Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Hashr 59:11–21
59:11Page 547
۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخۡوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَئِنۡ أُخۡرِجۡتُمۡ لَنَخۡرُجَنَّ مَعَكُمۡ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمۡ أَحَدًا أَبَدٗا وَإِن قُوتِلۡتُمۡ لَنَنصُرَنَّكُمۡ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١١
Have you not considered those who practice hypocrisy, saying to their brothers [i.e., associates] who have disbelieved among the People of the Scripture, "If you are expelled, we will surely leave with you, and we will not obey, in regard to you, anyone - ever; and if you are fought, we will surely aid you." But Allāh testifies that they are liars.
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا﴾ حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ الكَفَرَةِ والمُنافِقِينَ مِنَ الأقْوالِ الكاذِبَةِ والأحْوالِ الفاسِدَةِ وتَعْجِيبٌ مِنها بَعْدَ حِكايَةِ مَحاسِنِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ عَلى اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ. والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ والآيَةُ كَما أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رَهْطٍ مِن بَنِي عَوْفٍ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ ووَدِيعَةُ بْنُ مالِكٍ وسُوَيْدٌ وداعِسٌ بَعَثُوا إلى بَنِي النَّضِيرِ بِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمَلُ المَحْكِيَّةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ إلَخْ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أسْلَمُ ناسٌ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وكانَ فِيهِمْ مُنافِقُونَ فَبَعَثُوا إلى بَنِي النَّضِيرِ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَقُولُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ قَوْلِهِمْ، أوْ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِهِ، واللّامُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ لِلتَّبْلِيغِ والمُرادُ بِأُخُوَّتِهِمُ الأُخُوَّةُ في الدِّينِ واعْتِقادِ الفِكْرَةِ أوِ الصَّداقَةِ، وكَثُرَ جَمْعُ الأخِ مُرادًا بِهِ ما ذُكِرَ عَلى إخْوانٍ، ومُرادًا بِهِ الأُخُوَّةُ في النَّسَبِ عَلى إخْوَةٍ، وقَلَّ خِلافُ ذَلِكَ، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ واللَّهِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ مِن دِيارِكم قَسْرًا لَنَخْرُجَنَّ مِن دِيارِنا مَعَكُمُ البَتَّةَ ونَذْهَبَنَّ في صُحْبَتِكم أيْنَما ذَهَبْتُمْ
صفحة 57
﴿ولا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾ في شَأْنِكم ﴿أحَدًا﴾ يَمْنَعُنا مِنَ الخُرُوجِ مَعَكم وهو لِدَفْعِ أنْ يَكُونُوا وعَدُوهُمُ الخُرُوجَ بِشَرْطِ أنْ يُمْنَعُوا مِنهُ ﴿أبَدًا﴾ وإنْ طالَ الزَّمانُ، وقِيلَ: لا نُطِيعُ في قِتالِكم أوْ خِذْلانِكم، قالَ في الإرْشادِ: ولَيْسَ بِذاكَ لِأنَّ تَقْدِيرَ القِتالِ مُتَرَقَّبٌ بَعْدُ، ولِأنَّ وعْدَهم لَهم عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ لَيْسَ مُجَرَّدَ عَدَمِ طاعَتِهِمْ لِمَن يَدْعُوهم إلى قِتالِهِمْ بَلْ نُصْرَتُهم عَلَيْهِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ أيْ لَنُعاوِنَنَّكم عَلى عَدُوِّكم عَلى أنَّ دَعْوَتَهم إلى خِذْلانِ اليَهُودِ مِمّا لا يُمْكِنُ صُدُورُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ حَتّى يَدَّعُوا عَدَمَ طاعَتِهِمْ فِيها ضَرُورَةَ أنَّها لَوْ كانَتْ لَكانَتْ عِنْدَ اسْتِعْدادِهِمْ لِنُصْرَتِهِمْ وإظْهارِ كُفْرِهِمْ، ولا رَيْبَ في أنَّ ما يَفْعَلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ ذَلِكَ قَتْلُهم لا دَعْوَتُهم إلى تَرْكِ نُصْرَتِهِمْ، وأمّا الخُرُوجُ مَعَهم فَلَيْسَ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ مِن إظْهارِ الكُفْرِ لِجَوازِ أنْ يَدَّعُوا أنَّ خُرُوجَهم مَعَهم لِما بَيْنَهم مِنَ الصَّداقَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ لا لِلْمُوافَقَةِ في الدِّينِ، ونُوقِشَ في ذَلِكَ، وجَوابُ ”إنْ“ مَحْذُوفٌ، و﴿لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ قَبْلَ ”إنْ“ الشَّرْطِيَّةِ، وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ عَلى ما هو القاعِدَةُ المَشْهُورَةُ فِيما إذا تَقَدَّمَ القَسَمُ عَلى الشَّرْطِ ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في مَواعِيدِهِمُ المُؤَكَّدَةِ بِالأيْمانِ،
59:12Page 547
لَئِنۡ أُخۡرِجُواْ لَا يَخۡرُجُونَ مَعَهُمۡ وَلَئِن قُوتِلُواْ لَا يَنصُرُونَهُمۡ وَلَئِن نَّصَرُوهُمۡ لَيُوَلُّنَّ ٱلۡأَدۡبَٰرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١٢
If they are expelled, they will not leave with them, and if they are fought, they will not aid them. And [even] if they should aid them, they will surely turn their backs; then [thereafter] they will not be aided.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ تَكْذِيبٌ لَهم في كُلِّ واحِدٍ مِن أقْوالِهِمْ عَلى التَّفْصِيلِ بَعْدَ تَكْذِيبِهِمْ في الكُلِّ عَلى الإجْمالِ ﴿ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ وكانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، والإخْبارُ عَنْ خُلْفِهِمْ في المِيعادِ قِيلَ: مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ وهو مِن أدِلَّةِ النُّبُوَّةِ وأحَدُ وُجُوهِ الإعْجازِ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ وقْعَةِ بَنِي النَّضِيرِ، وكَلامُ أهْلِ الحَدِيثِ والسِّيَرِ عَلى ما قِيلَ: يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ”يَقُولُونَ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ“ إلَخْ مِن بابِ الإخْبارِ بِالغَيْبِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ دَسَّ إلَيْهِمْ لا يَخْرُجُوا فَأطْلَعَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما دَسَّهُ ﴿ولَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ ﴿لَيُوَلُّنَّ﴾ أيِ المُنافِقُونَ ﴿الأدْبارَ﴾ فِرارًا ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ أيْ يُهْلِكُهُمُ اللَّهُ تَعالى ولا يَنْفَعُهم نِفاقُهم لِظُهُورِ كُفْرِهِمْ، أوْ ﴿لَيُوَلُّنَّ﴾ أيِ اليَهُودُ المَفْرُوضَةُ نُصْرَةُ المُنافِقِينَ إيّاهم ولَيَنْهَزِمُنَّ، ثُمَّ لا يَنْفَعُهم نُصْرَةُ المُنافِقِينَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في ﴿نَصَرُوهُمْ﴾ لِلْيَهُودِ، والمَنصُوبُ لِلْمُنافِقِينَ أيْ ولَئِنْ نَصَرَ اليَهُودُ المُنافِقِينَ لَيُوَلِّي اليَهُودُ الأدْبارَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وكَأنَّهُ دَعا قائِلَهُ إلَيْهِ دَفْعُ ما يُتَوَهَّمُ مِنَ المُنافاةِ بَيْنَ ﴿لا يَنْصُرُونَهم ولَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ عَلى الوَجْهِ السّابِقِ، وقَدْ أشَرْنا إلى دَفْعِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى هَذا التَّوْجِيهِ الَّذِي لا يَخْفى حالُهُ
59:13Page 547
لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةٗ فِي صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ١٣
You [believers] are more fearful within their breasts than Allāh. That is because they are a people who do not understand.
﴿لأنْتُمْ أشَدُّ رَهْبَةً﴾ أيْ أشَدُّ مَرْهُوبِيَّةً عَلى أنَّ ﴿رَهْبَةً﴾ مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُخاطَبِينَ وهُمُ المُؤْمِنِينَ مَرْهُوبٌ مِنهم لا راهِبُونَ ﴿فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ رَهْبَتُهم مِنكم في السِّرِّ أشَدُّ مِمّا يُظْهِرُونَهُ لَكم مِن رَهْبَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وكانُوا يُظْهِرُونَ لَهم رَهْبَةً شَدِيدَةً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهم يَخافُونَكم في صُدُورِهِمْ أشَدَّ مِن خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولِشِدَّةِ البَأْسِ والتَّشَجُّعِ ما كانُوا يُظْهِرُونَ ذَلِكَ، قِيلَ: إنَّ ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مُبالَغَةٌ وتَصْوِيرٌ عَلى نَحْوٍ رَأيْتُهُ بِعَيْنَيَّ ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِن كَوْنِكم أشَدَّ رَهْبَةً في صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى ﴿بِأنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ شَيْئًا حَتّى يَعْلَمُوا عَظَمَةَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَيَخْشَوْهُ حَقَّ خَشْيَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ اليَهُودُ، وقِيلَ: المُنافِقُونَ وقِيلَ: الفَرِيقانِ
59:14Page 547
لَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرٗى مُّحَصَّنَةٍ أَوۡ مِن وَرَآءِ جُدُرِۭۚ بَأۡسُهُم بَيۡنَهُمۡ شَدِيدٞۚ تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ١٤
They will not fight you all except within fortified cities or from behind walls. Their violence [i.e., enmity] among themselves is severe. You think they are together, but their hearts are diverse. That is because they are a people who do not reason.
﴿لا يُقاتِلُونَكُمْ﴾
صفحة 58
أيِ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ، وقِيلَ: اليَهُودُ يَعْنِي لا يَقْتَدِرُونَ عَلى قِتالِكم ﴿جَمِيعًا﴾ أيْ مُجْتَمَعِينَ مُتَّفِقِينَ في مَوْطِنٍ مِنَ المَواطِنِ ﴿إلا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ بِالدُّرُوبِ والخَنادِقِ ونَحْوِها ﴿أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ﴾ يَتَسَتَّرُونَ بِها دُونَ أنْ يَصْحَرُوا لَكم ويُبارِزُوكم لِقَذْفِ اللَّهِ تَعالى الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ ومَزِيدِ رَهْبَتِهِمْ مِنكم.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والحَسَنُ وابْنُ وثّابٍ «جُدْرٍ» بِإسْكانِ الدّالِ تَخْفِيفًا، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وعاصِمٍ والأعْمَشِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ في الرِّوايَةِ المَشْهُورَةِ وكَثِيرٌ مِنَ المَكِّيِّينَ جِدارٍ بِكَسْرِ الجِيمِ وألِفٍ بَعْدَ الدّالِ وهي مُفْرَدُ الجُدُرِ، والقَصْدُ فِيهِ إلى الجِنْسِ، أوِ المُرادُ بِهِ السُّورُ الجامِعُ لِلْجُدُرِ والحِيطانِ.
وقَرَأ جَمْعٌ مِنَ المَكِّيِّينَ وهارُونُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ «جَدْرٍ» بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ الدّالِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهو الجِدارُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ أصْلُ بُنْيانٍ كَسُورٍ وغَيْرِهِ، ثُمَّ قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن جُدُرِ النَّخْلِ أيْ مِن وراءِ نَخْلِهِمْ إذْ هي مِمّا يُتَّقى بِهِ عِنْدَ المُصافَّةِ ﴿بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ﴾ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِبَيانِ أنَّ ما ذُكِرَ مِن رَهْبَتِهِمْ لَيْسَ لِضَعْفِهِمْ وجُبْنِهِمْ في أنْفُسِهِمْ فَإنَّ بَأْسَهم إذا اقْتَتَلُوا شَدِيدٌ وإنَّما ضَعْفُهم وجُبْنُهم بِالنِّسْبَةِ إلَيْكم بِما قَذَفَ اللَّهُ تَعالى في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ ﴿تَحْسَبُهم جَمِيعًا﴾ أيْ مُجْتَمَعِينَ ذَوِي إلْفَةٍ واتِّحادٍ ﴿وقُلُوبُهم شَتّى﴾ جَمْعُ شَتِيتٍ أيْ مُتَفَرِّقَةٌ لا إلْفَةَ بَيْنَها يَعْنِي أنَّ بَيْنَهم إحَنًا وعَداواتٍ فَلا يَتَعاضَدُونَ حَقَّ التَّعاضُدِ ولا يَرْمُونَ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ، وهَذا تَجْسِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَشْجِيعٌ لِقُلُوبِهِمْ عَلى قِتالِهِمْ.
وقَرَأ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ «شَتًى» بِالتَّنْوِينِ جَعَلَ الألِفَ ألِفَ الإلْحاقِ، وعَبْدُ اللَّهِ - وقُلُوبُهم أشَتُّ - أيْ أكْثَرُ أوْ أشَدُّ تَفَرُّقًا ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمْ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِن تَشَتُّتِ قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ شَيْئًا حَتّى يَعْلَمُوا طُرُقَ الأُلْفَةِ وأسْبابَ الِاتِّفاقِ، وقِيلَ: ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ أنَّ تَشَتُّتَ القُلُوبِ مِمّا يُوهِنُ قُواهُمُ المَرْكُوزَةَ فِيهِمْ بِحَسَبِ الخِلْقَةِ ويُعِينُ عَلى تَدْمِيرِهِمْ واضْمِحْلالِهِمْ ولَيْسَ بِذاكَ،
59:15Page 547
كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَرِيبٗاۖ ذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٥
[Theirs is] like the example of those shortly before them: they tasted the bad consequence of their affair, and they will have a painful punishment.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ مِثْلُهم أيْ مِثْلُ المَذْكُورِينَ مِنَ اليَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ، أوْ مِنهم ومِنَ المُنافِقِينَ كَمِثْلِ أهْلِ بَدْرٍ - كَما قالَ مُجاهِدٌ - أوْ كَبَنِي قَيْنُقاعَ - كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - وهم شَعْبٌ مِنَ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا حَوالِي المَدِينَةِ غَزاهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ السَّبْتِ عَلى رَأْسِ عِشْرِينَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ في شَوّالٍ قَبْلَ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ حَيْثُ كانَتْ في رَبِيعِ سَنَةِ أرْبَعٍ وأجْلاهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى أذَرِعاتٍ عَلى ما فُصِّلَ في كُتُبِ السِّيَرِ.
وقِيلَ: أيْ مِثْلُ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ كَمَثَلِ مُنافِقِي الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿قَرِيبًا﴾ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ أيْ ذاقُوا سُوءَ عاقِبَةِ كُفْرِهِمْ في زَمَنٍ قَرِيبٍ مِن عِصْيانِهِمْ أيْ لَمْ تَتَأخَّرْ عُقُوبَتُهم وعُوقِبُوا في الدُّنْيا إثْرَ عِصْيانِهِمْ.
وقِيلَ: انْتِصابُ ﴿قَرِيبًا﴾ - بِمِثْلِ - إذِ التَّقْدِيرُ كَوُقُوعِ مِثْلِ الَّذِينَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ أُرِيدَ أنَّ في الكَلامِ مُضافًا هو العامِلُ حَقِيقَةً في الظَّرْفِ إلّا أنَّهُ لَمّا حُذِفَ عَمِلَ المُضافُ إلَيْهِ فِيهِ لِقِيامِهِ مَقامَهُ، ولا يَخْفى أنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلَيْهِ لِأنَّ المُرادَ تَشْبِيهُ المَثَلِ بِالمَثَلِ أيِ الصِّفَةِ الغَرِيبَةِ لِهَؤُلاءِ بِالصِّفَةِ الغَرِيبَةِ لِلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دُونَ تَشْبِيهِ المَثَلِ بِوُقُوعِ المَثَلِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الإضافَةَ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى مَوْصُوفِها فَيَرْجِعُ التَّشْبِيهُ إلى تَشْبِيهِ المَثَلِ بِالمَثَلِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمُ الواقِعِ قَرِيبًا، وفِيهِ أنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيرَ رَكِيكٌ وما ذُكِرَ لا يَدْفَعُ الرَّكاكَةَ، والقَوْلُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ في جانِبِ المُبْتَدَأِ أيْضًا أيْ وُقُوعُ مَثَلِهِمْ كَوُقُوعِ مَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا فَيَكُونُ قَدْ
صفحة 59
شَبَّهَ وُقُوعَ المَثَلِ بِوُقُوعِ المَثَلِ تَعَسُّفٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُرْتَكَبَ في الفَصِيحِ.
وقِيلَ: إنَّ العامِلَ فِيهِ التَّشْبِيهُ أيْ يُشْبِهُونَهم في زَمَنٍ قَرِيبٍ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الكافِ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ، وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى، ولا يَبْعُدُ تَعَلُّقُهُ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ الصِّلَةُ أعْنِي مِن قَبْلِهِمْ أيِ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ في زَمَنٍ قَرِيبٍ فَيُفِيدُ أنَّ قَبْلِيَّتَهم قَبْلِيَّةٌ قَرِيبَةٌ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ قُرْبُ ما فُعِلَ بِهِمْ وهو المَثَلُ، ويَكُونُ هَذا مَطْمَحَ النَّظَرِ في الإفادَةِ ويَتَضَمَّنُ تَعْيِيرَهم بِأنَّهم كانَتْ لَهم في أهْلِ بَدْرٍ أوْ بَنِي قَيْنُقاعَ أُسْوَةٌ فَبَعْدُ لَمْ يَنْطَمِسْ آثارُ ما وقَعَ بِهِمْ وهو كَذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ الوُقُوعِ ونَحْوِهِ، وجُمْلَةُ ﴿ذاقُوا﴾ مُفَسِّرَةٌ لِلْمَثَلِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، ويَتَعَيَّنُ تَعَلُّقُ ﴿قَرِيبًا﴾ بِما بَعْدُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِمَن قَبْلَ مُنافِقُو الأُمَمِ الماضِيَةِ فَتَدَبَّرْ ﴿ولَهُمْ﴾ في الآخِرَةِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، والجُمْلَةُ قِيلَ: عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ وإنِ اخْتَلَفا فِعْلِيَّةً واسْمِيَّةً، وقِيلَ: حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ذاقُوا﴾ وأيًّا ما كانَ فَهو داخِلٌ في حَيِّزِ المَثَلِ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ - مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ - ولا يَخْفى بُعْدُهُ،
59:16Page 547
كَمَثَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ إِذۡ قَالَ لِلۡإِنسَٰنِ ٱكۡفُرۡ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦
[The hypocrites are] like the example of Satan when he says to man, "Disbelieve." But when he disbelieves, he says, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I fear Allāh, Lord of the worlds."
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ﴾ جَعَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْضًا أيْ مَثَلُهم كَمَثَلِ الشَّيْطانِ عَلى أنَّ ضَمِيرَ - مَثَلُهم -ها هُنا لِلْمُنافِقِينَ وفِيما تَقَدَّمَ لِبَنِي النَّضِيرِ، وقالَ بَعْضُهم: ضَمِيرُ -مَثَلُهم -المُقَدَّرُ في المَوْضِعَيْنِ لِلْفَرِيقَيْنِ، وجَعَلَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ﴾ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ هُناكَ لِلْفَرِيقَيْنِ إلّا أنَّ المَثَلَ الأوَّلَ يَخُصُّ بَنِي النَّضِيرِ، والثّانِيَ يَخُصُّ المُنافِقِينَ، وأُسْنِدَ كُلٌّ مِنَ الخِبْرَيْنِ إلى ذَلِكَ المُقَدَّرِ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِما مِن غَيْرِ تَعْيِينِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ بِخُصُوصِ ثِقَةٍ بِأنَّ السّامِعَ يَرُدُّ كُلًّا إلى ما يَلِيقُ بِهِ ويُماثِلُهُ كَأنَّهُ قِيلَ: مَثَلُ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ في حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ومَثَلُ المُنافِقِينَ في إغْرائِهِمْ إيّاهم عَلى القِتالِ حَسْبَما نُقِلَ عَنْهم كَمَثَلِ الشَّيْطانِ ﴿إذْ قالَ لِلإنْسانِ اكْفُرْ﴾ أيْ أغْراهُ عَلى الكُفْرِ إغْراءَ الآمِرِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ فَهو تَمْثِيلٌ واسْتِعارَةٌ ﴿فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ تَبَرَّأ مِنهُ مَخافَةَ أنْ يُشارِكَهُ في العَذابِ ولَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ كَما قالَ سُبْحانَهُ:
59:17Page 548
فَكَانَ عَٰقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَٰلِدَيۡنِ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٧
So the outcome for both of them is that they will be in the Fire, abiding eternally therein. And that is the recompense of the wrongdoers.
﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها﴾ أبَدَ الآبِدِينَ ﴿وذَلِكَ﴾ أيِ الخُلُودُ في النّارِ ﴿جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ عَلى الإطْلاقِ دُونَ المَذْكُورِينَ خاصَّةً، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالشَّيْطانِ والإنْسانِ الجِنْسُ فَيَكُونُ التَّبَرِّي يَوْمَ القِيامَةِ وهو الأوْفَقُ بِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ﴾ إلَخْ.
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ بِالشَّيْطانِ إبْلِيسُ، وبِالإنْسانِ أبُو جَهْلٍ عَلَيْهِما اللَّعْنَةُ قالَ لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمُ﴾ حَتّى وقَعُوا فِيما وقَعُوا قالَ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ . . الآيَةَ، وفي الآيَةِ عَلَيْهِ مَعَ ما تَقَدَّمَ عَنْ مُجاهِدٍ لَطِيفَةٌ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا شَبَّهَ أوَّلًا حالَ إخْوانِ المُنافِقِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ بِحالِ أهْلِ بَدْرٍ شَبَّهَ هُنا حالَ المُنافِقِينَ بِحالِ الشَّيْطانِ في قِصَّةِ أهْلِ بَدْرٍ، ومَعْنى ﴿اكْفُرْ﴾ عَلى تَخْصِيصِ الإنْسانِ بِأبِي جَهْلٍ دُمْ عَلى الكُفْرِ عِنْدَ بَعْضٍ، وقالَ الخَفاجِيُّ: لا حاجَةَ لِتَأْوِيلِهِ بِذَلِكَ لِأنَّهُ تَمْثِيلٌ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهم عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ رَجُلًا كانَ يَتَعَبَّدُ في صَوْمَعَتِهِ وأنَّ امْرَأةً كانَتْ لَها إخْوَةٌ فَعَرَضَ لَها شَيْءٌ فَأتَوْهُ بِها فَزَيَّنَتْ لَهُ نَفْسُهُ فَوَقَعَ عَلَيْها فَحَمَلَتْ فَجاءَهُ الشَّيْطانُ فَقالَ: اقْتُلْها فَإنَّهم إنْ ظَهَرُوا عَلَيْكَ افْتَضَحْتَ فَقَتَلَها ودَفَنَها فَجاؤُوهُ فَأخَذُوهُ فَذَهَبُوا بِهِ فَبَيْنَما هم يَمْشُونَ إذْ جاءَهُ الشَّيْطانُ فَقالَ: أنا الَّذِي زَيَّنْتُ لَكَ فاسْجُدْ لِي سَجْدَةً أُنْجِيكَ فَسَجَدَ لَهُ أيْ ثُمَّ
صفحة 60
تَبَرَّأ مِنهُ وقالَ لَهُ ما قالَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلإنْسانِ اكْفُرْ﴾ الآيَةَ، وهَذا الرَّجُلُ هو بَرْصِيصا الرّاهِبُ، وقَدْ رُوِيَتْ قِصَّتُهُ عَلى وجْهٍ أكْثَرَ تَفْصِيلًا مِمّا ذُكِرَ وهي مَشْهُورَةٌ في القَصَصِ، وفي البَحْرِ إنَّ قَوْلَ الشَّيْطانِ: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ كانَ رِياءً وهو لا يَمْنَعُهُ الخَوْفُ عَنْ سُوءٍ يُوقِعُ فِيهِ ابْنَ آدَمَ وقُرِئَ أنا بَرِيءٌ، وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وسُلَيْمُ بْنُ أرْقَمَ - فَكانَ عاقِبَتُهُما - بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ، وأنَّهُما إلَخْ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ خَبَرُها عَلى عَكْسِ قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأعْمَشُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ - خالِدانِ - بِالألِفِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، ﴿وفِي النّارِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وقُدِّمَ لِلِاخْتِصاصِ، وفِيها تَأْكِيدٌ لَهُ وإعادَةٌ بَضْمِيرِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ «فِي النّارِ» خَبَرَ إنَّ، وخالِدانِ - خَبَرٌ ثانِيًا وهو في قِراءَةِ الجُمْهُورِ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ
59:18Page 548
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨
O you who have believed, fear Allāh. And let every soul look to what it has put forth for tomorrow - and fear Allāh. Indeed, Allāh is Aware of what you do.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ ﴿ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ قَدَّمَتْ مِنَ الأعْمالِ لِيَوْمِ القِيامَةِ عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِدُنُوِّهِ دُنُوَّ الغَدِ مِن أمْسِهِ، أوْ لِأنَّ الدُّنْيا كَيَوْمٍ والآخِرَةَ غَدُهُ يَكُونُ فِيها أحْوالٌ غَيْرَ الأحْوالِ السّابِقَةِ، وتَنْكِيرُهُ لِتَفْخِيمِهِ وتَهْوِيلِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: «لِغَدٍ» لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ لِغايَةِ عِظَمِهِ، وأمّا تَنْكِيرُ نَفْسٌ فَلِاسْتِقْلالِ الأنْفُسِ النَّواظِرِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ واحِدَةٌ في ذَلِكَ، وفِيهِ حَثٌّ عَظِيمٌ عَلى النَّظَرِ وتَعْيِيرٌ بِالتَّرْكِ وبِأنَّ الغَفْلَةَ قَدْ عَمَّتِ الكُلَّ فَلا أحَدَ خَلُصَ مِنها، ومِنهُ ظَهَرَ - كَما في الكَشْفِ - أنَّ جَعْلَهُ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التَّكْوِيرَ: 14] غَيْرَ مُطابِقٍ لِلْمَقامِ أيْ فَهو كَما في الحَدِيثِ ««النّاسُ كَإبِلٍ مِائَةٍ لا تَجِدُ فِيها راحِلَةً»» لِأنَّ الأمْرَ بِالنَّظَرِ وإنْ عَمَّ لَكِنَّ المُؤْتَمَرَ النّاظِرَ أقَلُّ مِنَ القَلِيلِ، والمَقْصُودُ بِالتَّقْلِيلِ هو هَذا لِأنَّ المَأْمُورَ لا يَنْظُرُ إلَيْهِ ما لَمْ يَأْتَمِرْ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يُرادَ بِغَدٍ يَوْمَ المَوْتِ، ولَيْسَ بِذاكَ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ الحارِثِ - ولِتَنْظُرَ - بِكَسْرِ اللّامِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بِكَسْرِها وفَتْحِ الرّاءِ جَعَلَها لامَ كَيْ، وكانَ المَعْنى ولِكَيْ تَنْظُرَ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ أُمِرْنا بِالتَّقْوى ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، أوِ الأوَّلُ في أداءِ الواجِباتِ كَما يُشْعِرُ بِهِ ما بَعْدَهُ مِنَ الأمْرِ بِالعَمَلِ وهَذا في تَرْكِ المَحارِمِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ الوَعِيدُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِنَ المَعاصِي، وهَذا الوَجْهُ الثّانِي أرْجَحُ لِفَضْلِ التَّأْسِيسِ عَلى التَّأْكِيدِ، وفي وُرُودِ الأمْرَيْنِ مُطْلَقَيْنِ مِنَ الفَخامَةِ ما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ التَّقْوى شامِلَةٌ لِتَرْكِ ما يُؤَثِّمُ ولا وجْهَ وجِيهٌ لِلتَّوْزِيعِ والمَقامُ مَقامُ الِاهْتِمامِ بِأمْرِها، فالتَّأْكِيدُ أوْلى وأقْوى، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، وكَيْفَ لا والمُتَبادَرُ مِمّا قَدَّمْتَ أعْمالَ الخَيْرِ كَذا قِيلَ، ولَعَلَّ مَن يَقُولُ بِالتَّأْكِيدِ يَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ﴾ إلَخْ يَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ ويُعَمِّمُ ما قَدَّمْتَ أيْضًا، ولَعَلَّكَ مَعَ هَذا تَمِيلُ لِلتَّأْسِيسِ.
59:19Page 548
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١٩
And be not like those who forgot Allāh, so He made them forget themselves. Those are the defiantly disobedient.
﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ أيْ نَسُوا حُقُوقَهُ تَعالى شَأْنُهُ: وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ولَمْ يُراعُوا مَواجِبَ أمْرِهِ سُبْحانَهُ ونَواهِيَهُ عَزَّ وجَلَّ حَقَّ رِعايَتِها ﴿فَأنْساهُمْ﴾ اللَّهُ تَعالى بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ جَعَلَهم سُبْحانَهُ ناسِينَ لَها حَتّى لَمْ يَسْعَوْا بِما يَنْفَعُها ولَمْ يَفْعَلُوا ما يُخَلِّصُها، أوْ أراهم جَلَّ جَلالُهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن أهْوالِ ما أنْساهم أنْفُسَهم أيْ أراهم أمْرًا هائِلًا وعَذابًا ألِيمًا، ونِسْيانُ النَّفْسِ حَقِيقَةٌ قِيلَ: مِمّا لا يَكُونُ لِأنَّ العِلْمَ بِها حُضُورِيٌّ، وفِيهِ نَظَرٌ وإنَّ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ سِينا وأشْياعُهُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ الكامِلُونَ في الفُسُوقِ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ - ولا يَكُونُوا - بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كِنايَةٌ عَنْ نَفْسِ المُرادِ بِها الجِنْسُ
59:20Page 548
لَا يَسۡتَوِيٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۚ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠
Not equal are the companions of the Fire and the companions of Paradise. The companions of Paradise - they are the attainers [of success].
صفحة 61
﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ﴾ الَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ تَعالى فاسْتَحَقُّوا الخُلُودَ في النّارِ ﴿وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ فاسْتَحَقُّوا الخُلُودَ في الجَنَّةِ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ أصْحابِ النّارِ في الذِّكْرِ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ القُصُورَ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ عَدَمُ الِاسْتِواءِ مِن جِهَتِهِمْ لا مِن جِهَةِ مُقابَلِيهِمْ فَإنَّ مَفْهُومَ عَدَمِ الِاسْتِواءِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ المُتَفاوِتَيْنِ زِيادَةً ونُقْصانًا وإنْ جازَ اعْتِبارُهُ بِحَسَبِ زِيادَةِ الزّائِدِ لَكِنَّ المُتَبادَرَ اعْتِبارُهُ بِحَسَبِ نُقْصانِ النّاقِصِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ﴾ [الرَّعْدَ: 16] إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
ولَعَلَّ تَقْدِيمَ الفاضِلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزُّمُرَ: 9] لِأنَّ صِفَتَهُ مَلَكَةٌ لِصِفَةِ المَفْضُولِ والإعْدامِ مَسْبُوقَةٌ بِمَلَكاتِها، والمُرادُ بِعَدَمِ الِاسْتِواءِ عَدَمُ الِاسْتِواءِ في الأحْوالِ الأُخْرَوِيَّةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعْبِيرُ عَنِ الفَرِيقَيْنِ بِصاحِبِيَّةِ النّارِ وصاحِبِيَّةِ الجَنَّةِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ عَدَمِ الِاسْتِواءِ بَيْنَهُما أيْ هُمُ الفائِزُونَ في الآخِرَةِ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ النّاجُونَ عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، والآيَةِ تَنْبِيهٌ لِلنّاسِ وإيذانٌ بِأنَّهم لِفَرْطِ غَفْلَتِهِمْ وقِلَّةِ فِكْرَتِهِمْ في العاقِبَةِ وتَهالُكِهِمْ عَلى إيثارِ العاجِلَةِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ الزّائِلَةِ كَأنَّهم لا يَعْرِفُونَ الفَرْقَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ والبَوْنَ العَظِيمَ بَيْنَ أصْحابِهِما وأنَّ الفَوْزَ مَعَ أصْحابِ الجَنَّةِ فَمِن حَقِّهِمْ أنْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ ويُنَبَّهُوا عَلَيْهِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن عَقَّ أباهُ: هو أبُوكَ تَجْعَلُهُ بِمَنزِلَةِ مَن لا يَعْرِفُهُ فَتُنَبِّهُهُ عَلى حَقِّ الأُبُوَّةِ الَّذِي يَقْتَضِي البِرَّ والتَّعَطُّفَ، ومِمّا ذُكِرَ يُعْلَمُ ضَعْفُ اسْتِدْلالِ أصْحابِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالكافِرِ، وأنَّ الكُفّارَ لا يَمْلِكُونَ أمْوالَ المُسْلِمِينَ بِالقَهْرِ، وانْتَصَرَ لَهم بِأنَّ لَهم أنْ يَقُولُوا: لَمّا حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى التَّقْوى فِعْلًا وتَرْكًا وزَجَرَ عَزَّ وجَلَّ عَنِ الغَفْلَةِ الَّتِي تُضادُّها غايَةَ المُضادَّةِ بِذِكْرِ غايَتِها أعْنِي نِسْيانَ اللَّهِ تَعالى تَرْشِيحًا لِلتَّقْرِيعِ أرْدَفَهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ أصْحابَ التَّقْوى وأصْحابَ هَذِهِ الغَفْلَةِ لا يَسْتَوُونَ في شَيْءٍ ما، وعَبَّرَ عَنْهم بِأصْحابِ الجَنَّةِ وأصْحابِ النّارِ زِيادَةَ تَصْوِيرٍ وتَبْيِينٍ، فالمَقامُ يَقْتَضِي التَّبايُنَ في حُكْمَيِ الدّارَيْنِ وإنْ كانَ المَقْصُودُ بِالقَصْدِ الأوَّلِ تَبايُنَهم في الدّارِ الَّتِي هي المَدارُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ بَيانَ اقْتِضاءِ المَقامِ ذَلِكَ في مُقابَلَةِ قَوْلِ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ. إنَّ المَقامَ يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ وإلّا فالشّافِعِيَّةُ يَقُولُونَ: إنَّ العُمُومَ مَدْلُولُ نَفْيِ المُساواةِ لُغَةً لِأنَّ النَّفْيَ داخِلٌ عَلى مُسَمّى المُساواةِ فَلا بُدَّ مِنَ انْتِفائِها مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ إذْ لَوْ وُجِدَتْ مِن وجْهٍ لَما كانَ مُسَمّاها مُنْتَفِيًا وهو خِلافُ مُقْتَضى اللَّفْظِ، وقَوْلُ الحَنَفِيَّةِ: إنَّ الِاسْتِواءَ مُطْلَقًا أعَمُّ مِنَ الِاسْتِواءِ مِن كُلِّ وجْهٍ ومِن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ، والنَّفْيُ إنَّما دَخَلَ عَلى الِاسْتِواءِ الأعَمِّ فَلا يَكُونُ مُشْعِرًا بِأحَدِ القِسْمَيْنِ الخاصَّيْنِ.
وحاصِلُهُ أنَّ الأعَمَّ لا يُشْعِرُ بِالأخَصِّ فِيهِ إنَّ ذَلِكَ في الإثْباتِ مُسَلَّمٌ وفي النَّفْيِ مَمْنُوعٌ، ألا تَرى أنَّ مَن قالَ: ما رَأيْتُ حَيَوانًا وكانَ قَدْ رَأى إنْسانًا مَثَلًا عُدَّ كاذِبًا ؟ وتَمامُ ذَلِكَ في كُتُبِ الأُصُولِ، والإنْصافُ أنَّ كَوْنَ المُرادِ هُنا نَفْيَ الِاسْتِواءِ في الأُمُورِ الأُخْرَوِيَّةِ ظاهِرٌ جِدًّا فَلا يَنْبَغِي الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى ما ذُكِرَ.
59:21Page 548
لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٢١
If We had sent down this Qur’ān upon a mountain, you would have seen it humbled and splitting from fear of Allāh. And these examples We present to the people that perhaps they will give thought.
﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ﴾ العَظِيمَ الشَّأْنِ المُنْطَوِيَ عَلى فُنُونِ القَوارِعِ ﴿عَلى جَبَلٍ﴾ مِنَ الجِبالِ أوْ جَبَلٍ عَظِيمٍ ﴿لَرَأيْتَهُ﴾ مَعَ كَوْنِهِ عَلَمًا في القَسْوَةِ وعَدَمِ التَّأثُّرِ مِمّا يُصادِمُهُ ﴿خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أيْ مُتَشَقِّقًا مِنها.
وقَرَأ أبُو طَلْحَةَ مُصَدَّعًا بِإدْغامِ التّاءِ في الصّادِ، وهَذا تَمْثِيلٌ وتَخْيِيلٌ لِعُلُوِّ شَأْنِ القُرْآنِ وقُوَّةِ تَأْثِيرِ ما فِيهِ مِنَ المَواعِظِ والزَّواجِرِ، والغَرَضُ تَوْبِيخُ الإنْسانِ عَلى قَسْوَةِ قَلْبِهِ وقِلَّةِ تَخَشُّعِهِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ وتَدَبُّرِ ما فِيهِ مِنَ القَوارِعِ وهو الَّذِي لَوْ أُنْزِلَ عَلى جَبَلٍ وقَدْ رُكِّبَ فِيهِ العُقَلُ لَخَشَعَ وتَصَدَّعَ، ويُشِيرُ إلى كَوْنِهِ تَمْثِيلًا قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة 62
﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ فَإنَّ الإشارَةَ فِيهِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ أنْزَلْنا﴾ إلَخْ وإلى أمْثالِهِ، فالكَلامُ بِتَقْدِيرِ وُقُوعِ تِلْكَ، أوِ المُرادُ تِلْكَ وأشْباهُها والأمْثالُ في الأغْلَبِ تَمْثِيلاتٌ مُتَخَيَّلَةٌ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences