَ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالفِدْيَةِ ما هو مِن جِنْسِ المالِ ونَحْوِهِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها ما يَعُمُّ الإيمانَ والتَّوْبَةَ فَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا يُقْبَلُ إيمانُهم وتَوْبَتُهم يَوْمَ القِيامَةِ وفِيهِ بُعْدٌ، وفي الحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لِلْكافِرِ: أرَأيْتُكَ لَوْ كانَ لَكَ أضْعافُ الدُّنْيا أكُنْتَ تَفْتَدِي بِجَمِيعِ ذَلِكَ مِن عَذابِ النّارِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ فَيَقُولُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: قَدْ سَألْتُكَ ما هو أيْسَرُ مِن ذَلِكَ وأنْتَ في ظَهْرِ أبِيكَ آدَمَ أنْ لا تُشْرِكَ بِي فَأبَيْتَ إلّا الشِّرْكَ» ﴿مَأْواكُمُ النّارُ﴾ مَحَلُّ أوْيِكم ( هي مَوْلاكم ) أيْ ناصِرُكم مِن بابِ - تَحِيَّةٌ بَيْنَهم ضَرْبٌ وجِيعٌ - والمُرادُ نَفْيُ النّاصِرِ عَلى البَتاتِ بَعْدَ نَفْيِ أخْذِ الفِدْيَةِ وخَلاصِهِمْ بِها عَنِ العَذابِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهم: أُصِيبَ بِكَذا فاسْتَنْصَرَ الجَزَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ [الكَهْفَ: 29] وقالَ الكَلْبِيُّ والزَّجّاجُ والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: أيْ أوْلى بِكم كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ يَصِفُ بَقَرَةً وحْشِيَّةً نَفَرَتْ مِن صَوْتِ الصّائِدِ:
فَغَدَتْ كِلا الفَرْجَيْنِ تَحْسِبُ أنَّهُ مَوْلى المَخافَةِ خَلْفَها وأمامَها
أيْ فَغَدَتْ كِلا جانِبَيْها الخَلْفَ والأمامَ تَحْسِبُ أنَّهُ أوْلى بِأنْ يَكُونَ فِيهِ الخَوْفُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقِيقَةُ مَوْلاكم هي عَلى هَذا مَحْراكم ومَقْمَنُكم أيِ المَكانُ الَّذِي يُقالُ فِيهِ هو أوْلى بِكم كَما قِيلَ: هو مِئْنَةٌ لِلْكَرَمِ أيْ مَكانٌ لِقَوْلِ القائِلِ: إنَّهُ لَكَرِيمٌ فَأوْلى نَوْعٌ مِنَ اسْمِ المَكانِ لُوحِظَ فِيهِ مَعْنى أوْلى إلّا أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنهُ كَما أنَّ المِئْنَةَ لَيْسَتْ مُشْتَقَّةً مِن إنِ التَّحْقِيقِيَّةِ، وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ إنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى ولَيْسَ بِتَفْسِيرِ اللَّفْظِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَوْلى وأوْلى بِمَعْنًى واحِدٍ في اللُّغَةِ لَصَحَّ اسْتِعْمالُ كُلٍّ مِنهُما في مَكانِ الآخَرِ وكانَ يَجِبُ أنْ يَصِحَّ هَذا أوْلى فُلانٍ كَما يُقالُ: هَذا مَوْلى فُلانٍ ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الَّذِي قالُوهُ مَعْنًى ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ، ثُمَّ صَرَّحَ بِأنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ رَدَّ اسْتِدْلالِ الشَّرِيفِ المُرْتَضِي بِحَدِيثِ الغَدِيرِ مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ عَلى إمامَةِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حَيْثُ قالَ: أحَدُ مَعانِي المَوْلى الأوْلى.
وحَمْلُهُ في الخَبَرِ عَلَيْهِ مُتَعَيَّنٌ لِأنَّ إرادَةَ غَيْرِهِ يَجْعَلُ الأخْبارَ عَبَثًا كَإرادَةِ النّاصِرِ والصّاحِبِ وابْنِ العَمِّ، أوْ يَجْعَلُهُ كَذِبًا كالمُعْتَقِ والمُعَتَّقِ ولا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ أنَّهُ إنْ أرادَ بِكَوْنِهِ مَعْنًى لا تَفْسِيرٌ ما أشارَ إلَيْهِالزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ التَّحْقِيقِ
صفحة 179
فَهُوَ لا يَرُدُّ الِاسْتِدْلالَ إذْ يَكْفِي لِلْمُرْتَضِي أنْ يَقُولَ: المَوْلى في الخَبَرِ بِمَعْنى المَكانِ الَّذِي يُقالُ فِيهِ أوْلى إذْ يَلْزَمُ عَلى غَيْرِهِ العَبَثُ أوِ الكَذِبُ وإنْ أرادَ أنَّ ذَلِكَ مَعْنًى لازِمٌ لِما هو تَفْسِيرٌ لَهُ كَأنْ يَكُونَ تَفْسِيرُهُ القائِمُ بِمَصالِحِكم ونَحْوِهِ مِمّا يَكُونُ ذَلِكَ لازِمًا لَهُ فَفي رَدِّهِ الِاسْتِدْلالَ أيْضًا تَرَدُّدٌ، وإنْ أرادَ شَيْئًا آخَرَ فَنَحْنُ لا نَدْرِي ما هو - وهو لَمْ يُبَيِّنْهُ - والحَقُّ أنَّهُ ولَوْ جُعِلَ المَوْلى بِمَعْنى الأوْلى أوِ المَكانِ الَّذِي يُقالُ فِيهِ الأوْلى لا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ بِالخَبَرِ عَلى الإمامَةِ الَّتِي تَدَّعِيها الإمامِيَّةُ لِلْأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لِما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ، وفي التُّحْفَةِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ ما فِيهِ كِفايَةٌ لِطالِبِ الحَقِّ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْ مَصِيرُكم وتَحْقِيقُهُ عَلى ما قالَ الإمامُ: إنَّ المَوْلى بِمَعْنى مَوْضِعِ الوَلِيِّ وهو القُرْبُ والمَعْنى هي مَوْضِعُكُمُ الَّذِي تَقْرُبُونَ مِنهُ وتَصِلُونَ إلَيْهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الإخْبارَ بِذَلِكَ بَعْدَ الإخْبارِ بِأنَّها مَأْواهم لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ جَدْوى عَلى أنَّ وضْعَ اسْمِ المَكانِ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَّصِفُ صاحِبُهُ بِالمَأْخَذِ حالَ كَوْنِهِ فِيهِ والقُرْبُ مِنَ النّارِ وصْفٌ لِأُولَئِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيها ولا يَحْسُنُ وصْفُهم بِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ ولَوِ اعْتُبِرَ مَجازُ الكَوْنِ كَما لا يَخْفى، وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ اعْتِبارَ كَوْنِهِ اسْمَ مَكانٍ مِنَ الوَلِيِّ بِمَعْنى القُرْبِ لَكِنْ عَلى أنَّ المَعْنى هي مَكانُ قُرْبِكم مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ورِضْوانِهِ عَلى التَّهَكُّمِ بِهِمْ وقِيلَ: أيْ مُتَوَلِّيكم أنَّ المُتَصَرِّفَةَ فِيكم كَتَصَرُّفِكم فِيما أوْجَبَها واقْتَضاها في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي والتَّصَرُّفُ اسْتِعارَةٌ لِلْإحْراقِ والتَّعْذِيبِ، وقِيلَ: مُشاكَلَةٌ تَقْدِيرِيَّةٌ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيِ النّارُ وهي المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ المَحْذُوفِ لِدَلالَةِ السِّياقِ ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِعِتابِ المُؤْمِنِينَ عَلى الفُتُورِ والتَّكاسُلِ فِيما نُدِبُوا إلَيْهِ والمُعاتَبُ عَلى ما قالَهُ الزَّجّاجُ طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ وإلّا فَمِنهم مَن لَمْ يَزَلْ خاشِعًا مُنْذُ أسْلَمَ إلى أنْ ذَهَبَ إلى رَبِّهِ، وما نُقِلَ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ فَهِمَ المُرادَ بِالَّذِينِ آمَنُوا مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ، وقَدْ سَمِعَتَ صَدْرَ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ والأعْمَشُ قالَ: لَمّا قَدِمَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ فَأصابُوا مِن لِينِ العَيْشِ ما أصابُوا بَعْدَ ما كانَ لَهم مِنَ الجَهْدِ فَكَأنَّهم فَتَرُوا عَنْ بَعْضِ ما كانُوا عَلَيْهِ فَعُوتِبُوا فَنَزَلَتْ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences