Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:153–157
6:153Page 149
وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٥٣
And, [moreover], this is My path, which is straight, so follow it; and do not follow [other] ways, for you will be separated from His way. This has He instructed you that you may become righteous.
﴿وأنَّ هَذا صِراطِي﴾ إشارَةٌ إلى شَرْعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ويُلائِمُهُ النَّهْيُ الآتِي وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما في الآيَتَيْنِ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ وقِيلَ: إلى ما ذُكِرَ في السُّورَةِ فَإنَّ أكْثَرَها في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وبَيانِ الشَّرِيعَةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( إنَّ ) بِالكَسْرِ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ والباقُونَ بِهِ مُشَدَّدٌ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( صِراطِيَ ) بِفَتْحِ الياءِ وقُرِئَ ( وهَذا صِراطُ رَبِّكم ) ( وهَذا صِراطُ رَبِّكَ ) وإضافَةُ الصِّراطِ إلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ مِن حَيْثُ الوَضْعِ وإلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن حَيْثُ السُّلُوكِ والدَّعْوَةِ
صفحة 57
أيْ هَذا الصِّراطُ الَّذِي أسْلُكُهُ وأدْعُو إلَيْهِ ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ لا اعْوِجاجَ فِيهِ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ ﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ أيِ اقْتَفُوا أثَرَهُ واعْمَلُوا بِهِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ أيِ الضَّلالاتِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّها الأدْيانُ المُخْتَلِفَةُ كاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ أنَّها البِدَعُ والشُّبُهاتُ ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾ نُصِبَ في جَوابِ النَّهْيِ والأصْلُ ( تَتَفَرَّقَ ) فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ فَتُفَرِّقَكم حَسَبَ تَفَرُّقِها أيادِي سَبَأٍ فَهو كَما تَرى أبْلَغُ مِن تَفَرُّقِكم كَما قِيلَ مِن أنَّ ذَهَبَ بِهِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِصْحابِ أبْلَغُ مِن أذْهَبَهُ عَنْ سَبِيلِهِ أيْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ ولا حَرَجَ لِما هو دِينُ الإسْلامِ وقِيلَ: هو اتِّباعُ الوَحْيِ واقْتِفاءُ البُرْهانِ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ صِراطَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَيْنُ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا بِيَدِهِ ثُمَّ قالَ: هَذا سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى مُسْتَقِيمًا ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِ ذَلِكَ الخَطِّ وعَنْ شِمالِهِ ثُمَّ قالَ: وهَذِهِ السُّبُلُ لَيْسَ مِنها سَبِيلٌ إلّا عَلَيْهِ شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْهِ ثُمَّ قَرَأ ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ .. إلَخْ» . وإنَّما أُضِيفَ إلَيْهِ ﷺ أوَّلًا لِأنَّ ذَلِكَ أدْعى لِلِاتِّباعِ إذْ بِهِ يَتَّضِحُ كَوْنُهُ صِراطَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى اتِّباعِ السُّبُلِ ﴿وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ (153) عِقابَ اللَّهِ تَعالى بِالمُثابَرَةِ عَلى فِعْلِ ما أمَرَ بِهِ والِاسْتِمْرارِ عَلى الكَفِّ عَمّا نَهى عَنْهُ قالَ أبُو حَيّانَ: ولَمّا كانَ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الجامِعُ لِلتَّكالِيفِ وأمَرَ سُبْحانَهُ بِاتِّباعِهِ ونَهى عَنِ اتِّباعِ غَيْرِهِ مِنَ الطُّرُقِ خَتَمَ ذَلِكَ بِالتَّقْوى الَّتِي هي اتِّقاءُ النّارِ إذْ مَنِ اتَّبَعَ صِراطَهُ نَجا النَّجاةَ الأبَدِيَّةَ وحَصَلَ عَلى السَّعادَةِ السَّرْمَدِيَّةِ وكَرَّرَ سُبْحانَهُ الوَصِيَّةَ لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ ويا لَها مِن وصِيَّةٍ ما أعْظَمَ شَأْنَها وأوْضَحَ بُرْهانَها.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى وصِيَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِخاتَمِهِ فَلْيَقْرَأْ هَؤُلاءِ الآياتِ ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ إلى ﴿تَتَّقُونَ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أيُّكم يُبايِعُنِي عَلى هَؤُلاءِ الآياتِ الثَّلاثِ ثُمَّ تَلاهُنَّ إلى آخِرِهِنَّ ثُمَّ قالَ فَمَن وفّى بِهِنَّ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ تَعالى ومَنِ انْتَقَصَ مِنهُنَّ شَيْئًا فَأدْرَكَهُ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا كانَتْ عُقُوبَتَهُ ومَن أخَّرَهُ إلى الآخِرَةِ كانَ أمْرُهُ إلى اللَّهِ تَعالى إنْ شاءَ أخَذَهُ وإنْ شاءَ عَفا عَنْهُ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ قالَ: سَمِعَ كَعْبٌ رَجُلًا يَقْرَأُ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ﴾ .. إلَخْ. فَقالَ: والَّذِي نَفْسُ كَعْبٍ بِيَدِهِ إنَّها لَأوَّلُ آيَةٍ في التَّوْراةِ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما هَذِهِ آياتٌ مُحْكَماتٌ لَمْ يَنْسَخْهُنَّ شَيْءٌ مِن جَمِيعِ الكُتُبِ وهُنَّ مُحَرَّماتٌ عَلى بَنِي آدَمَ كُلِّهِمْ وهُنَّ أُمُّ الكِتابِ مَن عَمِلَ بِهِنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ ومَن تَرَكَهُنَّ دَخَلَ النّارَ.
هَذا و( أنْ ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألا تُشْرِكُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً قالَ العَلّامَةُ الثّانِي: وفي الِاحْتِمالَيْنِ إشْكالٌ فَإنَّها إنْ جُعِلَتْ مَصْدَرِيَّةً كانَتْ بَيانًا لِلْمُحَرَّمِ بَدَلًا مِن ما أوْ عائِدِهِ المَحْذُوفِ وظاهِرٌ أنَّ المُحَرَّمَ هو الإشْراكُ لا نَفْيُهُ وأنَّ الأوامِرَ بَعْدُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( لا تُشْرِكُوا ) وفِيهِ عَطْفُ الطَّلَبِيِّ عَلى الخَبَرِيِّ وجَعْلُ الواجِبِ المَأْمُورِ بِهِ مُحَرَّمًا فاحْتِيجَ إلى تَكَلُّفٍ كَجَعْلِ ( لا ) مَزِيدَةً وعَطْفِ الأوامِرِ عَلى المُحَرَّماتِ بِاعْتِبارِ حُرْمَةِ
صفحة 58
أضْدادِها وتَضْمِينِ الخَبَرِ مَعْنى الطَّلَبِ وأمّا جَعْلُ ( لا ) ناهِيَةً واقِعَةً مَوْقِعَ الصِّلَةِ لِأنِ المَصْدَرِيَّةِ كَما جَوَّزَهُ سِيبَوَيْهِ إذْ عَمِلَ الجازِمُ في الفِعْلِ والنّاصِبُ في ( لا ) مَعَهُ فَما سَبِيلٌ إلَيْهِ هُنا لِأنَّ زِيادَةَ ( لا ) النّاهِيَةَ مِمّا لَمْ يُقُلْ بِهِ أحَدٌ ولَمْ يَرِدْ في كَلامٍ وإنْ جُعِلَتْ أنْ مُفَسِّرَةً و( لا ) ناهِيَةً والنَّواهِي بَيانٌ لِتِلاوَةِ المُحَرَّماتِ تَوَجَّهَ إشْكالانِ أحَدُهُما عَطْفُ ( أنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا ) عَلى ( ألا تُشْرِكُوا ) مَعَ أنَّهُ لا مَعْنى لِعَطْفِهِ عَلى أنِ المُفَسِّرَةِ مَعَ الفِعْلِ وثانِيهِما عَطْفُ الأوامِرِ المَذْكُورَةِ فَإنَّها لا تَصْلُحُ بَيانًا لِتِلاوَةِ المُحَرَّماتِ بَلِ الواجِباتِ واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَها مُفَسِّرَةً وعَطْفَ الأوامِرِ لِأنَّها مَعْنى نَواهٍ ولا سَبِيلَ حِينَئِذٍ لِجَعْلِها مَصْدَرِيَّةً مَوْصُولَةً بِالنَّهْيِ لِما عَلِمْتَ.
وأجابَ عَنِ الإشْكالِ الأوَّلِ بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي﴾ لَيْسَ عَطْفًا عَلى ( ألا تُشْرِكُوا ) بَلْ هو تَعْلِيلٌ لِلِاتِّباعِ مُتَعَلِّقٌ بِاتَّبِعُوهُ عَلى حَذْفِ اللّامِ وجازَ عَوْدُ ضَمِيرِ ( اتَّبِعُوهُ ) إلى الصِّراطِ لِتَقَدُّمِهِ في اللَّفْظِ.
فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ ( اتَّبِعُوهُ ) عَطْفًا عَلى ( لا تُشْرِكُوا ) ويَكُونُ التَّقْدِيرُ فاتَّبِعُوا صِراطِيَ لِأنَّهُ مُسْتَقِيمٌ وفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ حِرَفَيْ عَطْفِ الواوِ والفاءِ ولَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ وإنْ جُعِلَتِ الواوُ اسْتِئْنافِيَّةً اعْتِراضِيَّةً قُلْنا: وُرُودُ الواوِ مَعَ الفاءِ عِنْدَ تَقْدِيمِ المَعْمُولِ فَصْلًا بَيْنَهُما شائِعٌ في الكَلامِ مِثْلَ ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ فَإنْ أبَيْتَ الجَمْعَ البَتَّةَ ومَنَعْتَ زِيادَةَ الفاءِ فاجْعَلِ المَعْمُولَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ والمَذْكُورَ بِالفاءِ عَطْفا عَلَيْهِ مِثْلَ عَظِّمْ فَكَبِّرْ وادْعُوا اللَّهَ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ وآثَرُوهُ فاتَّبِعُوهُ.
وعَنِ الإشْكالِ الثّانِي بِأنَّ عَطْفَ الأوامِرِ عَلى النَّواهِي الواقِعَةِ بَعْدَ أنِ المُفَسِّرَةِ لِتِلاوَةِ المُحَرَّماتِ مَعَ القَطْعِ بِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ لا يَكُونُ مُحَرَّمًا دَلَّ عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ راجِعٌ إلى أضْدادِها بِمَعْنى أنَّ الأوامِرَ كَأنَّها ذُكِرَتْ وقُصِدَ لَوازِمُها الَّتِي هي النَّهْيُ عَنِ الأضْدادِ حَتّى كَأنَّهُ قِيلَ: أتْلُو ما حَرَّمَ أنْ لا تُسِيؤُوا إلى الوالِدَيْنِ ولا تَبْخَسُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَتْرُكُوا العَدْلَ ولا تَنْكُثُوا العَهْدَ ومِثْلُ هَذا وإنْ لَمْ يَجُزْ بِحَسَبِ الأصْلِ لَكِنْ رُبَّما يَجُوزُ بِطَرِيقِ العَطْفِ وأمّا جَعْلُ الوَقْفِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( رَبُّكم ) وانْتِصابُ ( ألا تُشْرِكُوا ) بِعَلَيْكم يَعْنِي الزَمُوا تَرْكَ فَيَأْباهُ عَطْفُ الأوامِرِ إلّا أنْ تَجْعَلَ ( لا ) ناهِيَةً وأنِ المَصْدَرِيَّةَ مَوْصُولَةً بِالأوامِرِ والنَّواهِي وقالَ أبُو حَيّانَ: لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ الأوامِرِ مَعْطُوفَةً عَلى جَمِيعِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ ( لا ) فَإنَّهُ لا يَصِحُّ عَطْفُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا عَلى ( تَعالَوْا ) ويَكُونُ ما بَعْدَهُ عَطْفٌ عَلَيْهِ.
واعْتُرِضَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ التَّحْرِيمَ راجِعٌ إلى أضْدادِ الأوامِرِ بِأنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا وألْغازٌ في المَعانِي ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ ثُمَّ قالَ: وأمّا عَطْفُ هَذِهِ الأوامِرِ فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ أحْدُهُما أنَّها مَعْطُوفَةٌ لا عَلى المَناهِي قَبْلَها فَيَلْزَمُ انْسِحابُ التَّحْرِيمِ عَلَيْها حَيْثُ كانَتْ في حَيِّزِ أنِ التَّفْسِيرِيَّةِ بَلْ هي مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ﴾ أمَرَهم أوَّلًا بِأمْرٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ ذِكْرُ مَناهٍ ثُمَّ أمَرَهم ثانِيًا بِأوامِرَ وهَذا مَعْنًى واضِحٌ والثّانِي أنْ تَكُونَ الأوامِرُ مَعْطُوفَةً عَلى المَناهِي داخِلَةً تَحْتَ حُكْمِ التَّفْسِيرِيَّةِ ويَصِحُّ هَذا عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ تَكُونُ أنْ مُفَسِّرَةً لَهُ ولِلْمَنطُوقِ قَبْلَهُ الَّذِي دَلَّ عَلى حَذْفِهِ والتَّقْدِيرُ وما أمَرَكم بِهِ فَحُذِفَ وما أمَرَكم بِهِ لِدَلالَةِ ما حَرَّمَ عَلَيْهِ لِأنَّ مَعْنى ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ ما نَهاكم رَبُّكم عَنْهُ فالمَعْنى قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما نَهاكم عَنْهُ رَبُّكم وما أمَرَكم بِهِ وإذا كانَ التَّقْدِيرُ هَذا صَحَّ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً لِفِعْلِ النَّهْيِ الدّالِّ عَلَيْهِ التَّحْرِيمُ وفِعْلِ الأمْرِ المَحْذُوفِ ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: أمَرْتُكَ أنْ لا تُكْرِمَ جاهِلًا وأكْرِمْ عالِمًا ويَجُوزُ عَطْفُ الأمْرِ عَلى النَّهْيِ
صفحة 59
والنَّهْيِ عَلى الأمْرِ لِقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
لا تَهْلَكْ أسًى وتَجَمَّلْ
ولا نَعْلَمُ في هَذا خِلافًا بِخِلافِ الجُمَلِ المُتَبايِنَةِ بِالخَبَرِ والِاسْتِفْهامِ والإنْشاءِ فَإنَّ في جَوازِ العَطْفِ فِيها خِلافًا مَشْهُورًا. اهـ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العَطْفَ عَلى تَعالَوْا في غايَةِ البُعْدِ ولا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلَيْهِ وما ذَكَرَهُ مِنَ الحَذْفِ وجَعْلِ التَّفْسِيرِ لِلْمَحْذُوفِ والمَنطُوقِ لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ ونَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ جَوازَ كَوْنِ ( ألا تُشْرِكُوا ) بِتَقْدِيرِ اللّامِ عَلى مَعْنى أُبَيِّنُ لَكُمُ الحَرامَ لِأنْ لا تُشْرِكُوا لِأنَّهم إذا حَرَّمُوا ما أحَلَّ اللَّهُ فَقَدْ جَعَلُوا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى في القَبُولِ مِنهُ بِمَنزِلَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وصارُوا بِذَلِكَ مُشْرِكِينَ ولا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى مِثْلِ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى تَقْرِيرًا لِلْوَصِيَّةِ وتَحْقِيقًا لَها وتَمْهِيدًا لِما تَعَقَّبَهُ مِن ذِكْرِ إنْزالِ القُرْآنِ المَجِيدِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ بِالِالتِفاتِ إلى التَّكَلُّمِ مَعْطُوفٍ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ تَصْدِيقًا لَهُ وتَقْرِيرًا لِمَضْمُونِهِ فَعَلْنا ذَلِكَ.
6:154Page 149
ثُمَّ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ ١٥٤
Then1 We gave Moses the Scripture, making complete [Our favor] upon the one who did good [i.e., Moses] and as a detailed explanation of all things and as guidance and mercy that perhaps in the meeting with their Lord they would believe.
﴿ثُمَّ آتَيْنا﴾ .. إلَخْ. وإلى هَذا ذَهَبَ شَيْخُ الإسْلامِ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ وقِيلَ: عُطِفَ عَلى ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ عُطِفَ عَلى مَعْنى التِّلاوَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ تَعالَوْا أتْلُ عَلَيْكم ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ثُمَّ اتْلُ عَلَيْهِمْ ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: عُطِفَ عَلى ( قُلْ ) وفِيهِ حَذْفٌ أيْ قُلْ تَعالَوْا ثُمَّ قُلْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ.
وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ واسْتَحْسَنَهُ المَغْرِبِيُّ أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَدَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ بِما جَعَلَ في ذُرِّيَّتِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ ما أنْعَمَ عَلَيْهِ بِما آتى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكِتابِ والنُّبُوَّةِ وهو أيْضًا مِن ذُرِّيَّتِهِ والكُلُّ كَما تَرى وإنِ اخْتَلَفَ مَراتِبُهُ في الوَهَنِ وثُمَّ كَما قالَ الفَرّاءُ لِلتَّرْتِيبِ الإخْبارِيِّ كَما في نَحْوٍ بَلَغَنِي ما صَنَعْتُ اليَوْمَ ثُمَّ ما صَنَعْتُ اليَوْمَ أعْجَبُ وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عُصْفُورٍ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ ثُمَّ تَقْتَضِي تَأخُّرَ الثّانِي عَنِ الأوَّلِ بِمُهْلَةٍ ولا مُهْلَةَ في الإخْبارَيْنِ فَلا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إلى أنَّها انْسَلَخَ عَنْها مَعْنى التَّرْتِيبِ أوْ أنَّهُ تَرْتِيبٌ رُتْبِيٌّ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ أعْجَبُ في المِثالِ وهو هَنا ظاهِرٌ لِأنَّ إيتاءَ التَّوْراةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الأحْكامِ والمَنافِعِ الجَمَّةِ أعْظَمُ مِن هَذِهِ الوَصِيَّةِ المَشْهُورَةِ عَلى الألْسِنَةِ وبَعْضُهم وجَّهَ التَّرْتِيبَ الإخْبارِيَّ المُسْتَدْعِي لِتَأخُّرِ الثّانِي عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ الألْفاظَ المُنْقَضِيَةَ تُنَزَّلُ مَنزِلَةَ البَعِيدِ وقِيلَ: إنَّهُ بِاعْتِبارِ تَوَسُّطِ جُمْلَةِ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ.
وقالَ بَعْضُهم: إنَّ ( ثُمَّ ) هُنا بِمَعْنى الواوِ وقَدْ جاءَ ذَلِكَ كَثِيرًا في الكِتابِ ﴿تَمامًا﴾ لِلْكَرامَةِ والنِّعْمَةِ وهو في مَوْقِعِ المَفْعُولِ لَهُ وجازَ حَذْفُ اللّامِ لِكَوْنِهِ في مَعْنى إتْمامًا وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِقَوْلِهِ ﴿آتَيْنا﴾ مِن مَعْناهُ لِأنَّ إيتاءَ الكِتابِ إتْمامٌ لِلنِّعْمَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: أتْمَمْنا النِّعْمَةَ إتْمامًا فَهو كَنَباتًا في قَوْلِهِ تَعالى:﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ أيْ تامًّا ﴿عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ أيْ مَن أحْسَنَ القِيامَ بِهِ كائِنًا مَن كانَ فالَّذِي لِلْجِنْسِ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ ( عَلى الَّذِينَ أحْسَنُوا ) وقِراءَةُ الحَسَنِ ( عَلى المُحْسِنِينَ ) وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ الَّذِي هُنا مِثْلُها في قَوْلِهِ.
إنَّ الَّذِي حانَتْ بِفُلْجَ دِماؤُهم هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدِ
وكَلامُ مُجاهِدٍ مُحْتَمِلٌ لِلْوَجْهَيْنِ أوْ عَلى الَّذِي أحْسَنَ تَبْلِيغُهُ وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ تَمامًا عَلى
صفحة 60
ما أحْسَنَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ أجادَهُ مِنَ العِلْمِ والشَّرائِعِ أيْ زِيادَةً عَلى عَمَلِهِ عَلى وجْهِ التَّتْمِيمِ وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المُرادَ تَمامًا عَلى إحْسانِ اللَّهِ تَعالى عَلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وظاهِرُهُ أنَّ ( الَّذِي ) مَوْصُولٌ حَرْفِيٌّ وقَدْ قِيلَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ وضَمِيرُ أحْسَنَ حِينَئِذٍ لِلَّهِ تَعالى ومِثْلُهُ في ذَلِكَ ما نُقِلَ عَنِ الجُبّائِيِّ مِن أنَّ المُرادَ عَلى الَّذِي أحْسَنَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ النُّبُوَّةِ وغَيْرِها وكُلاهُما خِلافُ الظّاهِرِ وعَنِ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما زَعَمَهُ مِنِ اتِّصالِ الآيَةِ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ ( أحْسَنُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ و( الَّذِي ) وصْفٌ لِلدِّينِ أوْ لِلْوَجْهِ يَكُونُ عَلَيْهِ الكُتُبُ أيْ تَمامًا عَلى الدِّينِ الَّذِي هو أحْسَنُ دِينٍ وأرْضاهُ أوْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تامًّا كامِلًا عَلى الوَجْهِ الَّذِي هو أحْسَنُ ما يَكُونُ عَلَيْهِ الكُتُبُ والأحْسَنِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ دِينِ الإسْلامِ وغَيْرِ ما عَلَيْهِ القُرْآنِ.
﴿وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ بَيانًا مُفَصِّلًا لِكُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ لا اجْتِهادَ في شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خِلافًا لِمَن زَعَمَ ذَلِكَ فَقَدْ ورَدَ مِثْلُهُ في صِفَةِ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ بِالمُكَلَّفِينَ والكَلامُ في هَذِهِ المَعْطُوفاتِ كالكَلامِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ مِنِ احْتِمالِ العِلِّيَّةِ والمَصْدَرِيَّةِ والحالِيَّةِ والظّاهِرُ اشْتِمالُ الكِتابِ عَلى التَّفْصِيلِ حَسْبَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى إلى أنَّ حَرْفَهُ أهَّلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمّا ألْقى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الألْواحَ بَقِيَ الهُدى والرَّحْمَةُ وذَهَبَ التَّفْصِيلُ ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أيْ بَنِي إسْرائِيلَ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإيتاءِ الكِتابِ ولا يَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى الَّذِي بِناءً عَلى الجِنْسِيَّةِ أوْ عَلى ما قالَ الفَرّاءُ لِأنَّهُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (154) بَلْ كانَ المُناسِبُ حِينَئِذٍ أنْ يُقالَ: لَعَلَّهم يُرْحَمُونَ مَثَلًا والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ قُدِّمَ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ والمُرادُ مِنَ اللِّقاءِ قِيلَ الجَزاءُ وقِيلَ: الرُّجُوعُ إلى مُلْكِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وسُلْطانِهِ يَوْمَ لا يَمْلِكُ أحَدٌ سِواهُ شَيْئًا وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ المَعْنى كَيْ يُؤْمِنُوا بِالبَعْثِ ويُصَدِّقُوا بِالثَّوابِ والعِقابِ.
6:155Page 149
وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٥٥
And this [Qur’ān] is a Book We have revealed [which is] blessed, so follow it and fear Allāh that you may receive mercy.
﴿وهَذا﴾ الَّذِي تُلِيَتْ عَلَيْكم أوامِرُهُ ونَواهِيهِ أيِ القُرْآنُ ﴿كِتابٌ﴾ عَظِيمُ الشَّأْنِ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ﴿أنْزَلْناهُ﴾ بِواسِطَةِ الرُّوحِ الأمِينِ مُشْتَمِلًا عَلى فَوائِدِ الفُنُونِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي فُصِّلَتْ عَلَيْكم طائِفَةٌ مِنها والجُمْلَةُ صِفَةُ ﴿كِتابٌ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مُبارَكٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الخَيْرِ دِينًا ودُنْيا صِفَةٌ أُخْرى وإنَّما قُدِّمَتِ الأُولى عَلَيْها مَعَ أنَّها غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِأنَّ الكَلامَ مَعَ مُنْكِرِي الإنْزالِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا وما قَبْلَهُ خَبَرَيْنِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ أيْضًا والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ عِظَمَ شَأْنِ الكِتابِ في نَفْسِهِ وصِفَتِهِ مُوجِبٌ لِاتِّباعِهِ أيْ فاعْمَلُوا بِما فِيهِ أوِ امْتَثِلُوا أوامِرَهُ واتَّقُوا مُخالَفَتَهُ أوْ نَواهِيَهِ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ (155) أيْ لِتُرْحَمُوا جَزاءَ ذَلِكَ وقِيلَ: المُرادُ اتُّقُوا عَلى رَجاءِ الرَّحْمَةِ أوِ اتَّقُوا لِيَكُونَ الغَرَضُ بِالتَّقْوى رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى.
6:156Page 149
أَن تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلۡكِتَٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيۡنِ مِن قَبۡلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمۡ لَغَٰفِلِينَ ١٥٦
[We revealed it] lest you say, "The Scripture was only sent down to two groups before us, but we were of their study unaware,"
﴿أنْ تَقُولُوا﴾ عِلَّةٌ لِمُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ ( أنْزَلْنا ) المَذْكُورُ وهو العامِلُ فِيهِ لا المَذْكُورُ خِلافًا لِلْكِسائِيِّ لِئَلّا يَلْزَمَ
صفحة 61
الفَصْلُ بَيْنَ العامِلِ ومَعْمُولِهِ بِأجْنَبِيٍّ وهو بِتَقْدِيرِ لا عِنْدَ الكُوفِيِّينَ أيْ لِأنْ لا تَقُولُوا وعَلى حَذْفِ المُضافِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ أيْ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ ( اتَّقُوا ) وعَلَيْهِ الفَرّاءُ وأنْ تَجْعَلَ اللّامَ المُقَدَّرَةَ لِلْعاقِبَةِ أيْ تَرَتَّبَ عَلى إنْزالِنا أحَدُ القَوْلَيْنِ تَرَتُّبَ الغايَةِ عَلى الفِعْلِ فَيَكُونُ تَوْبِيخًا لَهم عَلى بُعْدِهِمْ عَنِ السَّعادَةِ والمُتَبادَرُ ما ذُكِرَ أوَّلًا أيْ أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ لَوْ لَمْ نُنْزِلْهُ ﴿إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ﴾ النّاطِقُ بِالأحْكامِ القاطِعُ لِلْحُجَّةِ ﴿عَلى طائِفَتَيْنِ﴾ جَماعَتَيْنِ كائِنَتَيْنِ ﴿مِن قَبْلِنا﴾ وهُما كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ اليَهُودُ والنَّصارى وتَخْصِيصُ الإنْزالِ بِكِتابَيْهِما لِأنَّهُما اللَّذانِ اشْتَهَرا فِيما بَيْنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ بِالِاشْتِمالِ عَلى الأحْكامِ.
﴿وإنْ كُنّا﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِن أنَّ واللّامُ الآتِيَةُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ وهي مُهْمَلَةٌ لِما حَقَّقَهُ النُّحاةُ مِن أنَّ أنِ المُخَفَّفَةَ إذا لَزِمَتِ اللّامَ في أحَدِ جُزْأيْها ووَلِيَها النّاسِخُ فَهي مُهْمَلَةٌ لا تَعْمَلُ في ظاهِرٍ ولا مُضْمَرٍ لا ثابِتٍ ولا مَحْذُوفٍ أيْ وأنَّهُ كُنّا ﴿عَنْ دِراسَتِهِمْ﴾ أيْ قِراءَتِهِمْ ﴿لَغافِلِينَ﴾ (156) غَيْرُ مُلْتَفِتِينَ لا نَدْرِي ما هي لِأنَّها لَيْسَتْ بِلُغَتِنا فَلَمْ يُمْكِنّا أنْ نَتَلَقّى مِنها ما فِيهِ نَجاتُنا ولَعَلَّهم عُنُوا بِذَلِكَ التَّوْحِيدِ وقِيلَ: تِلْكَ الأحْكامُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ .. إلَخْ. لِأنَّها عامَّةٌ لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ لا تَخْتَلِفُ في عَصْرٍ مِنَ الأعْصارِ وعَلى هَذا حَمَلَ الآيَةَ شَيْخُ الإسْلامِ ثُمَّ قالَ: وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ مَعْذِرَتَهم هَذِهِ مَعَ أنَّهم غَيْرُ مَأْمُورِينَ بِما في الكِتابَيْنِ لِاشْتِمالِها عَلى الأحْكامِ المَذْكُورَةِ المُتَناوِلَةِ لِكافَّةِ الأُمَمِ كَما أنَّ قَطْعَ تِلْكَ المَعْذِرَةِ بِإنْزالِ القُرْآنِ لِاشْتِمالِهِ أيْضًا عَلَيْها لا عَلى سائِرِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ فَقَطْ.
6:157Page 149
أَوۡ تَقُولُواْ لَوۡ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡكِتَٰبُ لَكُنَّآ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمۡۚ فَقَدۡ جَآءَكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞۚ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنۡهَاۗ سَنَجۡزِي ٱلَّذِينَ يَصۡدِفُونَ عَنۡ ءَايَٰتِنَا سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصۡدِفُونَ ١٥٧
Or lest you say, "If only the Scripture had been revealed to us, we would have been better guided than they." So there has [now] come to you a clear evidence from your Lord and a guidance and mercy. Then who is more unjust than one who denies the verses of Allāh and turns away from them? We will recompense those who turn away from Our verses with the worst of punishment for their having turned away.
﴿أوْ تَقُولُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿تَقُولُوا﴾ وقُرِئَ كِلاهُما بِالياءِ عَلى الِالتِفاتِ عَلى خِطابِ ﴿فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا﴾ ويَكُونُ الخِطابُ الآتِي بَعْدُ التِفاتًا أيْضًا ولا يَخْفى مَوْقِعُهُ قالَ القُطْبُ: إنَّهُ تَعالى خاطَبُهم أوَّلًا بِما خاطَبَهم ثُمَّ لَمّا وصَلَ إلى حِكايَةِ أقْوالِهِمُ الرَّدِيئَةِ أعْرَضَ عَنْهم وجَرى عَلى الغَيْبَةِ كَأنَّهم غائِبُونَ ثُمَّ لَمّا أرادَ سُبْحانَهُ تَوْبِيخَهم بَعْدُ خاطَبَهم فَهو التِفاتٌ في غايَةِ الحُسْنِ ﴿لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ﴾ كَما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ ﴿لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ إلى الحَقِّ الَّذِي هو المَقْصِدُ الأقْصى أوْ إلى ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ لِأنّا أجْوَدُ أذْهانًا وأثْقَبُ فَهْمًا ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ الفَصِيحَةُ إمّا مُعَلَّلٌ بِهِ أوْ شَرْطٌ لَهُ أيْ لا تَعْتَذِرُوا بِذَلِكَ فَقَدْ جاءَكم .. إلَخْ. أوِ إنْ صَدَقْتُمْ فِيما تَعِدُونَ مِن أنْفُسِكم عَلى تَقْدِيرِ نُزُولِ الكِتابِ عَلَيْكم فَقَدْ حَصَلَ ما فَرَضْتُمْ وجاءَكم ﴿بَيِّنَةٌ﴾ حُجَّةٌ جَلِيلَةُ الشَّأْنِ واضِحَةٌ تَعْرِفُونَها لِظُهُورِها وكَوْنُها بِلِسانِكم كائِنَةً ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ عَلى أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةَ ﴿بَيِّنَةٌ﴾ ويَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِجاءَكم.
وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى فَضْلِها الإضافِيِّ مَعَ الإشارَةِ إلى شَرَفِها الذّاتِيِّ وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ ما لا يَخْفى مِن مَزِيدِ التَّأْكِيدِ لِإيجابِ الِاتِّباعِ ﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿بَيِّنَةٌ﴾ وتَنْوِينُهُما كَتَنْوِينِهِما لِلتَّفْخِيمِ والمُرادُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ القُرْآنُ وعَبَّرَ عَنْهُ بِالبَيِّنَةِ أوَّلًا إيذانًا بِكَمالِ تَمَكُّنِهِمْ مِن دِراسَتِهِ وبِالهُدى والرَّحْمَةِ ثانِيًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ التَّوْراةُ مِن هِدايَةِ النّاسِ ورَحْمَتِهِمْ بَلْ هو عَيْنُ الهِدايَةِ والرَّحْمَةِ وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ فَإنْ قِيلَ البَيِّنَةُ والهُدى واحِدٌ فَما الفائِدَةُ في التَّكْرِيرِ قُلْنا: القُرْآنُ بَيِّنَةٌ فِيما يُعْلَمُ سَمْعًا وهو هُدًى فِيما يُعْلَمُ سَمْعًا وعَقْلًا فَلَمّا اخْتَلَفَتِ الفائِدَةُ صَحَّ هَذِهِ العَطْفُ ولا يَخْفى ما فِيهِ.
صفحة 62
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ مَجِيءَ القُرْآنِ المَوْصُوفِ بِما تَقَدَّمَ مُوجِبٌ لِغايَةِ أظْلَمِيَّةِ مَن يُكَذِّبُهُ والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ أُولَئِكَ المُخاطَبُونَ ووُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ تَنْصِيصًا عَلى اتِّصافِهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ وإسْقاطًا لَهم عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ وعَبَّرَ عَمّا جاءَهم بِآياتِ اللَّهِ تَعالى تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وقُرِئَ ( كَذَبَ ) بِالتَّخْفِيفِ والجارُّ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ والثّانِي يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وهو الظّاهِرُ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا والمَعْنى ( كَذَبَ ) ومَعَهُ آياتُ اللَّهِ تَعالى ﴿وصَدَفَ عَنْها﴾ أيْ أعْرَضَ غَيْرَ مُفَكِّرٍ فِيها كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِما أوْ صَرَفَ النّاسَ عَنْها فَجَمَعَ بَيْنَ الضَّلالِ والإضْلالِ والفِعْلُ عَلى الأوَّلِ لازِمٌ وعَلى الثّانِي مُتَعَدٍّ وهو الأكْثَرُ اسْتِعْمالًا ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا﴾ وعِيدٌ لَهم بِبَيانِ جَزاءِ إعْراضِهِمْ أوْ صَدِّهِمْ بِحَيْثُ يُفْهَمُ مِنهُ جَزاءُ تَكْذِيبِهِمْ ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَحْقِيقِ مَناطِ الجَزاءِ ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ أيِ العَذابَ السَّيِّئَ الشَّدِيدَ ﴿بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ (157) أيْ بِسَبَبِ ما كانُوا يَفْعَلُونَ الصَّدْفَ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ وهَذا تَصْرِيحٌ بِما أشْعَرَ بِهِ إجْراءُ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ مِن عِلْيَةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences