Al-AlusiAl‑An'am · 6:111–113

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:111–113

6:111Page 142

۞ وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَحَشَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ كُلَّ شَيۡءٖ قُبُلٗا مَّا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَجۡهَلُونَ ١١١

And even if We had sent down to them the angels [with the message] and the dead spoke to them [of it] and We gathered together every [created] thing in front of them, they would not believe unless Allāh should will. But most of them, [of that], are ignorant.

صفحة 2

﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ تَصْرِيحٌ بِما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ .. إلَخْ. مِنَ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى تَرْكِ الإجابَةِ إلى ما اقْتَرَحُوا وبَيانٍ لِكَذِبِهِمْ في إيمانِهِمْ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ أيْ ولَوْ أنّا لَمْ نَقْتَصِرْ عَلى ما اقْتَرَحُوهُ ها هُنا بَلْ نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ كَما سَألُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ وقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ ﴿وكَلَّمَهُمُ المَوْتى﴾ بِأنْ أحْيَيْناهم وشَهِدُوا بِحَقِّيَّةِ الإيمانِ حَسْبَما اقْتَرَحُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ ﴿وحَشَرْنا﴾ أيْ جَمَعْنا وسَوَّقْنا ﴿عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا﴾ أيْ مُقابَلَةً ومُعايَنَةً حَتّى يُواجِهُوهم كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وهو عَلى هَذا مَصْدَرٌ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ وعَنْهُ: يُقالُ لَقِيتُ فُلانًا قُبُلًا ومُقابَلَةً وقُبْلًا وقِبَلًا وقَبِيلًا كُلُّهُ بِمَعْنًى واحِدٍ وهو المُواجَهَةُ ونَقَلَ الرّاغِبُ أنَّهُ جَمْعُ قابِلٍ بِمَعْنى مُقابِلٍ لِحَواسِّهِمْ وقِيلَ: هو جَمْعُ قَبِيلٍ بِمَعْنى كَفِيلٍ كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ وقَضِيبٍ وقُضُبٍ فَهو مِن قَوْلِكَ: قَبِلْتُ الرَّجُلَ وتَقَبَّلْتُ بِهِ إذا تَكَفَّلْتَ بِهِ ومِنهُ القُبالَةُ لِكِتابِ العَهْدِ والصَّكُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الفَرّاءِ وعَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرُهُ بِالجَماعَةِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ قَبِيلَةٍ كَما قالَ الرّاغِبُ ونَقَلَ تَفْسِيرَهُ بِالكَفِيلِ وبِالجَماعَةِ وكَذا بِالمُعايَنَةِ والمُقابَلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ أيْ لَوْ أحْضَرْنا لَدَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ تَتَأتّى مِنهُمُ الكَفالَةُ والشَّهادَةُ بِحَقِّيَّةِ الإيمانِ لا فُرادى بَلْ بِطَرِيقِ المَعِيَّةِ أوْ لَوْ حَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ جَماعاتٍ في مَوْقِفٍ واحِدٍ ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أيْ ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ لَهُمُ الإيمانُ وانْتِصابُ ( قُبُلًا ) عَلى هَذِهِ الأقْوالِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ( كُلَّ ) وساغَ ذَلِكَ عَلى القَوْلِ بِجَمْعِيَّتِهِ لِأنَّ كُلًّا يَجُوزُ مُراعاةُ مَعْناهُ ومُراعاةُ لَفْظِهِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ النُّحاةُ واسْتَشْهَدُوا لَهُ بِقَوْلِ عَنْتَرَةَ:

جادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ فَتَرَكْنَ كُلَّ حَدِيقَةٍ كالدِّرْهَمِ

إذْ قالَ تَرَكْنَ دُونَ تَرَكَتْ فَلا حاجَةَ إلى ما قِيلَ إنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ لازِمَهِ وهو الكُلُّ المَجْمُوعِيُّ: وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ( قِبَلًا ) بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى مُقابَلَةٍ ومُشاهَدَةٍ ونَصَبَهُ عَلى الحالِ كَما قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وكَثِيرٌ وعَنِ المُبَرِّدِ أنَّهُ بِمَعْنى جِهَةٍ وناحِيَةٍ فانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ كَقَوْلِهِمْ: لِي قِبَلَ فُلانٍ كَذا وقُرِئَ قُبْلًا بِضَمٍّ فَسُكُونٍ و﴿ما كانُوا﴾ .. إلَخْ. جَوابُ لَوْ وهو إذا كانَ مَنفِيًّا لا تَدْخُلُهُ اللّامُ خِلافًا لِمَن وهِمَ فَقَدَّرَها

وعَلَّلَ هَذا الحُكْمَ بِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ الثّابِتِ أزَلًا في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى المُتَعَلِّقِ بِالأشْياءِ حَسْبَما هي عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ وعَلَّلَهُ البَعْضُ بِسَبْقِ القَضاءِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ واعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ الأفاضِلِ بِأنَّ فِيهِ تَعْلِيلَ الحَوادِثِ بِالتَّقْدِيرِ الأزَلِيِّ ولا يَخْفى فَسادُهُ وعَلَّلَهُ بِبُطْلانِ اسْتِعْدادِهِمْ وتَبَدُّلِ فِطْرَتِهِمُ القابِلَةِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ وتَبِعَهُ في ذَلِكَ شَيْخُ الإسْلامِ وعَلَّلَهُ بِتَمادِيهِمْ في العِصْيانِ وغُلُوِّهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ في الطُّغْيانِ مُعْتَرِضًا عَلى ما ذَكَرَ بِأنَّهُ مِنَ الأحْكامِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى التَّمادِي المَذْكُورِ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الشِّهابُ

صفحة 3

قائِلًا: إنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ ما ذُكِرَ عَلى مَذْهَبِ الأشْعَرِيِّ القائِلِ بِأنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِاخْتِيارِ العَبْدِ وإنْ قارَنَ الفِعْلَ عِنْدَهُ ولا يَلْزَمُ الجَبْرُ كَما يَتَوَهَّمُ عَلى ما حَقَّقَهُ أهْلُ الأُصُولِ ولا خَفاءَ في كَوْنِ القَضاءِ الأزَلِيِّ سَبَبًا لِوُقُوعِ الحَوادِثِ ولا فَسادَ فِيهِ وأمّا سُوءُ اخْتِيارِ العَبْدِ فَسَبَبٌ لِلْقَضاءِ الأزَلِيِّ وتَحْقِيقُهُ كَما قِيلَ إنَّ سُوءَ الِاخْتِيارِ وإنْ كانَ كافِيًا في عَدَمِ وُقُوعِ الإيمانِ لَكِنَّهُ لا قَطْعَ فِيهِ لِجَوازِ أنْ يُحْسِنَ الِاخْتِيارَ بِصَرْفِهِ إلى الإيمانِ بَدَلَ صَرْفِهِ إلى الكُفْرِ فَكانَ سُوءُ اخْتِيارِهِ فِيما لا يَزالُ سَبَبًا لِلْقَضاءِ بِكُفْرِهِ في الأزَلِ فَبَعْدَ القَضاءِ يَكُونُ الواقِعَ مِنهُ الكُفْرُ حَتْمًا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ . انْتَهى. وأنا أقُولُ وإنْ أُنْكِرَ عَلى أرْبابِ الفُضُولِ: إنَّ المُعَلِّلَ بِسُوءِ الِاسْتِعْدادِ هو السّالِكُ مَسْلَكَ السَّدّادِ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ حَقَّقَ كَثِيرٌ مِنَ الرّاسِخِينَ وأهْلِ الكَشْفِ الكامِلِينَ أنَّ ماهِيّاتِ المُمَكِناتِ المَعْلُومَةِ لِلَّهِ تَعالى أزَلًا مَعْدُوَماتٌ مُتَمَيِّزَةٌ في نَفْسِها تَمْيِيزًا ذاتِيًّا غَيْرَ مَجْعُولٍ لِما حُقِّقَ مِن تَوَقُّفِ العِلْمِ بِها عَلى ذَلِكَ التَّمَيُّزِ وإنَّما المَجْعُولُ صُوَرُها الوُجُودِيَّةُ الحادِثَةُ وأنَّ لَها اسْتِعْداداتٍ ذاتِيَّةً غَيْرَ مَجْعُولَةٍ تَخْتَلِفُ اقْتِضاءاتُها فَمِنها ما يَقْتَضِي اخْتِيارَ الإيمانِ والطّاعَةِ ومِنها ما يَقْتَضِي اخْتِيارَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ والعِلْمُ الإلَهِيُّ مُتَعَلِّقٌ بِها كاشِفٌ لَها عَلى ما هي عَلَيْهِ في أنْفُسِها مِنَ اخْتِلافِ اسْتِعْداداتِها الَّتِي هي مِن مَفاتِحِ الغَيْبِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا هو واخْتِلافُ مُقْتَضَياتِ تِلْكَ الِاسْتِعْداداتِ فَإذا تَعَلَّقَ العِلْمُ الإلَهِيُّ بِها عَلى ما هي عَلَيْهِ مِمّا يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُها مِنَ اخْتِيارِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ المُمْكِنَيْنِ أعْنِي الإيمانَ والطّاعَةَ أوِ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ تَعَلَّقَتِ الإرادَةُ الإلَهِيَّةُ بِهَذا الَّذِي اخْتارَهُ العَبْدُ حالَ عَدَمِهِ بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِ تَفَضُّلًا ورَحْمَةً لا وُجُوبًا لِغِناهُ الذّاتِيِّ عَنِ العالَمِينَ المُصَحِّحِ لِصَرْفِ اخْتِيارِ العَبْدِ إلى الطَّرْفِ الآخَرِ المُمْكِنِ بِالذّاتِ إنْ شاءَ فَيَصِيرُ مُرادُ العِبادِ بَعْدَ تَعَلُّقِ الإرادَةِ الإلَهِيَّةِ مُرادَ اللَّهِ تَعالى ومِن هَذا ظَهَرَ أنَّ اخْتِيارَهُمُ الأزَلِيَّ بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِمْ مَتْبُوعٌ لِلْعِلْمِ المَتْبُوعِ لِلْإرادَةِ مُراعاةً لِلْحِكْمَةِ تَفَضُّلًا وأنَّ اخْتِيارَهم فِيما لا يَزالُ تابِعٌ لِلْإرادَةِ الأزَلِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِاخْتِيارِهِمْ لِما اخْتارُوهُ فَهم مَجْبُورُونَ فِيما لا يَزالُ في عَيْنِ اخْتِيارِهِمْ أيْ مُساقُونَ إلى أنْ يَفْعَلُوا ما يَصْدُرُ عَنْهم بِاخْتِيارِهِمْ لا بِالإكْراهِ والجَبْرِ ومِنهُ يَتَّضِحُ مَعْنى قَوْلِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُعْصَ مَغْلُوبًا ولَمْ يُطَعْ مُكْرَهًا ولَمْ يُمَلِّكْ تَفْوِيضًا ولَمْ يَكُونُوا مَجْبُورِينَ في اخْتِيارِهِمُ الأزَلِيِّ لِأنَّهُ سابِقُ الرُّتْبَةِ عَلى العِلْمِ السّابِقِ عَلى تَعَلُّقِ الإرادَةِ والجَبْرِ تابِعٌ لِلْإرادَةِ التّابِعِ لِلْعِلْمِ التّابِعِ لِلْمَعْلُومِ الَّذِي هو هُنا اخْتِيارُهُمُ الأزَلِيُّ فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ تابِعًا لِما هو مُتَأخِّرٌ عَنْهُ بِمَراتِبَ فَمَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ تَعالى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَفَضِّلٌ بِإيجادِ ما اخْتارُوهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ مُراعاةُ الحِكْمَةِ ومَن وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ لِأنَّ إرادَتَهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِما صَدَرَ مِنهم مِنَ الأفْعالِ إلّا لِكَوْنِهِمُ اخْتارُوها أزَلًا بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِمْ فاخْتارَ تَعالى مُراعاةً لِلْحِكْمَةِ تَفَضُّلًا والعِبادُ كاسِبُونَ بِاللَّهِ تَعالى إذْ لا كَسْبَ إلّا بِقُوَّةٍ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ واللَّهُ تَعالى خالِقٌ أعْمالَهم بِهِمْ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أخْبَرَ بِأنَّهُ خالِقٌ أعْمالَهم مَعَ نِسْبَةِ العَمَلِ إلَيْهِمُ المُتَبادَرِ مِنها صُدُورُها مِنهم بِاخْتِيارِهِمْ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ المَخْلُوقَ لِلَّهِ تَعالى بِالعَبْدِ عَيْنُ مَكْسُوبِ العَبْدِ بِاللَّهِ تَعالى ولا مُنافاةَ بَيْنَ كَوْنِ الأعْمالِ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعالى وبَيْنَ كَوْنِها مَكْسُوبَةً لَهم بِقَدْرِهِمْ واخْتِيارِهِمْ وما شاعَ عَنِ الأشْعَرِيِّ مِن أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِقُدْرَةِ العَبْدِ أصْلًا وإنَّما هي مُقارَنَةٌ لِلْفِعْلِ وهو بِمَحْضِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَمِمّا لا يَكادُ يُقْبَلُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ المُحِقِّينَ وقُدْرَةُ العَبْدِ عِنْدَهم مُؤَثِّرَةٌ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لا اسْتِقْلالًا كَما يَزْعُمُهُ المُعْتَزِلَةُ ولا غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ كَما نُسِبَ إلى الأشْعَرِيِّ ولا هي مَنفِيَّةٌ بِالكُلِّيَّةِ كَما يَقُولُهُ الجَبْرِيَّةُ وهَذا بَحْثٌ مَفْرُوغٌ مِنهُ وقَدْ أشَرْنا إلَيْهِ في أوائِلِ التَّفْسِيرِ ولَيْسَ

صفحة 4

غَرَضُنا هُنا سِوى تَحْقِيقِ أنَّ عَدَمَ إيمانِ الكُفّارِ إنَّما هو لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ الأزَلِيِّ الغَيْرِ المَجْعُولِ المَتْبُوعِ لِلْعِلْمِ المَتْبُوعِ لِلْإرادَةِ لِيُعْلَمَ مِنهُ ما في كَلامِ الشِّهابِ وغَيْرِهِ وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ تَعالى عِنْدَ مَن تَأمَّلَ وأنْصَفَ.

﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ فَإنْ لُوحِظَ أنَّ جَمِيعَ أحْوالِهِمْ شامِلَةٌ لِحالِ تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ بِهِمْ فَهو مُتَّصِلٌ وإنْ لَمْ يُلاحَظْ لِأنَّ حالَ المَشِيئَةِ لَيْسَ مِن أحْوالِهِمْ كانَ مُنْقَطِعًا أيْ لَكِنْ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى آمَنُوا واسْتَبْعَدَهُ أبُو حَيّانَ وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأزْمانِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ أيْ ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بَعْدَ اجْتِماعِ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ مَشِيئَتِهِ تَعالى إيمانَهم والمُرادُ بَيانُ اسْتِحالَةِ وُقُوعِ إيمانِهِمْ بِناءً عَلى اسْتِحالَةِ وُقُوعِ المَشِيئَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّباقُ واللِّحاقُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ (111) اسْتِثْناءٌ مِن مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ بَعْدَ وُرُودِ الِاسْتِثْناءِ وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْمُسْلِمِينَ أوْ لِلْمُقْسِمِينَ والمَعْنى أنَّ حالَهم كَما شُرِحَ ولَكِنَّ أكْثَرَ المُسْلِمِينَ يَجْهَلُونَ عَدَمَ إيمانِهِمْ عِنْدَ مَجِيءِ الآياتِ لِجَهْلِهِمْ عَدَمَ مَشِيئَتِهِ تَعالى إيمانَهم حِينَئِذٍ فَيُقْسِمُونَ بِاللَّهِ تَعالى جَهْدَ أيْمانِهِمْ عَلى ما يَكادُ يُوجَدُ أصْلًا فالجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ .. إلَخْ. عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ وعَلى الثّانِي بَيانٌ لِمَنشَأِ خَطَأِ المُقْسِمِينَ ومَناطِ إقْسامِهِمْ عَلى تِلْكَ القِراءَةِ أيْضًا وتَقْرِيرٌ لَهُ عَلى قِراءَةِ ( لا تُؤْمِنُونَ ) بِالفَوْقانِيَّةِ وكَذا عَلى قِراءَةِ ( وما يُشْعِرُهُمُ أنَّها إذا جاءَتْ لا يُومَنُونَ ) واسْتَدَلَّ أهْلُ السُّنَّةِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَشاءُ مِنَ الكافِرِ كُفْرَهُ وقَرَّرَ ذَلِكَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى إيمانَهم دَلَّ عَلى أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ ما شاءَ إيمانَهم بَلْ كُفْرَهم.

وأجابَ عَنْهُ المُعْتَزِلَةُ بِأنَّ المُرادَ إلّا أنْ يَشاءَ مَشِيئَةَ قَسْرٍ وإكْراهٍ وعَدَمُ إيمانِهِمْ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ المَشِيئَةِ القَسْرِيَّةِ وهي لا تَسْتَلْزِمُ عَدَمَ المَشِيئَةِ مُطْلَقًا واسْتَدَلَّ بِها الجُبّائِيُّ عَلى حُدُوثِ مَشِيئَتِهِ تَعالى وإلّا يَلْزَمُ قِدَمُ ما دَلَّ الحِسُّ عَلى حُدُوثِهِ وأهْلُ السُّنَّةِ تَفَصَّوْا عَنْ ذَلِكَ بِدَعْوى أنَّ تَعَلُّقَها بِإحْداثِ ذَلِكَ المُحْدَثِ في الحالِ إضافَةٌ حادِثَةٌ فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ:

6:112Page 142

وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١١٢

And thus We have made for every prophet an enemy - devils from mankind and jinn, inspiring to one another decorative speech in delusion. But if your Lord had willed, they would not have done it, so leave them and that which they invent.

﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا يُشاهِدُهُ مِن عَداوَةِ قُرَيْشٍ وما بَنَوْا عَلَيْها مِنَ الأقاوِيلِ والأفاعِيلِ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِمّا تَقَدَّمَ والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ لِما بَعْدَهُ والتَّقْدِيمُ لِلْقَصْرِ المُفِيدِ لِلْمُبالَغَةِ و﴿عَدُوًّا﴾ بِمَعْنى أعْداءٍ كَما في قَوْلِهِ:

إذا أنا لَمْ أنْفَعْ صَدِيقِي بِوِدِّهِ فَإنَّ عَدُوِّي لَمْ يَضُرَّهم بُغْضِي

أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَعْلِ في حَقِّكَ حَيْثُ جَعَلْنا لَكَ أعْداءً أيْضًا دُونَكَ ولا يُؤْمِنُونَ ويَبْغُونَكَ الغَوائِلَ ويَجْهَدُونَ في إبْطالِ أمْرِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ تَقَدَّمَكَ فَعَلُوا مَعَهم نَحْوَ ما فَعَلَ مَعَكَ أعْداؤُكَ لا جَعْلًا أنْقَصَ مِنهُ.

وجَعَلَهُ الإمامُ عَلِيٌّ عَلى هَذا الوَجْهِ عَطْفًا عَلى مَعْنى ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ ولَعَلَّهُ لَيْسَ المُرادَ مِنهُ العَطْفُ الِاصْطِلاحِيُّ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مُرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ أيْ كَما فَعَلْنا ذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا وفِيهِ بُعْدٌ.

وأيًّا ما كانَ فالآيَةُ ظاهِرَةٌ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ مِن أنَّهُ تَعالى خالِقُ الشَّرِّ كَما أنَّهُ خالِقُ الخَيْرِ وحَمْلُها عَلى أنَّ المُرادَ بِها وكَما خَلَّيْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ أعْدائِكَ كَذَلِكَ فَعَلْنا بِمَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأعْدائِهِمْ

صفحة 5

لَمْ نَمْنَعْهم مِنَ العَداوَةِ لِما فِيهِ مِنَ الِامْتِحانِ الَّذِي هو سَبَبُ ظُهُورِ الثَّباتِ والصَّبْرِ وكَثْرَةِ الثَّوابِ والأجْرِ خِلافَ الظّاهِرِ ومِثْلُهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الأصَمِّ أنَّ هَذا الجَعْلَ بِطَرِيقِ التَّسَبُّبِ حَيْثُ أرْسَلَ سُبْحانَهُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وخَصَّهم بِالمُعْجِزاتِ فَحَسَدَهم مَن حَسَدَهم وصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْعَداوَةِ القَوِيَّةِ ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ المُتَنَبِّي:

فَأنْتَ الَّذِي صَيَّرْتَهم حَسَدا

. وقِيلَ: المُرادُ كَما أمَرْناكَ بِعَداوَةِ قَوْمِكَ مِنَ المُشْرِكِينَ كَذَلِكَ أمَرْنا مَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ بِمُعاداةِ نَحْوِ أُولَئِكَ أوْ كَما أخْبَرْناكَ بِعَداوَةِ المُشْرِكِينَ وحَكَمْنا بِذَلِكَ أخْبَرْنا الأنْبِياءَ بِعَداوَةِ أعْدائِهِمْ وحَكَمْنا بِذَلِكَ والكُلُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ وهَكَذا غالِبُ تَأْوِيلاتِ المُعْتَزِلَةِ.

﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ أيْ مَرَدَةُ النَّوْعَيْنِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ عَلى أنَّ الإضافَةَ بِمَعْنى مِنِ البَيانِيَّةِ وقِيلَ: هي إضافَةُ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ والأصْلُ الإنْسُ والجِنُّ الشَّياطِينُ وقِيلَ: هي بِمَعْنى اللّامِ أيِ الشَّياطِينُ لِلْإنْسِ والجِنِّ وفي تَفْسِيرِ الكَلْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يُؤَيِّدُهُ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ جَعَلَ جُنْدَهُ فَرِيقَيْنِ فَبَعَثَ فَرِيقًا مِنهم إلى الإنْسِ وفَرِيقًا آخَرَ إلى الجِنِّ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّ الجِنَّ هُمُ الجانُّ ولَيْسُوا بِشَياطِينِ الشَّياطِينِ وُلِدَ إبِلِيسُ وهم لا يَمُوتُونَ إلّا مَعَهُ والجِنُّ يَمُوتُونَ ومِنهُمُ المُؤْمِنُ والكافِرُ وهو نُصِبَ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ﴿عَدُوًّا﴾ والجَعْلُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ أوْ إلى اثْنَيْنِ وهو أوَّلُ مَفْعُولَيْهِ قُدِّمَ عَلَيْهِ الثّانِي مُسارَعَةً إلى بَيانِ العَداوَةِ واللّامُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالجَعْلِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ﴿عَدُوًّا﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِنَكارَتِهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ وأنْ يَكُونَ نُصِبَ ﴿شَياطِينَ﴾ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أحْكامِ عَداوَتِهِمْ أوْ حالٌ مِن شَياطِينَ أوْ صِفَةٌ لِعَدُوٍّ وجُمِعَ الضَّمِيرُ بِاعْتِبارِ المَعْنى كَما في البَيْتِ السّابِقِ وأصْلُ الوَحْيِ كَما قالَ الرّاغِبُ الإشارَةُ السَّرِيعَةُ ولِتَضَمُّنِ السُّرْعَةِ قِيلَ أمْرُ وحْيٍ وذَلِكَ يَكُونُ بِالكَلامِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ وقَدْ يَكُونُ بِصَوْتٍ مُجَرَّدٍ عَنِ التَّرْكِيبِ وبِإشارَةِ بَعْضِ الجَوارِحِ وبِالكِتابَةِ أيْضًا والمَعْنى هُنا يُلْقِي ويُوَسْوِسُ شَياطِينُ الجِنِّ إلى شَياطِينِ الإنْسِ أوْ بَعْضُ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ إلى الآخَرِ ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ﴾ أيِ المُزَوَّقُ مِنَ الكَلامِ الباطِلِ مِنهُ وأصْلُ الزُّخْرُفِ الزِّينَةُ المُزَوَّقَةُ ومِنهُ قِيلَ لِلذَّهَبِ زُخْرُفٌ وقالَ بَعْضُهم: أصْلُ مَعْنى الزُّخْرُفِ الذَّهَبُ ولَمّا كانَ حَسَنًا في الأعْيُنِ قِيلَ لِكُلِّ زِينَةٍ زَخْرَفَةٌ وقَدْ يُخَصُّ بِالباطِلِ ﴿غُرُورًا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ لِيُغْرُوهم أوْ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ أيْ غارِّينَ أوْ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ هو حالٌ مِن فاعِلِ ﴿يُوحِي﴾ أيْ يَغُرُّونَ غُرُورًا وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الغُرُورَ بِالخِداعِ والأخْذِ عَلى غِرَّةٍ ونَسَبَ الرّاغِبُ أنَّهُ قالَ: يُقالُ غَرَّهُ غُرُورًا كَأنَّما طَواهُ عَلى غِرَّةٍ بِكَسْرِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ وهو طَيُّهُ الأوَّلُ.

﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ رُجُوعٌ كَما قِيلَ إلى بَيانِ الشُّؤُونِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَ قَوْمِهِ المَفْهُومَةِ مِن حِكايَةِ ما جَرى بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبَيْنَ أُمَمِهِمْ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الِالتِفاتُ والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُعْرِبَةُ عَنْ كَمالِ اللُّطْفِ في التَّسْلِيَةِ والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ﴿فَعَلُوهُ﴾ عائِدٌ إلى عَداوَتِهِمْ لَهُ ﷺ وإيحاءُ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ مُزْخَرَفاتِ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِأمْرِهِ عَلَيْهِ

صفحة 6

الصَّلاةُ والسَّلامُ بِاعْتِبارِ انْفِهامِ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ وأمْرُ الأفْرادِ سَهْلٌ وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ إلى ما ذُكِرَ مِن مُعاداةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإيحاءُ الزَّخارِفِ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ في أمْرِهِ ﷺ وأُمُورِ إخْوانِهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفِيهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ (112) كالصَّرِيحِ في أنَّ المُرادَ بِهِمُ الكَفَرَةُ المُعاصِرُونَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الإيحاءِ أوِ الزُّخْرُفِ أوِ الغُرُورِ وفي أخْذِ ذَلِكَ عامًّا أوْ خاصًّا احْتِمالانِ لا يَخْفى الأوْلى مِنهُما ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ أيْ عَدَمُ ما ذُكِرَ ولا إشْكالَ في جَعْلِ العَدَمِ الخاصِّ مُتَعَلِّقَ المَشِيئَةِ وقَدَّرَهُ بَعْضُهم إيمانَهم.

واعْتُرِضَ بِأنَّ القاعِدَةَ المُسْتَمِرَّةَ أنَّ مَفْعُولَ المَشِيئَةِ عِنْدَ وُقُوعِها شَرْطًا يَكُونُ مَضْمُونَ الجَزاءِ كَما في عِلْمِ المَعانِي وهو هُنا ﴿ما فَعَلُوهُ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ ها هُنا ذَكَرَ المَشِيئَةَ فِيما تَقَدَّمَ مُتَعَلِّقًا بِشَيْءٍ وهو الإيمانُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ ثُمَّ ذُكِرَ في حَيِّزِ الشَّرْطِ بِدُونِ مُتَعَلِّقٍ فالظّاهِرُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ مُتَعَلِّقُ مَضْمُونِ الجَزاءِ وأنْ يُقَدَّرُ ما عُلِّقَ بِهِ فِعْلُ المَشِيئَةِ سابِقًا ولا بَأْسَ بِمُراعاةِ كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ الحالُ والمَذْكُورُ في المَعانِي إنَّما هو فِيما لَمْ يَتَكَرَّرْ فِيهِ فِعْلُ المَشِيئَةِ ولَمْ يَكُنْ قَرِينَةٌ غَيْرَ الجَزاءِ فَلْيُعْرَفْ ذَلِكَ فَإنَّهُ بَدِيعٌ والأوْلى عِنْدِي اعْتِبارُ مَضْمُونِ الجَزاءِ مُطْلَقًا وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ هُنا ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ وفِيما يَأْتِي ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ﴾ فَغايَرَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ في المَحَلَّيْنِ لِما ذَكَرَ بَعْضُهم وهو أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مِن عَداوَتِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّتِي لَوْ شاءَ مَنعَهم عَنْها فَلا يَصِلُونَ إلى المَضَرَّةِ أصْلًا يَقْتَضِي ذِكْرُهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِهَذا العُنْوانِ إشارَةً إلى أنَّهُ مُرَبِّيهِ ﷺ في كَنَفِ حِمايَتِهِ وإنَّما لَمْ يَفْعَلْ سُبْحانَهُ ذَلِكَ لِأمْرٍ اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وأمّا الآيَةُ الأُخْرى فَذَكَرَ قَبْلَها إشْراكَهم فَناسَبَ ذِكْرُهُ عَزَّ اسْمُهُ بِعُنْوانِ الأُلُوهِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي عَدَمَ الِاشْتِراكِ فَكَأنَّهُ قِيلَ ها هُنا: إذا كانَ ما فَعَلُوهُ مِن أحْكامِ عَداوَتِكَ مِن فُنُونِ المَفاسِدِ بِمَشِيئَةِ رَبِّكَ جَلَّ شَأْنُهُ الَّذِي لَمْ تَزَلْ في كَنَفِ حِمايَتِهِ وظِلِّ تَرْبِيَتِهِ فاتْرُكْهم وافْتِراءَهم أوْ وما يَفْتَرُونَهُ مِن أنْواعِ المَكايِدِ ولا تُبالِ بِهِ فَإنَّ لَهم في ذَلِكَ عُقُوباتٍ شَدِيدَةً ولَكَ عَواقِبُ حَمِيدَةٌ لِابْتِناءِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ البَتَّةَ.

6:113Page 142

وَلِتَصۡغَىٰٓ إِلَيۡهِ أَفۡـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَلِيَرۡضَوۡهُ وَلِيَقۡتَرِفُواْ مَا هُم مُّقۡتَرِفُونَ ١١٣

And [it is] so the hearts of those who disbelieve in the Hereafter will incline toward it [i.e., deceptive speech] and that they will be satisfied with it and that they will commit that which they are committing.

﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ﴾ أيْ إلى زُخْرُفِ القَوْلِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْوَحْيِ أوْ لِلْغُرُورِ أوْ لِلْعَداوَةِ لِأنَّها بِمَعْنى العادِي والواوُ لِلْعَطْفِ وما بَعْدَها عَطْفٌ عَلى ﴿غُرُورًا﴾ بِناءً عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ فَيَكُونُ عِلَّةً أُخْرى لِلْإيحاءِ وما في البَيْنِ اعْتِراضٌ وإنَّما لَمْ يُنْصَبْ لِفَقْدِ شَرْطِ النَّصْبِ إذِ الغُرُورُ فِعْلُ المُوحِي وصَغْوُ الأفْئِدَةِ فِعْلُ المُوحى إلَيْهِ وهو عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُورُ عَلَيْهِ المَقامُ أيْ ولِيَكُونَ ذَلِكَ جَعَلْنا ما جَعَلْنا وأصْلُ الصَّغْوِ كَما قالَ الرّاغِبُ المَيْلُ يُقالُ: صَغَتِ الشَّمْسُ والنُّجُومُ صَغْوًا مالَتْ لِلْغُرُوبِ وصُغْتُ الإناءَ وأصْغَيْتُهُ وأصْغَيْتُ إلى فُلانٍ مِلْتُ بِسَمْعِي نَحْوَهُ وحَكى صَغَوْتُ إلَيْهِ أصْغُو وأُصْغِي صَغْوًا وصَغْيًا وقِيلَ: صَغَيْتُ أُصْغِي وأصْغَيْتُ أُصْغِي وفي القامُوسِ صَغا يَصْغُو ويُصْغِي صَغْوًا وصَغًى يُصْغِي صَغًا وصَغْيًا مالَ وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّ هَذا الفِعْلَ مِمّا جاءَ واوِيًّا ويائِيًّا فَقِيلَ: يَصْغُو ويُصْغِي ويُقالُ: في مَصْدَرِهِ صَغْيًا بِالفَتْحِ والكَسْرِ وزادَ الفَرّاءُ صَغِيًّا وصَغُوًّا بِالياءِ والواوِ مُشَدَّدَتَيْنِ ويُقالُ: أنْ أُصْغِيَ مِثْلُهُ.

والمُرادُ هُنا ولِتَمِيلَ إلَيْهِ ﴿أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أيْ عَلى الوَجْهِ الواجِبِ وخَصَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ بِها دُونَ ما عَداها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ الإيمانُ بِها وهم بِها كافِرُونَ قالَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ إشْعارًا

صفحة 7

بِما هو المُدارُ في صَغْوِ أفْئِدَتِهِمْ إلى ما يُلْقى إلَيْهِمْ فَإنَّ لَذّاتِ الآخِرَةِ مَحْفُوفَةٌ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِالمَكارِهِ وآلامِها مُزَيَّنَةٌ بِالشَّهَواتِ فالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِها وبِأحْوالِ ما فِيها لا يَدْرُونَ أنَّ وراءَ تِلْكَ المَكارِهِ لَذّاتٍ ودُونَ هَذِهِ الشَّهَواتِ آلامًا وإنَّما يَنْظُرُونَ ما بَدا لَهم في الدُّنْيا بادِيَ الرَّأْيِ فَهم مُضْطَرُّونَ إلى حُبِّ الشَّهَواتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُزْخَرَفاتُ الأقاوِيلِ ومُمَوَّهاتُ الأباطِيلِ وأمّا المُؤْمِنُونَ بِها فَحَيْثُ كانُوا واقِفِينَ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ ناظِرِينَ إلى عَواقِبِ الأُمُورِ لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنهُمُ المَيْلُ إلى تِلْكَ المُزَخْرَفاتِ لِعِلْمِهِمْ بِبُطْلانِها ووَخامَةِ عاقِبَتِها والآيَةُ حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في وجْهٍ وأجابَ الكَعْبِيُّ بِأنَّ اللّامَ لِلْعاقِبَةِ ولَيْسَتْ لِلتَّعْلِيلِ بِوَجْهٍ وهو خِلافُ الظّاهِرِ.

وقالَ غَيْرُهُ: إنَّها لامُ القَسَمِ كُسِرَتْ لَمّا لَمْ يُؤَكَّدِ الفِعْلُ بِالنُّونِ واعْتُرِضَ بِأنَّ النُّونَ ولامَ القَسَمِ باقِيَةٌ عَلى فَتْحَتِها كَقَوْلِهِ.

لَئِنْ تَكُ قَدْ ضاقَتْ عَلَيَّ بُيُوتُكم لَيَعْلَمُ رَبِّي أنَّ بَيْتِي واسِعُ

بِفَتْحِ لامِ لَيَعْلَمُ نَعَمْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ كَسْرُ لامِ جَوابِ القَسَمِ الدّاخِلَةِ عَلى المُضارِعِ كَقَوْلِهِ:

لِتُغْنِي عَنِّي ذا إنائِكَ أجْمَعا

وهُوَ غَيْرُ مُجَمَعٍ عَلَيْهِ أيْضًا فَإنَّ أُناسًا أنْكَرُوا ذَلِكَ وجَعَلُوا اللّامَ في البَيْتِ لِلتَّعْلِيلِ والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ لَتَشْرَبَنَّ لِتُغْنِيَ عَنِّي واسْتَشْهَدَ الأخْفَشُ بِالبَيْتِ عَلى إجابَةِ القَسَمِ بِلامِ كَيْ.

وقالَ الرَّضِيُّ: لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ في جَوابِ القَسَمِ الِاكْتِفاءُ بِلامِ الجَوابِ عَنْ نُونِ التَّوْكِيدِ إلّا في الضَّرُورَةِ وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ اللّامَ هُنا لامُ الأمْرِ والمُرادُ مِنهُ التَّهْدِيدُ أوِ التَّخْلِيَةُ واسْتِعْمالُ الأمْرِ في ذَلِكَ كَثِيرٌ.

واعْتُرِضَ بِأنَّها لَوْ كانَتْ لامَ الأمْرِ لَحُذِفَ حَرْفُ العِلَّةِ وأُجِيبَ بِأنَّ حَرْفَ العِلَّةِ قَدْ يَثْبُتُ في مِثْلِهِ كَما خُرِّجَ عَلَيْهِ قِراءَةُ ( أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا نَرْتَعِي ونَلْعَبُ ) ( وأنَّهُ مَن يَتَّقِي ويَصْبِرُ ) فَلْيَكُنْ هَذا كَذَلِكَ ويُؤَيِّدُ أنَّها لامُ الأمْرِ أنَّهُ قُرِئَ بِحَذْفِ حَرْفِ العِلَّةِ.

وقَرَأ الحَسَنُ بِتَسْكِينِ اللّامِ في هَذا وفي الفِعْلَيْنِ بَعْدَهُ فَدَعْوى أنَّ ضَعْفَ كَوْنِها لِلْأمْرِ أظْهَرَ مِن ضَعْفِ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ غَيْرُ ظاهِرَةٍ واسْتَدَلَّ أصْحابُنا بِإسْنادِ الصَّغْوِ إلى الأفْئِدَةِ عَلى أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ فالحَيُّ عِنْدَهم هو الجُزْءُ الَّذِي قامَتْ بِهِ الحَياةُ والعالَمُ هو الجُزْءُ الَّذِي قامَ بِهِ العِلْمُ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الحَيُّ والعالَمُ هو الجُمْلَةُ لا ذَلِكَ الجُزْءُ والإسْنادُ مَجازِيٌّ ﴿ولِيَرْضَوْهُ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بَعْدَما مالَتْ إلَيْهِ أفْئِدَتُهم ﴿ولِيَقْتَرِفُوا﴾ أيْ لِيَكْتَسِبُوا قالَ الرّاغِبُ: أصْلُ القَرْفِ والِاقْتِرافِ قَشْرُ اللِّحاءِ عَنِ الشَّجَرَةِ والجُلَيْدَةُ عَنِ الجُرْحِ وما يُؤْخَذُ مِنهُ قَرْفٌ واسْتُعِيرَ الِاقْتِرافُ لِلِاكْتِسابِ حُسْنى أوْ سُوآى وفي الإساءَةِ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا ولِهَذا يُقالُ الِاعْتِرافُ يُزِيلُ الِاقْتِرافَ ويُقالُ: قَرَفْتُ فُلانًا بِكَذا إذا عِبْتُهُ بِهِ واتَّهَمْتُهُ وقَدْ حُمِلَ عَلى ذَلِكَ ما هُنا وفِيهِ بُعْدٌ ومِثْلُهُ ما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ المَعْنى فِيهِ ولْيَخْتَلِقُوا ولْيَكْذِبُوا ﴿ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ (113) أيِ الَّذِي هم مُقْتَرِفُوهُ مِنَ القَبائِحِ الَّتِي لا يَلِيقُ ذِكْرُها وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَوْصُوفَةً والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْضًا وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ عائِدٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском