Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:10–11
6:10Page 129
وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ١٠
And already were messengers ridiculed before you, but those who mocked them were enveloped by that which they used to ridicule.
﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ كالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِمْ أيْ أنَّكَ لَسْتَ أوَّلَ رَسُولٍ اسْتَهْزَأ بِهِ قَوْمُهُ فَكَمْ وكَمْ مِن رَسُولٍ جَلِيلِ الشَّأْنِ فُعِلَ مَعَهُ ذَلِكَ فالتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ، و(مِن) ابْتِداءٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ (رُسُلٍ) والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ مِنَ الِاعْتِناءِ ما لا يَخْفى. وكَوْنُ التَّسْلِيَةِ بِهَذا المِقْدارِ مِمّا خَفِيَ عَلى بَعْضِ الفُضَلاءِ وهو ظاهِرٌ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّ التَّسْلِيَةَ بِهِ وبِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
1
- لِأنَّهُ مُتَضَمِّنٌ أنَّ مَنِ اسْتَهْزَأ بِالرُّسُلِ عُوقِبَ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وعَدَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعُقُوبَةِ مَنِ اسْتَهْزَأ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْ أصَرَّ عَلى ذَلِكَ
(وحاقَ) بِمَعْنى أحاطَ كَما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وفَسَّرَهُ الفَرّاءُ بِعادَ عَلَيْهِ وبالُ أمْرِهِ، وقِيلَ: حَلَّ واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ، وقِيلَ: نَزَلَ وهو قَرِيبٌ مِن سابِقِهِ ومَعْناهُ يَدُورُ عَلى الإحاطَةِ والشُّمُولِ ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ
صفحة 102
إلّا في السِّرِّ كَما قالَ: فَأوْطَأ جُرْدَ الخَيْلِ عُقْرَ دِيارِهِمْ وحاقَ بِهِمْ مِن بَأْسِ ضَرْبَةٍ حائِقُ وقالَ الرّاغِبُ: أصْلُهُ ”حَقَّ“ فَأُبْدِلَ مِن أحَدِ حَرْفَيِ التَّضْعِيفِ حَرْفُ عِلَّةٍ كَتَظَنَّنْتُ وتَظَنَّيْتُ أوْ هو مِثْلُ ذَمَّةٌ وذامَةٌ، والمَعْرُوفُ في اللُّغَةِ ما اخْتارَهُ الزَّجّاجُ
وقالَ الأزْهَرِيُّ: جَعَلَ أبُو إسْحاقَ (حاقَ) بِمَعْنى أحاطَ وكَأنَّهُ جَعَلَ مادَّتَهُ مِنَ الحُوقِ بِالضَّمِّ وهو ما أحاطَ بِالكَمَرَةِ مِن حُرُوفِها. وقَدْ يُفْتَحُ كَما في القامُوسِ وجُعِلَ أحَدُ مَعانِي الحَوْقِ بِالفَتْحِ الإحاطَةِ؛ وفِيهِ أيْضًا حاقَ بِهِ يَحِيقُ حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقانًا بِفَتْحِ الياءِ أحاطَ بِهِ كَأحاقَ وفِيهِ السَّيْفُ حاكَ وبِهِمُ الأمْرُ لَزِمَهم ووَجَبَ عَلَيْهِمْ ونَزَلَ، وأحاقَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ مَكْرَهُمْ، والحَيْقُ ما يَشْتَمِلُ عَلى الإنْسانِ مِن مَكْرُوهٍ فَعَلَهُ. وظاهِرُهُ أنَّ حاقَ يائِيٌّ وعَلَيْهِ غالِبُ أهْلِ اللُّغَةِ وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ كَلامِ الأزْهَرِيِّ مِن أنَّهُ واوِيٌّ. و(مِنهُمْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (سَخِرُوا) والضَّمِيرِ المُرْسَلِ. ويُقالُ: سَخِرُوا مِنهُ وبِهِ كَهَزِأ مِنهُ وبِهِ فَهُما مُتَّحِدانِ مَعْنًى واسْتِعْمالًا. وقِيلَ: السُّخْرِيَةُ والِاسْتِهْزاءُ بِمَعْنًى لَكِنَّ الأوَّلَ قَدْ يَتَعَدّى بِمِن والباءِ. وفي الدُّرِّ المَصُونِ لا يُقالُ إلّا اسْتَهْزَأ بِهِ ولا يَتَعَدّى بِمِن. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْمُسْتَهْزِئِينَ والجارُّ والمَجْرُورُ حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في (سَخِرُوا) ورُدَّ بِأنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ فَحاقَ بِالَّذِينِ سَخِرُوا كائِنِينَ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ ولا فائِدَةَ لِهَذِهِ الحالِ لِانْفِهامِها مِن سَخِرُوا وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الِاسْتِهْزاءَ والسُّخْرِيَةَ بِمَعْنًى ولَيْسَ بِلازِمٍ فَلَعَلَّ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْمُسْتَهْزِئِينَ يَجْعَلُ الِاسْتِهْزاءَ بِمَعْنى طَلَبِ الهُزْءِ فَيَصِحُّ بَيانُهُ ولا يَكُونُ في النَّظْمِ تَكْرارٌ. فَعَنِ الرّاغِبِ الِاسْتِهْزاءُ وارْتِيادُ الهُزْءِ وإنْ كانَ قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ تَعاطِي الهُزْءِ كالِاسْتِجابَةِ في كَوْنِها ارْتِيادًا لِلْإجابَةِ وإنْ كانَ قَدْ يَجْرِي مَجْرى الإجابَةِ
وجُوِّزَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى أُمَمِ الرُّسُلِ ونُسِبَ إلى الحَوْفِيِّ. ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ إرْجاعُ الضَّمِيرِ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ. وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ في قُوَّةِ المَذْكُورِ. و(بِالَّذِينِ) مُتَعَلِّقٌ بِحاقَ وتَقْدِيمُهُ عَلى فاعِلِهِ وهو (ما) لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ لُحُوقِ الشَّرِّ بِهِمْ. وهي إمّا مَصْدَرِيَّةٌ، وضَمِيرُ بِهِ لِلرَّسُولِ الَّذِي في ضِمْنِ الرُّسُلِ. وإمّا مَوْصُولَةٌ والضَّمِيرُ لَها والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ فَأحاطَ بِهِمْ وبالُ اسْتِهْزائِهِمْ أوْ وبالُ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِؤُنَ بِهِ. وقَدْ يُقالُ: لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، وفي الكَلامِ إطْلاقُ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ لِأنَّ المُحِيطَ بِهِمْ هو العَذابُ ونَحْوَهُ لا الِاسْتِهْزاءُ ولا المُسْتَهْزَأُ بِهِ لَكِنْ وُضِعَ ذَلِكَ مَوْضِعَهُ مُبالَغَةً
وقِيلَ:أنَّ المُرادَ مِنَ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِؤُنَ هو العَذابُ الَّذِي كانَ الرُّسُلُ يُخَوِّفُونَهم إيّاهُ فَلا حاجَةَ إلى ارْتِكابِ التَّجَوُّزِ السّابِقِ أوِ الحَذْفِ. وقَدِ اخْتارَ ذَلِكَ الإمامُ الواحِدِيُّ. والِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا قَرِينَةَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُسْتَهْزَإ بِهِ هو العَذابُ بَلِ السِّياقُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُسْتَهْزَأ بِهِمُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَدْفَعُهُ أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتَلْزِمٌ لِاسْتِهْزائِهِمْ بِما جاءُوا بِهِ وتَوَعَّدُوا قَوْمَهم بِنُزُولِهِ وإنَّ مِثْلَهُ لِظُهُورِهِ لا يَحْتاجُ إلى قَرِينَةٍ
ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ (حاقَ بِهِمْ) كِنايَةً عَنْ إهْلاكِهِمْ وإسْنادُهُ إلى ما أُسْنِدَ إلَيْهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ مِن قَبِيلِ: أقْدَمَنِي بَلَدَكَ حَقٌّ لِي عَلى فُلانٍ إذْ مِنَ المَعْلُومِ مِن مَذْهَبِ أهْلِ الحَقِّ أنَّ المُهْلِكَ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى فَإسْنادُهُ إلى غَيْرِهِ لا يَكُونُ إلّا مَجازًا. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الحَيْقَ الإحاطَةُ ونِسْبَتَها إلى العَذابِ لا شُبْهَةَ في أنَّها حَقِيقَةً ولا داعِيَ إلى تَفْسِيرِهِ بِالإهْلاكِ وارْتِكابِ المَجازِ العَقْلِيِّ، ولَعَلَّ مُرادَ مَن فَسَّرَ بِذَلِكَ بَيانُ مُؤَدّى الكَلامِ ومَجْمُوعِ مَعْناهُ. نَعَمْ
صفحة 103
إذا قُلْنا: أنَّ الإحاطَةَ إنَّما تَكُونُ لِلْأجْسامِ دُونَ المَعانِي فَلا بُدَّ مِنَ ارْتِكابِ تَجُوُّزٍ في الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِ إسْنادِها إلى العَذابِ لَكِنْ لا عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ هَذا الزَّعْمُ كَما لا يَخْفى. وفي جَمْعِ (كانُوا يَسْتَهْزِؤُنَ) ما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ في أمْثالِهِ. و(بِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ. وتَقْدِيمُهُ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ
6:11Page 129
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ١١
Say, "Travel through the land; then observe how was the end of the deniers."
﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾
11
- خِطابٌ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ بِإنْذارِ قَوْمِهِ وتَذْكِيرِهِمْ بِأحْوالِ الأُمَمِ الخالِيَةِ وما حاقَ بِهِمْ لِسُوءِ أفْعالِهِمْ تَحْذِيرًا لَهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِمّا يُحاكِي تِلْكَ الأفْعالَ. وفي ذَلِكَ أيْضًا تَكْمِلَةٌ لِتَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما في ضِمْنِهِ مِنَ العُدَّةِ اللَّطِيفَةِ بِأنَّهُ سَيَحِيقُ بِهِمْ مِثْلُ ما حاقَ بِأضْرابِهِمُ الأوَّلِينَ، وقَدْ أنْجَزَ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَلِكَ إنْجازًا أظْهَرَ مِنَ الشَّمْسِ يَوْمَ بَدْرٍ، والمُرادُ مِنَ النَّظَرِ التَّفَكُّرُ، وقِيلَ: النَّظَرُ بِالإبْصارِ وجَمَعَ بَيْنِهِما الطَّبَرْسِيُّ بِناءً عَلى القَوْلِ بِجَوازِ مِثْلِ ذَلِكَ، و (كَيْفَ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِـ (كانَ) أوْ حالٌ وهي تامَّةٌ، والعاقِبَةُ مَآلُ الشَّيْءِ وهي مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ، والتَّعْبِيرُ بِالمُكَذِّبِينَ دُونَ المُسْتَهْزِئِينَ قِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مَآلَ مَن كَذَبَ إذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ الحالُ في مَآلِ مَن جَمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِاسْتِهْزاءِ، وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ تَعْرِيفَ المُكَذِّبِينَ لِلْعَهْدِ وهُمُ الَّذِينَ سَخِرُوا فَيَكُونُونَ جامِعِينَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ مَعَ أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِما جاءُوا بِهِ يَسْتَلْزِمُ تَكْذِيبَهُ، ولا يَخْفى أنَّ مَقْصُودَ القائِلِ إنَّ أُولَئِكَ وإنْ جَمَعُوا الأمْرَيْنِ لَكِنْ في الإشارَةِ إلَيْهِمْ بِهَذا العُنْوانِ هُنا ما لا يَخْفى مِنَ الإشارَةِ إلى فَظاعَةِ ما نالَهُمْ، وقِيلَ: إنَّ وضْعَ المُكَذِّبِينَ مَوْضِعَ المُسْتَهْزِئِينَ لِتَحْقِيقِ أنَّهُ مَدارُ ما أصابَهم هو التَّكْذِيبُ لِيَنْزَجِرَ السّامِعُونَ عَنْهُ لا عَنِ الِاسْتِهْزاءِ فَقَطْ مَعَ بَقاءِ التَّكْذِيبِ بِحالِهِ بِناءً عَلى تَوَهُّمِ أنَّهُ المَدارُ في ذَلِكَ وعُطِفَ الأمْرُ بِالنَّظَرِ عَلى الأمْرِ بِالسَّيْرِ بِـ (ثُمَّ) قِيلَ لِلْإيذانِ بِتَفاوُتِ ما بَيْنَهُما وإنْ كانَ كُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ واجِبًا لِأنَّ الأوَّلَ إنَّما يَطْلُبُ الثّانِي كَما في قَوْلِكَ: تَوَضَّأْ ثُمَّ صِلْ، وقِيلَ: لِلْإيذانِ بِالتَّفاوُتِ لِأنَّ الأوَّلَ لِإباحَةِ السَّيْرِ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ وغَيْرِها مِنَ المَنافِعِ، والثّانِي لِإيجابِ النَّظَرِ في آثارِ الهالِكِينَ، ولا رَيْبَ في تَباعُدِ ما بَيْنَ الواجِبِ والمُباحِ،وأُورِدَ عَلَيْهِ كَما قالَ الشِّهابُ أنَّهُ يَأْباهُ سَلامَةُ الذَّوْقِ لِأنَّ فِيهِ إقْحامَ أمْرٍ أجْنَبِيٍّ وهو بَيانُ إباحَةِ السَّيْرِ لِلتِّجارَةِ بَيْنَ الإخْبارِ عَنْ حالِ المُسْتَهْزِئِينَ وما يُناسِبُهُ وما يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الأمْرِ بِالِاعْتِبارِ بِآثارِهِمْ وهو مِمّا يُخِلُّ بِالبَلاغَةِ إخْلالًا ظاهِرًا
وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا وإنْ تَراءى في بادِئِ النَّظَرِ لَكِنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ إذْ ذاكَ غَيْرُ أجْنَبِيٍّ لِأنَّ المُرادَ خِذْلانُهم وتَخْلِيَتُهم وشَأْنَهم مِنَ الإعْراضِ عَنِ الحَقِّ بِالتَّشاغُلِ بِأمْرِ دُنْياهم كَقَوْلِهِ تَعالى: (ولِيَتَمَتَّعُوا) وهَذا حاصِلُ ما قِيلَ: إنَّ الكَلامَ مَجازٌ عَنِ الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ وإنَّ ذَلِكَ الأمْرَ مُتَسَخَّطٌ إلى الغايَةِ كَما تَقُولُ لِمَن عَزَمَ عَلى أمْرٍ مُؤَدٍّ إلى ضَرَرٍ عَظِيمٍ فَبالَغَتْ في نُصْحِهِ ولَمْ يَنْجَعْ فِيهِ أنْتَ وشَأْنَكَ، وافْعَلْ ما شِئْتَ فَإنَّكَ لا تُرِيدُ بِذَلِكَ حَقِيقَةَ الأمْرِ، كَيْفَ والآمِرُ بِالشَّيْءِ مُرِيدٌ لَهُ وأنْتَ شَدِيدُ الكَراهَةِ مُتَحَسِّرٌ ولَكِنَّكَ كَأنَّكَ قُلْتَ لَهُ: إذْ قَدْ أبَيْتَ النُّصْحَ فَأنْتَ أهْلٌ لِأنْ يُقالُ لَكَ: افْعَلْ ما شِئْتَ ولا يَخْفى أنَّ انْفِهامَ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ في غايَةِ البُعْدِ، وفَرَّقَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ في سُورَةِ النَّمْلِ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ بِحَمْلِ الأمْرِ بِالسَّيْرِ هُنا عَلى الإباحَةِ المَذْكُورَةِ آنِفًا وحَمْلِ الأمْرِ بِهِ هُناكَ عَلى السَّيْرِ لِأجْلِ النَّظَرِ ولِهَذا كانَ العَطْفُ بِالفاءِ في تِلْكَ الآيَةِ ونَظَرَ بَعْضُهم بِغَيْرِ ما أشَرْنا إلَيْهِ أيْضًا
وذُكِرَ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ هُنا: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ وفي غَيْرِ ما مَوْضِعٍ (فانْظُرُوا) لِأنَّ المَقامَ هُنا يَقْتَضِي
صفحة 104
(ثُمَّ) دُونَهُ في هاتِيكَ المَواضِعِ، وذَلِكَ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ تَعالى فِيما نَحْنُ فِيهِ ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ والأوَّلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهالِكِينَ طَوائِفُ كَثِيرَةٌ، والثّانِي يَدُلُّ عَلى أنَّ المُنْشَأ بَعْدَهم أيْضًا كَثِيرُونَ فَيَكُونُ أمْرُهم بِالسَّيْرِ دُعاءً لَهم إلى العِلْمِ بِذَلِكَ فَيَكُونُ المُرادُ بِهِ اسْتِقْراءَ البِلادِ ومَنازِلِ أهْلِ الفَسادِ عَلى كَثْرَتِها لِيَرَوُا الآثارَ في دِيارٍ بَعْدَ دِيارٍ، وهَذا مِمّا يَحْتاجُ إلى زَمانٍ ومُدَّةٍ طَوِيلَةٍ تَمْنَعُ مِنَ التَّعْقِيبِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الفاءُ و(لا) كَذَلِكَ في المَواضِعِ الأُخَرِ اهـ، ولا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ
واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ السَّيْرَ مُتَّحِدٍ هُنا ولَكِنَّهُ أمْرٌ مُمْتَدٌّ يُعْطَفُ النَّظَرُ عَلَيْهِ بِالفاءِ تارَةً نَظَرًا إلى آخِرِهِ وبِثُمَّ أُخْرى نَظَرًا إلى أوَّلِهِ وكَذا شَأْنُ كُلِّ مُمْتَدٍّ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences