Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Hadid 57:16–20
57:16–17Page 539
۞ أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ١٦
Has the time not come for those who have believed that their hearts should become humbly submissive at the remembrance of Allāh and what has come down of the truth? And let them not be like those who were given the Scripture before, and a long period passed over them, so their hearts hardened; and many of them are defiantly disobedient.
ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٧
Know that Allāh gives life to the earth after its lifelessness. We have made clear to you the signs; perhaps you will understand.1
﴿ألَمْ يَأْنِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَبْطَأ قُلُوبَ المُهاجِرِينَ فَعاتَبَهم عَلى رَأْسِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً مِن نُزُولِ القُرْآنِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ يَأْنِ﴾ الآيَةَ، وفي خَبَرِ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسٍ بَعْدَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِن نُزُولِ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ في المَسْجِدِ وهم يَضْحَكُونَ فَسَحَبَ رِداءَهُ مُحْمَرًّا وجْهُهُ فَقالَ: أتَضْحَكُونَ ولَمْ يَأْتِكم مِن رَبِّكم بِأنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَكم وقَدْ نَزَلَ عَلَيَّ في ضَحِكِكم آيَةٌ ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ﴾ إلَخْ ؟ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ فَما كَفّارَةُ ذَلِكَ ؟ قالَ: تَبْكُونَ بِقَدْرِ ما ضَحِكْتُمْ،» وفي الخَبَرِ أنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ ظَهَرَ فِيهِمُ المِزاحُ والضَّحِكُ فَنَزَلَتْ، وحَدِيثُ مُسْلِمٍ ومَن مَعَهُ السّابِقُ مُقَدَّمٌ عَلى هَذِهِ الآثارِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ أهْلِ الحَدِيثِ، ( ويَأْنِ ) مُضارِعُ أنى الأمْرُ أنْيًا وأناءً وإناءً بِالكَسْرِ إذا جاءَ أناهُ أيْ وقْتُهُ، أيْ ألَمْ يَجِئْ وقْتُ أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو السَّمّالِ - ألَمّا - بِالهَمْزَةِ، ولَمّا النّافِيَةِ الجازِمَةِ كَلَمْ إلّا أنَّ فِيهِ أنَّ المَنفِيَّ مُتَوَقَّعٌ.
صفحة 180
وقَرَأ الحَسَنُ يَئِنْ مُضارِعُ آنَ أيْنًا بِمَعْنى أنِيَ السّابِقِ، وقالَ أبُو العَبّاسِ: قالَ قَوْمٌ: إنَّ يَئِينُ أيْنًا الهَمْزَةُ مَقْلُوبَةٌ فِيهِ عَنِ الحاءِ وأصْلُهُ حانَ يَحِينُ حِينًا وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الحِينِ ﴿وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ أيِ القُرْآنِ وهو عَطْفٌ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ فَإنْ كانَ هو المُرادُ بِهِ أيْضًا فالعَطْفُ لِتَغايُرِ العُنْوانَيْنِ نَحْوَ: هو المَلِكُ القَرِمُ وابْنُ الهُمامِ فَإنَّهُ ذِكْرٌ ومَوْعِظَةٌ كَما أنَّهُ حَقٌّ نازِلٌ مِنَ السَّماءِ وإلّا بِأنْ كانَ المُرادُ بِهِ تَذْكِيرَ اللَّهِ تَعالى إيّاهم فالعَطْفُ لِتَغايُرِ الذّاتَيْنِ عَلى ما هو الشّائِعُ في العَطْفِ وكَذا إذا أُرِيدَ بِهِ ذِكْرُهُمُ اللَّهَ تَعالى بِالمَعْنى المَعْرُوفِ، وجُوِّزَ العَطْفُ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ إذا أُرِيدَ بِالذِّكْرِ التَّذْكِيرُ وهو كَما تَرى، وقالَ الطَّيِّبِيُّ: يُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ الذِّكْرُ عَلى القُرْآنِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ عَلى نُزُولِ السَّكِينَةِ مَعَهُ أيِ الوارِداتُ الإلَهِيَّةُ ويُعَضِّدُهُ ما رَوَيْنا عَنِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ والتِّرْمِذِيِّ عَنِ البَراءِ «كانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ وعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ فَغَشِيَتْهُ سَحابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدْنُو وجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ مِنها فَلَمّا أصْبَحَ أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَقالَ: تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنْزِلُ لِلْقُرْآنِ».
وفِي رِوايَةٍ «اقْرَأْ فُلانُ فَإنَّها السَّكِينَةُ تَنْزِلُ عِنْدَ القُرْآنِ ولِلْقُرْآنِ» انْتَهى، ولا يَخْفى بُعْدُ ذَلِكَ جِدًّا ولَعَلَّكَ تَخْتارُ حَمْلَ الذِّكْرِ وما نَزَلَ عَلى القُرْآنِ لِما يُحِسُّ مِمّا بَعْدُ مِن نَوْعِ تَأْيِيدٍ لَهُ، وفَسَّرَ الخُشُوعَ لِلْقُرْآنِ بِالِانْقِيادِ التّامِّ لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ والعُكُوفِ عَلى العَمَلِ بِما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ مِن غَيْرِ تَوانٍ ولا فُتُورٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ اعْتَبَرَ كَوْنَ اللّامِ صِلَةَ الخُشُوعِ، وجُوِّزَ كَوْنُها لِلتَّعْلِيلِ عَلى أوْجُهِ الذِّكْرِ فالمَعْنى ألَمْ يَأْنِ لَهم أنْ تَرِقَّ قُلُوبُهم لِأجْلِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وكِتابِهِ الحَقِّ النّازِلِ فَيُسارِعُوا إلى الطّاعَةِ عَلى أكْمَلِ وُجُوهِها، وفي الآيَةِ حَضٌّ عَلى الخُشُوعِ، وكانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَما أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ إذا تَلاها بَكى ثُمَّ قالَ: بَلى يا رَبِّ بَلى يا رَبِّ، وعَنِ الحَسَنِ أما واللَّهِ لَقَدِ اسْتَبْطَأهم وهم يَقْرَؤُونَ مِنَ القُرْآنِ أقَلَّ مِمّا تَقْرَءُونَ فانْظُرُوا في طُولِ ما قَرَأْتُمْ وما ظَهَرَ فِيكم مِنَ الفِسْقِ، ورَوى السُّلَمِيُّ عَنْ أحْمَدَ بْنِ أبِي الحِوارِيِّ قالَ بَيْنا أنا في بَعْضِ طُرُقاتِ البَصْرَةِ إذْ سَمِعْتُ صَعْقَةً فَأقْبَلْتُ نَحْوَها فَرَأيْتُ رَجُلًا قَدْ خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَقُلْتُ: ما هَذا ؟ فَقالُوا: كانَ رَجُلًا حاضِرَ القَلْبِ فَسَمِعَ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ فَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَقُلْتُ: ما هي ؟ فَقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ فَأفاقَ الرَّجُلُ عِنْدَ سَماعِ كَلامِنا فَأنْشَأ يَقُولُ:
أما آنَ لِلْهِجْرانِ أنْ يَتَصَرَّما ولِلْغُصْنِ غُصْنِ البانِ أنْ يَتَبَسَّما
ولِلْعاشِقِ الصَّبِّ الَّذِي ذابَ وانْحَنى ∗∗∗ ألَمْ يَأْنِ أنْ يُبْكى عَلَيْهِ ويُرْحَما
كَتَبْتُ بِماءِ الشَّوْقِ بَيْنَ جَوانِحِي ∗∗∗ كِتابًا حَكى نَقْشَ الوَشْيِ المُنَمْنَما
ثُمَّ قالَ: إشْكالٌ إشْكالٌ إشْكالٌ فَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَحَرَّكْناهُ فَإذا هو مَيِّتٌ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قُرِئَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ وعِنْدَهُ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمامَةِ فَبَكَوْا بُكاءً شَدِيدًا فَنَظَرَ إلَيْهِمْ فَقالَ: هَكَذا كُنّا حَتّى قَسَتِ القُلُوبُ، ولَعَلَّهُ أرادَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ الطِّرازَ الأوَّلَ كانَ كَذَلِكَ حَتّى قَسَتْ قُلُوبُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ ولَمْ يَتَأسَّوْا بِالسّابِقِينَ وغَرَضُهُ مَدْحُ أُولَئِكَ القَوْمِ بِما كانَ هو ونُظَراؤُهُ عَلَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ أرادَ ما هو الظّاهِرُ، والكَلامُ مِن بابِ هَضْمِ النَّفْسِ كَقَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أقِيلُونِي فَلَسْتُ بِخَيْرِكم، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ أبُو حَفْصٍ السَّهْرَوَرْدِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ: مَعْناهُ تَصَلَّبَتْ وأدْمَنَتْ سَماعَ القُرْآنِ وألِفَتْ أنْوارَهُ فَما تَسْتَغْرِبُهُ حَتّى تَتَغَيَّرَ كَما تَغَيَّرَ هَؤُلاءِ السّامِعُونَ انْتَهى وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وفِيهِ نَوْعُ انْتِقاصٍ لِلْقَوْمِ ورَمْزٌ إلى أنَّ البُكاءَ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ لا يَكُونُ مِن كامِلٍ كَما يَزْعُمُهُ بَعْضُ جَهَلَةِ الصُّوفِيَّةِ القائِلِينَ: إنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا لِضَعْفِ القَلْبِ عَنْ تَحَمُّلِ الوارِداتِ الإلَهِيَّةِ النُّورانِيَّةِ ويَجِلُّ عَنْ ذَلِكَ كَلامُ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ
صفحة 181
مِنَ السَّبْعَةِ «وما نَزَّلَ» بِالتَّشْدِيدِ، والجَحْدَرِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرو في رِوايَةِ يُونُسَ وعَبّاسٌ عَنْهُ «نُزِّلَ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، وعَبْدُ اللَّهِ - أنْزَلَ - بِهَمْزَةِ النَّقْلِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
﴿ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ﴾ لا نافِيَةٌ وما بَعْدَها مَنصُوبٌ مَعْطُوفٌ عَلى تَخْشَعَ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ناهِيَةً وما بَعْدَها مَجْزُومٌ بِها ويَكُونُ ذَلِكَ انْتِقالًا إلى نَهْيِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُماثَلَةِ أهْلِ الكِتابِ بَعْدَ أنْ عُوتِبُوا بِما سَمِعْتَ وعَلى النَّفْيِ هو في المَعْنى نَهْيٌ أيْضًا، وقَرَأ أبُو بَحْرِيَّةَ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وإسْماعِيلُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وعَنْ شَيْبَةَ ويَعْقُوبَ وحَمْزَةَ في رِوايَةٍ عَنْ سُلَيْمٍ عَنْهُ «ولا تَكُونُوا» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ لِلِاعْتِناءِ بِالتَّحْذِيرِ، وفي لا ما تَقَدَّمَ، والنَّهْيُ مَعَ الخِطابِ أظْهَرُ مِنهُ مَعَ الغَيْبَةِ.
﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ﴾ أيِ الأجَلُ بِطُولِ أعْمارِهِمْ وآمالِهِمْ، أوْ طالَ أمَدُ ما بَيْنَهم وبَيْنَ أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبُعْدُ العَهْدِ بِهِمْ، وقِيلَ: أمَدُ انْتِظارِ القِيامَةِ والجَزاءِ، وقِيلَ: أمَدُ انْتِظارِ الفَتْحِ، وفَرَّقُوا بَيْنَ الأمَدِ والزَّمانِ بِأنَّ الأمَدَ يُقالُ الغايَةُ والزَّمانُ عامٌّ مِنَ المَبْدَأِ والغايَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ ( الأمَدُّ ) بِتَشْدِيدِ الدّالِ أيِ الوَقْتُ الأطْوَلُ ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ صَلُبَتْ فَهي كالحِجارَةِ، أوْ أشَدُّ قَسْوَةً ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ خارِجُونَ عَنْ حُدُودِ دِينِهِمْ رافِضُونَ لِما في كِتابِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ، قِيلَ: مِن فَرْطِ القَسْوَةِ وذُكِرَ أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن كَوْنِ الجُمْلَةِ حالٌ، وفِيهِ خَفاءٌ والأظْهَرُ أنَّهُ مِنَ السِّياقِ، والمُرادُ بِالكِتابِ الجِنْسُ فالمَوْصُولُ يَعُمُّ اليَهُودَ والنَّصارى وكانُوا كُلُّهم في أوائِلِ أمْرِهِمْ يَحُولُ الحَقُّ بَيْنَهم وبَيْنَ كَثِيرٍ مِن شَهَواتِهِمْ وإذا سَمِعُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ خَشَعُوا لِلَّهِ تَعالى ورَقَّتْ قُلُوبُهم فَلَمّا طالَ عَلَيْهِمُ الزَّمانُ غَلَبَهُمُ الجَفاءُ والقَسْوَةُ وزالَتْ عَنْهُمُ الرَّوْعَةُ الَّتِي كانُوا يَجِدُونَها عِنْدَ سَماعِ الكِتابَيْنِ وأحْدَثُوا ما أحْدَثُوا واتَّبَعُوا الأهْواءَ وتَفَرَّقَتْ بِهِمُ السُّبُلُ، والقَسْوَةُ مَبْدَأُ الشُّرُورِ وتَنْشَأُ مِن طُولِ الغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وعَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: لا تُكْثِرُوا الكَلامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى فَتَقْسُو قُلُوبُكم فَإنَّ القَلْبَ القاسِيَ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولا تَنْظُرُوا إلى ذُنُوبِ العِبادِ كَأنَّكم أرْبابٌ وانْظُرُوا في ذُنُوبِكم كَأنَّكم عِبادٌ والنّاسُ رَجُلانِ مُبْتَلًى ومُعافى فارْحَمُوا أهْلَ البَلاءِ واحْمَدُوا عَلى العافِيَةِ ومَن أحَسَّ بِقَسْوَةٍ في قَلْبِهِ فَلْيَهْرَعْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وتِلاوَةِ كِتابِهِ يَرْجِعْ إلَيْهِ حالُهُ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فَهو تَمْثِيلٌ ذُكِرَ اسْتِطْرادًا لِإحْياءِ القُلُوبِ القاسِيَةِ بِالذِّكْرِ والتِّلاوَةِ بِإحْياءِ الأرْضِ المَيِّتَةِ بِالغَيْثِ لِلتَّرْغِيبِ في الخُشُوعِ والتَّحْذِيرِ عَنِ القَساوَةِ ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآياتُ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ كَيْ تَعْقِلُوا ما فِيها وتَعْمَلُوا بِمُوجِبِها فَتَفُوزُوا بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ.
57:18Page 539
إِنَّ ٱلۡمُصَّدِّقِينَ وَٱلۡمُصَّدِّقَٰتِ وَأَقۡرَضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعَفُ لَهُمۡ وَلَهُمۡ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١٨
Indeed, the men who practice charity and the women who practice charity and [they who] have loaned Allāh a goodly loan - it will be multiplied for them, and they will have a noble reward.
﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ﴾ أيِ المُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ، وقَدْ قَرَأ أُبَيٌّ كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ وأبانٌ وأبُو عَمْرو في رِوايَةِ هارُونَ بِتَخْفِيفِ الصّادِ مِنَ التَّصْدِيقِ لا مِنَ الصَّدَقَةِ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ أيِ الَّذِينَ صَدَقُوا واللّاتِي صَدَقْنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ورَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والقِراءَةُ الأُولى أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وقِيلَ: الثّانِيَةُ أرْجَحُ لِأنَّ الإقْراضَ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ التَّصْدِيقِ، وأنْتَ سَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فائِدَتَهُ، وعُطِفَ ( أقْرَضُوا ) عَلى مَعْنى الفِعْلِ مِنَ المُصَّدِّقِينَ عَلى ما اخْتارَهُ أبُو عَلِيٍّ والزَّمَخْشَرِيُّ لِأنَّ ألْ بِمَعْنى الَّذِينَ، واسْمَ الفاعِلِ بِمَعْنى الفِعْلِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ أصْدَقُوا أوْ صَدَّقُوا عَلى القِراءَتَيْنِ ( وأقْرَضُوا )
صفحة 182
وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ أجْزاءِ الصِّلَةِ إذِ المَعْطُوفُ عَلى الصِّلَةِ بِأجْنَبِيٍّ وهو المُصَّدِّقاتُ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وقالَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ النّاسَ الَّذِينَ تَصَدَّقُوا وتَصَدَّقْنَ أأقْرَضُوا فَهو عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ مِن حَيْثُ المَعْنى بِلا فَصْلٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا مُحَصِّلَ لَهُ إلّا إذا قِيلَ: إنَّ ألِ الثّانِيَةَ زائِدَةٌ لِئَلّا يُعْطَفَ عَلى صُورَةِ جُزْءِ الكَلِمَةِ، وفِيهِ بُعْدٌ، ولا يَخْفى أنَّ حَدِيثَ اعْتِبارِ المَعْنى يَدْفَعُ ما ذُكِرَ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّهُ قَرِيبٌ ولا يَبْعُدُ تَنْزِيلُ ما تَقَدَّمَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ، والزَّمَخْشَرِيِّ عَلَيْهِ، وقِيلَ: العَطْفُ عَلى صِلَةِ ألْ في المُصَّدِّقاتِ واخْتِلافِ الضَّمائِرِ تَأْنِيثًا وتَذْكِيرًا لا يَضُرُّ لِأنَّ ألْ تَصْلُحُ لِلْجَمِيعِ فَيُرادُ بِها مَعْنى اللّاتِي عِنْدَ عَوْدِ ضَمِيرِ جَمْعِ الإناثِ عَلَيْها ومَعْنى الَّذِي عِنْدَ عَوْدِ ضَمِيرِ جَمْعِ الذُّكُورِ عَلَيْها وهو كَما تَرى، ومِثْلُهُ ما قِيلَ: هو مِن بابِ كَلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتَهُ أيْ إنَّ المُصَّدِّقِينَ مَقْرُونُونَ مَعَ المُصَّدِّقاتِ في الثَّوابِ والمَنزِلَةِ، أوْ يُقَدَّرُ خَبَرٌ أيْ - إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ يُفْلِحُونَ - ( وأقْرَضُوا ) في الوَجْهَيْنِ لَيْسَ عَطْفًا عَلى الصِّلَةِ بَلْ مُسْتَأْنَفٌ ويُضافُ بَعْدَ صِفَةِ قَرْضًا أوِ اسْتِئْنافٍ ومَن أنْصَفَ لَمْ يَرَ ذَلِكَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلَيْهِ كَلامُ أدْنى الفُصَحاءِ فَضْلًا عَنْ كَلامِ رَبِّ العالَمِينَ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ تَخْرِيجَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ المَوْصُولِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: والَّذِينَ أقْرَضُوا فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ
فَمَن يَهْجُرُ رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءُ
وهُوَ مَقْبُولٌ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ دُونَ رَأْيِ البَصْرِيِّينَ فَإنَّهم لا يُجَوِّزُونَ حَذْفَ المَوْصُولِ في مِثْلَهُ، وبَعْضُ أئِمَّةِ المُحَقِّقِينَ بَعْدَ أنِ اسْتَقْرَبَ تَوْجِيهَ التَّقْرِيبِ ولَمْ يَسْتَبْعِدْ تَنْزِيلَ ما سَمِعْتَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ وأبِي عَلِيٍّ عَلَيْهِ قالَ: وأقْرَبُ مِنهُ أنْ يُقالَ: إنَّ ( المُصَّدِّقاتِ ) مَنصُوبٌ عَلى التَّخْصِيصِ كَأنَّهُ قِيلَ: «إنَّ المُصَّدِّقِينَ» عامًّا عَلى التَّغْلِيبِ وأخُصُّ المُتَصَدِّقاتِ مِنهم كَما تَقُولُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ولا سِيَّما العُلَماءَ مِنهم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم كَذا.
ووَجْهُ التَّخْصِيصِ ما ورَدَ في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يا مَعْشَرَ النِّساءِ تَصَدَّقْنَ فَإنِّي أُرِيتُكُنَّ أكْثَرَ أهْلِ النّارِ»» يَحُضُّهُنَّ عَلى الصَّدَقَةِ بِأنَّهُنَّ إذا فَعَلْنَ ذَلِكَ كانَ لَهُ تَعالى أقْبَلَ وجَزاؤُهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ أوْفَرَ وأفْضَلَ، ثُمَّ قالَ: ولَمّا لَمْ يَكُنِ الإقْراضُ غَيْرَ ذَلِكَ التَّصَدُّقِ قِيلَ: وأقْرَضُوا أيْ بِذَلِكَ التَّصَدُّقِ تَحْقِيقًا لِكَيْنُونَتِهِ وأنَّهم مِثْلُ ذَلِكَ مُمَثَّلُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِمَن يُعامَلُ مَعَ أجْوَدِ الأجْوَدَيْنِ مُعامَلَةً بِرِضاهُ، ولَوْ قِيلَ: والمُقْرِضِينَ لَفاتَتْ هَذِهِ النُّكْتَةُ انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ نَصْبَ المُصَّدِّقاتِ عَلى التَّخْصِيصِ خِلافُ الظّاهِرِ، وأمّا ما ذَكَرَهُ في نُكْتَةِ العُدُولِ عَنِ المَفْرُوضَيْنِ فَحَسَنٌ وهو مُتَأتٍّ عَلى تَخْرِيجِ أبِي عَلِيٍّ والزَّمَخْشَرِيِّ، وعَلى تَخْرِيجِ أبِي حَيّانَ، وقالَ الخَفاجِيُّ: القَوْلُ - أيْ قَوْلُ أبِي البَقاءِ - بِأنْ أقْرَضُوا إلَخْ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها أظْهَرُ وأسْهَلُ، وكَأنَّ النُّكْتَةَ فِيهِ تَأْكِيدُ الحُكْمِ بِالمُضاعَفَةِ، وزَعَمَ أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِها مِن ضَمِيرَيِ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ لا يَخْفى مَعْنًى وعَرَبِيَّةً فَتَدَبَّرْ ( يُضاعَفُ لَهم ) الضَّمِيرُ لِجَمِيعِ المُتَقَدِّمِينَ الذُّكُورِ والإناثِ عَلى التَّغْلِيبِ كَضَمِيرِ أقْرَضُوا، والجارُّ والمَجْرُورُ نائِبُ الفاعِلِ، وقِيلَ: هو ضَمِيرُ التَّصَدُّقِ أوْ ضَمِيرُ القَرْضِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ يُضاعَفُ ثَوابُ التَّصَدُّقِ أوْ ثَوابُ القَرْضِ لَهم، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ «( يُضَعَّفُ)» بِتَشْدِيدِ العَيْنِ، وقُرِئَ «يُضاعِفُ» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ أيْ يُضاعِفُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهم ثَوابَ ذَلِكَ ﴿ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ قَدْ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ.
57:19Page 540
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ وَنُورُهُمۡۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١٩
And those who have believed in Allāh and His messengers - those are [in the ranks of] the supporters of truth and the martyrs, with their Lord. For them is their reward and their light.1 But those who have disbelieved and denied Our verses - those are the companions of Hellfire.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ قَدْ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ إيمانِهِمْ في خاتِمَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ أوَّلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وهو إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ:
صفحة 183
﴿هُمُ﴾ مُبْتَدَأٌ ثالِثٌ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ﴾ خَبَرُ الثّالِثِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الثّانِي وهو مَعَ خَبَرِهِ خَبَرُ الأوَّلِ أوْ هم ضَمِيرُ فَصْلٍ وما بَعْدَهُ خَبَرُ الثّانِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ عَلى ما قِيلَ: بِالثُّبُوتِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الجُمْلَةُ أيْ أُولَئِكَ عِنْدَ رَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ وفي حُكْمِهِ وعِلْمِهِ سُبْحانَهُ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ.
والمُرادُ أُولَئِكَ في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى بِمَنزِلَةِ الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ المَشْهُورِينَ بِعُلُوِّ الرُّتْبَةِ ورَفْعَةِ المَحَلِّ وهُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى التَّصْدِيقِ ورَسَخُوا فِيهِ واسْتُشْهِدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ وسُمِّيَ مَن قُتِلَ مُجاهِدًا في سَبِيلِهِ شَهِيدًا لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ومَلائِكَتَهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ شُهُودٌ لَهُ بِالجَنَّةِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ حَيٌّ لَمْ يَمُتْ كَأنَّهُ شاهِدٌ أيَّ حاضِرٌ، وقِيلَ: لِأنَّ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ تَشْهَدُهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ شَهِدَ ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِنَ الكَرامَةِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ فَهو إمّا فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ أوْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ عَلى اخْتِلافِ التَّأْوِيلِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمَوْصُولِ عَلى أنَّهُ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ. أوْ ( لَهم ) الخَبَرُ وما بَعْدَهُ مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ وضَمِيرُ ( لَهم ) لِلْمَوْصُولِ، والضَّمِيرانِ الأخِيرانِ لِلصَّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ، والغَرَضُ بَيانُ ثَمَراتِ ما وُصِفُوا بِهِ مِن نُعُوتِ الكَمالِ أيْ أُولَئِكَ لَهم مِثْلُ أجْرِ الصَّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ ونُورِهِمُ المَعْرُوفِينَ بِغايَةِ الكَمالِ وعِزَّةِ المَنالِ، وقَدْ حُذِفَ أداةُ التَّشْبِيهِ تَنْبِيهًا عَلى قُوَّةِ المُماثَلَةِ وبُلُوغِها حَدَّ الِاتِّحادِ كَما فَعَلَ ذَلِكَ أوَّلًا حَيْثُ قِيلَ: أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ ولَيْسَتِ المُماثَلَةُ بَيْنَ ما لِلْفَرِيقِ الأوَّلِ مِنَ الأجْرِ والنُّورِ. وبَيْنَ تَمامِ ما لِلْفَرِيقَيْنِ الأخِيرَيْنِ بَلْ بَيْنَ تَمامِ ما لِلْأوَّلِ مِنَ الأصْلِ والإضْعافِ وبَيْنَ ما لِلْأخِيرَيْنِ مِنَ الأصْلِ بِدُونِ الإضْعافِ، فالإضْعافُ هو الَّذِي امْتازَ بِهِ الفَرِيقانِ الأخِيرانِ عَلى الفَرِيقِ الأوَّلِ وقَدْ لا يُعْتَبَرُ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ في الكَلامِ أصْلًا ويَبْقى عَلى ظاهِرِهِ والضَّمائِرُ كُلُّها لِلْمَوْصُولِ أيْ أُولَئِكَ هُمُ المُبالِغُونَ في الصِّدْقِ حَيْثُ آمَنُوا وصَدَّقُوا جَمِيعَ أخْبارِ اللَّهِ تَعالى وأخْبارِ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والقائِمُونَ بِالشَّهادَةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ وسائِرِ صِفاتِ الكَمالِ ولَهم بِما يَلِيقُ بِهِمْ مِن ذَلِكَ لَهُمُ الأجْرُ والنُّورُ المَوْعُودانِ لَهم، وقالَ بَعْضُهم: وصَفَهم بِالشَّهادَةِ لِكَوْنِهِمْ شُهَداءَ عَلى النّاسِ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البَقَرَةَ: 143] فَعِنْدَ رَبِّهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِالشُّهَداءِ، والمُرادُ والشُّهَداءُ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِالشُّهَداءِ أيْضًا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ عَلى مَعْنى الَّذِينَ شَهِدُوا مَزِيدَ الكَرامَةِ بِالقَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ أوْ في حَظِيرَةِ رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ويَشْهَدُ لِكَوْنِ الشُّهَداءِ مَعْطُوفًا عَلى الصِّدِّيقِينَ آثارٌ كَثِيرَةٌ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ مُؤْمِنِي أُمَّتِي شُهَداءُ، ثُمَّ تَلا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ يَوْمًا لِقَوْمٍ عِنْدَهُ: كُلُّكم صِدِّيقٌ وشَهِيدٌ قِيلَ لَهُ: ما تَقُولُ يا أبا هُرَيْرَةَ ؟ قالَ: اقْرَؤُوا ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ الآيَةَ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كُلُّ مُؤْمِنٍ صِدِّيقٌ وشَهِيدٌ ثُمَّ تَلا الآيَةَ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ نَحْوَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الجَهْنَيِّ قالَ: ««جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ إنْ شَهِدْتُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وصَلَّيْتُ الصَّلَواتِ الخَمْسَ وأدَّيْتُ الزَّكاةَ وصُمْتُ رَمَضانَ وقُمْتُهُ فَمِمَّنْ أنا ؟ قالَ: مِنَ الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ»» ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى مَن لَهم كَما في ذَلِكَ يُعْتَدُّ بِهِ ولا يَتَحَقَّقُ إلّا بِفِعْلِ طاعاتٍ يُعْتَدُّ بِها وإلّا فَيَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ المُنْهَمِكُ في الشَّهَواتِ الغافِلُ عَنِ الطّاعاتِ صَدِّيقًا شَهِيدًا،
صفحة 184
ويُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِما جاءَ مِن حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «ما لَكم إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَخْتَرِقُ أعْراضَ النّاسِ أنْ لا تَعِيبُوا عَلَيْهِ ؟ قالُوا: نَخافُ لِسانَهُ قالَ: ذَلِكَ أحْرى أنْ لا تَكُونُوا شُهَداءَ»، قالَ ابْنُ الأثِيرِ: أيْ إذا لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ لَمْ تَكُونُوا في جُمْلَةِ الشُّهَداءِ الَّذِينَ يُسْتَشْهَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى الأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتْ أنْبِياءَها، وكَذا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اللَّعّانُونَ لا يَكُونُونَ شُهَداءَ» بِناءً عَلى أحَدِ قَوْلَيْنِ فِيهِ. وفي بَعْضِ الأخْبارِ ما ظاهِرُهُ إرادَةُ طائِفَةٍ مِن خَواصِّ المُؤْمِنِينَ، أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن فَرَّ بِدِينِهِ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ مَخافَةَ الفِتْنَةِ عَلى نَفْسِهِ ودِينِهِ كُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا فَإذا ماتَ قَبَضَهُ اللَّهُ شَهِيدًا وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ﴾ ثُمَّ قالَ هَذِهِ فِيهِمْ ثُمَّ قالَ: الفَرّارُونَ بِدِينِهِمْ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ في دَرَجَتِهِ في الجَنَّةِ»» ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِن قَوْلِهِ: «هَذِهِ فِيهِمْ» أنَّها صادِقَةٌ عَلَيْهِمْ وهم داخِلُونَ فِيها دُخُولًا أوَّلِيًّا، ويُقالُ: في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««مَعَ عِيسى في دَرَجَتِهِ»» المُرادُ مَعَهُ في مِثْلِ دَرَجَتِهِ وتُوَجَّهُ المُماثَلَةُ بِما مَرَّ والخَبَرُ إذا صَحَّ يُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ في الآيَةِ.
ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّها نَزَلَتْ في ثَمانِيَةِ نَفَرٍ سَبَقُوا أهْلَ الأرْضِ في زَمانِهِمْ إلى الإسْلامِ وهم أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ وحَمْزَةُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ وسَعْدٌ وزَيْدٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ، وهَذا لا يَضُرُّ في العُمُومِ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: الشُّهَداءُ مُبْتَدَأٌ و﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ خَبَرُهُ، وقِيلَ: الخَبَرُ ﴿لَهم أجْرُهُمْ﴾ والكَلامُ عَلَيْهِما قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾، وأخْرَجَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ قالا: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ هَذِهِ مَفْصُولَةٌ سَمّاهم صِدِّيقِينَ، ثُمَّ قالَ: والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهم.
ورَوى جَماعَةٌ عَنْ مَسْرُوقٍ ما يُوافِقُهُ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالشُّهَداءِ عَلى هَذا فَقِيلَ: الشُّهَداءُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.
وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِلْأُمَمِ عَلَيْهِمْ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَسْرُوقٍ ومُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ الظّاهِرَ كَوْنُ الشُّهَداءِ مُبْتَدَأً وما بَعْدَهُ خَبَرٌ، ومَن أنْصَفَ يَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ كَما قالَ، وأنَّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ هو ما تَقَدَّمَ، ثُمَّ النُّورُ عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ عَلى حَقِيقَتِهِ وعَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الهُدى والكَرامَةِ والبُشْرى.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ بِجَمِيعِها عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها وهو إشارَةٌ إلى كُفْرِهِمْ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ جَمِيعِهِمْ ﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ القَبِيحَةِ ﴿أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ بِحَيْثُ لا يُفارِقُونَها أبَدًا [الحَدِيدَ: 20 - 29]
57:20Page 540
ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ٢٠
Know that the life of this world is but amusement and diversion and adornment and boasting to one another and competition in increase of wealth and children - like the example of a rain whose [resulting] plant growth pleases the tillers; then it dries and you see it turned yellow; then it becomes [scattered] debris. And in the Hereafter is severe punishment and forgiveness from Allāh and approval. And what is the worldly life except the enjoyment of delusion.
﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ﴾ بَعْدَ ما بَيَّنَ حالَ الفَرِيقَيْنِ في الآخِرَةِ شَرَحَ حالَ الحَياةِ الَّتِي اطْمَأنَّ بِها الفَرِيقُ الثّانِي، وأُشِيرَ إلى أنَّها مِن مُحَقِّراتِ الأُمُورِ الَّتِي لا يَرْكَنُ إلَيْها العُقَلاءُ فَضْلًا عَنِ الِاطْمِئْنانِ بِها بِأنَّها لَعِبٌ لا ثَمَرَةَ فِيها سِوى التَّعَبِ ( ولَهْوٌ ) تَشْغَلُ الإنْسانَ عَمّا يَعْنِيهِ ويُهِمُّهُ ( وزِينَةٌ ) لا يَحْصُلُ مِنها شَرَفٌ ذاتِيٌّ كالمَلابِسِ الحَسَنَةِ والمَراكِبِ البَهِيَّةِ والمَنازِلِ الرَّفِيعَةِ ( وتَفاخُرٌ ) بِالأنْسابِ والعِظامِ البالِيَةِ ( وتَكاثُرٌ ) بِالعَدَدِ والعُدَدِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ «وتَفاخَرُ بَيْنِكم» بِالإضافَةِ ثُمَّ أُشِيرَ إلى أنَّها مَعَ ذَلِكَ سَرِيعَةُ الزَّوالِ وشِيكَةُ الِاضْمِحْلالِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ مَطَرٍ ﴿أعْجَبَ الكُفّارَ﴾ أيْ راقَهم ﴿نَباتُهُ﴾ أيِ النَّباتُ الحاصِلُ بِهِ، والمُرادُ بِالكُفّارِ إمّا الحُرّاثُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِأنَّهم يَكْفُرُونَ أيْ يَسْتُرُونَ
صفحة 185
البَذْرَ في الأرْضِ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ ظاهِرٌ، وأمّا الكافِرُونَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ أنَّهم أشَدُّ إعْجابًا بِزِينَةِ الدُّنْيا فَإنَّ المُؤْمِنَ إذا رَأى مُعْجِبًا انْتَقَلَ فِكْرُهُ إلى قُدْرَةِ مُوجِدِهِ عَزَّ وجَلَّ فَأُعْجِبَ بِها، ولِذا قالَ أبُو نُواسٍ في النَّرْجِسِ:
عُيُونٌ مِن لُجَيْنٍ شاخِصاتٌ عَلى أطْرافِها ذَهَبٌ سَبِيكُ
عَلى قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شاهِداتٌ ∗∗∗ بِأنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ
والكافِرُ لا يَتَخَطّى فِكْرُهُ عَمّا أحَسَّ بِهِ فَيَسْتَغْرِقُ إعْجابًا ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ يَتَحَرَّكُ إلى أقْصى ما يَتَأتّى لَهُ، وقِيلَ: أيْ يَجِفُّ بَعْدَ خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ ﴿فَتَراهُ﴾ يا مَن تَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ ﴿مُصْفَرًّا﴾ بَعْدَ ما رَأيْتَهُ ناضِرًا مُونِقًا، وقُرِئَ مُصْفارًّا وإنَّما لَمْ يَقُلْ فَيَصْفَرُّ قِيلَ: إيذانًا بِأنَّ اصْفِرارَهُ غَيْرُ مُقارِنٍ لِهَيَجانِهِ وإنَّما المُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ رُؤْيَتُهُ كَذَلِكَ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى ظُهُورِ ذَلِكَ لِكُلِّ أحَدٍ ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا﴾ هَشِيمًا مُتَكَسِّرًا مِنَ اليُبْسِ، ومَحَلُّ الكافِ قِيلَ: النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في ( لَعِبٌ ) لِأنَّهُ في مَعْنى الوَصْفِ، وقِيلَ: الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِلْحَياةِ الدُّنْيا بِتَقْدِيرِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ مَثَلُ الحَياةِ كَمَثَلِ إلَخْ، ولِتَضَمُّنِ ذَلِكَ تَشْبِيهَ جَمِيعِ ما فِيها مِنَ السِّنِينَ الكَثِيرَةِ بِمُدَّةِ نَباتِ غَيْثٍ واحِدٍ يَفْنى ويَضْمَحِلُّ في أقَلَّ مِن سَنَةٍ جاءَتِ الإشارَةُ إلى سُرْعَةِ زَوالِها وقُرْبِ اضْمِحْلالِها، وبَعْدَ ما بَيَّنَ حَقارَةَ أمْرِ الدُّنْيا تَزْهِيدًا فِيها وتَنْفِيرًا عَنِ العُكُوفِ عَلَيْها أُشِيرَ إلى فَخامَةِ شَأْنِ الآخِرَةِ وعِظَمِ ما فِيها مِنَ اللَّذّاتِ والآلامِ تَرْغِيبًا في تَحْصِيلِ نَعِيمِها المُقِيمِ وتَحْذِيرًا مِن عَذابِها الألِيمِ، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ العَذابِ فَقالَ جَلَّ وعَلا: ﴿وفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ لِأنَّهُ مِن نَتائِجِ الِانْهِماكِ فِيما فَصَّلَ مِن أحْوالِ الحَياةِ الدُّنْيا ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ ﴿مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ﴾ عَظِيمٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وفي مُقابَلَةِ العَذابِ الشَّدِيدِ بِشَيْئَيْنِ إشارَةٌ إلى غَلَبَةِ الرَّحْمَةِ وأنَّهُ مِن بابِ «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ».
وفِي تَرْكِ وصْفِ العَذابِ بِكَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى مَعَ وصْفِ ما بَعْدَهُ بِذَلِكَ إشارَةٌ إلى غَلَبَتِها أيْضًا ورَمْزٌ إلى أنَّ الخَيْرَ هو المَقْصُودُ بِالقَصْدِ الأوْلى ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ لِمَنِ اطْمَأنَّ بِها ولَمْ يَجْعَلْها ذَرِيعَةً لِلْآخِرَةِ ومَطِيَّةً لِنَعِيمِها، رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ الدُّنْيا مَتاعُ الغُرُورِ إنْ ألْهَتْكَ عَنْ طَلَبِ الآخِرَةِ. فَأمّا إذا دَعَتْكَ إلى طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى وطَلَبِ الآخِرَةِ فَنِعْمَ المَتاعُ ونِعْمَ الوَسِيلَةُ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences