Al-AlusiAl‑Hadid · 57:27–29

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Hadid 57:27–29

57:27Page 541

ثُمَّ قَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيۡنَا بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَۖ وَجَعَلۡنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأۡفَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ رِضۡوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاۖ فَـَٔاتَيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۡهُمۡ أَجۡرَهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٢٧

Then We sent following their footsteps [i.e., traditions] Our messengers and followed [them] with Jesus, the son of Mary, and gave him the Gospel. And We placed in the hearts of those who followed him compassion and mercy and monasticism, which they innovated; We did not prescribe it for them except [that they did so] seeking the approval of Allāh. But they did not observe it with due observance. So We gave the ones who believed among them their reward, but many of them are defiantly disobedient.

﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا﴾ أيْ أرْسَلْنا بَعْدَهم رَسُولًا بَعْدَ رَسُولٍ وأصْلُ التَّقْفِيَةِ جَعْلُ

صفحة 190

الشَّيْءِ خَلْفَ القَفا، وضَمِيرُ آثارِهِمْ لِنُوحٍ وإبْراهِيمَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِما. وقِيلَ: لِمَن عاصَرَهُما مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَوْ عاصَرَ رَسُولٌ نُوحًا فَإمّا أنْ يُرْسَلَ إلى قَوْمِهِ كَهارُونَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ أوْ إلى غَيْرِهِمْ كَلُوطٍ مَعَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ ولا مَجالَ لِلْأوَّلِ لِمُخالَفَتِهِ لِلْواقِعِ ولا إلى الثّانِي إذْ لَيْسَ عَلى الأرْضِ قَوْمٌ غَيْرُهُ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذاكَ تَوْجِيهٌ لِجَمْعِ الضَّمِيرِ وكَوْنُ لُوطٍ مَعَ إبْراهِيمَ كافٍ فِيهِ، وقِيلَ: لِلذُّرِّيَّةِ، وفِيهِ أنَّ الرُّسُلَ المُقَفّى بِهِمْ مِنَ الذُّرِّيَّةِ فَلَوْ عادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِمْ لَزِمَ أنَّهم غَيْرُهم أوِ اتِّحادُ المُقْفِي والمُقْفى بِهِ وتَخْصِيصُ الذُّرِّيَّةِ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ بِالأوائِلِ مِنهم خِلافَ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿وقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ جَعَلْناهُ بَعْدُ.

وحاصِلُ المَعْنى أرْسَلْنا رَسُولًا بَعْدَ رَسُولٍ حَتّى انْتَهى الإرْسالُ إلى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ﴾ بِأنْ أوْحَيْنا إلَيْهِ ولَيْسَ هو الَّذِي بَيْنَ أيْدِي النَّصارى اليَوْمَ أعْنِي المُشْتَمِلَ عَلى قِصَّةِ وِلادَتِهِ وقِصَّةِ صَلْبِهِ المُفْتَراةِ: وقَرَأ الحَسَنُ «الأنْجِيلَ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: وهو مِثالٌ لا نَظِيرَ لَهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأمْرُهُ أهْوَنُ مِن أمْرِ البَرْطِيلِ بِفَتْحِ الباءِ والكَسْرُ أشْهَرُ وهو حَجَرٌ مُسْتَطِيلٌ واسْتِعْمالُهُ في الرَّشْوَةِ مُوَلَّدٌ مَأْخُوذٌ مِنهُ بِنَوْعِ تَجَوُّزٍ لِأنَّهُ عَجَمِيٌّ وهَذا عَرَبِيٌّ وهم يَتَلاعَبُونَ بِالعَجَمِيِّ ولا يَلْتَزِمُونَ فِيهِ أوْزانَهم، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ لَفْظَ الإنْجِيلِ عَرَبِيٌّ مِن نَجَلْتُ بِمَعْنى اسْتَخْرَجْتُ لِاسْتِخْراجِ الأحْكامِ مِنهُ ﴿وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً﴾ أيْ خَلَقْنا أوْ صَيَّرْنا - فَفي قُلُوبِ - في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ جَعَلْنا ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ فَهم يَرْأفُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ ويَرْحَمُ بَعْضُهم بَعْضًا، ونَظِيرُهُ في شَأْنِ أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفَتْحَ: 29] والرَّأْفَةُ في المَشْهُورِ الرَّحْمَةُ لَكِنْ قالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: إنَّها إذا ذُكِرَتْ مَعَها يُرادُ بِالرَّأْفَةِ ما فِيهِ دَرْءُ الشَّرِّ ورَأْبُ الصَّدْعِ، وبِالرَّحْمَةِ ما فِيهِ جَلْبُ الخَيْرِ ولِذا تَرى في الأغْلَبِ تَقْدِيمَ الرَّأْفَةِ عَلى الرَّحْمَةِ وذَلِكَ لِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ أهَمُّ مِن جَلْبِ المَصالِحِ وقُرِئَ رَآفَةً عَلى فَعالَةٍ كَشَجاعَةٍ ﴿ورَهْبانِيَّةً﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ أيْ وابْتَدَعُوا رَهْبانِيَّةً.

﴿ابْتَدَعُوها﴾ فَهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ - كَما قالَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ وأبُو حَيّانَ - أنْ يَكُونَ الِاسْمُ السّابِقُ مُخْتَصًّا يَجُوزُ وُقُوعُهُ مُبْتَدَأً والمَذْكُورُ نَكِرَةٌ لا مُسَوِّغَ لَها مِن مُسَوِّغاتِ الِابْتِداءِ، ورُدَّ بِأنَّهُ عَلى فَرْضِ تَسْلِيمِ هَذا الشَّرْطِ الِاسْمُ هُنا مَوْصُوفٌ مَعْنًى بِما يُؤْخَذُ مِن تَنْوِينِ التَّعْظِيمِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِمْ: شَرٌّ أهَرُّ ذا نابٍ.

ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ النِّسْبَةِ كَما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أوْ مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى ما قَبْلُ، وجُمْلَةُ ﴿ابْتَدَعُوها﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ وجَعَلْنا في قُلُوبِهِمْ رَأْفَةً ورَحْمَةً وحُبَّ رَهْبانِيَّةٍ مُبْتَدَعَةٍ لَهم، وبَعْضُهم جَعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلى ما ذُكِرَ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْحَذْفِ، وقالَ: الرَّهْبانِيَّةُ مِن أفْعالِ العِبادِ لِأنَّها المُبالَغَةُ في العِبادَةِ بِالرِّياضَةِ والِانْقِطاعِ عَنِ النّاسِ، وأصْلُ مَعْناها الفِعْلَةُ المَنسُوبَةُ إلى الرُّهْبانِ وهو الخائِفُ فَعْلانُ مِن رَهِبَ كَخَشْيانَ مِن خَشِيَ، وأفْعالُ العِبادِ يَتَعَلَّقُ بِها جَعْلُ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ وهي في عَيْنِ كَوْنِها مَخْلُوقَةً لَهُ تَعالى مُكْتَسَبَةً لِلْعَبْدِ، والزَّمَخْشَرِيُّ جَوَّزَ العَطْفَ المَذْكُورَ وفَسَّرَ الجَعْلَ بِالتَّوْفِيقِ كَأنَّهُ قِيلَ: وفَّقْناهم لِلتَّراحُمِ بَيْنَهم ولِابْتِداعِ الرَّهْبانِيَّةِ واسْتِحْداثِها بِناءً عَلى مَذْهَبِهِ أنَّ الرَّهْبانِيَّةَ فِعْلُ العَبْدِ المَخْلُوقُ لَهُ بِاخْتِيارِهِ، وفائِدَةُ ( في قُلُوبِ ) عَلى هَذا التَّصْوِيرِ عَلى ما قِيلَ، ولا يَخْفى ما في هَذا التَّفْسِيرِ مِنَ العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ لَكِنَّ الإنْصافَ أنَّهُ لا يَحْسُنُ العَطْفُ بِدُونِ هَذا

صفحة 191

التَّأْوِيلِ أوِ اعْتِبارِ حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ عَلى ما تَقَدَّمَ أوْ تَفْسِيرُ الرَّهْبانِيَّةِ بِما هو مِن أفْعالِ القُلُوبِ كالخَوْفِ المُفْرِطِ المُقْتَضِي لِلْغُلُوِّ في التَّعَبُّدِ ويُرْتَكَبُ نَوْعُ تَجَوُّزٍ في ابْتَدَعُوها وما بَعْدَهُ كَأنْ يَكُونَ المُرادُ ابْتِداعَ أعْمالِها وآثارِها أوِ ارْتِكابَ اسْتِخْدامٍ في الكَلامِ بِأنْ يُعْتَبَرَ لِلرَّهْبانِيَّةِ مَعْنَيانِ الخَوْفُ المُفْرِطُ مَثَلًا، ويُرادُ في جَعَلْنا في قُلُوبِهِمْ رَهْبانِيَّةً والأعْمالَ التَّعَبُّدِيَّةَ الشّاقَّةَ كَرَفْضِ الدُّنْيا وشَهَواتِها مِنَ النِّساءِ وغَيْرِهِنَّ، ويُرادُ في ﴿ابْتَدَعُوها﴾ وما بَعْدَهُ ولَيْسَ الدّاعِي لِلتَّأْوِيلِ الِاعْتِزالَ بَلْ كَوْنُ الرَّهْبانِيَّةِ بِمَعْنى الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ لَيْسَتْ مِمّا تُجْعَلُ في القَلْبِ كالرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ فَتَأمَّلْ.

وقُرِئَ «رَهْبانِيَّةٌ» بِضَمِّ الرّاءِ وهي مَنسُوبَةٌ إلى الرُّهْبانِ بِالضَّمِّ وهو كَما قالَ الرّاغِبُ: يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا فالنِّسْبَةُ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ واحِدًا ومَن ظَنَّ اخْتِصاصَ المَضْمُومِ بِالجَمْعِ قالَ: إنَّهُ لَمّا اخْتَصَّ بِطائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ أُعْطِيَ حُكْمَ العَلَمِ فَنِسْبَتُهُ إلَيْهِ كَما قالُوا في أنْصارٍ وأنْصارِيٍّ أوْ أنَّ النِّسْبَةَ إلى رُهْبانٍ المَفْتُوحِ وضَمِّ الرّاءِ في المَنسُوبِ مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ كَما في دُهْرِيٍّ بِضَمِّ الدّالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ما ﴿كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ ما فَرَضْناها نَحْنُ عَلَيْهِمْ رَأْسًا ولَكِنِ ابْتَدَعُوها وألْزَمُوا أنْفُسَهم بِها ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ أيْ ما حافَظُوا عَلَيْها حَقَّ المُحافَظَةِ ذَمٌّ لَهم مِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ كالنَّذْرِ وهو عَهْدٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ رِعايَتُهُ لا سِيَّما إذا قُصِدَ بِهِ رِضاهُ عَزَّ وجَلَّ.

واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ مَنِ اعْتادَ تَطَوُّعًا كُرِهَ لَهُ تَرْكُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ما ﴿كَتَبْناها﴾ إلَخْ صِفَةً أُخْرى لِرَهْبانِيَّةٍ والنَّفْيُ مُتَوَجِّهٌ إلى قَيْدِ الفِعْلِ لا نَفْسِهِ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلا ابْتِغاءَ﴾ إلَخِ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ أيْ ما قَضَيْناها عَلَيْهِمْ بِأنْ جَعَلْناهم يَبْتَدِعُونَها لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِيَبْتَغُوا بِها رِضْوانَ اللَّهِ تَعالى ويَسْتَحِقُّوا بِها الثَّوابَ، ومِن ضَرُورَةِ ذَلِكَ أنْ يُحافِظُوا عَلَيْها ويُراعُوها حَقَّ رِعايَتِها فَما رَعَوْها كَذَلِكَ والوَجْهُ الأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ وجَماعَةٍ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ ولا مُخالَفَةَ عَلَيْهِ بَيْنَ ﴿ابْتَدَعُوها﴾ و﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ إلَخْ حَيْثُ إنَّ الأوَّلَ يَقْتَضِي أنَّهم لَمْ يُؤْمَرُوا بِها أصْلًا والثّانِي يَقْتَضِي أنَّهم أُمِرُوا بِها لِابْتِغاءِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى لِما أشَرْنا إلَيْهِ مِن مَعْنى ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلا ابْتِغاءَ﴾ إلَخْ، ودَفَعَ بَعْضُهُمُ المُخالَفَةَ بِأنْ يُقالَ: الأمْرُ وقَعَ بَعْدَ ابْتِداعِها أوْ يُؤَوَّلُ ابْتَدَعُوها بِأنَّهم أوَّلُ مَن فَعَلَها بَعْدَ الأمْرِ ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرَهُ في الدَّفْعِ أوَّلًا ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ وأبُو يَعْلى والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: لا تُشَدِّدُوا عَلى أنْفُسِكم فَيُشَدَّدَ عَلَيْكم فَإنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقاياهم في الصَّوامِعِ والدِّياراتِ رَهْبانِيَّةُ ما ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ»» يَعْنِي الآيَةَ، والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ فَما رَعَوْها لِأُولَئِكَ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا الرَّهْبانِيَّةَ، والمُرادُ نَفْيُ وُقُوعِ الرِّعايَةِ مِن كُلِّهِمْ عَلى أنَّ المَعْنى فَما رَعاها كُلُّهم بَلْ بَعْضُهم، ولَيْسَ المُرادُ بِالمَوْصُولِ فِيما سَبَقَ أشْخاصًا بِأعْيانِهِمْ بَلِ المُرادُ بِهِ ما يَعُمُّ النَّصارى إلى زَمانِ الإسْلامِ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ أنَّ أصْلَ الِابْتِداعِ كانَ مِن قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ لِأنَّ إسْنادَهُ عَلى نَحْوِ الإسْنادِ في - بَنُو تَمِيمٍ قَتَلُوا زَيْدًا - والقاتِلُ بَعْضُهم.

وقالَ الضَّحّاكُ وغَيْرُهُ: الضَّمِيرُ في ﴿فَما رَعَوْها﴾ لِلْخِلافِ الَّذِينَ جاؤُوا بَعْدَ المُبْتَدِعِينَ والأوَّلُ أوْفَقُ بِالصِّناعَةِ، والمُرادُ بِالَّذِينِ آمَنُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ﴾ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا صَحِيحًا وهو لِمَن أدْرَكَ وقْتَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الإيمانَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْ فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم

صفحة 192

إيمانًا صَحِيحًا بَعْدَ رِعايَةِ رَهْبانِيَّتِهِمْ ﴿أجْرَهُمْ﴾ أيْ ما يُخْتَصُّ بِهِ مِنَ الأجْرِ وهو الأجْرُ عَلى ما سَلَفَ مِنهم والأجْرُ عَلى الإيمانِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِمُ الَّذِينَ بَقُوا عَلى رِعايَةِ الرَّهْبانِيَّةِ إلى زَمانِ البَعْثَةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا لِأنَّ رِعايَتَها لَغْوٌ مَحْضٌ وكُفْرٌ بَحْتٌ وإنَّما لَها اسْتِتْباعُ الأجْرِ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الَّذِينَ لَمْ يَرْعَوا الرَّهْبانِيَّةَ حَقَّ رِعايَتِها هُمُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ عَلى ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونُوا قَصَّرُوا فِيما ألْزَمُوهُ أنْفُسَهم، والآخَرُ وهو الأجْوَدُ أنْ يَكُونُوا حِينَ بُعِثَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يُؤْمِنُوا فَكانُوا تارِكِينَ لِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَما رَعَوْا تِلْكَ الرَّهْبانِيَّةَ، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ﴾ إلَخِ انْتَهى، فَحُمِلَ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى مَن أدْرَكَ وقْتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهم وآمَنَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والفاسِقِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ عَلى الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومُقْتَضى حَمْلِ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا حَمْلُهُ عَلى الأعَمِّ الشّامِلِ لِمَن خَرَجَ عَنِ اتِّباعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَبْلُ وحَمْلُ الفَرِيقَيْنِ عَلى مَن مَضى مِنَ المُراعِينَ لِحُقُوقِ الرَّهْبانِيَّةِ قَبْلَ النَّسْخِ والمُخِلِّينَ بِها إذْ ذاكَ بِالتَّثْلِيثِ والقَوْلِ بِالِاتِّحادِ وقَصْدِ السُّمْعَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإيمانِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكُفْرِهِمْ بِهِ مِمّا لا يُساعِدُهُ المَقامُ.

ومِنَ الآثارِ ما يَأْباهُ فَفي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ««اخْتَلَفَ مَن كانَ قَبْلَنا عَلى ثِنْتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً نَجا مِنها ثَلاثٌ وهَلَكَ سائِرُها فِرْقَةٌ وازَتِ المُلُوكَ وقاتَلَتْهم عَلى دِينِ اللَّهِ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وفِرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهم طاقَةٌ بِمُوازاةِ المُلُوكِ فَأقامُوا بَيْنَ ظَهْرانِيِّ قَوْمِهِمْ فَدَعَوْهم إلى دِينِ اللَّهِ ودِينِ عِيسى فَقَتَلَتْهُمُ المُلُوكُ ونَشْرَتْهم بِالمَناشِرِ، وفِرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهم طاقَةٌ بِمُوازاةِ المُلُوكِ ولا بِالمُقامِ مَعَهم فَساحُوا في الجِبالِ وتَرَهَّبُوا فِيها وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهُمْ﴾ الَّذِينَ آمَنُوا بِي وصَدَّقُونِي ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ الَّذِينَ جَحَدُوا بِي وكَفَرُوا بِي»» وهَذا الخَبَرُ يُؤَيِّدُ ما اسْتَجْوَدَهُ الزَّجّاجُ، ويُعْلَمُ مِنهُ أيْضًا سَبَبُ ابْتِداعِ الرَّهْبانِيَّةِ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ذَمِّ البِدْعَةِ مُطْلَقًا، والَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرًا ذَمُّ عَدَمِ رِعايَةِ ما التَزَمُوهُ، وتَفْصِيلُ الكَلامِ في البِدْعَةِ ما ذَكَرَهُ الإمامُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ قالَ العُلَماءُ: البِدْعَةُ خَمْسَةُ أقْسامٍ واجِبَةٌ ومَندُوبَةٌ ومُحَرَّمَةٌ ومَكْرُوهَةٌ ومُباحَةٌ فَمِنَ الواجِبَةِ تَعَلُّمُ أدِلَّةِ المُتَكَلِّمِينَ لِلرَّدِّ عَلى المَلاحِدَةِ والمُبْتَدِعِينَ وشِبْهُ ذَلِكَ، ومِنَ المَندُوبَةِ تَصْنِيفُ كُتُبِ العِلْمِ وبِناءُ المَدارِسِ والرُّبُطِ وغَيْرُ ذَلِكَ، ومِنَ المُباحَةِ التَّبَسُّطُ في ألْوانِ الأطْعِمَةِ وغَيْرُ ذَلِكَ، والحَرامُ والمَكْرُوهُ ظاهِرانِ، فَعُلِمَ أنَّ قَوْلَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ»» مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ.

وقالَ صاحِبُ جامِعِ الأُصُولِ: الِابْتِداعُ مِنَ المَخْلُوقِينَ إنْ كانَ في خِلافِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ ورَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهو في حَيِّزِ الذَّمِّ والإنْكارِ وإنْ كانَ واقِعًا تَحْتَ عُمُومِ ما نَدَبَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ وحَضَّ عَلَيْهِ أوْ رَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهو في حَيِّزِ المَدْحِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِثالُهُ مَوْجُودًا كَنَوْعٍ مِنَ الجُودِ والسَّخاءِ

صفحة 193

وفَعَلِ المَعْرُوفِ، ويُعَضِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في صَلاةِ التَّراوِيحِ: نَعِمَتِ البِدْعَةُ هَذِهِ

57:28Page 541

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِۦ يُؤۡتِكُمۡ كِفۡلَيۡنِ مِن رَّحۡمَتِهِۦ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ نُورٗا تَمۡشُونَ بِهِۦ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٨

O you who have believed, fear Allāh and believe in His Messenger; He will [then] give you a double portion of His mercy and make for you a light by which you will walk and forgive you; and Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ الخِطابَ لِمَن آمَنَ مِن أُمَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَيْرَ أهْلِ الكِتابِ والآثارُ تُؤَيِّدُ ذَلِكَ، أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالا: «إنَّ أرْبَعِينَ مِن أصْحابِ النَّجاشِيِّ قَدِمُوا عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَشَهِدُوا مَعَهُ أُحُدًا فَكانَتْ فِيهِمْ جِراحاتٌ ولَمْ يُقْتَلْ مِنهم أحَدٌ فَلَمّا رَأوْا ما بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الحاجَةِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا أهْلُ مَيْسَرَةٍ فَأْذَنْ لَنا نَجِيءُ بِأمْوالِنا نُواسِي بِها المُسْلِمِينَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القَصَصَ: 52 - 54] فَجَعَلَ لَهم أجْرَيْنِ فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالُوا: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ أمّا مَن آمَنَ مِنّا بِكِتابِكم فَلَهُ أجْرانِ ومَن لَمْ يُؤْمِن بِكِتابِكم فَلَهُ أجْرٌ كَأُجُورِكم فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ أيْ أيْ رادًّا عَلَيْهِمْ قَوْلَهم: ومَن لَمْ يُؤْمِن بِكِتابِكم فَلَهُ أجْرٌ كَأُجُورِكم».

وفِي الكَشّافِ إنَّ قائِلَ ذَلِكَ مَن لَمْ يَكُنْ آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ قالُوهُ حِينَ سَمِعُوا تِلْكَ الآيَةَ يَفْخَرُونَ بِهِ عَلى المُسْلِمِينَ، والمَعْنى يا أيُّها الَّذِينَ اتَّصِفُوا بِالإيمانِ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ اثْبُتُوا عَلى تَقْواهُ عَزَّ وجَلَّ فِيما نَهاكم عَنْهُ.

﴿وآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ واثْبُتُوا عَلى الإيمانِ بِرَسُولِهِ الَّذِي أرْسَلَهُ إلَيْكم وهو مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِذَلِكَ ما لا يَخْفى مِنَ الدَّلالَةِ عَلى جَلالَةِ قَدْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ.

﴿كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: ضِعْفَيْنِ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: نَصِيبَيْنِ، والمُرادُ إيتاؤُهم أجْرَيْنِ كَمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ كَأنَّهُ قِيلَ: يُؤْتِكم ما وعَدَ مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ مِنَ الأجْرَيْنِ لِأنَّكم مِثْلُهم في الإيمانِ بِالرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ وبِخاتَمِهِمْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ لا تُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ.

وقالَ الرّاغِبُ: الكِفْلُ الحَظُّ الَّذِي فِيهِ الكِفايَةُ كَأنَّهُ تَكَفَّلَ بِأمْرِهِ، والكِفْلانِ هُما المَرْغُوبُ فِيهِما بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البَقَرَةَ: 201] ولا دَلالَةَ عَلى التَّخْصِيصِ.

﴿ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ وهو النُّورُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ [الحَدِيدَ: 12] ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ما سَلَفَ مِنكم ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ مَبالِغٌ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ فَلا بِدْعَ إذا فَعَلَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ.

57:29Page 541

لِّئَلَّا يَعۡلَمَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَلَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢٩

[This is] so that the People of the Scripture may know that they are not able [to obtain] anything from the bounty of Allāh1 and that [all] bounty is in the hand2 of Allāh; He gives it to whom He wills. And Allāh is the possessor of great bounty.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ قِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الطَّلَبِيَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِمَعْنى الشَّرْطِ إذِ التَّقْدِيرُ إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ وتُؤْمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كَذا وكَذا لِئَلّا إلَخْ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِالأفْعالِ الثَّلاثَةِ قَبْلَهُ عَلى التَّنازُعِ، أوْ بِمُقَدَّرٍ كَفَعَلَ ذَلِكَ وأعْلَمَهم ونَحْوَهُ و(لا) مَزِيدَةٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ما ﴿مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ﴾ [الأعْرافَ: 12] ويَجُوزُ زِيادَتُها مَعَ القَرِينَةِ كَثِيرًا و(أنْ ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها المَحْذُوفُ ضَمِيرُ أهْلِ الكِتابِ أيْ إنَّهم، وقِيلَ: ضَمِيرُ الشَّأْنِ وما بَعْدُ خَبَرُها والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّها مَفْعُولُ يَعْلَمُ أيْ لِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ القائِلُونَ مَن آمَنَ بِكِتابِكم مِنّا فَلَهُ أجْرانِ ومَن لَمْ يُؤْمِن بِكِتابِكم فَلَهُ أجْرٌ كَأُجُورِكم أنَّهم لا يَنالُونَ شَيْئًا مِن فَضْلِ اللَّهِ مِنَ الأجْرَيْنِ وغَيْرِهِما ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن نَيْلِهِ ما لَمْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وحاصِلُهُ الإعْلامُ بِأنَّ إيمانَهم بِنَبِيِّهِمْ لا يَنْفَعُهم شَيْئًا ما لَمْ يُؤْمِنُوا بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَوْلُهم: مَن لَمْ يُؤْمِن بِكِتابِكم فَلَهُ أجْرٌ باطِلٌ.

صفحة 194

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القَصَصَ: 54] فَخَرَ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ عَلى أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: لَنا أجْرانِ ولَكم أجْرٌ فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾» إلَخْ فَجَعَلَ لَهم سُبْحانَهُ أجْرَيْنِ مِثْلَ ما لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ الآيَةَ فَجَعَلَ لَهم أجْرَيْنِ وزادَهُمُ النُّورَ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ﴾ إلَخْ، وحاصِلُهُ عَلى هَذا لِيَعْلَمُوا أنَّهم لَيْسُوا مُلّاكَ فَضْلِهِ عَزَّ وجَلَّ فَيَزْوُوهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ ويَسْتَبِدُّوا بِهِ دُونَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى أنْ لا يَقْدِرُونَ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ العِلْمِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِأنْ أوْ هو الخَبَرُ وما قَبْلَهُ عَلى ما قِيلَ: حالٌ لازِمَةٌ أوِ اسْتِئْنافٌ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.

وذَهَبَ بَعْضٌ إلى أنَّ الخِطابَ لِمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ اليَهُودِ والنَّصارى أوْ لِمَن لَمْ يُؤْمَن مِنهم بَعْدُ: فالمَعْنى يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ آمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيِ اثْبُتُوا عَلى الإيمانِ بِهِ أوْ أحْدِثُوا الإيمانَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُؤْتِكم نَصِيبَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ نَصِيبًا عَلى إيمانِكم بِمَن آمَنتُمْ بِهِ أوَّلًا ونَصِيبًا عَلى إيمانِكم بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ آخِرًا لِيَعْلَمَ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ أنَّهم لا يَنالُونَ شَيْئًا مِمّا يَنالُهُ المُؤْمِنُونَ مِنهم ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن نَيْلِهِ حَيْثُ لَمْ يَأْتُوا بِشَرْطِهِ الَّذِي هو الإيمانُ بِرَسُولِهِ ﷺ . وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما في صَحِيحِ البُخارِيِّ ««مَن كانَتْ لَهُ أمَةٌ عَلَّمَها فَأحْسَنَ تَعْلِيمَها وأدَبَّها فَأحْسَنَ تَأْدِيبَها وأعْتَقَها وتَزَوَّجَها فَلَهُ أجْرانِ، وأيُّما رَجُلٍ مِن أهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وآمَنَ بِي فَلَهُ أجْرانِ، وأيُّما مَمْلُوكٍ أدّى حَقَّ اللَّهِ تَعالى وحَقَّ مَوالِيهِ فَلَهُ أجْرانِ»» ولا إشْكالَ في ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّصارى، ولِذا قِيلَ: الخِطابُ لَهم لِأنَّ مِلَّتَهم غَيْرُ مَنسُوخَةٍ قَبْلَ ظُهُورِ المِلَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ ومَعْرِفَتِهِمْ بِها فَيُثابُونَ عَلى العَمَلِ بِها حَتّى يَجِبَ عَلَيْهِ الإيمانُ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإذا آمَنُوا أُثِيبُوا أيْضًا فَكانَ لَهم ثَوابانِ، نَعَمْ قَدْ يُسْتَشْكَلُ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِمْ لِأنَّ مِلَلَهم مَنسُوخَةٌ بِمِلَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والمَنسُوخُ لا ثَوابَ في العَمَلِ بِهِ، ويُجابُ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُثابُوا عَلى العَمَلِ بِمِلَّتِهِمُ السّابِقَةِ وإنْ كانَتْ مَنسُوخَةً بِبَرَكَةِ الإسْلامِ.

وأجابَ بَعْضُهم أنَّ الإثابَةَ عَلى نَفْسِ إيمانِ ذَلِكَ الكِتابِيِّ بِنَبِيِّهِ وإنْ كانَ مَنسُوخَ الشَّرِيعَةِ فَإنَّ الإيمانَ بِكُلِّ نَبِيٍّ فَرْضٌ سَواءٌ كانَ مَنسُوخَ الشَّرِيعَةِ أمْ لا، وقِيلَ: إنَّ (لا) في ﴿لِئَلا يَعْلَمَ﴾ غَيْرُ مَزِيدَةٍ وضَمِيرُ لا يَقْدِرُونَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ أيْ فَعَلْنا ما فَعَلْنا لِئَلّا يَعْتَقِدَ أهْلُ الكِتابِ أنَّ الشَّأْنَ لا يَقْدِرُ النَّبِيُّ ﷺ والمُؤْمِنُونَ بِهِ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو عِبارَةٌ عَمّا أُوتُوهُ مِن سَعادَةِ الدّارَيْنِ ولا يَنالُونَهُ، أوْ أنَّهم أيِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنُونَ لا يَقْدِرُونَ إلَخْ، عَلى أنَّ عَدَمَ عِلْمِهِمْ بِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ عِلْمِهِمْ بِقُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأنَّ الفَضْلَ﴾ إلَخْ مَعْطُوفًا عَلى - أنْ لا يَعْلَمَ - داخِلًا مَعَهُ في حَيِّزِ التَّعْلِيلِ دُونَ أنْ لا يَقْدِرَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا لِئَلّا يَعْتَقِدُوا كَذا ولِأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الغايَةِ عَلى الغايَةِ بِناءً عَلى المَشْهُورِ ولِتَكَلُّفِ هَذا القِيلِ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِبَعْضِ القِراءاتِ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ مُعْظَمُ المُفَسِّرِينَ، وقَرَأ خَطّابُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - لِأنْ لا يَعْلَمَ - بِالإظْهارِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والجَحْدَرِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ عَلى اخْتِلافٍ لِيَعْلَمَ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ أيْضًا - ولِيَيَّعْلَمَ - عَلى أنَّ أصْلَهُ لِئَنْ يَعْلَمَ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ ياءً

صفحة 195

لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها وأُدْغِمَتِ النُّونُ في الياءِ بِغَيْرِ غُنَّةٍ، ورَوى ابْنُ مُجاهِدٍ عَنِ الحَسَنِ - لَيْلا - مِثْلَ لَيْلى اسْمِ المَرْأةِ «يَعْلَمُ» بِالرَّفْعِ، ووُجِّهَ بِأنَّ أصْلَهُ - لِأنْ لا - بِفَتْحِ لامِ الجَرِّ وهي لُغَةٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُ:

أُرِيدُ لِأنْسى ذِكْرَها فَكَأنَّما تَمَثَّلَ لِي لَيْلى بِكُلِّ سَبِيلِ

فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ اعْتِباطًا وأُدْغِمَتِ النُّونُ في اللّامِ فَصارَ - لَلّا - فاجْتَمَعَتِ الأمْثالُ وثَقُلَ النُّطْقُ بِها فَأبْدَلُوا مِنَ اللّامِ المُدْغَمَةِ ياءً نَظِيرَ ما فَعَلُوا في قِيراطٍ ودِينارٍ حَيْثُ إنَّ الأصْلَ قِرّاطٌ ودِنّارٌ فَأبْدَلُوا أحَدَ المَثَلَيْنِ فِيهِما ياءً لِلتَّخْفِيفِ فَصارَ - لَيْلا - ورُفِعَ الفِعْلُ لِأنَّ أنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ لا النّاصِبَةُ لِلْمُضارِعِ، ورَوى قُطْرُبٌ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا - لِيلا - بِكَسْرِ اللّامِ ووَجْهُهُ كالَّذِي قَبْلَهُ إلّا أنَّ كَسْرَ اللّامِ عَلى اللُّغَةِ الشَّهِيرَةِ في لامِ الجَرِّ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَيْ يَعْلَمَ، وعَنْهُ أيْضًا لِكَيْلا يَعْلَمَ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ لِكَيْ يَعْلَمَ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ أنْ لا يَقْدِرُوا بِحَذْفِ النُّونِ عَلى أنَّ أنْ هي النّاصِبَةُ لِلْمُضارِعِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

ومِمّا ذَكَرَهُ المُتَصَوِّفَةُ قُدِّسَتْ أسْرارُهم في بَعْضِ آياتِها ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ قالُوا: هو إشارَةٌ إلى وحْدانِيَّةِ ذاتِهِ سُبْحانَهُ المُحِيطَةِ بِالكُلِّ، وقالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم لا وُجُودَ لَهم في جَمِيعِ مَراتِبِهِمْ بِدُونِ وُجُودِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ﴾ إشارَةٌ إلى ظُهُورِ تَجَلِّي الجَلالِ في تَجَلِّي الجَمالِ وبِالعَكْسِ ﴿وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ إشارَةٌ لِلْمَشايِخِ الكامِلِينَ إلى تَرْبِيَةِ المُرِيدِينَ بِإفاضَةِ ما يُقَوِّي اسْتِعْدادَهم مِمّا جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى مُتَمَكِّنِينَ فِيهِ مِنَ الأحْوالِ والمَلَكاتِ.

وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ لِئَلّا يَقْنَطَ القاسِي مِن رَحْمَتِهِ تَعالى ويَتْرُكَ الِاشْتِغالَ بِمُداواةِ القَلْبِ المَيِّتِ ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ أوْرَدَها الصُّوفِيَّةُ في بابِ الرِّعايَةِ وقَسَّمُوها إلى رِعايَةِ الأعْمالِ والأحْوالِ والأوْقاتِ - ويَرْجِعُ ما قالُوهُ فِيها - عَلى ما قِيلَ - إلى حِفْظِها عَنْ إيقاعِ خَلَلٍ فِيها ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ أيْ نَصِيبَيْنِ نَصِيبًا مِن مَعارِفِ الصِّفاتِ الفِعْلِيَّةِ ونَصِيبًا مِن مَعارِفِ الصِّفاتِ الذّاتِيَّةِ ﴿ويَجْعَلْ لَكم نُورًا﴾ مِن نُورِ ذاتِهِ عَزَّ وجَلَّ وهو عَلى ما قِيلَ: إشارَةٌ إلى البَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ، وقِيلَ: هَذا النُّورُ إشارَةٌ إلى نُورِ الكَشْفِ والمُشاهَدَةِ رَتَّبَ سُبْحانَهُ جَعْلَهُ لِلْمُؤْمِنِ عَلى تَقْواهُ وإيمانِهِ بِرَسُولِهِ الأعْظَمِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: هو نُورُ العِلْمِ النّافِعِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنَ السَّيْرِ في الحَضَراتِ الإلَهِيَّةِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ وصْفُهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿تَمْشُونَ بِهِ﴾ وفي بَعْضِ الآثارِ ««مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ»» وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهَ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ فَضْلُ اللَّهِ تَعالى واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ نَسْألُهُ سُبْحانَهُ أنْ لا يَحْرِمَنا مِن فَضْلِهِ العَظِيمِ ولُطْفِهِ العَمِيمِ وأنْ يُثَبِّتَنا عَلى مُتابَعَةِ حَبِيبِهِ الكَرِيمِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ التَّسْلِيمِ.

تَمَّ بِعَوْنِهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ الجُزْءُ السّابِعُ والعِشْرُونَ، ويَلِيهِ الجُزْءُ الثّامِنُ والعِشْرُونَ أوَّلُهُ سُورَةُ المُجادَلَة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском