Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:127–134
6:127Page 144
۞ لَهُمۡ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمۡۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٧
For them will be the Home of Peace [i.e., Paradise] with their Lord. And He will be their protecting friend because of what they used to do.
﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ هي ساحَةُ جَلالِهِ وحَضائِرُ قُدْسِ صِفاتِهِ ومَساقِطُ وُقُوعِ أنْوارِ جَمالِهِ المُنَزَّهَةِ عَنْ خَطَرِ الحِجابِ وعِلَّةِ المَتاعِبِ وطَرِيانِ العَذابِ وهو ولِيُّهم بِنَعْتِ رِعايَتِهِمْ وكَشْفِ جِمالِهِ لَهم أوْ ولِيُّهم يَحْفَظُهم عَنْ رُؤْيَةِ الغَيْرِ في البَيْنِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لَهم دارُ السَّلامَةِ مِن كُلِّ خَوْفٍ وآفَةٍ حَيْثُ يَكُونُ العَبْدُ فِيها في ظِلِّ الذّاتِ والصِّفاتِ ورِيفِ البَقاءِ بَعْدَ الفِناءِ والكَثِيرُ عَلى أنَّ السَّلامَ مِن أسْمائِهِ تَعالى فَما ظَنُّكَ بِدارٍ تُنْسَبُ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ.
إذا نَزَلَتْ سَلْمى بِوادٍ فَماؤُهُ زُلالُ وسَلْسالٌ وأشْجارُهُ ورْدُ
نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُدْخِلَنا هاتِيكَ الدّارِ بِحُرْمَةِ نَبِيِّهِ المُخْتارِ ﷺ
6:128Page 144
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ قَدِ ٱسۡتَكۡثَرۡتُم مِّنَ ٱلۡإِنسِۖ وَقَالَ أَوۡلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلۡإِنسِ رَبَّنَا ٱسۡتَمۡتَعَ بَعۡضُنَا بِبَعۡضٖ وَبَلَغۡنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيٓ أَجَّلۡتَ لَنَاۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثۡوَىٰكُمۡ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٢٨
And [mention, O Muḥammad], the Day when He will gather them together [and say], "O company of jinn, you have [misled] many of mankind." And their allies among mankind will say, "Our Lord, some of us made use of others, and we have [now] reached our term which You appointed for us." He will say, "The Fire is your residence, wherein you will abide eternally, except for what Allāh wills. Indeed, your Lord is Wise and Knowing."
﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ والعامِلُ فِيهِ مُقَدَّرٌ أيِ اذْكُرْ أوْ تَقُولُ أوْ كانَ ما لا يُذْكَرُ لِفَظاعَتِهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِمُقَدَّرٍ أيْضًا أيِ اذْكُرْ ذَلِكَ اليَوْمَ والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِمَن يُحْشَرُ مِنَ الثَّقَلَيْنِ وقِيلَ: لِلْكَفّارِ وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ورُوحٌ عَنْ يَعْقُوبَ ( يَحْشُرُ ) بِالياءِ والباقُونَ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى الِالتِفاتِ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ والمَعْشَرُ الجَماعَةُ أمْرُهم واحِدٌ وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: الجَماعَةُ التّامَّةُ مِنَ القَوْمِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلى أصْنافِ الطَّوائِفِ ومِنهُ العَشَرَةُ لِأنَّها تَمامُ العِقْدِ والمُرادُ بِالجِنِّ أوْ بِمَعْشَرِهِمْ عَلى ما قِيلَ الشَّياطِينُ وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّ الجِنَّ يُقالُ عَلى وجْهَيْنِ أحَدُهُما لِلرُّوحانِيِّينَ المُسْتَتِرِينَ عَنِ الحَواسِّ كُلِّها فَيَدْخُلُ فِيهِمُ المَلائِكَةُ والشَّياطِينُ وثانِيهِما لِلرُّوحانِيِّينَ مِمّا عَدا المَلائِكَةَ وقالَ آخَرُونَ: إنَّ الرُّوحانِيِّينَ ثَلاثَةٌ أخْيارٌ وهُمُ المَلائِكَةُ وأشْرارٌ وهُمُ الشَّياطِينُ وأوْساطٌ فِيهِمْ أخْيارٌ وأشْرارٌ وأيًّاما كانَ فالمَقْصُودُ بِالنِّداءِ الأشْرارُ الَّذِينَ يُغْوُونَ النّاسَ فَإنَّهم أهْلُ الخِطابِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ أيْ أكْثَرْتُمْ مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ومُجاهِدٌ والزَّجّاجُ فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أوْ مِنهم بِأنْ جَعَلْتُمُوهم أتْباعَكم فَحُشِرُوا مَعَكم كَما يُقالُ: اسْتَكْثَرَ الأمِيرُ مِنَ الجُنُودِ وهَذا بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
قِيلَ: وإنَّما ذَكَرَ المَعْشَرَ في جانِبِ الجِنِّ دُونَ جانِبِ الإنْسِ لِما أنَّ الإغْواءَ كَثِيرًا ما يَقْتَضِي التَّظاهُرَ والتَّعاوُنَ وفي المَعْشَرِ نَوْعُ إيماءٍ إلَيْهِ ولا كَذَلِكَ الغَوى ﴿وقالَ أوْلِياؤُهُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ أطاعُوهم واتَّبَعُوهم ﴿مِنَ الإنْسِ﴾ أيِ الَّذِينَ هم مِنَ الإنْسِ أوْ كائِنِينَ مِنهم فَمِن إمّا لِبَيانِ الجِنْسِ أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن أوْلِياءَ ﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ أيِ انْتَفَعَ الإنْسُ بِالجِنِّ حَيْثُ دَلُّوهم عَلى الشَّهَواتِ وما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْها
صفحة 26
والجِنُّ بِالإنْسِ حَيْثُ اتَّخَذُوهم قادَةً ورُؤَساءَ واتَّبَعُوا أمْرَهم فَأدْخَلُوا عَلَيْهِمُ السُّرُورَ بِذَلِكَ.
وعَنِ الحَسَنِ وابْنِ جُرَيْجٍ والزَّجّاجِ وغَيْرِهِمْ أنَّ اسْتِمْتاعَ الإنْسِ بِهِمْ أنَّهم كانُوا إذا سافَرَ أحَدُهم وخافَ الجِنَّ قالَ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي واسْتِمْتاعَهم بِالإنْسِ اعْتِرافُهم بِأنَّهم قادِرُونَ عَلى إعاذَتِهِمْ وإجارَتِهِمْ.
وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّ المُرادَ بِاسْتِمْتاعِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ طاعَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ومُوافَقَتُهُ لَهم وقالَ البَلْخِيُّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِمْتاعُ مَقْصُورًا عَلى الإنْسِ فَيَكُونُ الإنْسُ قَدِ اسْتَمْتَعَ بَعْضُهم بِبَعْضِ الجِنِّ دُونَ الجِنِّ.
﴿وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ عَلى ماقالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وعَنِ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ المَوْتُ والأوَّلُ أوْلى وإنَّما قالَ الأوْلِياءُ ما قالُوا اعْتِرافًا بِما فَعَلُوا مِن طاعَةِ الشَّياطِينِ واتِّباعِ الهَوى وتَكْذِيبِ البَعْثِ وإظْهارًا لِلنَّدامَةِ عَلَيْها وتَحَسُّرًا عَلى حالِهِمْ واسْتِسْلامًا لِرَبِّهِمْ وإلّا فَفائِدَةُ الخَبَرِ ولازِمُها مِمّا لا تَحَقُّقَ لَهُ.
قِيلَ: ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى حِكايَةِ كَلامِ الضّالِّينَ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُضِلِّينَ قَدِ أُفْحِمُوا بِالمَرَّةِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى التَّكَلُّمِ أصْلًا.
وقُرِئَ ( آجالَنا ) بِالجَمْعِ و( الَّذِي ) بِالتَّذْكِيرِ والإفْرادِ قالَأبُو عَلِيٍّ: هو جِنْسٌ أوْ وقَعَ الَّذِي مَوْقِعَ الَّتِي.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ تَعالى حِينَئِذٍ فَقِيلَ قالَ: ﴿النّارُ مَثْواكُمْ﴾ أيْ مَنزِلُكم ومَحَلُّ إقامَتِكم أوْ ذاتُ ثَوائِكم عَلى أنَّ المَثْوى اسْمُ مَكانٍ أوْ مَصْدَرٌ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ والعامِلُ فِيها ( مَثْوى ) إنْ كانَ مَصْدَرًا وقَدَّرُوا عامِلًا أيْ يَبُوؤُونَ خالِدِينَ إنْ كانَ مَثْوى اسْمَ مَكانٍ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَصْلُحُ لِلْعَمَلِ وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّ العامِلَ في الحالِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مَعْنى الإضافَةِ ورَدُّوهُ بِأنَّ النِّسْبَةَ الإضافِيَّةَ لا تَعْمَلُ ولا يَصِحُّ أنْ تَنْصِبَ الحالَ ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى قَوْمًا قَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهم يُسْلِمُونَ ويُصَدِّقُونَ النَّبِيَّ ﷺ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ لَيْسَ مِنَ المَحْكِيِّ وأنَّ ما بِمَعْنى مَن ولا يَخْفى أنَّ اسْتِعْمالَ ما لِلْعُقَلاءِ قَلِيلٌ فَيَبْعُدُ ذَلِكَ كَما يَبْعُدُ شُمُولُ ما تَقَدَّمَ لِلْمُسْتَثْنى وقِيلَ: إنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ وقْتِيَّةٌ عَلى ما هو الظّاهِرُ والمُرادُ إلّا الوَقْتَ الَّذِينَ يُنْقَلُونَ فِيهِ إلى الزَّمْهَرِيرِ فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم يَدْخُلُونَ وادِيًا مِنَ الزَّمْهَرِيرِ ما يُمَيَّزُ بَيْنَ أوْصالِهِمْ مِن بَعْضٍ فَيَتَعاوُونَ ويَطْلُبُونَ الرَّدَّ إلى الجَحِيمِ ورُدَّ بِأنَّ فِيهِ صَرْفَ النّارِ مِن مَعْناها العِلْمِيِّ وهو دارُ العَذابِ إلى اللُّغَوِيِّ وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ إذا دَعَتْ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ المُعْتَرِضَ لا يُسَلِّمُ الضَّرُورَةَ غَيْرَ هَذا التَّأْوِيلِ مَعَ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَثْواكُمْ﴾ يَقْتَضِي ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَرِضُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ وقِيلَ: إنَّ لَهم وقْتًا يَخْرُجُونَ فِيهِ مِن دارِ العَذابِ وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّهم يُفْتَحُ لَهم أبْوابُ الجَنَّةِ ويَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ فَإذا تَوَجَّهُوا لِلدُّخُولِ أُغْلِقَتْ في وُجُوهِهِمُ اسْتِهْزاءً بِهِمْ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ .
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ظَواهِرَ الآياتِ صادِحَةٌ بِعَدَمِ تَخْفِيفِ العَذابِ عَنِ الكُفّارِ بَعْدَ دُخُولِهِمُ النّارَ وفي إخْراجِهِمْ هَذا تَخْفِيفٌ أيُّ تَخْفِيفٍ وإنْ كانَ بَعْدَهُ ما يَشِيبُ مِنهُ النَّواصِي ولَعَلَّ الخَبَرَ في ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ والمَشْهُورُ أنَّ المُرائِينَ يُدْنَوْنَ مِنَ الجَنَّةِ حَتّى إذا اسْتَنْشَقُوا رِيحَها ورَأوْا ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ فِيها نُودُوا أنِاصْرِفُوهم عَنْها لا نَصِيبَ لَهم فِيها الخَبَرُ بِتَمامِهِ وقَدْ قَدَّمْناهُ ويَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ إدْخالِهِمُ النّارَ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ الحَدِيثَ.
وقِيلَ: المُسْتَثْنى زَمانُ إمْهالِهِمْ قَبْلَ الدُّخُولِ كَأنَّهُ قِيلَ النّارُ مَثْواكم أبَدًا إلّا ما أمْهَلَكم ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ
صفحة 27
فِي الِاسْتِثْناءِ يُشْتَرَطُ اتِّحادُ زَمانِ المُخْرَجِ والمُخْرَجِ مِنهُ فَإذا قُلْتَ قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا فَإنَّ مَعْناهُ إلّا زَيْدًا ما قامَ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَعْنى إلّا زَيْدًا ما يَقُومُ في المُسْتَقْبَلِ وكَذَلِكَ سَأضْرِبُ القَوْمَ إلّا زَيْدًا مَعْناهُ إلّا زَيْدًا فَإنِّي لا أضْرِبُهُ في المُسْتَقْبَلِ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَعْنى إلّا زَيْدًا فَإنِّي ما ضَرَبْتُهُ وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا إذا لَمْ يَكُنِ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا أمّا إذا كانَ مُنْقَطِعًا فَإنَّهُ يَسُوغُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ لَكِنَّ المَوْتَةَ الأُولى فَإنَّهم ذاقُوها فَلَعَلَّ القائِلَ بِأنَّ المُسْتَثْنى زَمانُ إمْهالِهِمْ يَلْتَزِمُ انْقِطاعَ الِاسْتِثْناءِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ ولا مَحْذُورَ فِيهِ مَعَ وُرُودِ مِثْلِهِ في القُرْآنِ وفِيهِ نَظَرٌ ظاهِرٌ وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى وجْهٍ لِطَيْفٍ إنَّما يَظْهَرُ بِالبَسْطِ فَقالَ: المُرادُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن زِيادَةِ العَذابِ ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ اسْتِقامَةِ الِاسْتِثْناءِ والمُسْتَثْنى عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قالَ ابْنُ المُنِيرِ: ونَحْنُ نُبَيِّنُهُ فَنَقُولُ: العَذابُ والعِياذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّعَلى دَرَجاتٍ مُتَفاوِتَةٍ فَكَأنَّ المُرادَ أنَّهم مُخَلَّدُونَ في جِنْسِ العَذابِ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن زِيادَةٍ تَبْلُغُ الغايَةَ وتَنْتَهِي إلى أقْصى النِّهايَةِ حَتّى تَكادُ لِبُلُوغِها الغايَةَ ومُبايَنَتِها لِأنْواعِ العَذابِ في الشِّدَّةِ تُعَدُّ خارِجَةً عَنْهُ لَيْسَتْ مِن جِنْسِ العَذابِ والشَّيْءُ إذا بَلَغَ الغايَةَ عِنْدَهم عَبَّرُوا عَنْهُ بِالضِّدِّ كَما عَبَّرُوا عَنْ كَثْرَةِ الفِعْلِ بِرُبَّ وقَدْ وهُما مَوْضُوعانِ لِضِدِّ الكَثْرَةِ مِنَ القِلَّةِ وذَلِكَ أمْرٌ يُعْتادُ في لُغَةِ العَرَبِ وقَدْ حامَ أبُو الطَّيِّبِ حَوْلَهُ فَقالَ.
ولَجُدْتَ حَتّى كِدْتَ تَبْخَلُ حائِلًا لِلْمُنْتَهى ومِنَ السُّرُورِ بُكاءُ
فَكانَ هَؤُلاءِ إذا نُقِلُوا إلى غايَةِ العَذابِ ونِهايَةِ الشِّدَّةِ فَقَدْ وصَلُوا إلى الحَدِّ الَّذِي يَكادُ أنْ يَخْرُجَ عَنِ اسْمِ العَذابِ المُطْلَقِ حَتّى تَسُوغَ مُعامَلَتُهُ في التَّعْبِيرِ بِمُعامَلَةِ المُغايِرِ وهو وجْهٌ حَسَنٌ لا يَكادُ يُفْهَمُ مِن كَلامِ الزَّجّاجِ إلّا بَعْدَ هَذا البَسْطِ وفي تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما يُؤَيِّدُهُ. انْتَهى. ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ مَعْذُوقٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى رَفْعُ العَذابِ أيْ يُخَلَّدُونَ إلى أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ وفائِدَتُهُ إظْهارُ القُدْرَةِ والإذْعانِ بِأنَّ خُلُودَهم إنَّما كانَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى شَأْنُهُ قَدْ شاءَهُ وكانَ مِنَ الجائِزِ العَقْلِيِّ في مَشِيئَتِهِ أنْ لا يُعَذِّبَهم ولَوْ عَذَّبَهم لا يُخَلِّدُهم وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأمْرٍ واجِبٍ عَلَيْهِ وإنَّما هو مُقْتَضى مَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِعَزَّ وجَلَّ وفي الآيَةِ عَلى هَذا دَفْعٌ في صُدُورِ المُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ تَخْلِيدَ الكَفّارِ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ في العَقْلِ مُقْتَضى ذَلِكَ ولَعَلَّ هَذا هو الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيصَ عَنْهُ وفي مَعْناهُ ما قِيلَ: المُرادُ المُبالَغَةُ في الخُلُودِ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَنْتَفِي إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وهو مِمّا لا يَكُونُ مَعَ إيرادِهِ في صُورَةِ الخُرُوجِ وإطْماعِهِمْ في ذَلِكَ تَهَكُّمًا وتَشْدِيدًا لِلْأمْرِ عَلَيْهِمْ ومِن أفاضِلِ العَصْرِيِّينَ الأكابِرِمَنِ ادَّعى ذَلِكَ الوَجْهَ لَهُ وأنَّهُ قَدْ خَلَتْ عَنْهُ الدَّفاتِرُ وهو مَذْكُورٌ في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ فَإنْ كانَ لا يَدْرِي فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ وإنْكانَ يَدْرِي فالمُصِيبَةُ أعْظَمُ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةُ الكَلامِ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( إلّا ما شاءَ رَبُّكَ ) .
﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في التَّعْذِيبِ والإثابَةِ أوْ في كُلِّ أفْعالِهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ (128) بِأحْوالِ الثَّقَلَيْنِ وأعْمالِهِمْ وبِما يَلِيقُ بِها مِنَ الجَزاءِ أوْ بِكُلِّ شَيْءٍ ويَدْخُلُ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
6:129Page 144
وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعۡضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٢٩
And thus will We make some of the wrongdoers allies of others for what they used to earn.1
﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ما سَبَقَ مِن تَمْكِينِ الجِنِّ مِنإغْواءِ الإنْسِ وإضْلالِهِمْ أوْ مِثْلُ ما سَبَقَ ﴿نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ﴾ مِنَ الإنْسِ ﴿بَعْضًا﴾ آخَرَ مِنهم أيْ نَجْعَلُهم بِحَيْثُ يَتَوَلَّوْنَهم ويَتَصَرَّفُونَ فِيهِمْ في الدُّنْيا بِالإغْواءِ والإضْلالِ وغَيْرِ ذَلِكَ واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الرَّعِيَّةَ إذا كانُوا ظالِمِينَ فاللَّهُ تَعالى يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ ظالِمًا مِثْلَهم وفي الحَدِيثِ «كَما تَكُونُوا يُوَلّى عَلَيْكم» أوِ المَعْنى نَجْعَلُ بَعْضَهم قُرَناءَ
صفحة 28
بَعْضٍ في العَذابِ كَما كانُوا كَذَلِكَ في الدُّنْيا عِنْدَ اقْتِرافِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ كَما قِيلَ ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (129) أيْ بِسَبَبِ ما كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى كَسْبِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي
6:130Page 144
يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ شَهِدۡنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَاۖ وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ١٣٠
"O company of jinn and mankind,1 did there not come to you messengers from among you, relating to you My verses and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "We bear witness against ourselves"; and the worldly life had deluded them, and they will bear witness against themselves that they were disbelievers.
﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما سَيَكُونُ مِن تَوْبِيخِ المَعْشَرَيْنِ وتَقْرِيعِهِمْ بِتَفْرِيطِهِمْ فِيما يَتَعَلَّقُ بِخاصَّةِ أنْفُسِهِمْ ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ في الدُّنْيا ﴿رُسُلٌ﴾ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كائِنَةٌ ﴿مِنكُمْ﴾ أيْ مِن جُمْلَتِكم لَكِنْ لا عَلى أنْ يَأْتِيَ كُلُّ رَسُولٍ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأُمَمِ ولا عَلى أنَّ أُولَئِكَ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَن جِنْسِ الفَرِيقَيْنِ مَعًا بَلْ عَلى أنْ يَأْتِيَ كُلَّ أُمَّةٍ رَسُولٌ خاصٌّ بِها وعَلى أنْ تَكُونَ مِنَ الإنْسِ خاصَّةً إذِ المَشْهُورُ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الجِنِّ رُسُلٌ وأنْبِياءُ ونَظِيرُهُ في هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ فَإنَّهُما إنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ فَقَطْ كَما سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
والفَرّاءُ قَدَّرَ هُنا مُضافًا لِذَلِكَ أيْ مِن أحَدِكم وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: المُرادُ بِالرُّسُلِ ما يَعُمُّ رُسُلَ الرُّسُلِ وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الجِنَّ اسْتَمَعُوا لِلْقُرْآنِ وأنْذَرُوا بِهِ قَوْمَهم فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ وعَنِ الضَّحّاكِ وغَيْرِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ لِلْجِنِّ رُسُلًا مِنهم وصَرَّحَ بَعْضُهم أنَّ رَسُولًا مِنهم يُسَمّى يُوسُفَ وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي إرْسالَ الرُّسُلِ إلى كُلٍّ مِنَ المَعْشَرَيْنِ مِن جِنْسِهِمْ وادَّعى بَعْضٌ قِيامَ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إلى الجِنِّ رَسُولٌ مِنهم وإنَّما أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مَنِ الإنْسِ وهَلْ كانَ ذَلِكَ قَبْلَ بَعْثَةِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمْ لا الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الكَلْبِيُّ الثّانِي قالَ: كانَ الرُّسُلُ يُرْسَلُونَ إلى الإنْسِ حَتّى بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ إلى الإنْسِ والجِنِّ ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ الَّتِي أوْحَيْتُها إلَيْهِمْ والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِرُسُلٍ مُحَقِّقَةٌ لِما هو المُرادُ مِن إرْسالِهِمْ مِنَ التَّبْلِيغِ والإنْذارِ وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الثَّقَلَيْنِ ﴿ويُنْذِرُونَكُمْ﴾ أيْ يُخَوِّفُونَكم بِما في تَضاعِيفِها مِنَ القَوارِعِ ﴿لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أيْ يَوْمَ الحَشْرِ الَّذِي قَدْ عايَنُوا فِيهِ ما عايَنُوا ﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ والمَقْصُودُ مِنهُ حِكايَةُ قَوْلِهِمْ: كَيْفَ يَقُولُونَ وكَيْفَ يَعْتَرِفُونَ ﴿شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ أيْ بِإيتاءِ الرُّسُلِ وقَصِّهِمْ وإنْذارِهِمْ وبِمُقابَلَتِهِمْ إيّاهم بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ اعْتِراضٌ لِبَيانِ ما أدّاهم في الدُّنْيا إلى ارْتِكابِ القَبائِحِ الَّتِي ارْتَكَبُوها وألْجَأهم في الآخِرَةِ إلى الِاعْتِرافِ بِالكُفْرِ واسْتِيجابِ العَذابِ وذَمٌّ لَهم بِذَلِكَ وتَسْفِيهٌ لِرَأْيِهِمْ فَلا تَكْرارَ في الشَّهادَتَيْنِ أيْ واغْتَرُّوا في الدُّنْيا بِالحَياةِ الدَّنِيئَةِ واللَّذّاتِ الخَسِيسَةِ الفانِيَةِ وأعْرَضُوا عَنِ النَّعِيمِ المُقِيمِ الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ واجْتَرَؤُوا عَلى ارْتِكابِ ما يَجُرُّهم إلى العَذابِ المُؤَبَّدِ الَّذِي أنْذَرُوهم إيّاهُ ﴿وشَهِدُوا﴾ في الآخِرَةِ ﴿عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا﴾ في الدُّنْيا ﴿كافِرِينَ﴾ (130) بِالآياتِ والنُّذُرِ واضْطُرُّوا إلى الِاسْتِسْلامِ لِأشَدِّ العَذابِ وفي ذَلِكَ مِن تَحَسُّرِهِمْ وتَحْذِيرِ السّامِعِينَ عَنْ مِثْلِ صَنِيعِهِمْ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
6:131Page 144
ذَٰلِكَ أَن لَّمۡ يَكُن رَّبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا غَٰفِلُونَ ١٣١
That is because your Lord would not destroy the cities for wrongdoing1 while their people were unaware.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى إتْيانِ الرُّسُلِ أوِ السُّؤالِ المَفْهُومِ مِن ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ أوْ ما قُصَّ مِن أمْرِهِمْ أعْنِي شَهادَتَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ واسْتِيجابَ العَذابِ وهو إمّا مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مُقَدَّرٌ أوْ خَبَرُهُقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى﴾ بِحَذْفِ اللّامِ عَلى أنَّ أنْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُخَفَّفَةٌ مِن أنَّ وضَمِيرُ الشَّأْنِ الَّذِي هو اسْمُها وإمّا مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ كَخُذْوَفَعَلْنا ونَحْوِ ذَلِكَ وجُوِّزَ أنْ
صفحة 29
يَكُونَ ( أنْ لَمْ ) .. إلَخْ. بَدَلًا مِنَ اسْمِ الإشارَةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِظُلْمٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ إمّا بِمُهْلِكٍ أيْ بِسَبَبِ ظُلْمٍ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ القُرى أوْ مُتَلَبِّسَةً بِظُلْمٍ أوْ حالًا مِن رَبِّكَ أوْ مِن ضَمِيرِهِ في مُهْلِكَ والمُرادُ مُهْلِكَ أهْلِ القُرى إلّا أنَّهُ تَجَوَّزَ في النِّسْبَةِ أوْ حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ ولا يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأهْلُها غافِلُونَ﴾ (131) لِأنَّ أصْلَهُ وهم غافِلُونَ فَلَمّا حُذِفَ المُضافُ أُقِيمَ مَقامَ ضَمِيرِهِ.
واعْتَرَضَ شَيْخُ الإسْلامِ عَلى جَعْلِ بِظُلْمٍ حالًا مِن رَبِّكَ أوْ مِن ضَمِيرِهِ بِأنَّهُ يَأْباهُ أنَّ غَفْلَةَ أهْلِها مَأْخُوذَةٌ في مَعْنى الظُّلْمِ وحَقِيقَتِهِ لا مَحالَةَ فَلا يَحْسُنُ تَقْيِيدُهُ بِالجُمْلَةِ بَعْدُ وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ قَدْ يُتَصَوَّرُ الظُّلْمُ مَعَ عَدَمِ الغَفْلَةِ بِأنْ يَكُونَ حالَ التَّيَقُّظِ ومُقارِنَةَ الِانْقِيادِوَإنْ كانَ المُرادُ ها هُنا هو الإهْلاكَ حالَ الغَفْلَةِ فَفائِدَةُ التَّقْيِيدِ تَعْيِينُ المُرادِ ولا يَخْفى حُسْنُهُ ولا يَخْفى ما فِيهِ واخْتارَ قَدَّسَ سِرَّهُ مِنَ احْتِمالاتِ المُشارِ إلَيْهِ وأوْجُهَإعْرابِ اسْمِ الإشارَةِ الثّالِثِ مِن كُلٍّ قالَ: والمَعْنى ذَلِكَ ثابِتٌ لِانْتِفاءِ كَوْنِ رَبِّكَ أوْ لِأنَّ الشَّأْنَ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِسَبَبِ أيِّ ظُلْمٍ فَعَلَوْهُ مِن أفْرادِ الظُّلْمِ قَبْلَ أنْ يُنْهَوْا عَنْهُ ويُنَبَّهُوا عَلى بُطْلانِهِ بِرُسُلٍ وكِتابٍ وإنْقَضى بِهِ بَداهَةً العُقُولُ ويُنْذَرُوا عاقِبَةَ جِناياتِهِمْ أيْ لَوْلا انْتِفاءُ كَوْنِهِ تَعالى مُعَذِّبًا لَهم قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ لَما أمْكَنَ التَّوْبِيخُ بِما ذَكَرَ ولَما شَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ واسْتِيجابِ العَذابِ ولا اعْتَذَرُوا بِعَدَمِإتْيانِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ وإنَّما عَلَّلَ ما ذَكَرَ بِانْتِفاءِ التَّعْذِيبِ الدُّنْيَوِيِّ الَّذِي هو إهْلاكُ القُرى قَبْلَ الإنْذارِ مَعَ أنَّ التَّقْرِيبَ في تَعْلِيلِهِ بِانْتِفاءِ مُطْلَقِ التَّعْذِيبِ مِن غَيْرِ بَعْثِ الرُّسُلِ أتَمُّ عَلى ما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ عَلى ما اخْتارَهُ أهْلُ السُّنَّةِ في مَعْناهُ لِبَيانِ كَما نَزاهَتُهُ سُبْحانَهُ عَلى كِلا التَّعْذِيبَيْنِ مِن غَيْرِإنْذارٍ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ.
ولا يَخْفى أنَّ لَمّا اخْتارَهُ وجْهًا وجِيهًا خَلا أنَّ قَوْلَهُ فِيما بَعْدُ: إنْ جَعَلَ ذَلِكَ إشارَةً إلى إرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنْذارِهِمْ وخَبَرَ المُبْتَدَأِ مَحْذُوفًا كَما أطْبَقَ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ بِمَعْزِلٍ عَنْ مُقْتَضى المَقامِ مَمْنُوعٍ وعَلى سائِرِ الِاحْتِمالاتِ الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ والظّاهِرُ أنَّ انْتِفاءَ الإهْلاكِ قَبْلَ الإنْذارِ لا يَخْتَصُّ بِالإنْسِ بَلِ الجِنُّ أيْضًا لا يُهْلَكُونَ قَبْلَإنْذارِهِمْ وإنْلَمْ يَشِعْ إطْلاقُ أهْلِ القُرى عَلَيْهِمْ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى مَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَنا والمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ: يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ لا يُعَذِّبَ قَبْلَ الإنْذارِ وقِيامِ الحُجَّةِ وبَنَوْهُ عَلى قاعِدَةِ الحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ وأئِمَّتُنا يُثْبِتُونَ ذَلِكَ لَكِنَّهم لا يَجْعَلُونَهُ مَناطَ الحُكْمِ كَما زَعَمَ المُعْتَزِلَةُ
6:132Page 145
وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ ١٣٢
And for all are degrees [i.e., positions resulting] from what they have done. And your Lord is not unaware of what they do.
﴿ولِكُلٍّ﴾ مِنَ المُكَلَّفِينَ جِنًّا كانُوا أوِ إنْسًا ﴿دَرَجاتٌ﴾ أيْ مَراتِبُ فَيَتَناوَلُ الدَّرَكاتِ حَقِيقَةً أوْ تَغْلِيبًا ﴿مِمّا عَمِلُوا﴾ أيْ مِن أعْمالِهِمْ صالِحَةً كانَتْ أوْ سَيِّئَةً أوْ مِن أجْلِ أعْمالِهِمْ أوْ مِن جَزائِها فَمِن إمّا ابْتِدائِيَّةٌ أوْ تَعْلِيلِيَّةٌ أوْ بَيانِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ (132) فَلا يَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ عَمَلُ عامِلٍ أوْ قَدْرُ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( تَعْمَلُونَ ) بِالتّاءِ عَلى تَغْلِيبِ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ ولَوْ أُرِيدَ شُمُولُ ( يَعْمَلُونَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ لِلْمُخاطَبِ بِأنْيُرادَ جَمِيعُ الخَلْقِ فَلا مانِعَ مِنَ اعْتِبارِ تَغْلِيبِ الغائِبِ عَلى المُخاطَبِ سِوى أنَّ ذَلِكَ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ
صفحة 30
فِي كَلامِهِمْ
6:133Page 145
وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوۡمٍ ءَاخَرِينَ ١٣٣
And your Lord is the Free of need, the possessor of mercy. If He wills, He can do away with you and give succession after you to whomever He wills, just as He produced you from the descendants of another people.
﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ أيْ لا غِنًى عَنْ كُلِّ شَيْءٍ كائِنًا ما كانَ إلّا هو سُبْحانَهُ فَلا احْتِياجَ لَهُ عَزَّ شَأْنُهُ إلى العِبادِ ولا إلى عِبادَتِهِمْ ولا يَخْفى ما في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ والإضافَةُ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ اللُّطْفِ الجَزِيلِ والكَلامُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ وقَوْلُهُسُبْحانَهُ: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ خَبَرٌ آخَرُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو الخَبَرُ و﴿الغَنِيُّ﴾ صِفَةٌ أيِ المَوْصُوفُ بِالرَّحْمَةِ العامَّةِ فَيَتَرَحَّمُ عَلى العِبادِ بِالتَّكَلُّفِ تَكْمِيلًا لَهم ويُمْهِلُهم عَلى المَعاصِي إلى ما شاءَ وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ماتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الإرْسالِ لَيْسَ لِنَفْعِهِ بَلْ لِتَرَحُّمِهِ عَلى العِبادِ وتَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيْ ما بِهِ حاجَةٌ إلَيْكم أصْلًا إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها العُصاةُ أوْ أيُّها النّاسُ بِالإهْلاكِ وفي تَلْوِينِ الخِطابِ مِن تَشْدِيدِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى ﴿ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ﴾ أيْ ويُنْشِئُ مِن بَعْدِ إذْهابِكم ﴿ما يَشاءُ﴾ مِنَ الخَلْقِ وإيثارُ ما عَلى مَن لِإظْهارِ كَمالِ الكِبْرِياءِ وإسْقاطِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ العُقَلاءِ ﴿كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ (133) أيْ مِن نَسْلِ قَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَكُونُوا عَلى مِثْلِ صِفَتِكم وهم أهْلُ سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ أبْقاكم تَرَحُّمًا عَلَيْكم وما في ( كَما ) مَصْدَرِيَّةٌ ومُحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوِ الوَصْفِيَّةِ لِمَصْدَرِ الفِعْلِ السّابِقِ أيْ ويُنْشِئُ إنْشاءً كَإنْشائِكم أوْ يَسْتَخْلِفُ اسْتِخْلافًا كائِنًا كَإنْشائِكم و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ وقِيلَ: هي بِمَعْنى البَدَلِ والشَّرْطِيَّةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مِنَ الغِنى والرَّحْمَةِ
6:134Page 145
إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَأٓتٖۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ١٣٤
Indeed, what you are promised is coming, and you will not cause failure [to Allāh].1
﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ أيِإنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِنَ القِيامَةِ والحِسابِ والعِقابِ والثَّوابِ وتَفاوُتِ الدَّرَجاتِ والدَّرَكاتِ وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ و﴿ما﴾ اسْمُإنَّ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكافَّةَ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿لآتٍ﴾ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ كَما قالَ أبُو البَقاءِ هو خَبَرُإنَّ والمُرادُ إنَّ ذَلِكَ لَواقِعٌ لا مَحالَةَ وإيثارُ آتٍ عَلى واقِعٍ لِبَيانِ كَمالِ سُرْعَةِ وُقُوعِهِ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ طالِبٍ حَثِيثٍ لا يَفُوتُهُ هارِبٌ حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (134) أيْ جاعِلِي مَن طَلَبَكم عاجِزًا عَنْكم غَيْرَ قادِرٍ عَلى إدْراكِكم.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المَعْنى وما أنْتُمْ بِسابِقِينَ وإيثارُ صِيغَةِ الفاعِلِ عَلى المُسْتَقْبَلِ لِلْإيذانِ بِقُرْبِ الإتْيانِ والدَّوامِ الَّذِي يُفِيدُهُ العُدُولُ عَنِ الفِعْلِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ مُتَوَجِّهٌ إلى النَّفْيِ فالمُرادُ دَوامُ انْتِفاءِ الإعْجازِ لا بَيانُ دَوامِ انْتِفائِهِ ولَهُ نَظائِرُ في الكِتابِ الكَرِيمِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences