Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:119–122
6:119Page 143
وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تَأۡكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَيۡهِۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا لَّيُضِلُّونَ بِأَهۡوَآئِهِم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُعۡتَدِينَ ١١٩
And why should you not eat of that upon which the name of Allāh has been mentioned while He has explained in detail to you what He has forbidden you, excepting that to which you are compelled.1 And indeed do many lead [others] astray through their [own] inclinations without knowledge. Indeed, your Lord - He is most knowing of the transgressors.
﴿وما لَكم ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ لَهم شَيْءٌ يَدْعُوهم إلى الِاجْتِنابِ عَنْ أكْلِ ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ فَما لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ ولَيْسَتْ نافِيَةً كَما قِيلَ وهي مُبْتَدَأٌ ( ولَكُمُ ) الخَبَرُ وأنْ تَأْكُلُوا بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ أنْ تَأْكُلُوا والخِلافُ في مَحَلِّ المُنْسَبِكِ بَعْدَ الحَذْفِ مَشْهُورٌ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حالًا ورُدَّ بِأنَّ المَصْدَرَ المُؤَوَّلَ مِن أنْ والفِعْلِ لا يَقَعُ حالًا كَما صَرَّحَ بِهِ سِيبَوَيْهِ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ ولِأنَّهُ مُصَدَّرٌ بِعَلامَةِ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ المُنافِيَةِ لِلْحالِيَّةِ إلّا أنْ يُؤَوَّلَ بِنَكِرَةٍ أوْ يُقَدَّرَ مُضافٌ أيْ
صفحة 14
ذَوى أنْ لا تَأْكُلُوا ومَفْعُولُ تَأْكُلُوا كَما قالَ أبُو البَقاءِ: مَحْذُوفٌ أيْ شَيْئًا مِمّا .. إلَخْ. قِيلَ: وظاهِرُ الآيَةِ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ يَجُوزُ الأكْلُ مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وغَيْرُهُ مَعًا ولَيْسَتْ مِنِ التَّبْعِيضِيَّةَ لِإخْراجِهِ بَلْ لِإخْراجِ ما لَمْ يُؤْكَلْ كالرَّوْثِ والدَّمِ وهو خارِجٌ بِالحَصْرِ السّابِقِ فَلا تَغْفُلْ وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عَلى ما قالَهُ الإمامُ أبُو مَنصُورٍ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن أكْلِ الطَّيِّباتِ تَقَشُّفًا وتَزَهُّدًا فَنَزَلَتْ ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيَةَ فَبَقِيَ ما عَدا ذَلِكَ عَلى الحِلِّ وقِيلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ واعْتَرَضَهُ الإمامُ بِأنَّ سُورَةَ المائِدَةِ مِن أواخِرِ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ وهَذِهِ مَكِّيَّةٌ كَما عَلِمْتَ فَلا يَتَأتّى ذَلِكَ وأمّا التَّأخُّرُ في التِّلاوَةِ فَلا يُوجِبُ التَّأخُّرَ في النُّزُولِ فَلا يَضُرُّ تَأخُّرُ ﴿قُلْ لا أجِدُ﴾ .. إلَخْ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وقِيلَ: التَّفْصِيلُ بِوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ السّابِقِ.
وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ غَيْرَ حَفْصٍ ( فَصَّلَ ما حُرِّمَ ) بِبِناءِ الأوَّلِ لِلْفاعِلِ والثّانِي لِلْمَفْعُولِ وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ وسَهْلٌ ( فَصَّلَ وحَرَّمَ ) كِلَيْهِما بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وقَرَأهُما الباقُونَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ أيْ دَعَتْكُمُ الضَّرُورَةُ إلى أكْلِهِ بِسَبَبِ شِدَّةِ المَجاعَةِ وظاهِرُ تَقْرِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ كَما قالَ العَلّامَةُ الثّانِي يَقْتَضِي أنَّ ما مَوْصُولَةٌ فَلا يَسْتَقِيمُ غَيْرُ جَعْلِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا أيْ لَكِنَّ الَّذِي اضْطُرِرْتُمْ إلى أكْلِهِ مِمّا هو حَرامٌ عَلَيْكم حَلالٌ لَكم حالَ الضَّرُورَةِ وجُوِّزَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ جَعْلُهُ اسْتِثْناءً مِن ضَمِيرِ ( حَرَّمَ ) وما مَصْدَرِيَّةٌ في مَعْنى المُدَّةِ أيْ فَصَّلَ لَكُمُ الأشْياءَ الَّتِي حُرِّمَتْ عَلَيْكم إلّا وقْتَ الِاضْطِرارِ إلَيْها واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ حِينَئِذٍ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ بَلْ هو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ الظَّرْفِ العامِّ المُقَدَّرِ كَأنَّهُ قِيلَ: حُرِّمَتْ عَلَيْكم كُلَّ وقْتٍ إلّا وقْتَ .. إلَخْ. ومِنَ النّاسِ مَن أوْرَدَ هُنا شَيْئًا لا أظُنُّهُ مِمّا يُضْطَرُّ إلَيْهِ حَيْثُ قالَ بَعْدَ كَلامٍ: والمُهِمُّ في هَذا المَقامِ بَيانُ فائِدَةِ ﴿إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ وكَأنَّ الفائِدَةَ فِيهِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنِ الِامْتِناعِ عَنِ الأكْلِ بِأنَّ ما حَرُمَ يَصِيرُ مِمّا لا يُؤْكَلُ بِخِلافِ ما حَلَّ فَإنَّهُ لا يَصِيرُ مِمّا لا يُؤْكَلُ فَكَيْفَ يُجْتَنَبُ عَمّا يُؤْكَلُ فَتَأمَّلَ ﴿وإنَّ كَثِيرًا﴾ مِنَ الكُفّارِ ﴿لَيُضِلُّونَ﴾ النّاسَ بِتَحْرِيمِ الحَلالِ وتَحْلِيلِ الحَرامِ كَعَمْرِو بْنِ لِحَيٍّ وأضْرابِهِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا البَحائِرَ والسَّوائِبَ وأحَلُّوا أكْلَ المَيْتَةِ وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ المُرادَ بِهَذا الكَثِيرِ الَّذِينَ ناظَرُوا في المَيْتَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ﴿لَيُضِلُّونَ﴾ بِفَتْحِ الياءِ ﴿بِأهْوائِهِمْ﴾ الزّائِغَةِ وشَهَواتِهِمُ الباطِلَةِ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مُقْتَبَسٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ مُسْتَنِدٍ إلى الوَحْيِ أوْ بِغَيْرِ عَلَمٍ أصْلًا كَما قِيلَ وذُكِرَ ذَلِكَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ مَحْضُ هَوًى وشَهْوَةٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ .
﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ﴾ (119) المُتَجاوِزِينَ الحَقَّ إلى الباطِلِ والحَلالَ إلى الحَرامِ فَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ ولَعَلَّ المُرادَ بِهِمْ هَذا الكَثِيرُ ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِوَسْمِهِمْ بِصِفَةِ الِاعْتِداءِ.
6:120Page 143
وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَبَاطِنَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡسِبُونَ ٱلۡإِثۡمَ سَيُجۡزَوۡنَ بِمَا كَانُواْ يَقۡتَرِفُونَ ١٢٠
And leave [i.e., desist from] what is apparent of sin and what is concealed thereof. Indeed, those who earn [blame for] sin will be recompensed for that which they used to commit.
﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ أيْ ما يُعْلَنُ وما يُسَرُّ كَما قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ أوْ ما بِالجَوارِحِ وما بِالقَلْبِ كَما قالَ الجُبّائِيُّ أوْ نِكاحَ ما نَكَحَ الآباءُ ونَحْوَهُ والزِّنا بِالأجْنَبِيّاتِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أوِ الزِّنا في الحَوانِيتِ واتِّخاذِ الأخْدانِ كَما
صفحة 15
رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ وقَدْ رُوِيَ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَرَوْنَ أنَّ الزِّنا إذا ظَهَرَ كانَ إثْمًا وإذا اسْتَسَرَّ بِهِ صاحِبُهُ فَلا إثْمَ فِيهِ.
قالَ الطَّيِّبِيُّ وهو عَلى هَذا الوَجْهِ مَقْصُودٌ بِالعَطْفِ مُسَبَّبٌ عَنْ عَدَمِ الِاتِّباعِ وعَلى الأوَّلِ مُعْتَرِضٌ تَوْكِيدًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَكُلُوا﴾ أوَّلًا ﴿ولا تَأْكُلُوا﴾ ثانِيًا وهو الوَجْهُ ولَعَلَّ الأمْرَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَبَلَهُ مِثْلُهُ.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ﴾ أيْ يَعْمَلُونَ المَعاصِيَ الَّتِي فِيها الإثْمُ ويَرْتَكِبُونَ القَبائِحَ الظّاهِرَةَ أوِ الباطِنَةَ ﴿سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ (120) أيْ يَكْسِبُونَ الإثْمَ كائِنًا ما كانَ فَلا بُدَّ مِنِ اجْتِنابِ ذَلِكَ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ
6:121Page 143
وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ ١٢١
And do not eat of that upon which the name of Allāh has not been mentioned, for indeed, it is grave disobedience. And indeed do the devils inspire their allies [among men] to dispute with you. And if you were to obey them, indeed, you would be associators [of others with Him].1
﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أيْ مِنَ الحَيَوانِ كَما هو المُتَبادَرُ والآيَةُ ظاهِرَةٌ في تَحْرِيمِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا كانَ أوْ نِسْيانًا وإلَيْهِ ذَهَبَ داوُدُ.
وعَنْ أحْمَدَ والحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ والجُبّائِيِّ مِثْلُهُ وقالَ الشّافِعِيُّ بِخِلافِهِ لِما رَواهُ أبُو داوُدَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ راشِدِ بْنِ سَعْدٍ مُرْسَلًا «ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلالٌ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى أوْ لَمْ يُذْكَرْ» وعَنْ مالِكٍ وهي الرِّوايَةُ المُعَوَّلُ عَلَيْها عِنْدَ أئِمَّةِ مَذْهَبِهِ أنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا لا يُؤْكَلُ سَواءً كانَ تَهاوُنًا أوْ غَيْرَ تَهاوُنٍ ولِأشْهَبَ قَوْلٌ شاذٌّ بِجَوازِ غَيْرِ المُتَهاوَنِ في تَرْكِ التَّسْمِيَةِ عَلَيْهِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ مَذْهَبَ مالِكٍ كَمَذْهَبِ الشّافِعِيِّ وآخَرُونَ أنَّهُ كَمَذْهَبِ داوُدَ ومَن مَعَهُ وما ذَكَرْناهُ هو المَوْجُودُ في كُتُبِ المالِكِيَّةِ وأهْلُ مَكَّةَ أدْرى بِشِعابِها ومَذْهَبُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ العَمْدِ والنِّسْيانِ كالصَّحِيحِ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ قالَ العَلّامَةُ الثّانِي: إنَّ النّاسِيَ عَلى مَذْهَبِ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَيْسَ بِتارِكٍ لِلتَّسْمِيَةِ بَلْ هي في قَلْبِهِ عَلى ما رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ ناسِيًا فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: كُلُوهُ فَإنَّ تَسْمِيَةَ اللَّهِ تَعالى في قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ» ولَمْ يُلْحَقْ بِهِ العامِدُ إلّا لِامْتِناعِ تَخْصِيصِ الكِتابِ بِالقِياسِ وإنْ كانَ مَنصُوصَ العِلَّةِ وإمّا لِأنَّهُ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا فَكَأنَّهُ نَفى ما في قَلْبِهِ واعْتُرِضَ بِأنَّ تَخْصِيصَ العامِّ الَّذِي خُصَّ مِنهُ البَعْضُ جائِزٌ بِالقِياسِ المَنصُوصِ العِلَّةِ وِفاقًا وبِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ التّارِكَ عَمْدًا بِمَنزِلَةِ النّافِي لِما في قَلْبِهِ رُبَّما يَكُونُ لِوُثُوقِهِ بِذَلِكَ وعَدَمِ افْتِقارِهِ لِذِكْرِهِ ثُمَّ قالَ: فَذَهَبُوا إلى أنَّ النّاسِيَ خارِجٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ إذِ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المَصْدَرِ المَأْخُوذِ مِن مَضْمُونِ ﴿لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وهو التَّرْكُ لِكَوْنِهِ الأقْرَبَ ومَعْلُومٌ أنَّ التَّرْكَ نِسْيانًا لَيْسَ بِفِسْقٍ لِعَدَمِ تَكْلِيفِ النّاسِي والمُؤاخَذَةِ عَلَيْهِ فَيَتَعَيَّنُ العَمْدُ.
واعْتُرِضَ ما ذُكِرَ بِأنَّ كَوْنَ ذَلِكَ فِسْقًا لا سِيَّما عَلى وجْهِ التَّحْقِيقِ والتَّأْكِيدِ خِلافُ الظّاهِرِ ولَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ ولا يُلائِمُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ مَعَ أنَّ القُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا سِيَّما في حُكْمٍ واحِدٍ وبِأنَّ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَتَناوَلُ المَيْتَةَ مَعَ القَطْعِ بِأنَّ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ عَلَيْها لَيْسَ بِفِسْقٍ وبَعْضُهم أرْجَعَ الضَّمِيرَ إلى ما بِمَعْنى الذَّبِيحَةِ وجَعَلَها عَيْنَ الفِسْقِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ لَكِنْ لا بُدَّ مِن مُلاحَظَةِ كَوْنِها مَتْرُوكَةَ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا إذْ لا فِسْقَ في النِّسْيانِ وحِينَئِذٍ لا يَصِحُّ الحَمْلُ أيْضًا ومِمّا تَقَدَّمَ يُعْلَمُ ما فِيهِ وذَكَرَ العَلّامَةُ لِلشّافِعِيَّةِ في دَعْوى حِلِّ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا أوْ نِسْيانًا وحُرْمَةِ ما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ وُجُوهًا الأوَّلُ أنَّ التَّسْمِيَةَ عَلى ذِكْرِ المُؤْمِنِ وفي قَلْبِهِ ما دامَ مُؤْمِنًا فَلا يَتَحَقَّقُ مِنهُ عَدَمُ الذِّكْرِ فَلا يَحْرُمُ مِن ذَبِيحَتِهِ إلّا ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى.
صفحة 16
الثّانِي أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ عَلى وجْهِ التَّحْقِيقِ والتَّأْكِيدِ لا يَصِحُّ في حَقِّ أكْلِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ عَمْدًا كانَ أوْ سَهْوًا إذْ لا فِسْقَ بِفِعْلِ ما هو مَحَلُّ الِاجْتِهادِ والثّالِثُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ في مَوْقِعِ الحالِ إذْ لا يَحْسُنُ عَطْفُ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ وقَدْ بُيِّنَ الفِسْقُ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنِ الأكْلِ مُقَيَّدًا بِكَوْنِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ قَدْ أُهِلَ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَيَحِلُّ ما لَيْسَ كَذَلِكَ إمّا بِطَرِيقِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ وإمّا بِحُكْمِ الأصْلِ وإمّا بِالعُمُوَماتِ الوارِدَةِ في حِلِّ الأطْعِمَةِ وهَذا خُلاصَةُ ما ذَكَرَهُ الإمامُ في مَجْلِسِ تَذْكِيرٍ عَقَدَهُ لَهُ سُلْطانُ خَوارِزْمَ فِيها بِمَحْضَرٍ مِنهُ ومِن جُمْلَةِ الأئِمَّةِ الحَنَفِيَّةِ وعَلَيْهِ لا حاجَةَ لِلشّافِعِيَّةِ إلى دَلِيلٍ خارِجِيٍّ في تَخْصِيصِ الآيَةِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ لا يَتَناوَلَ النَّهْيُ أكْلَ المَيْتَةِ مَعَ أنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ وبِأنَّ التَّأْكِيدَ بَأنْ واللّامِ يَنْفِي كَوْنَ الجُمْلَةِ حالِيَّةً لِأنَّهُ إنَّما يَحْسُنُ فِيما قُصِدَ الإعْلامُ بِتَحَقُّقِهِ البَتَّةَ والرَّدُّ عَلى مُنْكِرٍ تَحْقِيقًا أوْ تَقْدِيرًا عَلى ما بُيِّنَ في عِلْمِ المَعانِي والحالُ الواقِعُ في الأمْرِ والنَّهْيِ مَبْناهُ عَلى التَّقْدِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَأْكُلُوا مِنهُ إنْ كانَ فِسْقًا فَلا يَحْسُنُ ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ بَلْ وهو فِسْقٌ ومِن هُنا ذَهَبَ كَثِيرٌ إلى أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ دَخَلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وبِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ﴾ .. إلَخْ. المَيْتَةُ فَيَتَحَقَّقُ قَوْلُهم: إنَّ النَّهْيَ مَخْصُوصٌ بِما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ وأجابَ العَلّامَةُ عَنِ الثّانِي بِأنَّهُ لَمّا كانَ المُرادُ بِالفِسْقِ ها هُنا الإهْلالَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى كانَ التَّأْكِيدُ مُناسِبًا كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَأْكُلُوا مِنهُ إذا كانَ هَذا النَّوْعُ مِنَ الفِسْقِ الَّذِي الحُكْمُ بِهِ مُتَحَقَّقٌ والمُشْرِكُونَ يُنْكِرُونَهُ ومِنهم مَن تَأوَّلَ الآيَةَ بِالمَيْتَةِ لِأنَّ الجِدالَ فِيها كَما سَتَعْلَمُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
واسْتَظْهِرْ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى الأكْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ولا تَأْكُلُوا﴾ والَّذِي يَلُوحُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ عامٌّ لِما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى ولِمَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا أوْ سَهْوًا ولِما ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ لِأنَّهُ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ والتَّحْقِيقُ أنَّ العامَّ الظّاهِرَ مَتى ورَدَ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ كانَ نَصًّا في السَّبَبِ ظاهِرًا باقِيًا عَلى ظُهُورِهِ فِيما عَداهُ وأنَّهُ لا بُدَّ لِمُبِيحِ مَنسِيِّ التَّسْمِيَةِ مِن مُخَصِّصٍ وهو الخَبَرُ المُشْتَمِلُ عَلى السُّؤالِ والجَوابِ وادَّعى أنَّ هَذا عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ بَلْ مَنعٌ لِانْدِراجِ المَنسِيِّ في العُمُومِ مُسْتَنِدٌ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ.
ويُؤَيِّدُ بِأنَّ العامَّ الوارِدَ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ وإنَّ قَوِيَ تَناوُلُهُ لِسَبَبٍ حَتّى يَنْتَهِضَ الظّاهِرُ فِيهِ نَصًّا إلّا أنَّهُ ضَعِيفُ التَّناوُلِ لِما عَداهُ حَتّى يَنْحَطَّ عَلى أعالِي الظّاهِرِ فِيهِ ويَكْتَفِي مِن مُعارَضَةٍ ما لا يَكْتَفِي بِهِ مِنهُ لَوْلا السَّبَبُ. انْتَهى.
ولا يَخْفى ما فِيهِ لِمَن أحاطَ خَبَرًا بِما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ قَبْلُ وذَكَرَ كَثِيرٌ مِن أصْحابِنا أنَّ قَوْلَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مُخالِفٌ لِلْإجْماعِ إذْ لا خِلافَ فِيمَن كانَ قَبْلَهُ في حُرْمَةِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عامِدًا وإنَّما الخِلافُ بَيْنَهم في مَتْرُوكِها ناسِيًا فَمَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ يَحْرُمُ ومَذْهَبُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ يَحِلُّ ولَمْ يَخْتَلِفُوا في حُرْمَةِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عامِدًا ولِهَذا قالَ أبُو يُوسُفَ والمَشايِخُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى: إنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عامِدًا لا يَسَعُ فِيهِ الِاجْتِهادُ ولَوْ قَضى القاضِي بِجَوازِ بَيْعِهِ لا يُنَفَّذُ لِكَوْنِهِ مُخالِفًا لِلْإجْماعِ وأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي شُمُولَها لِمَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ نِسْيانًا إلّا أنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ النّاسِيَ ذاكِرًا لِعُذْرٍ مِن جِهَتِهِ وفي ذَلِكَ رَفْعٌ لِلْحَرَجِ فَإنَّ الإنْسانَ كَثِيرُ النِّسْيانِ.
وقَوْلُ بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ: إنَّ التَّسْمِيَةَ لَوْ كانَتْ شَرْطًا لِلْحِلِّ لَما سَقَطَ بِعُذْرِ النِّسْيانِ كالطَّهارَةِ في
صفحة 17
بابِ الصَّلاةِ مُفْضٍ إلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ العَمْدِ والنِّسْيانِ وهي مَعْهُودَةٌ فِيما إذا كانَ عَلى النّاسِي هَيْئَةٌ مُذَكِّرَةٌ كالأكْلِ في الصَّلاةِ والجِماعِ في الإحْرامِ لا فِيما إذا لَمْ يَكُنْ كالأكْلِ في الصِّيامِ وهُنا إنْ لَمْ تَكُنْ هَيْئَةٌ تُوجِبُ النِّسْيانَ وهي ما يَحْصُلُ لِلذَّبائِحِ عِنْدَ زُهُوقِ رُوحِ حَيَوانٍ مِن تَغَيُّرِ الحالِ فَلَيْسَ هَيْئَةً مُذَكِّرَةً بِمَوْجُودَةٍ.
والحَقُّ عِنْدِي أنَّ المَسْألَةَ اجْتِهادِيَّةٌ وثُبُوتَ الإجْماعِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ولَوْ كانَ ما كانَ خَرَقَهُ الإمامُ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى واسْتِدْلالُهُ عَلى مُدَّعاهُ عَلى ما سَمِعَتَ لا يَخْلُو عَنْ مَتانَةٍ وقَوْلُ الأصْفَهانِيِّ كَما في المُسْتَصْفى أفْحَشَ الشّافِعِيَّ حَيْثُ خالَفَ سَبْعَ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ ثَلاثٌ مِنها في سُورَةِ الأنْعامِ الأُولى ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ والثّانِيَةُ ﴿وما لَكم ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ والثّالِثَةُ ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وثَلاثٌ في سُورَةِ الحَجِّ الأُولى ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ والثّانِيَةُ ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ والثّالِثَةُ ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ لَكم فِيها خَيْرٌ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ وآيَةٌ في المائِدَةِ ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكم واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ مِنَ الفُحْشِ في حَقِّ هَذا الإمامِ القُرَشِيِّ ومَثارُهُ عَدَمُ الوُقُوفِ عَلى فَضْلِهِ وسِعَةِ عِلْمِهِ ودِقَّةِ نَظَرِهِ وبِالجُمْلَةِ الكَلامُ في الآيَةِ واسِعُ المَجالِ وبِها اسْتَدَلَّ كُلٌّ مِن أصْحابِ هاتِيكِ الأقْوالِ وعَنْ عَطاءٍ وطاوُسٍ أنَّهُما اسْتَدَلّا بِظاهِرِها عَلى أنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ حَيَوانًا كانَ أوْ غَيْرَهُ حَرامٌ وسَبَبُ النُّزُولِ يُؤَيِّدُ خِلافَ ذَلِكَ كَما عَلِمْتَ والِاحْتِياطُ لا يَخْفى.
﴿وإنَّ الشَّياطِينَ﴾ أيْ إبْلِيسَ وجُنُودَهُ ﴿لَيُوحُونَ﴾ أيْ يُوَسْوِسُونَ ﴿إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ الَّذِينَ اتَّبَعُوهم مِنَ المُشْرِكِينَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقِيلَ: المُرادُ بِالشَّياطِينِ مَرَدَةُ المَجُوسِ فَإيحاؤُهم إلى أوْلِيائِهِمْ ما أنْهَوْا إلى قُرَيْشٍ حَسْبَما حَكَيْناهُ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿لِيُجادِلُوكُمْ﴾ أيْ بِالوَساوِسِ الشَّيْطانِيَّةِ أوْ بِما نُقِلَ مِن أباطِيلِ المَجُوسِ ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهُمْ﴾ في اسْتِحْلالِ الحَرامِ ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ (121) ضَرُورَةً أنَّ مَن تَرَكَ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى إلى طاعَةِ غَيْرِهِ واسْتَحَلَّ الحَرامَ واتَّبَعَهُ في دِينِهِ فَقَدْ أشْرَكَهُ بِهِ تَعالى بَلْ آثَرَهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ.
ونَقَلَ الإمامُ عَنِ الكَعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: الآيَةُ حُجَّةٌ عَلى أنَّ الإيمانَ اسْمٌ لِجَمِيعِ الطّاعاتِ وإنْ كانَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ التَّصْدِيقَ كَما جَعَلَ تَعالى الشِّرْكَ اسْمًا لِكُلِّ ما كانَ مُخالَفَةً لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ وإنْ كانَ في اللُّغَةِ مُخْتَصًّا بِمَن يَعْتَقِدُ أنَّ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ شَرِيكًا بِدَلِيلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ سَمّى طاعَةَ المُؤْمِنِينَ لِلْمُشْرِكِينَ في إباحَةِ المَيْتَةِ شِرْكًا ثُمَّ قالَ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الشِّرْكِ ها هُنا اعْتِقادَ أنَّ لِلَّهِ تَعالى شَرِيكًا في الحُكْمِ والتَّكْلِيفِ وبِهَذا القَدْرِ يَرْجِعُ مَعْنى هَذا الشِّرْكِ إلى الِاعْتِقادِ فَقَطْ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ التَّعْبِيرَ عَنْ هَذِهِ الإطاعَةِ بِالشِّرْكِ مِن بابِ التَّغْلِيظِ ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ والكَلامُهُنا كَما قالَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ عَلى تَقْدِيرِ القَسَمِ وحَذْفِ لامِ التَّوْطِئَةِ أيْ ولَئِنْ أطَعْتُمُوهم واللَّهِ إنَّكم لَمُشْرِكُونَ وحُذِفَ جَوابُ الشَّرْطِ لِسَدِّ جَوابِ القَسَمِ مَسَدَّهُ وجَعَلَ أبُو البَقاءِ وتَبِعَهُ بَعْضُهُمُ المَذْكُورَ جَوابَ الشَّرْطِ ولا قَسَمَ وادَّعى أنَّ حَذْفَ الفاءِ مِنهُ حَسَنٌ إذا كانَ الشَّرْطُ بِلَفْظِ الماضِي كَما هُنا واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا لَمْ يُوجَدْ في كُتُبِ العَرَبِيَّةِ بَلِ اتَّفَقَ الكُلُّ عَلى وُجُوبِ الفاءِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ ولَمْ يُجَوِّزُوا تَرْكَها إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ وفِيهِ أنَّ المُبَرِّدَ أجازَ ذَلِكَ في الِاخْتِيارِ كَما ذَكَرَهُ المُرادِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ
6:122Page 143
أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٢
And is one who was dead and We gave him life and made for him light by which to walk among the people like one who is in darkness, never to emerge therefrom? Thus it has been made pleasing to the disbelievers that which they were doing.
صفحة 18
﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ تَمْثِيلٌ مَسُوقٌ لِتَنْفِيرِ المُسْلِمِينَ عَنْ طاعَةِ المُشْرِكِينَ إثْرَ تَحْذِيرِهِمْ عَنْها بِالإشارَةِ إلى أنَّهم مُسْتَضِيئُونَ بِأنْوارِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ والمُشْرِكُونَ غارِقُونَ في ظُلُماتِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ طاعَتُهم لَهُ فالآيَةُ كَما قالَ الطَّيِّبِيُّ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهُمْ﴾ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والَوْاوُ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ لِعَطْفِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى مِثْلِها الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ أنْتُمْ مِثْلُهم ومَن كانَ مَيْتًا فَأعْطَيْناهُ الحَياةَ ﴿وجَعَلْنا لَهُ﴾ مَعَ ذَلِكَ مِنَ الخارِجِ ﴿نُورًا﴾ عَظِيمًا ﴿يَمْشِي بِهِ﴾ أيْ بِسَبَبِهِ ﴿فِي النّاسِ﴾ أيْ فِيما بَيْنَهم آمِنًا مِن جِهَتِهِمْ والجُمْلَةُ إمّا اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَصْنَعُ بِذَلِكَ النُّورِ فَقِيلَ يَمْشِي .. إلَخْ. أوْ صِفَةٌ لَهُ ومَنِ اسْمٌ مَوْصُولٌ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ صِلَتُهُ والخَبَرُ مُتَعَلِّقُ الجارِّ والمَجْرُورِفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَن مَثَلُهُ﴾ أيْ صِفَتُهُ العَجِيبَةُ ومَن فِيهِ اسْمٌ مَوْصُولٌ أيْضًا و( مَثَلُهُ ) مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ خَبَرُ هو مَحْذُوفٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المُسْتَكِنِ في الظَّرْفِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ أعْنِي ( مَثَلُهُ ) عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ بِمَعْنى إذا وُصِفَ يُقالُ لَهُ ذَلِكَ وجُمْلَةُ ( مَثَلُهُ ) مَعَ خَبَرِهِ صِلَةُ المَوْصُولِ.
وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ مِنَ المَوْضِعَيْنِ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً ولَمْ يُجَوَّزْ أنْ يَكُونَ ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ خَبَرًا عَنْ ( مَثَلُهُ ) لِأنَّ الظُّلُماتِ لَيْسَ ظَرْفًا لِلْمَثَلِ وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ كَأبِي البَقاءِ أنَّ ( في الظُّلَماتِ ) هو الخَبَرُ ولَيْسَ هُناكَ هو مُقَدَّرًا ولا يَلْزَمُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ حَدِيثُ الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّ المُرادَ أنْ مَثَلَهُ هو كَوْنُهُ في الظُّلُماتِ والمَقْصُودُ الحِكايَةُ نَعَمْ ما ذُكِرَ أوَّلًا أوْلى لِأنَّ خَبَرَ ( مَثَلُهُ ) لا يَكُونُ إلّا جُمْلَةً تامَّةً والظَّرْفُ بِغَيْرِ فاعِلٍ ظاهِرٍ لا يُؤَدِّي مُؤَدّى ذَلِكَ.
وجُوِّزَ كَوْنُ جُمْلَةِ ﴿لَيْسَ بِخارِجٍ﴾ حالًا مِنَ الهاءِ في ( مَثَلُهُ ) ومَنَعَهُ أبُو البَقاءِ لِلْفَصْلِ قِيلَ: ولِضَعْفِ مَجِيءِ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ ( مَيِّتًا ) بِالتَّشْدِيدِ وهو أصْلٌ لِلْمُخَفَّفِ والمَحْذُوفُمِنَ الياءَيْنِ الثّانِيَةِ المُنْقَلِبَةِ عَنِ الواوِ أُعِلَّتْ بِالحَذْفِ كَما أُعِلَّتْ بِالقَلْبِ ولا فَرْقَ بَيْنَهُما عِنْدَ الجُمْهُورِ.
ثُمَّ إنَّ هَذا الأخِيرَ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ مَثَلُ ما أُرِيدَ بِهِ مَن بَقِيَ في الضَّلالَةِ بِحَيْثُ لا يُفارِقُها أصْلًا كَما أنَّ الأوَّلَ مَثَلٌ أُرِيدَ بِهِ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى فِطْرَةِ الإسْلامِ وهَداهُ بِالآياتِ البَيِّناتِ إلى طَرِيقِ الحَقِّ يَسْلُكُهُ كَيْفَ شاءَ لَكِنْ لا عَلى أنْ يَدُلَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ المَعانِي بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الألْفاظِ الوارِدَةِ في المَثَلَيْنِ بِواسِطَةِ تَشْبِيهٍ بِما يُناسِبُهُ مِن مَعانِيها فَإنَّ ألْفاظَ المَثَلِ باقِيَةٌ عَلى مَعانِيها الأصْلِيَّةِ بَلْ عَلى أنَّهُ قَدِ انْتُزِعَتْ مِنَ الأُمُورِ المُتَعَدِّدَةِ المُعْتَبَرَةِ في كُلِّ واحِدٍ مِن جانِبِ المَثَلَيْنِ هَيْئَةٌ عَلى حِدَةٍ ومِنَ الأُمُورِ المُتَعَدِّدَةِ المَذْكُورَةِ في كُلِّ واحِدٍ مِن جانِبِ المَثَلَيْنِ هَيْئَةٌ عَلى حِدَةٍ فَشُبِّهَتْ بِهِما الأُولَيانِ ونَزَلَتا مَنزِلَتَهُما فاسْتُعْمِلَ فِيهِما ما يَدُلُّ عَلى الأخِيرَتَيْنِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ إلى آخِرِ ما قالَ ونَصَّ القُطْبُ الرّازِيُّ عَلى أنَّهُما تَمْثِيلانِ لا اسْتِعارَتانِ ورُدَّ كَما قالَ الشِّهابُ بِأنَّ الظّاهِرَ بِأنَّ مَن كانَ مَيْتًا ومَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ إذْ لا ذِكْرَ لِلْمُشَبَّهِ صَرِيحًا ولا دَلالَةَ بِحَيْثُ يُنافِي الِاسْتِعارَةَ والِاسْتِعارَةُ الأُولى بِجُمْلَتِها مُشَبَّهَةٌ والثّانِيَةُ مُشَبَّهٌ بِهِ وهَذا كَما تَقُولُ في الِاسْتِعارَةِ الإفْرادِيَّةِ أيَكُونُ الأسَدُ كالثَّعْلَبِ أيِ الشُّجاعُ كالجَبانِ وهو مِن بَدِيعِ المَعانِي الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُتَنَبَّهَ لَهُ ويُحْفَظَ والتَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ بِالمَيِّتِ الكافِرُ الضّالُّ وبِالأحْياءِ الهِدايَةُ وبِالنُّورِ القُرْآنُ وبِالظُّلُماتِ الكُفْرُ والضَّلالَةُ والآيَةُ عَلى ما أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ نَزَلَتْ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ
صفحة 19
وهُوَ المُرادُ بِمَن أحْياهُ اللَّهُ تَعالى وهَداهُ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى وهو المُرادُ بِمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها ورُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ مِثْلُ ذَلِكَ.
وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها في حَمْزَةَ وأبِي جَهْلٍ وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّها في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وأبِي جَهْلٍ وأيًّا ما كانَ فالعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مَنِ انْقادَ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ومَن بَقِيَ عَلى ضَلالِهِ وعُتُوِّهِ ﴿كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّزْيِينِ المَذْكُورِ عَلى طُرُزِ ما قُرِّرَ في أمْثالِهِ أوْ إشارَةٌ إلى إيحاءِ الشَّياطِينِ إلى أوْلِيائِهِمْ أوْ إلى تَزْيِينِ الإيمانِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿زُيِّنَ﴾ مِن جِهَتِهِ تَعالى خُلُقًا أوْ مِن جِهَةِ الشَّياطِينِ وسْوَسَةً ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ كَأبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِ ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (122) أيْ ما اسْتَمَرُّوا عَلى عَمَلِهِ مِن فُنُونِ الكُفْرِ والمَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ القَبائِحِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences