Al-AlusiAl‑An'am · 6:150–152

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:150–152

6:150Page 148

قُلۡ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشۡهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَاۖ فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشۡهَدۡ مَعَهُمۡۚ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ ١٥٠

Say, [O Muḥammad], "Bring forward your witnesses who will testify that Allāh has prohibited this." And if they testify, do not testify with them. And do not follow the desires of those who deny Our verses and those who do not believe in the Hereafter, while they equate [others] with their Lord.

﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ أيْ أحْضِرُوهم لِلشَّهادَةِ وهو اسْمُ فِعْلٍ لا يَتَصَرَّفُ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ وفِعْلٌ يُؤَنَّثُ ويُثَنّى ويُجْمَعُ عِنْدَ بَنِي تَمِيمٍ وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما اشْتُهِرَ مِن أنَّ ما ذُكِرَ مِن خَصائِصِ الأفْعالِ.

وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّ الضَّمائِرَ قَدْ تَتَّصِلُ بِالكَلِمَةِ وهي حَرْفٌ كَلَيْسَ أوِ اسْمُ فِعْلٍ كَهاتِ لِمُناسَبَتِها لِلْأفْعالِ وعَلى هَذا تَكُونُ ﴿هَلُمَّ﴾ اسْمَ فِعْلٍ مُطْلَقًا كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ وعَلَيْهِ الرَّضِيُّ حَيْثُ قالَ: وبَنُو تَمِيمٍ يَصْرِفُونَهُ فَيُذَكِّرُونَهُ ويُؤَنِّثُونَهُ ويَجْمَعُونَهُ نَظَرًا إلى أصْلِهِ وأصْلُهُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ هالُمَّ مِن لَمَّ إذا قَصَدَ حُذِفَتِ الألِفُ لِتَقْدِيرِ السُّكُونِ في اللّامِ لِأنَّ أصْلَهُ ألْمَمَ وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ هَلْ أُمَّ فَنُقِلَتْ ضَمَّةُ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ وحُذِفَتْ كَما هو القِياسُ واسْتُبْعِدَ بِأنَّ هَلْ لا تَدَخُلُ الأمْرَ ودُفِعَ بِما نَقَلَهُ الرَّضِيُّ عَنْهم مِن أنَّ أصْلَ هَلْ أُمَّ هَلّا أُمَّ وهَلّا كَلِمَةُ اسْتِعْجالٍ بِمَعْنى أسْرِعْ فَغُيِّرَ إلى هَلْ لِتَخْفِيفِ التَّرْكِيبِ ثُمَّ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا بِمَعْنى أحْضِرْ وائْتِ ولازِمًا بِمَعْنى أقْبِلْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ ﴿الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا﴾ وهَمَ كُبَراؤُهُمُ الَّذِينَ أسَّسُوا ضَلالَهم والمَقْصُودُ مِن إحْضارِهِمْ تَفْضِيحُهم وإلْزامُهم وإظْهارُ أنْ لا مُتَمَسَّكَ لَهم كَمُقَلِّدِيهِمْ ولِذَلِكَ قُيِّدَ الشُّهَداءُ بِالإضافَةِ ووُصِفُوا بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهم شُهَداءُ مُعَرَّفُونَ بِالشَّهادَةِ لَهم وبِنْصِرِ مَذْهَبِهِمْ وهَذا إشارَةٌ إلى ما حَرَّمُوهُ مِنَ الأنْعامِ عَلى ما حَكَتْهُ الآياتُ السّابِقَةُ.

صفحة 53

وقالَ مُجاهِدٌ: إشارَةٌ إلى البَحائِرِ والسَّوائِبِ ﴿فَإنْ شَهِدُوا﴾ أيْ أُولَئِكَ الشُّهَداءُ المُعَرَّفُونَ بِالباطِلِ بَعْدَ ما حَضَرُوا بِأنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا ﴿فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ أيْ فَلا تُصَدِّقْهم فَإنَّهُ كَذِبٌ بَحْتٌ وبَيَّنَ لَهم فَسادَهُ لِأنَّ تَسْلِيمَهُ مِنهم مُوافَقَةٌ لَهم في الشَّهادَةِ الباطِلَةِ والسُّكُوتُ قَدْ يُشْعِرُ بِالرِّضا وإرادَةُ هَذا المَعْنى مِن ( لا تَشْهَدْ ) إمّا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ أوِ المَجازِ المُرْسَلِ مِن ذِكْرِ اللّازِمِ وإرادَةِ المَلْزُومِ لِأنَّ الشَّهادَةَ مِن لَوازِمِ التَّسْلِيمِ أوِ الكِنايَةِ أوْ هو مِن بابِ المُشاكَلَةِ ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ ضَمِيرَ ﴿شَهِدُوا﴾ لِلْمُشْرِكِينَ أيْ فَإنْ لَمْ يَجِدُوا شاهِدًا يَشْهَدُ بِذَلِكَ فَشَهِدُوا بِأنْفُسِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ فَلا تَشْهَدْ وهو في غايَةِ البُعْدِ وأبْعَدُ مِنهُ بَلْ هو لِلْفَسادِ أقْرَبُ قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ هَلُمَّ شُهَداءَكم مِن غَيْرِكم فَإنْ لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ لِأنَّ غَيْرَ العَرَبِ لا يُحَرِّمُونَ ما ذُكِرَ وشَهِدُوا بِأنْفُسِهِمْ فَلا تَصْدِّقْهم ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ مُكَذِّبَ الآياتِ مُتَّبِعٌ الهَوى لا غَيْرَ وإنَّ مُتَّبِعَ الحُجَّةَ لا يَكُونُ إلّا مُصَدِّقًا بِها والخِطابُ قِيلَ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ وقِيلَ: لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ والمُرادُ أُمَّتُهُ.

﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ كَعَبَدَةِ الأوْثانِ عُطِفَ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ بِطَرِيقِ عَطْفِ الصِّفَةِ عَلى الصِّفَةِ مَعَ اتِّحادِ المَوْصُوفِ فَإنَّ مَن يُكَذِّبُ بِآياتِهِ تَعالى لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ وبِالعَكْسِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ الأوَّلِ المُكَذِّبُونَ مَعَ الإقْرارِ بِالآخِرَةِ كَأهْلِ الكِتابَيْنِ وبِالمَوْصُولِ الثّانِي المُكَذِّبُونَ مَعَ إنْكارِ الآخِرَةِ ولا يَخْفى ما فِيهِ ﴿وهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (150) أيْ يَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا أيْ شَرِيكًا فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ وقِيلَ: يَعْدِلُونَ بِأفْعالِهِ عَنْهُ سُبْحانَهُ ويَنْسُبُونَها إلى غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ وقِيلَ: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ بِعِبادَتِهِمْ عَنْهُ تَعالى والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ والمَعْنى لا تَتَّبِعِ الَّذِينَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ التَّكْذِيبِ بِالآياتِ والكُفْرِ بِالآخِرَةِ والإشْراكِ بِرَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ لَكِنْ لا عَلى أنَّ مَدارَ النَّهْيِ الجَمْعُ المَذْكُورُ بَلْ عَلى أنَّ أُولَئِكَ جامِعُونَ لَها مُتَّصِفُونَ بِها وقِيلَ: الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( لا يُؤْمِنُونَ )

6:151Page 148

۞ قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٥١

Say, "Come, I will recite what your Lord has prohibited to you. [He commands] that you not associate anything with Him, and to parents, good treatment, and do not kill your children out of poverty; We will provide for you and them. And do not approach immoralities - what is apparent of them and what is concealed. And do not kill the soul which Allāh has forbidden [to be killed] except by [legal] right. This has He instructed you that you may use reason."

﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ أمْرٌ لَهُ ﷺ بَعْدَ ما ظَهَرَ بُطْلانُ ما ادَّعَوْا أنْ يُبَيِّنَ لَهم مِنَ المُحَرَّماتِ ما يَقْتَضِي الحالُ بَيانَهُ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ إيذانًا بِأنَّ حَقَّهُمُ الِاجْتِنابُ عَنْ هَذِهِ المُحَرَّماتِ وأمّا الأطْعِمَةُ المُحَرَّمَةُ فَقَدْ بُيِّنَتْ فِيما تَقَدَّمَ وتَعالَ أمْرٌ مِنَ التَّعالِي والأصْلُ فِيهِ أنْ يَقُولَ مَن هو في مَكانٍ عالٍ لِمَن هو أسْفَلَ مِنهُ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ بِالتَّعْمِيمِ واسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالَ المُقَيَّدِ في المُطْلَقِ مَجازًا ويَحْتَمِلُ هُنا كَما قِيلَ أنْ يَكُونَ عَلى الأصْلِ تَعْرِيضًا لَهم بِأنَّهم في حَضِيضِ الجَهْلِ ولَوْ سَمِعُوا ما يُقالُ لَهم تَرَقَّوْا إلى ذُرْوَةِ العِلْمِ وقُنَّةِ العِزِّ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أتْلُ﴾ جَوابُ الأمْرِ أيْ أنْ تَأْتُونِي أتْلُ وما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ إمّا مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ أقْرَأُ الَّذِي حَرَّمَهُ رَبُّكم أيِ الآياتُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْهِ أيْ تَحْرِيمِهِ والمُرادُ الآيَةُ الدّالَّةُ عَلَيْهِ وهي في الِاحْتِمالَيْنِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِأتْلُ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِحَرَّمِ والجُمْلَةُ مَفْعُولُ ﴿أتْلُ﴾ لِأنَّ التِّلاوَةَ مِن بابِ القَوْلِ فَيَصِحُّ أنْ تَعْمَلَ في الجُمْلَةِ بِناءً عَلى المَذْهَبِ الكُوفِيِّ مِن أنَّهُ تُحْكى الجُمْلَةُ بِكُلِّ ما تَضَمَّنَ مَعْنى القَوْلِ وغَيْرُهم يُقَدِّرُ في ذَلِكَ قائِلًا ونَحْوَهُ.

والمَعْنى هُنا عَلى الِاسْتِفْهامِ تَعالَوْا أقُلْ لَكم وأُبَيِّنْ جَوابَ أيِّ شَيْءٍ حَرَّمَ رَبُّكم وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ عَلى

صفحة 54

كُلِّ حالٍ بِحَرَّمَ وجُوِّزَ أنَّ يَتَعَلَّقَ بِأتْلُ ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّهُ أنْسَبُ بِمَقامِ الِاعْتِناءِ بِإيجابِ الِانْتِهاءِ عَنِ المُحَرَّماتِ المَذْكُورَّةِ وهو السِّرُّ في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ كَوْنُ المَتْلُوِّ مُحَرَّمًا عَلى الكُلِّ كَما لا يَخْفى ﴿ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ أيْ مِنَ الإشْراكِ أوْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ فَشَيْئًا يَحْتَمِلُ المَصْدَرِيَّةَ والمَفْعُولِيَّةَ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ في إعْرابِ ( أنْ لا ) وبَدَأ سُبْحانَهُ بِأمْرِ الشِّرْكِ لِأنَّهُ أعْظَمُ المُحَرَّماتِ وأكْبَرُ الكَبائِرِ ﴿وبِالوالِدَيْنِ﴾ أيْ أحْسِنُوا بِهِما إحْسانًا كامِلًا لا إساءَةَ مَعَهُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يُرِيدُ البِرَّ بِهِما مَعَ اللُّطْفِ ولِينِ الجانِبِ فَلا يُغْلِظُ لَهُما في الجَوابِ ولا يَحُدُّ النَّظَرَ إلَيْهِما ولا يَرْفَعُ صَوْتَهُ عَلَيْهِما بَلْ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِما مِثْلَ العَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ تَذَلُّلًا لَهُما وثَنّى اللَّهُ تَعالى بِهَذا التَّكْلِيفِ لِأنَّ نِعْمَةَ الوالِدَيْنِ أعْظَمُ النِّعَمِ عَلى العَبْدِ بَعْدَ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ المُؤَثِّرَ الحَقِيقِيَّ في وُجُودِ الإنْسانِ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ والمُؤَثِّرَ في الظّاهِرِ هو الأبَوانِ.

وعَقَّبَ سُبْحانَهُ التَّكْلِيفَ المُتَعَلِّقَ بِالوالِدَيْنِ بِالتَّكْلِيفِ المُتَعَلِّقِ بِالأوْلادِ لِكَمالِ المُناسَبَةِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ﴾ بِالوَأْدِ ﴿مِن إمْلاقٍ﴾ مِن أجْلِ فَقْرٍ أوْ مِن خَشْيَتِهِ كَما قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ وقِيلَ: الخِطابُ في كُلِّ آيَةٍ لِصِنْفٍ ولَيْسَ خِطابًا واحِدًا فالمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن إمْلاقٍ﴾ مَنِ ابْتُلِيَ بِالفَقْرِ وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ مَن لا فَقْرَ لَهُ ولَكِنْ يَخْشى وُقُوعَهُ في المُسْتَقْبَلِ ولِهَذا قَدَّمَ رِزْقَهم ها هُنا في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾ وقَدَّمَ رِزْقَ أوْلادِهِمْ في مَقامِ الخَشْيَةِ فَقِيلَ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكُمْ﴾ وهو كَلامٌ حَسَنٌ.

وأيًّا ما كانَ فَجُمْلَةُ ( نَحْنُ ) .. إلَخْ. اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ وإبْطالِ سَبَبِيَّةِ ما اتَّخَذُوهُ سَبَبًا لِمُباشَرَةِ المَنهِيِّ عَنْهُ وضَمانٌ مِنهُ تَعالى لِإرْزاقِهِمْ أيْ نَحْنُ نَرْزُقُ الفَرِيقَيْنِ لا أنْتُمْ فَلا تَقْدَمُوا عَلى ما نُهِيتُمْ عَنْهُ لِذَلِكَ.

﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ﴾ أيِ الزِّنا والجَمْعُ إمّا لِلْمُبالَغَةِ أوْ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ مَن يَصْدُرُ عَنْهُ أوْ لِلْقَصْدِ إلى النَّهْيِ عَنِ الأنْواعِ ولِذا أُبْدِلَ مِنها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ أيْ ما يُفْعَلُ مِنها عَلانِيَةً في الحَوانِيتِ كَما هو دَأْبُ أراذِلِهِمْ وما يُفْعَلُ سِرًّا بِاتِّخاذِ الأخْدانِ كَما هو عادَةُ أشْرافِهِمْ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ وقِيلَ: المُرادُ بِها المَعاصِي كُلُّها.

وفِي المُرادِ بِما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ عَلى هَذا أقْوالٌ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْها واخْتارَ ذَلِكَ الإمامُ وجَماعَةٌ ورَجَّحَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ الأوَّلَ بِأنَّهُ الأوْفَقُ بِنَظْمِ المُتَعاطِفاتِ ووَجْهُ تَوْسِيطِ هَذا النَّهْيِ بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ والنَّهْيِ عَنِ القَتْلِ مُطْلَقًا عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّ الفَواحِشَ بِهَذا المَعْنى مَعَ كَوْنِها في نَفْسِها جِنايَةً عَظِيمَةً في حُكْمِ قَتْلِ الأوْلادِ فَإنَّ أوْلادَ الزِّنا في حُكْمِ الأمْواتِ وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أنَّهُ قالَ في حَقِّ العَزْلِ: ذاكَ وأْدٌ خَفِيٌّ» وعَلى القَوْلِ الآخَرِ لا يَظْهَرُ وجْهُ تَوْسِيطِ هَذا العامِّ بَيْنَ أفْرادِهِ ويَكُونُ تَوْسِيطُهُ بَيْنَ النَّهْيَيْنِ مِن قَبِيلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ وتَعْلِيقُ النَّهْيِ بِقُرْبانِها إمّا لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَنْها لِقُوَّةِ الدَّواعِي إلَيْها وإمّا لِأنَّ قُرْبانَها داعٍ إلى مُباشَرَتِها.

﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ حَرَّمَ قَتْلَها بِأنْ عَصَمَها بِالإسْلامِ أوْ بِالعَهْدِ فَيَخْرُجُ الحَرْبِيُّ ويَدْخُلُ الذِّمِّيُّ فَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ مِن كَوْنِ المُرادِ بِالنَّفْسِ المَذْكُورَةِ النَّفْسَ المُؤْمِنَةَ لَيْسَ في مَحَلِّهِ ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ اسْتِثْناءٌ

صفحة 55

مُفَرَّغٌ مَن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ لا تَقْتُلُوها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ مُلابِسَتِكم بِالحَقِّ الَّذِي هو أمْرُ الشَّرْعِ بِقَتْلِها وذَلِكَ كَما رُوِيَ في الخَبَرِ بِالكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ والزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ وقَتْلِ النَّفْسِ المَعْصُومَةِ أوْ مِن أعَمِّ الأسْبابِ أيْ لا تَقْتُلُوها بِسَبَبٍ مَنِ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ وهو مِمّا في الخَبَرِ أوْ مِن أعَمِّ المَصادِرِ أيْ لا تَقْتُلُوها قَتْلًا إلّا قَتْلًا كائِنًا بِالحَقِّ وهو القَتْلُ بِأحَدِ المَذْكُوراتِ ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ التَّكالِيفِ الخَمْسَةِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ مِن بَيْنِ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ ﴿وصّاكم بِهِ﴾ أيْ طَلَبَهُ مِنكم طَلَبًا مُؤَكَّدًا والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ تَجْدِيدًا لِلْعَهْدِ وتَأْكِيدًا لِإيجابِ المُحافَظَةِ عَلى ما كُلِّفُوهُ وقالَ الإمامُ: جِيءَ بِها لِتَقْرِيبِ القَبُولِ إلى القَلْبِ لِما فِيها مِنَ اللُّطْفِ والرَّحْمَةِ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ (151) أيْ تَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَكُمُ الَّتِي تَعْقِلُ نُفُوسَكم وتَحْبِسُها عَنْ مُباشَرَةِ القَبائِحِ المُحَرَّمَةِ.

6:152Page 149

وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۖ وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُواْ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُواْۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ١٥٢

And do not approach the orphan's property except in a way that is best [i.e., intending improvement] until he reaches maturity. And give full measure and weight in justice. We do not charge any soul except [with that within] its capacity. And when you speak [i.e., testify], be just, even if [it concerns] a near relative. And the covenant of Allāh fulfill. This has He instructed you that you may remember.

﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ أيْ لا تَتَعَرَّضُوا لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ بِالفِعْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ ما يُفْعَلُ بِمالِهِ كَحِفْظِهِ وتَثْمِيرِهِ وقِيلَ: المُرادُ لا تَقْرَبُوا مالَهُ إلّا وأنْتُمْ مُتَّصِفُونَ بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ الخِصالِ في مَصْلَحَتِهِ فَمَن لَمْ يَجِدْ نَفْسَهُ عَلى أحْسَنِ الخِصالِ يَنْبَغِي أنْ لا يَقْرَبَهُ وفِيهِ بُعْدٌ والخِطابُ لِلْأوْلِياءِ والأوْصِياءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ فَإنَّهُ غايَةٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ لا لِلنَّهْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: احْفَظُوهُ حَتّى يَبْلُغَ فَإذا بَلَغَ فَسَلِّمُوهُ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ والأشُدُّ عَلى ما قالَهُ الفَرّاءُ جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: هو مُفْرَدُ كَأنَّكَ ولَمْ يَأْتِ في المُفْرَداتِ عَلى هَذا الوَزْنِ غَيْرُهُما وقِيلَ: هو جَمْعُ شِدَّةٍ كَنِعْمَةٍ وأنْعُمٍ وقُدِّرَ فِيهِ زِيادَةُ الهاءِ لِكَثْرَةِ جَمْعِ فَعَلٍ عَلى أفْعُلٍ كَقَدَحٍ وأقْدُحٍ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّهُ جَمْعُ شُدٍّ بِضَمِّ الشِّينِ كَوُدٍّ وأوُدٍّ وقِيلَ جَمْعُ شَدٍّ بِفَتْحِها وأيًّا ما كانَ فَهو مِنَ الشِّدَّةِ أيِ القُوَّةِ أوِ الِارْتِفاعِ مِن شَدَّ النَّهارُ إذا ارْتَفَعَ ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ.

عَهْدِي بِهِ شَدُّ النَّهارِ كَأنَّما خَضَّبَ البَنانَ ورَأْسَهُ بِالعَظْلَمِ

. والمُرادُ بِبُلُوغِ الأشُدِّ عِنْدَ الشَّعْبِيِّ وجَماعَةٍ بُلُوغُ الحُلُمِ وقِيلَ: أنْ يَبْلُغَ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وقالَ السُّدِّيُّ: أنْ يَبْلُغَ ثَلاثِينَ إلّا أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾ وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ في زَمَنِ دَفْعِ مالِ اليَتِيمِ إلَيْهِ وأشْبَعْنا الكَلامَ في تَحْقِيقِ الحَقِّ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ ﴿وأوْفُوا﴾ أيْ أتِمُّوا ﴿الكَيْلَ﴾ أيِ المَكِيلَ فَهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ ﴿والمِيزانَ﴾ كَذَلِكَ كَما قالَ أبُو البَقاءِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ مَكِيلَ الكَيْلِ ومَوْزُونَ المِيزانِ ﴿بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿أوْفُوا﴾ أيْ مُقْسِطِينَ وقالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ أيْ تامًّا ولَعَلَّ الإتْيانَ بِهَذِهِ الحالِ لِلتَّأْكِيدِ.

وفِي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ فَإنْ قِيلَ: إيفاءُ الكَيْلِ والمِيزانِ هو عَيْنُ القِسْطِ فَما الفائِدَةُ مِنَ التَّكْرِيرِ قُلْنا: أمْرُ اللَّهِ تَعالى المُعْطِي بِإيفاءِ ذِي الحَقِّ حَقَّهُ مِن غَيْرِ نُقْصانٍ وأمْرُ صاحِبِ الحَقِّ بِأخْذِ حَقِّهِ مِن غَيْرِ طَلَبِ الزِّيادَةِ فَتَدَبَّرْ.

﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ إلّا ما يَسَعُها ولا يَعْسُرُ عَلَيْها والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جِيءَ بِها عَقِيبَ الأمْرِ بِإيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ بِالعَدْلِ لِلتَّرْخِيصِ فِيما خَرَجَ عَنِ الطّاقَةِ لِما أنَّ في مُراعاةِ ذَلِكَ كَما هو حَرَجًا مَعَ كَثْرَةِ

صفحة 56

وُقُوعِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: عَلَيْكم بِما في وُسْعِكم في هَذا الأمْرِ وما وراءَهُ مَعْفُوٌّ عَنْكم وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جِيءَ بِها لِتَهْوِينِ أمْرِ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّكْلِيفاتِ لِيُقْبِلُوا عَلَيْها كَأنَّهُ قِيلَ: جَمِيعُ ما كَلَّفْناكم بِهِ مُمْكِنٌ غَيْرُ شاقٍّ ونَحْنُ لا نُكَلِّفُ ما لا يُطاقُ ﴿وإذا قُلْتُمْ﴾ قَوْلًا في حُكُومَةٍ أوْ شَهادَةٍ أوْ نَحْوِهِما ﴿فاعْدِلُوا﴾ فِيهِ وقُولُوا الحَقَّ ﴿ولَوْ كانَ﴾ المَقُولُ لَهُ أوْ عَلَيْهِ ﴿ذا قُرْبى﴾ أيْ صاحِبَ قَرابَةٍ مِنكم ﴿وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ أيْ ما عَهِدَ إلَيْكم مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ أوْ أيِّ عَهْدٍ كانَ فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا أوْ ما عاهَدْتُمُ اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ مِن أيْمانِكم ونُذُورِكم والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ وتَقْدِيمُهُ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ ما فُصِّلَ مِنَ التَّكالِيفِ الجَلِيلَةِ ﴿وصّاكم بِهِ﴾ أمَرَكم بِهِ أمْرًا مُؤَكَّدًا ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ (152) ما في تَضاعِيفِهِ وتَعْمَلُونَ بِمُقْتَضاهُ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ( تَذَكَّرُونَ ) بِتَخْفِيفِ الذّالِ والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ في كُلِّ القُرْآنِ وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ.

وخُتِمَتِ الآيَةُ الأوْلى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ وهَذِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ وقَتْلِ الأوْلادِ وقُرْبانِ الزِّنا وقَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ غَيْرَ مُسْتَنْكِفِينَ ولا عاقِلِينَ قُبْحَها فَنَهاهم سُبْحانَهُ لَعَلَّهم يَعْقِلُونَ قُبْحَها فَيَسْتَنْكِفُوا عَنْها ويَتْرُكُوها وأمّا حِفْظُ أمْوالِ اليَتامى عَلَيْهِمْ وإيفاءُ الكَيْلِ والعَدْلُ في القَوْلِ والوَفاءُ بِالعَهْدِ فَكانُوا يَفْعَلُونَهُ ويَفْتَخِرُونَ بِالِاتِّصافِ بِهِ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ لَعَلَّهم يَذْكُرُونَ إنْ عَرَضَ لَهم نِسْيانٌ قالَهُ القُطْبُ الرّازِيُّ: ثُمَّ قالَ فَإنْ قُلْتَ إحْسانُ الوالِدَيْنِ مِن قَبِيلِ الثّانِي أيْضًا فَكَيْفَ ذُكِرَ مِنَ الأوَّلِ قُلْتُ: أعْظَمُ النِّعَمِ عَلى الإنْسانِ نِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى ويَتْلُوها نِعْمَةُ الوالِدَيْنِ لِأنَّهُما المُؤَثِّرانِ في الظّاهِرِ ومِنهُما نِعْمَةُ التَّرْبِيَةِ والحِفْظِ عَنِ الهَلاكِ في وقْتِ الصِّغَرِ فَلَمّا نَهى عَنِ الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى نَهى بَعْدَهُ عَنِ الكُفْرانِ في نِعْمَةِ الأبَوَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ القَوْمَ لَمّا لَمْ يَرْتَكِبُوا الكُفْرانَ فَبِطَرِيقِ الأوْلى أنْ لا يَرْتَكِبُوا الكُفْرَ.

وقالَ الإمامُ: السَّبَبُ في خَتْمِ كُلِّ آيَةٍ بِما خُتِمَتْ أنَّ التَّكالِيفَ الخَمْسَةَ المَذْكُورَةَ في الآيَةِ الأُولى ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ فَوَجَبَ تَعَقُّلُها وتَفَهُّمُها والتَّكالِيفَ الأرْبَعَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ أُمُورٌ خَفِيَّةٌ غامِضَةٌ لا بُدَّ فِيها مِنَ الِاجْتِهادِ والفِكْرِ الكَثِيرِ حَتّى يَقِفَ عَلى مَوْضِعِ الِاعْتِدالِ وهو التَّذَكُّرُ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ أكْثَرَ التَّكْلِيفاتِ الأُوَلِ أُدِّيَ بِصِيغَةِ النَّهْيِ وهو في مَعْنى المَنعِ والمَرْءُ حَرِيصٌ عَلى ما مُنِعَ فَناسَبَ أنْ يُعَلَّلَ الإيصاءُ بِذَلِكَ بِما فِيهِ إيماءٌ إلى مَعْنى المَنعِ والحَبْسِ وهَذا بِخِلافِ التَّكْلِيفاتِ الأُخَرِ فَإنَّ أكْثَرَها قَدْ أُدِّيَ بِصِيغَةِ الأمْرِ ولَيْسَ المَنعُ فِيهِ ظاهِرًا كَما في النَّهْيِ فَيَكُونُ تَأْكِيدُ الطَّلَبِ والمُبالَغَةُ فِيهِ لِيَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ ويَتَذَكَّرَ إذا نَسِيَ فَلْيُتَدَبَّرْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском