Al-AlusiAl‑Hadid · 57:8–11

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Hadid 57:8–11

57:8Page 538

وَمَا لَكُمۡ لَا تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ لِتُؤۡمِنُواْ بِرَبِّكُمۡ وَقَدۡ أَخَذَ مِيثَٰقَكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨

And why do you not believe in Allāh while the Messenger invites you to believe in your Lord and He has taken your covenant, if you should [truly] be believers?

وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ قِيلَ: مَسُوقٌ لِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَرْكِ الإيمانِ حَسْبَما أُمِرُوا بِهِ بِإنْكارِ أنْ يَكُونَ لَهم في ذَلِكَ عُذْرٌ ما في الجُمْلَةِ عَلى أنْ لا تُؤْمِنُونَ حالٌ مِن ضَمِيرِ لَكم والعامِلُ ما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَكم غَيْرَ مُؤْمِنِينَ عَلى تَوْجِيهِ الإنْكارِ والنَّفْيِ إلى السَّبَبِ فَقَطْ مَعَ تَحْقِيقِ المُسَبَّبِ وهو مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ أعْنِي عَدَمَ الإيمانِ فَأيْ لِإنْكارِ سَبَبِ الواقِعِ ونَفْيِهِ فَقَطْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ما ﴿لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نُوحَ: 13] وقَدْ يَتَوَجَّهُ الإنْكارُ والنَّفْيُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِسَبَبِ الوُقُوعِ فَيَسْرِيانِ إلى المُسَبَّبِ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ﴾ [يس: 22] إلَخْ ولا يُمْكِنُ إجْراءُ ذَلِكَ هُنا لِتَحَقُّقِ عَدَمِ الإيمانِ وهَذا المَعْنى مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكم لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿لا تُؤْمِنُونَ﴾ مُفِيدَةٌ عَلى ما قِيلَ: لِتَوْبِيخِهِمْ عَلى الكُفْرِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ عَدَمُهُ بَعْدَ تَوْبِيخِهِمْ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ ما يُوجِبُهُ، ولامُ ( لِتُؤْمِنُوا ) صِلَةُ - يَدْعُو - وهو يَتَعَدّى بِها وبِإلى أيْ وأيُّ عُذْرٍ في تَرْكِ الإيمانِ ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ إلَيْهِ ويُنَبِّهُكم عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ تَعْلِيلِيَّةً وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكُمْ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يَدْعُوكم أوْ مِن مَفْعُولِهِ أيْ وقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَكم بِالإيمانِ مِن قَبْلُ كَما يُشْعِرُ بِهِ تَخالُفُ الفِعْلَيْنِ مُضارِعًا وماضِيًا، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مَعْطُوفَةً عَلى الحالِ قَبْلَها فالجُمْلَةُ حالٌ بَعْدَ حالٍ مِن ضَمِيرِ ( تُؤْمِنُونَ ) والتَّخالُفُ بِالِاسْمِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ يُبْعِدُ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ، وأيًّا ما كانَ فَأخْذُ المِيثاقِ إشارَةٌ إلى ما كانَ مِنهُ تَعالى مِن نَصْبِ الأدِلَّةِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ

صفحة 170

والتَّمْكِينِ مِنَ النَّظَرِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ وهَذا إشارَةٌ إلى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ وفي التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ ما يُؤَيَّدُ القَوْلَ بِشَرَفِ السَّمْعِيِّ عَلى العَقْلِيِّ.

وقالَ البَغْوِيُّ: هو ما كانَ حِينَ أخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ وأشْهَدَهم بِأنَّهُ سُبْحانَهُ رَبُّهم فَشَهِدُوا - وعَلَيْهِ لا مَجازَ - والأوَّلُ اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ المُنِيرِ فَقالَ: لا عَلَيْهِ أنْ يُحْمَلَ العَهْدُ عَلى حَقِيقَتِهِ وهو المَأْخُوذُ يَوْمَ الذَّرِّ وكُلُّ ما أجازَهُ العَقْلُ ووَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ وجَبَ الإيمانُ بِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، وضَعَّفَهُ الإمامُ بِأنَّ المُرادَ إلْزامُ المُخاطَبِينَ الإيمانَ ونَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهم عُذْرٌ في تَرْكِهِ وهم لا يَعْلَمُونَ هَذا العَهْدَ إلّا مِن جِهَةِ الرَّسُولِ فَقَبْلَ التَّصْدِيقِ بِالرَّسُولِ لا يَكُونُ سَبَبًا لِإلْزامِهِمُ الإيمانَ بِهِ، وقالَ الطَّيِّبِيُّ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الضَّمِيرَ في ( أخَذَ ) إنْ كانَ لِلَّهِ تَعالى فالمُناسِبُ أنْ يُرادَ بِالمِيثاقِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ [البَقَرَةَ: 38] إلَخْ لِأنَّ المَعْنى: فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدى بِرَسُولٍ أبْعَثُهُ إلَيْكم وكِتابٍ أُنْزِلُهُ عَلَيْكم، ويَدُلُّ عَلى الأوَّلِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكم لِتُؤْمِنُوا﴾ وعَلى الثّانِي ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ﴾ إلَخْ، وإنْ كانَ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فالظّاهِرُ أنْ يُرادَ بِهِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آلَ عِمْرانَ: 81] عَلى أنْ يُضافَ المِيثاقُ إلى النَّبِيِّينَ إضافَتُهُ إلى المُوَثَّقِ لا المُوَثَّقِ عَلَيْهِ أيِ المِيثاقُ الَّذِي وثَّقَهُ الأنْبِياءُ عَلى أُمَمِهِمْ، وهو الوَجْهُ لِأنَّ الخِطابَ مَعَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ، ولَعَلَّ المِيثاقَ نَحْوَ ما رَوَيْنا عَنِ الإمامِ أحْمَدَ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ «بايَعَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في النَّشاطِ والكَسَلِ وعَلى النَّفَقَةِ في العُسْرِ واليُسْرِ وعَلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ. وعَلى أنْ نَقُولَ في اللَّهِ تَعالى ولا نَخافَ لَوْمَةَ لائِمٍ انْتَهى».

ويُضَعَّفُ الأوَّلُ بِنَحْوِ ما ضَعَّفَ بِهِ الإمامُ حَمْلَ العَهْدِ عَلى ما كانَ يَوْمَ الذَّرِّ، وضَعْفُ الثّانِي أظْهَرُ مِن أنْ يُنَبَّهَ عَلَيْهِ.

والخِطابُ قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: عامٌّ يُوَبِّخُ مَن لَمْ يُؤْمِن مِنهم بِعَدَمِ الإيمانِ ثُمَّ مَن آمَنَ بِعَدَمِ الإنْفاقِ في سَبِيلِهِ.

وكَلامُ أبِي حَيّانَ ظاهِرٌ في أنَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وجَعَلَ آمَنُوا أمْرًا بِالثَّباتِ عَلى الإيمانِ ودَوامِهِ ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ﴾ إلَخْ عَلى مَعْنى كَيْفَ لا تَثْبُتُونَ عَلى الإيمانِ ودَواعِي ذَلِكَ مَوْجُودَةٌ.

وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ كَوْنُهُ لِلْكَفَرَةِ وهو الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ مِن قَبْلُ، ولَعَلَّ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشْفِ أوْلى إلّا أنَّهُ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ آمَنُوا إذا كانَ خِطابًا لِلْمُتَّصِفِينَ بِالإيمانِ ولِغَيْرِ المُتَّصِفِينَ بِهِ يَلْزَمُ اسْتِعْمالُ الأمْرِ في طَلَبِ أصْلِ الفِعْلِ نَظَرًا لِغَيْرِ المُتَّصِفِينَ وفي طَلَبِ الثَّباتِ نَظَرًا لِلْمُتَّصِفِينَ وفِيهِ ما فِيهِ، ويَحْتاجُ في التَّفَصِّي عَنْ ذَلِكَ إلى إرادَةِ مَعْنًى عامٍّ لِلْأمْرَيْنِ، وقَدْ يُقالُ أرادَ أنَّهُ عَمَدَ إلى جَماعَةٍ مُخْتَلِفِينَ في الأحْوالِ فَأُمِرُوا بِأوامِرَ شَتّى وخُوطِبُوا بِخِطاباتٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَتَوَجَّهَ كُلُّ أمْرٍ وكُلُّ خِطابٍ إلى مَن يَلِيقُ بِهِ وهَذا كَما يَقُولُ الوالِي لِأهْلِ بَلَدِهِ: أذِّنُوا وصَلُّوا ودَرِّسُوا وأنْفِقُوا عَلى الفُقَراءِ وأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَإنَّ كُلَّ أمْرٍ يَنْصَرِفُ إلى مَن يَلِيقُ بِهِ مِنهم فَتَأمَّلْ، وقُرِئَ ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرو ( وقَدْ أُخِذَ مِيثاقُكم ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفِعْ ( مِيثاقُكم ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ شَرْطٌ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلُ، والمَعْنى إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ لِمُوجِبٍ ما فَهَذا مُوجِبٌ لا مُوجِبَ وراءَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ يُؤْمِنُ فَما لَكَمَ لا تُؤْمِنُونَ والحالَةُ هَذِهِ، وقالَ الواحِدِيُّ: أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ أوْ نَقْلِيٍّ فَقَدْ بانَ وظَهَرَ لَكم عَلى يَدَيْ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِبَعْثَتِهِ وإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ وأيًّا ما كانَ فَلا تَناقُضَ بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ﴾ وقالَ الطَّبَرِيُّ

صفحة 171

فِي ذَلِكَ: المُرادُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ فَآمِنُوا الآنَ وقِيلَ: المُرادُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ فَآمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّ شَرِيعَتَهُما تَقْتَضِي الإيمانَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِالمِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلَيْكم في عالَمِ الذَّرِّ فَآمِنُوا الآنَ، وقِيلَ المُرادُ إنْ دُمْتُمْ عَلى الإيمانِ فَأنْتُمْ في رُتَبٍ شَرِيفَةٍ وأقْدارٍ رَفِيعَةٍ، والكُلُّ كَما تَرى.

وظاهِرُ الأخِيرِ أنَّ الخِطابَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وهو الَّذِي اخْتارَهُ الطَّيِّبِيُّ، وقالَ في هَذا الشَّرْطِ: يُمْكِنُ أنْ يَجْرِيَ عَلى التَّعْلِيلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البَقَرَةَ: 278] لِأنَّ الكَلامَ مَعَ المُؤْمِنِينَ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ

57:9Page 538

هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦٓ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لِّيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٩

It is He who sends down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] verses of clear evidence that He may bring you out from darknesses into the light. And indeed, Allāh is to you Kind and Merciful.

﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ﴾ حَسْبَما يَعِنُّ لَكم مِنَ المَصالِحِ ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ واضِحاتٍ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِها آياتُ القُرْآنِ، وقِيلَ: المُعْجِزاتُ ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ أيِ اللَّهُ تَعالى إذْ هو سُبْحانَهُ المُخْبَرُ عَنْهُ، أوِ العَبْدُ لِقُرْبِ الذِّكْرِ والمُرادُ لِيُخْرِجَكم بِها ﴿مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ، وقُرِئَ في السَّبْعَةِ يُنَزِّلُ مُضارِعًا فَبَعْضٌ ثَقَّلَ وبَعْضٌ خَفَّفَ.

وقَرَأ الحَسَنُ بِالوَجْهَيْنِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأعْمَشُ أنْزَلَ ماضِيًا ﴿وإنَّ اللَّهَ بِكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ حَيْثُ أزالَ عَنْكم مَوانِعَ سَعادَةِ الدّارَيْنِ وهَداكم إلَيْها عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وقُرِئَ في السَّبْعَةِ ( لَرَؤُوفٌ ) بِواوَيْنِ،

57:10Page 538

وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٠

And why do you not spend in the cause of Allāh while to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth? Not equal among you are those who spent before the conquest [of Makkah] and fought [and those who did so after it]. Those are greater in degree than they who spent afterwards and fought. But to all Allāh has promised the best [reward]. And Allāh, of what you do, is Aware.

وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما لَكم ألا تُنْفِقُوا﴾ تَوْبِيخٌ عَلى تَرْكِ الإنْفاقِ إمّا لِلْمُؤْمِنِينَ الغَيْرِ المُنْفِقِينَ أوْ لِأُولَئِكَ المُوَبَّخِينَ أوَّلًا عَلى تَرْكِ الإيمانِ، وبَّخَهم سُبْحانَهُ عَلى ذَلِكَ بَعْدَ تَوْبِيخِهِمْ عَلى تَرْكِ الإيمانِ بِإنْكارِ أنْ يَكُونَ لَهم في ذَلِكَ أيْضًا عُذْرٌ مِنَ الأعْذارِ، و(أنْ ) مَصْدَرِيَّةٌ لا زائِدَةٌ كَما قِيلَ، واقْتَضاهُ كَلامُ الأخْفَشِ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ، فالمَصْدَرُ المُؤَوَّلُ في مَحَلِّ نَصْبٍ أوْ جَرٍّ عَلى القَوْلَيْنِ وحُذِفَ مَفْعُولُ الإنْفاقِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمّا تَقَدَّمَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ، والمُرادُ بِهِ كُلُّ خَيْرٍ يُقَرِّبُهم إلَيْهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ أيْ أيُّ شَيْءٍ لَكم في أنْ لا تُنْفِقُوا فِيما هو قُرْبَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى ما هو لَهُ في الحَقِيقَةِ وإنَّما أنْتُمْ خُلَفاؤُهُ سُبْحانَهُ في صَرْفِهِ إلى ما عَيَّنَهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ المَصارِفِ، أوْ ما انْتَقَلَ إلَيْكم مِن غَيْرِكم وسَيَنْتَقِلُ مِنكم إلى الغَيْرِ.

﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ يَرِثُ كُلَّ شَيْءٍ فِيهِما ولا يَبْقى لِأحَدٍ مالٌ عَلى أنَّ مِيراثَهُما مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ عَنْ مِيراثِ ما فِيهِما لِأنَّ أخْذَ الظَّرْفِ يَلْزَمُهُ أخْذُ المَظْرُوفِ.

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ يَرِثُهُما وما فِيهِما، واخْتِيرَ الأوَّلُ أنَّهُ يَكْفِي لِتَوْبِيخِهِمْ إذْ لا عَلاقَةَ لِأخْذِ السَّماواتِ والأرْضِ هُنا، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ لا تُنْفِقُوا أوْ مَفْعُولِهِ مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّوْبِيخِ فَإنَّ تَرْكَ الإنْفاقِ بِغَيْرِ سَبَبٍ قَبِيحٌ مُنْكَرٌ ومَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ الإنْفاقَ أشُدُّ في القُبْحِ وأدْخَلُ في الإنْكارِ فَإنَّ بَيانَ بَقاءِ جَمِيعِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ الأمْوالِ بِالآخِرَةِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن غَيْرِ أنْ يَبْقى لِأحَدٍ مِن أصْحابِها شَيْءٌ أقْوى في إيجابِ الإنْفاقِ عَلَيْهِمْ مِن بَيانِ أنَّها لِلَّهِ تَعالى في الحَقِيقَةِ، أوْ أنَّها انْتَقَلَتْ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: وما لَكم في تَرْكِ إنْفاقِها في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، والحالُ أنَّهُ لا يَبْقى لَكم ولا لِغَيْرِكم مِنها شَيْءٌ بَلْ تَبْقى كُلُّها لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مَن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ﴾ بَيانٌ لِتَفاوُتِ دَرَجاتِ المُنْفِقِينَ حَسَبَ تَفاوُتِ أحْوالِهِمْ في الإنْفاقِ بَعْدَ بَيانِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا عَلى الإطْلاقِ حَثًّا لَهم عَلى تَحَرِّي الأفْضَلِ،

صفحة 172

وعَطْفُ القِتالِ عَلى الإنْفاقِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِن أهَمِّ مَوادِّ الإنْفاقِ مَعَ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ مِن أفْضَلِ العِباداتِ وأنَّهُ لا يَخْلُو مِنَ الإنْفاقِ أصْلًا وقَسِيمُ ﴿مَن أنْفَقَ﴾ مَحْذُوفٌ أيْ لا يَسْتَوِي ذَلِكَ وغَيْرُهُ، وحُذِفَ لِظُهُورِهِ ودَلالَةِ ما بَعْدُ عَلَيْهِ، والفَتْحُ فَتْحُ مَكَّةَ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ومُجاهِدٍ - وهو المَشْهُورُ - فَتَعْرِيفُهُ لِلْعَهْدِ أوْ لِلْجِنْسِ ادِّعاءً وقالَ الشَّعْبِيُّ: هو فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ وقَدْ مَرَّ وجْهُ تَسْمِيَتِهِ فَتْحًا في سُورَةِ الفَتْحِ، وفي بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ حَتّى إذا كانَ بِعَسْفانَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يُوشِكُ أنْ يَأْتِيَ قَوْمٌ يَحْتَقِرُونَ أعْمالَكم مَعَ أعْمالِهِمْ قُلْنا: مَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ أقَرِيشٌ ؟ قالَ: لا ولَكِنْ هم أهْلُ اليَمَنِ هم أرَقُّ أفْئِدَةً وألْيَنُ قُلُوبًا، فَقُلْنا: أهم خَيْرٌ مِنّا يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: لَوْ كانَ لِأحَدِهِمْ جَبَلٌ مِن ذَهَبٍ فَأنْفَقَهُ ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِكم ولا نَصِيفَهُ ألا إنَّ هَذا فَصْلُ ما بَيْنَنا وبَيْنَ النّاسِ» ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مَن قَبْلِ الفَتْحِ﴾ الآيَةَ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( قَبْلَ ) بِغَيْرِ ( مِن ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَن أنْفَقَ، والجَمْعُ بِالنَّظَرِ إلى مَعْنى ( مَن ) كَما أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ بِالنَّظَرِ إلى لَفْظِها، ووَضْعُ اسْمِ الإشارَةِ البَعِيدِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّعْظِيمِ والإشْعارِ بِأنَّ مَدارَ الحُكْمِ هو إنْفاقُهم قَبْلَ الفَتْحِ وقِتالُهم، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً﴾ أيْ أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِذَيْنَكِ النَّعْتَيْنِ الجَلِيلَيْنِ أرْفَعُ مَنزِلَةً وأجَلُّ قَدْرًا.

﴿مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِنَ بَعْدُ﴾ بَعْدَ الفَتْحِ ﴿وقاتَلُوا﴾ وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ فاعِلَ ( لا يَسْتَوِي ) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الإنْفاقِ أيْ لا يَسْتَوِي هو أيِ الإنْفاقُ أيْ جِنْسُهُ إذْ مِنهُ ما هو قَبْلَ الفَتْحِ ومِنهُ ما هو بَعْدَهُ، ( ومَن أنْفَقَ ) مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ أعْظَمُ﴾ خَبَرُهُ وفِيهِ تَفْكِيكُ الكَلامِ وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ مُوجِبٍ فالوَجْهُ ما تَقَدَّمَ، ويُعْلَمُ مِنهُ التِزامًا التَّفاوُتُ بَيْنَ الإنْفاقِ قَبْلَ الفَتْحِ والإنْفاقِ بَعْدَهُ، وإنَّما كانَ أُولَئِكَ أعْظَمَ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا بَعْدُ لِأنَّهم إنَّما فَعَلُوا ما فَعَلُوا عِنْدَ كَمالِ الحاجَةِ إلى النُّصْرَةِ بِالنَّفْسِ والمالِ لِقِلَّةِ المُسْلِمِينَ وكَثْرَةِ أعْدائِهِمْ وعَدَمِ ما تَرْغَبُ فِيهِ النُّفُوسُ طَبْعًا مِن كَثْرَةِ الغَنائِمِ فَكانَ ذَلِكَ أنْفَعَ وأشَدَّ عَلى النَّفْسِ وفاعِلُهُ أقْوى يَقِينًا بِما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وأعْظَمَ رَغْبَةً فِيهِ، ولا كَذَلِكَ الَّذِينَ أنْفَقُوا بَعْدُ ( وكُلّا ) أيْ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ لا الأوَّلَيْنِ فَقَطْ ﴿وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ أيِ المَثُوبَةَ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ، وقِيلَ: أعَمُّ مِن ذَلِكَ والنَّصْرُ والغَنِيمَةُ في الدُّنْيا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعَبْدُ الوارِثِ - وكُلٌّ - بِالرَّفْعِ، والظّاهِرُ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ وعْدُهُ كَما في قَوْلِهِ:

وخالِدٌ يُحْمَدُ ساداتُنا بِالحَقِّ لا يُحْمَدُ بِالباطِلِ

يُرِيدُ يَحْمَدُهُ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً وبَيْنَهُما مِنَ التَّطابُقِ ما لَيْسَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، ومَنَعَ البَصْرِيُّونَ حَذْفَ العائِدِ مِن خَبَرِ المُبْتَدَأِ، وقالُوا: لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ بِخِلافِ حَذْفِهِ مِن جُمْلَةِ الصِّفَةِ وهم مَحْجُوجُونَ بِهَذِهِ القِراءَةِ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ فِيها: إنَّ كُلٌّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ تَقْدِيرُهُ، وأُولَئِكَ كُلٌّ، وجُمْلَةُ ( وعَدَ اللَّهُ ) صِفَةُ - كُلٌّ - تَأْوِيلٌ رَكِيكٌ، وفِيهِ زِيادَةُ حَذْفٍ، عَلى أنَّ بَعْضَ النُّحاةِ مَنَعَ وصْفَ - كُلٍّ - بِالجُمْلَةِ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ بِتَقْدِيرِ وكُلُّهم، وقالَ الشِّهابُ: الصَّحِيحُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ مِن أنَّ عَدَمَ جَوازِ حَذْفِ العائِدِ مِن جُمْلَةِ الخَبَرِ

صفحة 173

فِي غَيْرِ - كُلٍّ - وما ضاهاها في الِافْتِقارِ والعُمُومِ فَإنَّهُ في ذَلِكَ مُطَّرِدٌ لَكِنِ ادَّعى فِيهِ الإجْماعَ وهو مَحَلُّ نِزاعٍ.

﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عالِمٌ بِظاهِرِهِ وباطِنِهِ ويُجازِيكم عَلى حَسَبِهِ فالكَلامُ وعْدٌ ووَعِيدٌ، وفي الآياتِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى فَضْلِ السّابِقِينَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ ما لا يَخْفى، والمُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ المُنْفِقُونَ المُقاتِلُونَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ أوْ قَبْلَ الحُدَيْبِيَةِ بِناءً عَلى الخِلافِ السّابِقِ، والآيَةُ عَلى ما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْ بِسَبَبِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ خُصُوصَ السَّبَبِ لا يَدُلُّ عَلى تَخْصِيصِ الحُكْمِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ( أُولَئِكَ ) لِيَشْمَلَ غَيْرَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ، نَعَمْ هو أكْمَلُ الأفْرادِ فَإنَّهُ أنْفَقَ قَبْلَ الفَتْحِ وقَبْلَ الهِجْرَةِ جَمِيعَ مالِهِ وبَذَلَ نَفْسَهُ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِذا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لَيْسَ أحَدٌ أمَنَّ عَلَيَّ بِصُحْبَتِهِ مِن أبِي بَكَرٍ»» وذَلِكَ يَكْفِي لِنُزُولِها فِيهِ، وفي الكَشّافِ إنَّ أُولَئِكَ هُمُ السّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيهِمْ: ««لَوْ أنْفَقَ أحَدُكم مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ»» قالَ الطَّيِّبِيُّ: الحَدِيثُ مِن رِوايَةِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ وأبِي داوُدَ والتِّرْمِذِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: لا تَسُبُّوا أصْحابِي فَلَوْ أنَّ أحَدًا أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ»»، وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ عَلى هَذا لا يَخْتَصُّ بِالسّابِقِينَ الأوَّلِينَ كَما أشارَ في الكَشّافِ إلَيْهِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الخِطابَ في لا تَسُبُّوا لَيْسَ لِلْحاضِرِينَ ولا لِلْمَوْجُودِينَ في عَصْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَلْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا ) [الأنْعامَ: 27، 30] الآيَةَ وإلّا فَقَدْ قِيلَ: إنَّ الخِطابَ يَقْتَضِي الحُضُورَ والوُجُودَ ولا بُدَّ مِن مُغايَرَةِ المُخاطَبِينَ بِالنَّهْيِ عَنْ سَبِّهِمْ فَهُمُ السّابِقُونَ الكامِلُونَ في الصُّحْبَةِ.

وأقُولُ شاعَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذا الحَدِيثِ عَلى فَضْلِ الصَّحابَةِ مُطْلَقًا بِناءً عَلى ما قالُوا: إنَّ إضافَةَ الجَمْعِ تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ وعَلَيْهِ صاحِبُ الكَشْفِ، واسْتَشْكَلَ أمْرُ الخِطابِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِما سَمِعْتَ وبِأنَّهُ عَلى حَدِّ خِطابِ اللَّهِ تَعالى الأزَلِيِّ لَكِنَّ مِن بَعْضِ الأخْبارِ ما يُؤَيِّدُ أنَّ المُخاطَبِينَ بَعْضٌ مِنَ الصَّحابَةِ والمَمْدُوحِينَ بَعْضٌ آخَرُ مِنهم فَتَكُونُ الإضافَةُ لِلْعَهْدِ أوْ بِحَمْلِ الأصْحابِ عَلى الكامِلِينَ في الصُّحْبَةِ.

أخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أنَسٍ قالَ: ««كانَ بَيْنَ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ وبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَلامٌ فَقالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: تَسْتَطِيلُونَ عَلَيْنا بِأيّامٍ سَبَقْتُمُونا بِها فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: دَعُوا لِي أصْحابِي فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنْفَقْتُمْ مِثْلَ أُحُدٍ - أوْ مِثْلَ الجِبالِ - ذَهَبًا ما بَلَغْتُمْ أعْمالَهم»» ثُمَّ في هَذا الحَدِيثِ تَأْيِيدٌ ما لِكَوْنِ أُولَئِكَ هُمُ الَّذِينَ أنْفَقُوا قَبْلَ الحُدَيْبِيَةِ لِأنَّ إسْلامَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ بَيْنَ الحُدَيْبِيَةِ وفَتْحِ مَكَّةَ كَما في التَّقْرِيبِ وغَيْرِهِ، والزَّمَخْشَرِيُّ فَسَّرَ الفَتْحَ بِفَتْحِ مَكَّةَ فَلا تَغْفُلْ، قالَ الجَلالُ المَحَلِّيُّ: كَوْنُ الخِطابِ في «لا تَسُبُّوا» لِلصَّحابَةِ السّابِّينَ، وقالَ: نَزَّلَهم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِسَبِّهِمُ الَّذِي لا يَلِيقُ بِهِمْ مَنزِلَةَ غَيْرِهِمْ حَيْثُ عُلِّلَ بِما ذَكَرَهُ وهو وجْهٌ حَسَنٌ فَتَدَبَّرْ

57:11Page 538

مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١١

Who is it that would loan Allāh a goodly loan so He will multiply it for him and he will have a noble reward?

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ نَدْبٌ بَلِيغٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى الإنْفاقِ في سَبِيلِهِ مُؤَكِّدٌ لِلْأمْرِ السّابِقِ بِهِ ولِلتَّوْبِيخِ عَلى تَرْكِهِ فالِاسْتِفْهامُ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ بَلْ لِلْحَثِّ، والقَرْضُ الحَسَنُ الإنْفاقُ بِالإخْلاصِ وتَحَرِّي أكْرَمِ المالِ وأفْضَلِ الجِهاتِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ القَرْضَ الحَسَنَ ما يَجْمَعُ عَشْرَ صِفاتٍ. أنْ يَكُونَ مِنَ الحَلالِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا طَيِّبًا. وأنْ يَكُونَ مِن أكْرَمِ ما يَمْلِكُهُ المَرْءُ. وأنْ يَكُونَ والمَرْءُ صَحِيحٌ شَحِيحٌ يَأْمُلُ العَيْشَ ويَخْشى الفَقْرَ وأنْ يَضَعَهُ في الأحْوَجِ الأوْلى. وأنْ يَكْتُمَ ذَلِكَ، وأنْ لا يُتْبِعَهُ بِالمَنِّ

صفحة 174

والأذى، وأنْ يَقْصُدَ بِهِ وجْهَ اللَّهِ تَعالى وأنْ يَسْتَحْقِرَ ما يُعْطِي وإنْ كَثُرَ، وأنْ يَكُونَ مِن أحَبِّ أمْوالِهِ إلَيْهِ. وأنْ يَتَوَخّى في إيصالِهِ لِلْفَقِيرِ ما هو أسَرُّ لَدَيْهِ مِنَ الوُجُوهِ كَحَمْلِهِ إلى بَيْتِهِ. ولا يَخْفى أنَّهُ يُمْكِنُ الزِّيادَةُ والنَّقْصُ فِيما ذُكِرَ.

وأيَّما كانَ فالكَلامُ إمّا عَلى التَّجَوُّزِ في الفِعْلِ فَيَكُونُ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً تَصْرِيحِيَّةً أوِ التَّجَوُّزِ في مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ فَيَكُونُ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً وهو الأبْلَغُ أيْ مَن ذا الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى مُخْلِصًا مُتَحَرِّيًا أكْرَمَهُ وأفْضَلَ الجِهاتِ رَجاءَ أنْ يُعَوِّضَهُ سُبْحانَهُ بَدَلَهُ كَمَن يُقْرِضُهُ ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ فَيُعْطِيَهُ أجْرَهُ عَلى إنْفاقِهِ مُضاعَفًا أضْعافًا كَثِيرَةً مِن فَضْلِهِ.

﴿ولَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ وذَلِكَ الأجْرُ المَضْمُومُ إلَيْهِ الإضْعافُ كَرِيمٌ مَرْضِيٌّ في نَفْسِهِ حَقِيقٌ بِأنْ يَتَنافَسَ فِيهِ المُتَنافِسُونَ، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الأجْرَ كَما أنَّهُ زائِدٌ في الكَمِّ بالِغٌ في الكَيْفِ فالجُمْلَةُ حالَيَّةٌ لا عَطْفٌ عَلى ( فَيُضاعِفَهُ)، وجُوِّزَ العَطْفُ والمُغايَرَةُ ثابِتَةٌ بَيْنَ الضِّعْفِ والأجْرِ نَفْسِهِ فَإنَّ الإضْعافَ مِن مَحْضِ الفَضْلِ والمِثْلُ فَضْلٌ هو أجْرٌ، ونُصِبَ يُضاعِفُهُ عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ بِحَسَبِ المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: أيُقْرِضُ اللَّهَ تَعالى أحَدٌ فَيُضاعِفَهُ لَهُ فَإنَّ المَسْؤُولَ عَنْهُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ وإنْ كانَ هو الفاعِلَ لَكِنَّهُ في المَعْنى هو الفِعْلُ إذْ لَيْسَ المُرادُ أنَّ الفِعْلَ قَدْ وقَعَ السُّؤالُ عَنْ تَعْيِينِ فاعِلِهِ كَقَوْلِكَ: مَن جاءَكَ اليَوْمَ ؟ إذا عَلِمْتَ أنَّهُ جاءَهُ جاءٍ لَمْ تَعْرِفْهُ بِعَيْنِهِ وإنَّما أُورِدَ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ لِلْمُبالَغَةِ في الطَّلَبِ حَتّى كَأنَّ الفِعْلَ لِكَثْرَةِ دَواعِيهِ قَدْ وقَعَ وإنَّما يُسْألُ عَنْ فاعِلِهِ لِيُجازى ولَمْ يُعْتَبَرِ الظّاهِرُ لِأنَّهُ يُشْتَرَطُ بِلا خِلافٍ في النَّصْبِ بَعْدَ الفاءِ أنْ لا يَتَضَمَّنَ ما قَبْلَ وُقُوعِ الفِعْلِ نَحْوَ لِمَ ضَرَبْتَ زَيْدًا فَيُجازِيَكَ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَتَضَمَّنُ سَبْقَ مَصْدَرٍ مُسْتَقْبَلٍ وعَلى هَذا يُؤَوَّلُ كُلُّ ما فِيهِ نَصْبٌ وما قَبْلُ مُتَضَمِّنٌ لِلْوُقُوعِ، وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ «فَيُضاعِفُهُ» بِالرَّفْعِ عَلى القِياسِ نَظَرًا لِلظّاهِرِ المُتَضَمِّنِ لِلْوُقُوعِ وهو إمّا عَطْفٌ عَلى يُقْرِضُ أوْ عَلى فَهو (يُضاعِفُهُ ) وقُرِئَ فَيُضْعِفُهُ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском