Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:159–165
6:159Page 150
إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِي شَيۡءٍۚ إِنَّمَآ أَمۡرُهُمۡ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ١٥٩
Indeed, those who have divided their religion and become sects - you, [O Muḥammad], are not [associated] with them in anything. Their affair is only [left] to Allāh; then He will inform them about what they used to do.
﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أحْوالِ أهْلِ الكِتابَيْنِ إثْرَ بَيانِ حالِ المُشْرِكِينَ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى أيْ بَدَّدُوا دَيْنَهم وبَعَّضُوهُ فَتَمَسَّكَ بِكُلِّ بَعْضٍ مِنهُ فِرْقَةٌ مِنهم وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( فارَقُوا ) بِالألِفِ أيْ بايَنُوا فَإنَّ تَرْكَ بَعْضِهِ وإنْ كانَ بِأْخْذِ بَعْضٍ آخَرَ مِنهُ تَرْكُ الكُلِّ أوْ مُفارَقَةٌ لَهُ ﴿وكانُوا شِيَعًا﴾ أيْ فِرَقًا تُشَيِّعُ كُلُّ فِرْقَةٍ إمامًا وتَتْبَعُهُ أوْ تُقَوِّيهِ وتُظْهِرُ أمْرَهُ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ عَنِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «افْتَرَقَتِ اليَهُودُ عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهم في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً وافْتَرَقَتِ النَّصارى عَلى ثِنْتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهم في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً وسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهم في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً» واسْتِثْناءُ الواحِدَةِ مِن فِرَقِ كُلٍّ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ إنَّما هو بِالنَّظَرِ إلى العَصْرِ الماضِي قَبْلَ النَّسْخِ وأمّا بَعْدَهُ فالكُلُّ في الهاوِيَةِ وإنِ اخْتَلَفَتْ أسْبابُ دُخُولِهِمْ ومِن غَرِيبِ ما وقَعَ أنَّ بَعْضَ مُتَعَصِّبِي الشِّيعَةِ الأمامِيَّةِ مِن أهْلِ زَمانِنا واسْمُهُ حَمَدٌ رَوى بَدَلَ إلّا واحِدَةً في هَذا الخَبَرِ إلّا فِرْقَةً وقالَ: إنَّ فِيهِ إشارَةً إلى نَجاةِ الشِّيعَةِ فَإنَّ عَدَدَ لَفْظِ فِرْقَةٍ بِالجُمَلِ وعَدَدَ لَفْظِ شِيعَةٍ سَواءٌ فَكَأنَّهُ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إلّا الشِّيعَةَ والمَشْهُورُ بِهَذا العُنْوانِ هُمُ الشِّيعَةُ الإمامِيَّةُ فَقُلْتُ لَهُ بَعْدَ عِدَّةِ تَزْيِيفاتٍ لِكَلامِهِ: يَلْزَمُ هَذا النَّوْعُ مِنَ الإشارَةِ أنْ تَكُونَ كَلْبًا لِأنَّ عَدَدَ كَلْبٍ وعَدَدَ حَمَدٍ سَواءٌ فَأُلْقِمَ الكَلْبُ حَجَرًا.
﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ أيْ مِنَ السُّؤالِ عَنْهم والبَحْثِ عَنْ تَفَرُّقِهِمْ أوْ مِن عِقابِهِمْ أوْ أنْتَ بَرِيءٌ مِنهم وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا وعْدًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالعِصْمَةِ عَنْهم أيْ لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ مِنَ الضَّرَرِ وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ نُهِيَ عَنِ التَّعَرُّضِ لِقِتالِهِمْ ثُمَّ نُسِخَ بِما في سُورَةِ بَراءَةٌ و( مِنهم ) في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّهُ صِفَةٌ نَكِرَةٌ قُدِّمَتْ عَلَيْها ﴿إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّفْيِ المَذْكُورِ أيْ هو يَتَوَلّى وحْدَهُ أمْرَ أُولاهم وآخِرَتِهِمْ ويُدَبِّرُهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وقِيلَ: المُفَرِّقُونَ أهْلُ البِدَعِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ فَقَدْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ والشِّيرازِيُّ في الألْقابِ وابْنُ مَرْدُوَيْهَ عَنِ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا﴾ .. إلَخْ. هم أهْلُ البِدَعِ والأهْواءِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ» .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وغَيْرُهم عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها يا عائِشُ إنَّ الَّذِينَ فارَقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا هم أصْحابُ البِدَعِ وأصْحابُ الأهْواءِ وأصْحابُ الضَّلالَةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ لَيْسَ لَهم تَوْبَةٌ وأنا مِنهم بَرِيءٌ وهم مُنِّيَ بُرَآءُ» فَيَكُونُ الكَلامُ اسْتِئْنافًا لِبَيانِ حالِ المُبْتَدِعِينَ إثْرَ بَيانِ حالِ المُشْرِكِينَ إشارَةً إلى أنَّهم لَيْسُوا مِنهم بِبَعِيدٍ ولَعَلَّ جُمْلَةَ ﴿إنَّما أمْرُهُمْ﴾ .. إلَخْ. عَلى هَذا لَيْسَتْ لِلتَّعْلِيلِ وإنَّما هي لِلْوَعِيدِ عَلى ما فَعَلُوا أيْ أنَّ رُجُوعَهُمُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (159) في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ بِالعِقابِ عَلَيْهِ
6:160Page 150
مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١٦٠
Whoever comes [on the Day of Judgement] with a good deed will have ten times the like thereof [to his credit], and whoever comes with an evil deed will not be recompensed except the like thereof; and they will not be wronged.1
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِمَقادِيرِ أجِزْيَةِ العامِلِينَ وقَدْ صُدِّرَ بِبَيانِ
صفحة 69
أجِزْيَةِ المُحْسِنِينَ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أضْدادِهِمْ أيْ مَن جاءَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالخَصْلَةِ الواحِدَةِ مِن خِصالِ الطّاعَةِ أيِّ خَصْلَةٍ كانَتْ وقِيلَ: التَّوْحِيدُ ونُسِبَ إلى الحَسَنِ ولَيْسَ بِالحَسَنِ ﴿فَلَهُ عَشْرُ﴾ حَسَناتٍ ﴿أمْثالِها﴾ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
وقَرَأ يَعْقُوبُ ( عَشْرٌ ) بِالتَّنْوِينِ ( أمْثالُها ) بِالرَّفْعِ عَلى الوَصْفِ وهَذا أقَلُّ ما وعَدَ مِنَ الأضْعافِ وقَدْ جاءَ الوَعْدُ بِسَبْعِينَ وسَبْعِمِائَةٍ وبِغَيْرِ حِسابٍ ولِذَلِكَ قِيلَ: المُرادُ بِالعَشْرِ الكَثْرَةُ لا الحَصْرُ في العَدَدِ الخاصِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الأعْرابِ خاصَّةً وأمّا المُهاجِرُونَ فالحَسَنَةُ مُضاعَفَةٌ لَهم سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ والظّاهِرُ العُمُومُ.
وتَجْرِيدُ ﴿عَشْرُ﴾ مِنَ التّاءِ لِكَوْنِ المَعْدُودِ مُؤَنَّثًا كَما أشَرْنا إلَيْهِ لَكِنَّهُ حُذِفَ وأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ وقِيلَ: إنَّهُ المَذْكُورُ إلّا أنَّهُ اكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ كائِنًا مَن كانَ مِنَ العالَمِينَ ﴿فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها﴾ بِحُكْمِ الوَعْدِ واحِدَةً بِواحِدَةٍ وإيجابُ كُفْرِ ساعَةٍ عِقابُ الأبَدِ لِأنَّ الكافِرَ عَلى عَزْمِ أنَّهُ لَوْ عاشَ أبَدًا لَبَقِيَ عَلى ذَلِكَ الِاعْتِقادِ أبَدًا ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ (160) بِنَقْصِ الثَّوابِ وزِيادَةِ العِقابِ فَإنَّ ذَلِكَ مِنهُ تَعالى لا يُعَدُّ ظُلْمًا إذْ لَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُعَذِّبَ المُطِيعَ ويُثِيبَ العاصِيَ وقِيلَ: المَعْنى يُنْقَصُونَ في الحَسَناتِ مِن عَشْرِ أمْثالِها وفي السَّيِّئَةِ مِن مِثْلِها في مَقامِ الجَزاءِ.
ومِنَ المُعْتَزِلَةِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ الحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ واخْتُلِفَ في تَقْرِيرِهِ فَقِيلَ: إنَّهم لَمّا رَأوْا أنَّ أحَدَ أدِلَّةِ الأشاعِرَةِ عَلى النَّفْيِ أنَّ العَبْدَ غَيْرُ مُسْتَبِدٍّ في إيجادِ فِعْلِهِ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ فَلا يَحْكُمُ العَقْلُ بِالِاسْتِقْلالِ عَلى تُرَتِّبُ الثَّوابِ والعِقابِ عَلَيْهِ قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ .. إلَخْ. صَرِيحٌ في أنَّ العَبْدَ مُسْتَبِدٌّ مُخْتارٌ في فِعْلِهِ الحَسَنِ والقَبِيحِ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ يَثْبُتُ الحُسْنُ والقُبْحُ العَقْلِيّانِ وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى اسْتِبْدادِ العَبْدِ غايَةَ ما فِيها أنَّها تَدُلُّ عَلى المُباشَرَةِ وهم لا يُنْكِرُونَها وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ لِلَّهِ تَعالى فِعْلًا حَسَنًا ولَوْ كانَ حُسْنَ الأفْعالِ لِكَوْنِها مَأْمُورَةً أوْ مَأْذُونًا فِيها لَما كانَ فَعَلَ اللَّهُ تَعالى حُسْنًا إذْ هو غَيْرُ مَأْمُورٍ ولا مَأْذُونٍ وأيْضًا لَوْ تَوَقَّفَ مَعْرِفَةُ الحُسْنِ والقُبْحِ عَلى وُرُودِ الشَّرْعِ لَما كانَتْ أفْعالُهُ تَعالى حَسَنَةً قَبْلَ الوُرُودِ وهو خُرُوجٌ عَنِ الدِّينِ.
وأُجِيبَ أمّا عَنِ الأوَّلِ فَبِأنّا لا نَدَّعِي أنَّهُ لا حَسَنَ إلّا ما أمَرَ بِهِ أوْ أذِنَ في فِعْلِهِ حَتّى يُقالَ: يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ أفْعالُ اللَّهِ تَعالى غَيْرَ حَسَنَةٍ إذْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِها أوْ مَأْذُونًا فِيها بَلْ ما أمَرَ الشّارِعُ بِفِعْلِهِ أوْ أذِنَ فِيهِ فَهو حَسَنٌ ولا يَنْعَكِسُ كَنَفْسِهِ بَلْ قَدْ يَكُونُ الفِعْلُ حَسَنًا بِاعْتِبارِ مُوافَقَةِ الغَرَضِ أوْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالثَّناءِ عَلى فاعِلِهِ وبِهَذا الِاعْتِبارِ كانَ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى حَسَنًا سَواءً وافَقَ الغَرَضَ أوْ خالَفَ وأمّا عَنِ الثّانِي فَبِأنَّ الحُسْنَ والقُبْحَ وإنْ فُسِّرا بِوُرُودِ الشَّرْعِ بِالمَنعِ والإطْلاقِ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لا حُسْنَ ولا قُبْحَ إلّا بِالشَّرْعِ حَتّى يَلْزَمَنا ذَلِكَ بَلِ الحُسْنُ والقُبْحُ أعَمُّ مِمّا ذُكِرَ كَما عُرِفَ في مَوْضِعِهِ ولا يَلْزَمُ مِن تَحَقُّقِ مَعْنى الحُسْنِ والقُبْحِ بِغَيْرِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِالمَنعِ والإطْلاقِ أنْ يَكُونَ ذاتِيًّا لِلْأفْعالِ ولا يَخْفى عَلى المُطَّلِعِ أنَّ قَوْلَهم: لَوْ كانَ حَسَنَ الأفْعالِ .. إلَخْ. وقَوْلَهم: لَوْ تَوَقَّفَ مَعْرِفَةُ الحُسْنِ والقُبْحِ .. إلَخْ. شُبْهَتانِ مُسْتَقِلَّتانِ مِن شُبَهٍ عَشَرَةٍ إلْزامِيَّةٍ ذَكَرَها الآمِدِيُّ في أبْكارِ الأفْكارِ
صفحة 70
وأنَّ كُلًّا مِنَ التَّقْرِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ لا يَخْلُو بَعْدُ عَنْ نَظَرٍ فَتَدَبَّرْ.
6:161Page 150
قُلۡ إِنَّنِي هَدَىٰنِي رَبِّيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ دِينٗا قِيَمٗا مِّلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٦١
Say, "Indeed, my Lord has guided me to a straight path - a correct religion - the way of Abraham, inclining toward truth. And he was not among those who associated others with Allāh."
﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي﴾ أمْرٌ لَهُ ﷺ بِأنْ يُبَيِّنَ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي يَدَّعِي المُفَرِّقُونَ أنَّهم عَلَيْهِ وقَدْ فارَقُوهُ بِالكُلِّيَّةِ وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِها والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُفَرِّقِينَ أوْ لِلنّاسِ كافَّةً: أرْشَدَنِي رَبِّي بِالوَحْيِ وبِما نُصِبَ في الآفاقِ والأنْفُسِ مِنَ الآياتِ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مُوَصِّلٍ إلى الحَقِّ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿دِينًا﴾ بَدَلٌ مِن مَحَلِّ ﴿إلى صِراطٍ﴾ إذِ المَعْنى فَهَدانِي صِراطًا نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أوْ مَفْعُولُ فِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ أيْ هَدانِي أوْ أعْطانِي أوْ عَرَّفَنِي دِينًا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِلْمَذْكُورِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قِيَمًا﴾ مَصْدَرٌ كالصِّغَرِ والكِبَرِ نُعِتَ بِهِ مُبالَغَةً وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ذا قِيَمٍ والقِياسُ قِوَمًا كَعِوَضٍ وحِوَلٍ فاعِلٌ تَبَعًا لِإعْلالِ فِعْلِهِ أعْنِي قامَ كالقِيامِ وقَرَأ كَثِيرٌ ( قَيِّمًا ) وهو فَيْعَلٌ مِن قامَ أيْضًا كَسَيِّدٍ مِن سادَ وهو عَلى ما قِيلَ أبْلَغُ مِنَ المُسْتَقِيمِ بِاعْتِبارِ الهَيْئَةِ والمُسْتَقِيمُ أبْلَغُ مِنهُ بِاعْتِبارِ مَجْمُوعِ المادَّةِ والهَيْئَةِ وقِيلَ: أبْلَغِيَّةُ المُسْتَقِيمِ لِأنَّ السِّينَ لِلطَّلَبِ فَتُفِيدُ طَلَبَ القِيامِ واقْتِضاءَهُ ولا فَرْقَ بَيْنَ القَيِّمِ والمُسْتَقِيمِ في أصْلِ المَعْنى عِنْدَ الكَثِيرِ وفَسَّرُوا القَيِّمَ بِالثّابِتِ المُقَوِّمِ لِأمْرِ المَعاشِ والمَعادِ وجَعَلُوا المُسْتَقِيمَ مِنِ اسْتَقامَ الأمْرُ بِمَعْنى ثَبُتَ وإلّا لا يَتَأتّى ما ذُكِرَ وقِيلَ: المُسْتَقِيمُ مُقابِلُ المُعْوَجِّ والقَيِّمُ الثّابِتُ الَّذِي لا يُنْسَخُ ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ نُصِبَ بِتَقْدِيرِ أعْنِي أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَدِينًا بِناءً عَلى جَوازٍ تَخالُفِ البَيانِ والمُبَيَّنِ تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ مائِلًا عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ أوْ مُخْلِصًا لِلَّهِ تَعالى في العِبادَةِ وهو حالٌ مِن إبْراهِيمَ وقَدْ أطْبَقُوا عَلى جَوازِ مَجِيءِ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ إذا كانَ المُضافُ جُزْءًا مِنهُ أوْ بِمَنزِلَةِ الجُزْءِ حَيْثُ يَصِحُّ قِيامُهُ مَقامَهُ والعامِلُ في هَذِهِ الحالِ هو العامِلُ في المُضافِ وقِيلَ: مَعْنى الإضافَةِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ المُشْعِرِ بِهِ حَرْفُ الجَرِّ وقَدْ تَقَوّى هَذا المَعْنى هُنا بِما بَيْنَ المُتَضايِفَيْنِ مِنَ الجُزْئِيَّةِ أوْ شِبْهِها.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ أعْنِي حَنِيفًا ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ (161) اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِنَزاهَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَمّا عَلَيْهِ المُبْطِلُونَ وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ وفِيهِ رَدٌّ عَلى الَّذِينَ يَدَّعُونَ أنَّهم عَلى مِلَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أهْلِ مَكَّةَ القائِلِينَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ واليَهُودِ القائِلِينَ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ والنَّصارى القائِلِينَ: عِيسى ابْنُ اللَّهِ
6:162Page 150
قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦٢
Say, "Indeed, my prayer, my rites of sacrifice, my living and my dying are for Allāh, Lord of the worlds.
﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي﴾ أيْ جِنْسَها لِتَشْمَلَ المَفْرُوضَةَ وغَيْرَها وأُعِيدَ الأمْرُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ وقِيلَ: لِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ وما سَبَقَ بِأُصُولِها ﴿ونُسُكِي﴾ أيْ عِبادَتِي كُلَّها كَما قالَ الزَّجّاجُ والجُبّائِيُّ وهو مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ أنَّ المُرادَ بِهِ الذَّبِيحَةُ لِلْحَجِّ والعُمْرَةِ وعَنْ قَتادَةَ الأُضْحِيَةُ وجَمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الصَّلاةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ عَلى المَشْهُورِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الحَجُّ أيْ إنَّ صَلاتِي وحَجِّي ﴿ومَحْيايَ ومَماتِي﴾ أيْ ما يُقارِنُ حَياتِي ومَوْتِي مِنَ الإيمانِ والعَمَلَ الصّالِحَ.
وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمَحْيا والمَماتِ ظاهِرَهُما والأوَّلُ هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ (162)
صفحة 71
إذِ المُرادُ بِهِ الخُلُوصُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ وقِيلَ المُرادُ بِهِ نَظَرًا لِهَذا الِاحْتِمالِ أنَّ ذَلِكَ لَهُ تَعالى مُلْكًا وقُدْرَةً
6:163Page 150
لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٦٣
No partner has He. And this I have been commanded, and I am the first [among you] of the Muslims."1
﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ أيْ في عِبادَتِي أوْ فِيها وفي الإحْياءِ والإماتَةِ وقَرَأ نافِعٌ ( مَحْيايَ ) بِإسْكانِ الياءِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ وفي رِوايَةٍ أنَّهُ كَسَرَ الياءَ وعَلى الرِّوايَةِ الأُولى إنَّما جازَ التِقاءُ السّاكِنَيْنِ لِنِيَّةِ الوَقْفِ وفِيهِ يَجُوزُ ذَلِكَ فَطَعَنَ بَعْضُهم في ذَلِكَ بِأنَّ فِيهِ الجَمْعَ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ وهو لا يَجُوزُ لَيْسَ في مَحَلِّهِ وقَدْ رَوى هَذِهِ القِراءَةَ عَنْ نافِعٍ جَماعَةٌ وما قِيلَ: إنَّهُ رَجَعَ عَنْها وإنَّهُ لا يَحِلُّ لِأحَدٍ نَقْلُها عَنْهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿وبِذَلِكَ﴾ أيِ القَوْلِ أوِ الإخْلاصِ ﴿أُمِرْتُ﴾ لا بِشَيْءٍ غَيْرِهِ ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ (163) أيِ المُنْقادِينَ إلى امْتِثالِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ وقِيلَ: المُسْتَسْلِمِينَ لِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ والمُرادُ مُسْلِمِي أُمَّتِهِ كَما قِيلَ وهَذا شَأْنُ كُلِّ نَبِيٍّ بِالنِّسْبَةِ إلى أُمَّتِهِ وقِيلَ: هَذا إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى نُورِي» .
6:164Page 150
قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِي رَبّٗا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيۡءٖۚ وَلَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٍ إِلَّا عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ١٦٤
Say, "Is it other than Allāh I should desire as a lord while He is the Lord of all things? And every soul earns not [blame] except against itself, and no bearer of burdens will bear the burden of another. Then to your Lord is your return, and He will inform you concerning that over which you used to differ."
﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا﴾ إنْكارٌ لِبُغْيَةِ غَيْرِهِ تَعالى رَبًّا لا لِبُغْيَةِ الرَّبِّ ولِهَذا قُدِّمَ المَفْعُولُ ولَيْسَ التَّقْدِيمُ لِلِاخْتِصاصِ إذِ المَقْصُودُ أغَيْرَ اللَّهِ أطْلُبُ رَبًّا وأجْعَلُهُ شَرِيكًا لَهُ وعَلى تَقْدِيرِ الِاخْتِصاصِ لا يَكُونُ إشْراكًا لِلْغَيْرِ بَلْ تَوْحِيدٌ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالُ التَّقْدِيمُ لِلِاخْتِصاصِ وذَكَرَ في رَدِّ دَعْوَتِهِ إلى الغَيْرِ رَدَّ الِاخْتِصاصِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ إشْراكَ الغَيْرِ بُغْيَةُ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى إذْ لا بُغْيَةَ لَهُ سُبْحانَهُ إلّا بِتَوْحِيدِهِ عَزَّ وجَلَّ وما في النَّظْمِ الكَرِيمِ أبْلَغَ مِن أغَيْرَ اللَّهِ أعْبُدُ ونَحْوِهِ كَما لا يَخْفى ﴿وهُوَ﴾ سُبْحانُهُ ﴿رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ أيْ والحالُ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ مَرْبُوبٌ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ شَرِيكًا لَهُ ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها﴾ يُرْوى أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِمَ ذُكِرَ أيْ أنَّ ما كَسَبَتْهُ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ الخَطايا مَحْمُولٌ عَلَيْها لا عَلى غَيْرِها حَتّى يَصِحَّ قَوْلُكم وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ أيْ نَفْسٌ آثِمَةٌ ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾ تَأْكِيدًا لِما قَبْلَهُ وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ الأوَّلُ اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْيُكْتَبْ عَلَيْنا ما عَمِلْتُمْ مِنَ الخَطايا لا عَلَيْكم والثّانِي اتَّبِعُوا لِنَحْمِلَ يَوْمَ القِيامَةِ ما كُتِبَ عَلَيْكم مِنَ الخَطايا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكْسِبُ﴾ .. إلَخْ. رَدٌّ لَهُ بِالمَعْنى الأوَّلِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَزِرُ﴾ .. إلَخْ. رَدٌّ لَهُ بِالمَعْنى الثّانِي وقِيلَ: إنَّ جَوابَ قَوْلِهِمْ هو الثّانِي وإنَّ الأوَّلَ مِن جُمْلَةِ الجَوابِ عَنْ دَعْواهم إلى عِبادَةِ آلِهَتِهِمْ يَعْنِي لَوْ أجَبْتُكم إلى ما دَعَوْتُمُونِي إلَيْهِ لَمْ أكُنْ مَعْذُورًا بِأنَّكم سَبَقْتُمُونِي إلَيْهِ وقَدْ فَعَلْتُهُ مُتابَعَةً لَكم ومُطاوَعَةً فَلا يُفِيدُنِي ذَلِكَ شَيْئًا ولا يُنْجِينِي مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ كَسْبَ كُلِّ أحَدٍ وعَمَلَهُ عَلَيْهِ ورَجَّحَهُ بَعْضُهم عَلى الأوَّلِ بِأنَّ التَّأْسِيسَ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى الكُلِّ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ وتَشْدِيدِ الوَعِيدِ أيْ إلى مالِكِ أمْرِكم رُجُوعُكم يَوْمَ القِيامَةِ ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (164) بِبَيانِ الرُّشْدِ مِنَ الغَيِّ وتَمْيِيزِ الحَيِّ مِنَ اللَّيِّ.
6:165Page 150
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَٰٓئِفَ ٱلۡأَرۡضِ وَرَفَعَ بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمُۢ ١٦٥
And it is He who has made you successors upon the earth and has raised some of you above others in degrees [of rank] that He may try you through what He has given you. Indeed, your Lord is swift in penalty; but indeed, He is Forgiving and Merciful.
﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ أيْ يَخْلُفُ بَعْضُكم بَعْضًا كُلَّما مَضى قَرْنٌ جاءَ قَرْنٌ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا مِن عالِمٍ مُدَبِّرٍ وإلى هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ أوْ جَعَلَكم خُلَفاءَ اللَّهِ تَعالى في أرْضِهِ تَتَصَرَّفُونَ
صفحة 72
فِيها كَما قِيلَ والخِطابُ عَلَيْهِما عامٌّ وقِيلَ: الخِطابُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ أيْ جَعَلَكم خُلَفاءَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ﴾ في الفَضْلِ والغِنى كَما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ ﴿دَرَجاتٍ﴾ كَثِيرَةً مُتَفاوِتَةً ﴿لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ أيْ لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يَبْتَلِيكم لِيَنْظُرَ ماذا تَعْمَلُونَ مِمّا يُرْضِيهِ وما لا يُرْضِيهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ تَجْرِيدُ الخِطابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ إضافَةِ اسْمِ الرَّبِّ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِإبْرازِ مَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِ ﷺ ﴿سَرِيعُ العِقابِ﴾ أيْ عِقابُهُ سُبْحانَهُ الأُخْرَوِيُّ سَرِيعُ الإتْيانِ لِمَن لَمْ يُراعِ حُقُوقَ ما آتاهُ لِأنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ أوْ سَرِيعُ التَّمامِ عِنْدَ إرادَتِهِ لِتَعالِيَهُ سُبْحانَهُ عَنِ اسْتِعْمالِ المَبادِئِ والآلاتِ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالعِقابِ عِقابُ الدُّنْيا كالَّذِي يَعْقُبُ التَّقْصِيرَ مِنَ البُعْدِ عَنِ الفِطْرَةِ وقَساوَةِ القَلْبِ وغِشاوَةِ الأبْصارِ وصَمِّ الأسْماعِ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (165) لِمَن راعى حُقُوقَ ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى كَما يَنْبَغِي.
وفِي جَعْلِ خَبَرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ الوارِدَيْنِ عَلى بِناءِ المُبالَغَةِ مَعَ التَّأْكِيدِ بِاللّامِ مَعَ جَعْلِ خَبَرِ الأُولى صِفَةً جارِيَةً عَلى غَيْرِ مَن هي لَهُ ما لا يَخْفى مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ بِالذّاتِ لا تَتَوَقَّفُ مَغْفِرَتُهُ ورَحْمَتُهُ عَلى شَيْءٍ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» مُبالِغٌ في ذَلِكَ فاعِلٌ لِلْعُقُوبَةِ بِالعَرَضِ وبَعْدَ صُدُورِ ذَنْبٍ مِنَ العَبْدِ يَسْتَحِقُّ بِهِ ذَلِكَ وما ألْطَفَ افْتِتاحَ هَذِهِ السُّورَةِ بِالحَمْدِ وخَتْمَها بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَنا الحَظَّ الأوْفَرَ مِنهُما إنَّهُ ولِيُّ الإنْعامِ ولَهُ الحَمْدُ في كُلِّ ابْتِداءٍ وخِتامٍ.
* * *
( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ بِاللَّهِ تَعالى وأثْبَتُوا وُجُودًا غَيْرَ وُجُودِهِ ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ تَعالى ﴿ما أشْرَكْنا﴾ بِهِ سُبْحانَهُ شَيْئًا ﴿ولا﴾ أشْرَكَ ﴿آباؤُنا﴾ مِن قَبْلِنا ﴿ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ قالُوا ذَلِكَ تَكْذِيبًا لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وقالُوا مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴿حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ لِتَكْذِيبِهِمْ وهو الحِجابُ ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ﴾ فَتُخْرِجُوهُ لَنا بِالبَيانِ ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ لِأنَّكم مَحْجُوبُونَ في مَقامِ النَّفْسِ ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ أيْ إنْ كانَ الأمْرُ كَما قُلْتُمْ فَلَيْسَ لَكم حُجَّةٌ بَلْ لِلَّهِ تَعالى الحُجَّةُ عَلَيْكم لِأنَّهُ تَعالى لا يَشاءُ إلّا ما يَعْلَمُهُ في الأزَلِ ولا يَعْلَمُ الشَّيْءَ إلّا عَلى ما هو عَلَيْهِ في نَفْسِهِ فَلَوْ لَمْ تَكُونُوا في أنْفُسِكم مُشْرِكِينَ سَيِّئِي الِاسْتِعْدادِ لَما شاءَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مِنكم ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ إذْ لَيْسَ في اسْتِعْدادِكُمُ الأزَلِيِّ ذَلِكَ.
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ وُجُوهًا أُخَرَ لَعَلَّها غَيْرُ خَفِيَّةٍ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ فَإنَّ إثْباتَ مَوْجُودٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴿وبِالوالِدَيْنِ﴾ أيِ الرُّوحِ والقَلْبِ أحْسِنُوا ﴿إحْسانًا﴾ بِرِعايَةِ حُقُوقِهِما ﴿ولا تَقْتُلُوا﴾ أيْ تُهْلِكُوا ﴿أوْلادَكُمْ﴾ قُواكم بِاسْتِعْمالِها في غَيْرِ ما هي لَهُ ﴿مِن إمْلاقٍ﴾ أيْ مِن أجْلِ فَقْرِكم مِنَ الفَيْضِ الأقْدَسِ ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾ بِأنْ نُفِيضَ عَلَيْكم وعَلَيْهِمْ ما تَتَغَذَّوْنَ بِهِ مِنَ المَعارِفِ بِمِقْدارِ إذا تَوَجَّهْتُمْ إلَيْنا ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ﴾ الأعْمالَ الشَّنِيعَةَ ﴿ما ظَهَرَ مِنها﴾ كَأفْعالِ الجَوارِحِ ﴿وما بَطَنَ﴾ كَأفْعالِ القَلْبِ ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ تَعالى قَتْلَها ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ أيْ إلّا بِسَبَبِهِ بِأنْ تُرِيدُوا تَوَجُّهَها إلَيْهِ أوْ إلّا قَتْلًا مُتَلَبِّسًا بِهِ وهو قَتْلُها إذا مالَتْ إلى السُّوى ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ أيْ ما أُعِدَّ لِيَتِيمِ القَلْبِ المُنْقَطِعِ عَنْ عَلائِقِ الدُّنْيا والآخِرَةِ مِنَ المَعارِفِ الَّتِي هي وراءَ طَوْرِ العَقْلِ ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ وهي التَّصْدِيقُ بِذَلِكَ إجْمالًا وعَدَمُ
صفحة 73
إنْكارِهِ ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ فَيَقْوى عَلى قَبُولِ أنْواعِ التَّجَلِّياتِ وحِينَئِذٍ يَصِحُّ لَكم أنْ تَقْرَبُوا ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِن هاتِيكِ المَعارِفِ لِقُوَّةِ قُلُوبِكم وتَقَدُّسِ أرْواحِكم.
ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ اليَتِيمَ إشارَةً إلى حَضْرَةِ الرِّسالَةِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو كَما تَرى ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ﴾ أيْ كَيْلَ الشَّرْعِ بِمُراعاةِ الحُقُوقِ الظّاهِرَةِ ﴿والمِيزانَ﴾ أيْ مِيزانَ الحَقِيقَةِ بِمُراعاةِ الحُقُوقِ الباطِنَةِ ﴿بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا﴾ أيْ لا تَقُولُوا إلّا الحَقَّ ﴿وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ وهو التَّوْحِيدُ ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾ غَيْرَ مائِلٍ إلى اليَمِينِ والشِّمالِ ﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ لِتَصِلُوا إلى اللَّهِ تَعالى ﴿ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الَّتِي وصَفَها أهْلُ الِاحْتِجابِ ﴿فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فَتَضِلُّوا ولا تَصِلُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ لَتَوَفِّيَ أرْواحَهم ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ بِالتَّجَلِّي الصُّورِيِّ يَوْمَ القِيامَةِ كَما صَحَّ في ذَلِكَ الحَدِيثِ ﴿أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ وهو الكَشْفُ عَنْ ساقٍ ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ وهو الكَشْفُ المَذْكُورُ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها﴾ حِينَئِذٍ لِانْقِطاعِ التَّكْلِيفِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ أهْواءً مُتَفَرِّقَةً كالَّذِينِ غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ صِفاتُ النَّفْسِ ﴿وكانُوا شِيَعًا﴾ فِرَقًا مُخْتَلِفَةً بِحَسَبِ غَلَبَةِ تِلْكَ الأهْواءِ ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ إذْ هم أهْلُ التَّفْرِقَةِ والِاحْتِجابِ بِالكَثْرَةِ فَلا تَجْتَمِعُ هِمَمُهم ولا تَتَحِدُّ مَقاصِدُهم ﴿إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ﴾ في جَزاءِ تَفَرُّقِهِمْ ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ﴾ عِنْدَ ظُهُورِ هَيْئاتِ أهْوائِهِمُ المُخْتَلِفَةِ المُتَفَرِّقَةِ ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ مِنَ السَّيِّئاتِ واتِّباعِ الهَوى ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها﴾ وذَلِكَ لِأنَّ السَّيِّئَةَ مِن مَقامِ النَّفْسِ وهي مَرْتَبَةُ الآحادِ والحَسَنَةَ أوَّلُ مَقاماتِها مَقامُ القَلْبِ وهي مَرْتَبَةُ العَشَراتِ وأقَلُّ مَراتِبِها عَشَرَةٌ وقَدْ يُضاعِفُ الحَسَنَةَ بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ إذا كانَتْ مِن مَقامِ الرُّوحِ أوْ مَقامِ السِّرِّ وهَذا هو السِّرُّ في تَفاوُتِ جَزاءِ الحَسَناتِ الَّتِي تُشِيرُ إلَيْهِ النُّصُوصُ ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو طَرِيقُ التَّوْحِيدِ الذّاتِيِّ ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ ثابِتًا لا تَنْسَخُهُ المِلَلُ والنِّحَلُ ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ الَّتِي أعْرِضُ بِها عَنِ السُّوى ﴿حَنِيفًا﴾ مائِلًا عَنْ كُلِّ دِينٍ فِيهِ شِرْكٌ ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي﴾ حُضُورِي وشُهُودِي بِالرُّوحِ ﴿ونُسُكِي﴾ تَقَرُّبِي بِالقَلْبِ ﴿ومَحْيايَ﴾ بِالحَقِّ ﴿ومَماتِي﴾ بِالنَّفْسِ ﴿لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ لا نَصِيبَ لِأحَدٍ مِنِّي في ذَلِكَ ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ في شَيْءٍ أصْلًا إذْ لا وُجُودَ سِواهُ ﴿وبِذَلِكَ﴾ الإخْلاصِ وعَدَمِ رُؤْيَةِ الغَيْرِ ﴿أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ المُنْقادِينَ لِلْفَناءِ فِيهِ سُبْحانَهُ ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا﴾ فَأطْلُبُ مُسْتَحِيلًا ﴿وهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ وما سِواهُ بِاعْتِبارِ تَفاصِيلِ صِفاتِهِ سُبْحانَهُ مَرْبُوبٌ ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها﴾ إذْ كَسْبُ النَّفْسِ شِرْكٌ في أفْعالِهِ تَعالى وكُلُّ مَن أشْرَكَ فَوَبالُهُ عَلَيْهِ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ لِعَدَمِ تَجاوُزِ المَلائِكَةِ إلى غَيْرِ صاحِبِها ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ بِأنْ جَعَلَكم لَهُ مَظْهَرَ أسْمائِهِ ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ في تِلْكَ المَظْهَرِيَّةِ لِأنَّها حَسَبَ الِاسْتِعْدادِ وهو مُتَفاوِتٌ ﴿لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ ويَظْهَرَ عِلْمُهُ بِمَن يَقُومُ بِرِعايَةِ ما آتاهُ وبِمَن لا يَقُومُ ﴿إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ﴾ لِمَن لَمْ يُراعِ ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِمَن يُراعِي ذَلِكَ. نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا لِمِراضِيهِ ويَجْعَلَ مُسْتَقْبَلَ حالِنا خَيْرًا مِن ماضِيهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences