Al-AlusiAl‑An'am · 6:40–46

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:40–46

6:40Page 132

قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوۡ أَتَتۡكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَدۡعُونَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٠

Say, "Have you considered:1 if there came to you the punishment of Allāh or there came to you the Hour - is it other than Allāh you would invoke, if you should be truthful?"

﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يُبَكِّتُهم ويُلْقِمَهُمُ الحَجْرَ بِما لا سَبِيلَ لَهم إلى إنْكارِهِ، والتّاءُ عَلى ما قالَهُ أبُو البَقاءِ ضَمِيرُ الفاعِلِ وما بَعْدَهُ حَرْفُ خِطابٍ جِيءَ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ ولَيْسَ اسْمًا لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ إمّا مَجْرُورًا ولا جارَّ هُنا أوْ مَرْفُوعًا ولَيْسَ مِن ضَمائِرِ الرَّفْعِ، ولا مُقْتَضى لَهُ أيْضًا أوْ مَنصُوبًا وهو باطِلٌ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ، الأوَّلُ أنَّ هَذا الفِعْلَ قَلْبِيٌّ بِمَعْنى عَلَمٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِكَ: أرَأيْتَ زَيْدًا ما فَعَلَ، فَلَوْ جُعِلَ المَذْكُورُ مَفْعُولًا لَكانَ ثالِثًا

والثّانِي أنَّهُ لَوْ جُعِلَ مَفْعُولًا لَكانَ هو الفاعِلَ في المَعْنى، ولَيْسَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ إذْ لَيْسَ الغَرَضُ أرَأيْتَ نَفْسَكَ بَلْ أرَأيْتَ غَيْرَكَ ولِذَلِكَ قُلْتَ: أرَأيْتَكَ زَيْدًا وزَيْدٌ غَيْرُ المُخاطَبِ ولا هو بَدَلٌ مِنهُ، والثّالِثُ أنَّهُ لَوْ جُعِلَ كَذَلِكَ لَظَهَرَتْ عَلامَةُ التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ والتَّأْنِيثِ في التّاءِ فَكُنْتَ تَقُولُ: أرَأيْتُما كَما وأرَأيْتُمُوكم وأرَأيْتُكُنَّ وهَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، والمَفْعُولانِ في هَذِهِ الآيَةِ قِيلَ: الأوَّلُ مِنهُما مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أرَأيْتُكم إيّاهُ أوْ إيّاها أيِ العَذابَ أوِ السّاعَةَ الواقِعَيْنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾ أيِ الدُّنْيَوِيِّ حَسْبَما أتى مَن قَبْلَكم ﴿أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ أيْ هَوْلُها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ لِأنَّ الكَلامَ مِن بابِ التَّنازُعِ حَيْثُ تَنازَعَ رَأْيٌ وأتى في مَعْمُولٍ واحِدٍ هو ﴿عَذابُ اللَّهِ﴾ والسّاعَةُ فَأُعْمِلَ الثّانِي وأُضْمِرَ في الأوَّلِ، والثّانِي مِنهُما جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ والرّابِطُ لَها بِالمَفْعُولِ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ أيْ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ لِكَشْفِ ذَلِكَ، وقِيلَ: لا تَنازُعَ والتَّقْدِيرُ أرَأيْتَكم عِبادَتَكم لِلْأصْنامِ أوِ الأصْنامَ الَّتِي تَعْبُدُونَها هَلْ تَنْفَعُكُمْ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ سادَةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ

وذَهَبَ الرَّضِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ أنَّ (رَأى) هُنا بَصَرِيَّةٌ وقِيلَ: قَلْبِيَّةٌ بِمَعْنى عَرَفَ وهي عَلى القَوْلَيْنِ مُتَعَدِّيَةٌ لِواحِدٍ، وأصْلُ اللَّفْظِ الِاسْتِفْهامُ عَنِ العِلْمِ أوِ العِرْفانِ أوِ الإبْصارِ إلّا أنَّهُ تَجُوزُ بِهِ عَنْ مَعْنى أخْبِرْنِي ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الِاسْتِخْبارِ عَنْ حالَةٍ عَجِيبَةٍ لِشَيْءٍ، وفِيهِ عَلى ما قالَ الكِرْمانِيُّ وغَيْرُهُ تَجُوزانِ إطْلاقُ الرُّؤْيَةِ وإرادَةُ الإخْبارِ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بِأيِّ مَعْنًى كانَتْ سَبَبٌ لَهُ، وجَعْلُ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الأمْرِ بِجامِعِ الطَّلَبِ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلتَّعْجِيبِ لا يُنافِي كَوْنَ ذَلِكَ بِمَعْنى أخْبِرْنِي لِما قِيلَ أنَّهُ بِالنَّظَرِ إلى أصْلِ الكَلامِ، ونُقِلَ عَنْ أبِي حَيّانَ أنَّ الأخْفَشَ قالَ: إنَّ العَرَبَ أخْرَجَتْ هَذا اللَّفْظَ عَنْ مَعْناهُ بِالكُلِّيَّةِ فَقالُوا: أرَأيْتُكَ وأرَيْتُكَ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ إذا كانَ بِمَعْنى أخْبَرْتَ وإذا كانَ بِمَعْنى أبْصَرْتَ لَمْ تُحْذَفْ هَمْزَتُهُ وألْزَمَتْهُ أيْضًا الخُطّابَ عَلى هَذا المَعْنى

صفحة 149

فَلا تَقُولُ أبَدًا أرانِي زَيْدٌ عُمَرًا ما صَنَعَ هَذا عَلى مَعْنى أعْلَمَ، وأخْرَجَتْهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ بِالكُلِّيَّةِ لِمَعْنى إمّا بِدَلِيلِ دُخُولِ الفاءِ بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ الآيَةِ فَما دَخَلَتِ الفاءُ إلّا وقَدْ خَرَجَتْ لِمَعْنى أما، والمَعْنى أما إذا أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فالأمْرُ كَذا وكَذا، وقَدْ أخْرَجَتْهُ أيْضًا إلى مَعْنى أخْبِرْنِي كَما قَدَّمْنا وإذا كانَ بِهَذا المَعْنى فَلا بُدَّ بَعْدَهُ مِنِ اسْمِ المُسْتَخْبَرِ عَنْهُ، وتَلْزَمُ الجُمْلَةُ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ وقَدْ يَخْرُجُ لِهَذا المَعْنى وبَعْدَهُ الشَّرْطُ وظَرْفُ الزَّمانِ اهـ، ولَمْ يُوافَقْ في جَمِيعِ ذَلِكَ

وذَهَبَ شَيْخُ أهْلِ الكُوفَةِ الكِسائِيُّ إلى أنَّ التّاءَ ضَمِيرُ الفاعِلِ وأداةُ الخِطابِ اللّاحِقَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الأوَّلِ، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ التّاءَ حَرْفُ خِطابٍ واللَّواحِقُ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ وهي ضَمائِرُ نَصْبٍ اسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمالَ ضَمائِرِ الرَّفْعِ، والكَلامُ عَلى ذَلِكَ مَبْسُوطٌ في مَحَلِّهِ، والمُخْتارُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَصْرِيُّونَ مِن جَعْلِ (كُمْ) هُنا، وكَذا سائِرُ اللَّواحِقِ حَرْفُ خِطابٍ ومُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ عِنْدَهم ومَحَطُّ التَّبْكِيتِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أغَيْرَ اللَّهِ﴾ إلَخْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

4

- مُتَعَلِّقٌ بِأرَيْتَكم مُؤَكِّدٌ لِلتَّبْكِيتِ كاشَفٌ عَنْ كَذِبِهِمْ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ عَلى ما قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّ أصْنامَكم آلِهَةٌ أوْ أنَّ عِبادَتَكم لَها نافِعَةٌ أوْ إنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مِن شَأْنِكُمُ الصِّدْقُ فَأخْبِرُونِي أألَهًا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى تَدْعُونَ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ إلَخْ، فَإنَّ صِدْقَهم مِن مُوجِباتِ إخْبارِهِمْ بِدُعائِهِمْ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ

وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ أيْ فادْعَوْهُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِغَيْرِ اللَّهِ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يُخِلُّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ كَيْفَ لا والمَطْلُوبُ مِنهم إنَّما هو الإخْبارُ بِدُعائِهِمْ غَيْرَهُ جَلَّ شَأْنُهُ عِنْدَ إتْيانِ ما يَأْتِي نَفْسَ دُعائِهِمْ إيّاهُ، وجَوَّزَ آخَرُونَ كَوْنَ مُتَعَلِّقِ الِاسْتِخْبارِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ مَن تَدْعُونَ وجَعَلُوا قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: أغَيْرَ اللَّهِ إلَخْ، اسْتِئْنافًا لِلتَّبْكِيتِ عَلى مَعْنى أتَخُصُّونَ آلِهَتَكم بِالدَّعْوَةِ كَما هو عادَتُكم إذا أصابَكم ضُرٌّ أمْ تَدْعُونَ اللَّهَ تَعالى دُونَها، وعَلَيْهِ فَتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلتَّخْصِيصِ

وبَعْضُهم جَعَلَ تَقْدِيمَهُ لِأنَّ الإنْكارَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وأنْكَرَ تَعَلُّقَهُ بِالتَّخْصِيصِ، نَعَمِ التَّقْدِيمُ في قَوْلِهِ تَعالى:

6:41Page 132

بَلۡ إِيَّاهُ تَدۡعُونَ فَيَكۡشِفُ مَا تَدۡعُونَ إِلَيۡهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوۡنَ مَا تُشۡرِكُونَ ٤١

No, it is Him [alone] you would invoke, and He would remove that for which you invoked Him if He willed, and you would forget what you associate [with Him].

﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ لِلتَّخْصِيصِ أيْ بَلْ تَخُصُّونَهُ سُبْحانَهُ بِالدُّعاءِ ولَيْسَ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، والتَّخْصِيصُ مُسْتَفادٌ مِمّا بَعْدُ وهو عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ مَنفِيَّةٍ تُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ، وجَعَلَهُ في الكَشْفِ عَطْفًا عَلى أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ، وأوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى كَوْنِ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ مُتَعَلِّقَ الِاسْتِخْبارِ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ﴾ أيْ ما تَدْعُونَهُ إلى كَشْفِهِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ يَأْباهُ فَإنَّ قَوارِعَ السّاعَةِ لا تُكْشَفُ عَنِ المُشْرِكِينَ، وأجابَ بِأنَّهُ قَدِ اشْتَرَطَ في الكَشْفِ المَشِيئَةَ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿إنْ شاءَ﴾ وهو عَزَّ وجَلَّ لا يَشاءُ كَشْفَ هاتِيكَ القَوارِعِ عَنْهم وخُصَّ الإيرادُ بِذَلِكَ الوَجْهِ عَلى ما في الكَشْفِ لِأنَّ الشَّرْطَيْنِ فِيهِ لِما كانا مُتَعَلِّقَيْنِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: أغَيْرَ إلَخْ، وكانَ ﴿بَلْ إيّاهُ﴾ إلَخْ عَطْفًا عَلَيْهِ إضْرابًا عَنْهُ، والمَعْطُوفُ في حُكْمِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وجَبَ أنْ يَكُونا مُتَعَلِّقَيْنِ بِهِ أيْضًا، ولَمّا كانَ الكَشْفُ مُسْتَعْقَبَ الدُّعاءِ مُسْتَفادًا عَنْهُ وجَبَ أنْ يَكُونا مُتَعَلِّقَيْنِ بِهِ أيْضًا فَجاءَ سُؤالٌ أنَّ قَوارِعَ السّاعَةِ لا تُكْشَفُ، وأمّا في الوَجْهِ الآخَرِ فَلِأنَّ (أغَيْرَ) إلَخْ، لَمّا كانَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ الشَّرْطانِ لَفْظًا بَلْ جازَ أنْ يُقَدَّرا أوْ هو الظّاهِرُ إنْ ساعَدَ المَعْنى، وأنْ يُقَدَّرَ واحِدٌ مِنهُما حَسْبَ اسْتِدْعاءِ

صفحة 150

المَقامِ وذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَكَّتَهم بِما كانُوا عَلَيْهِ مِنِ اخْتِصاصِهِمْ إيّاهُ تَعالى بِالدُّعاءِ عِنْدَ الكَرْبِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ فَلا مانِعَ مِن ذِكْرِ أمْرَيْنِ والتَّقْرِيعِ عَلى أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ لاسِيَّما عِنْدَ اخْتِصاصِهِ بِالتَّقْرِيعِ انْتَهى، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ كَشْفَ القَوارِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ بِدُعاءِ المُؤْمِنِ أوِ المُشْرِكِ بَلْ قَبُولِهِ الدُّعاءَ مُطْلَقًا مَشْرُوطٌ بِالمَشِيئَةِ، وبِذَلِكَ تُقَيِّدُ آيَةُ ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ لَكِنَّ انْتِفاءَ المَشِيئَةِ مُتَحَقِّقٌ في بَعْضِ الصُّوَرِ كَما في قَبُولِهِ دُعاءَ الكُفّارِ بِكَشْفِ قَوارِعِ السّاعَةِ وما يَلْقَوْنَهُ مِن سُوءِ الجَزاءِ عَلى كُفْرِهِمْ وكَشْفِ بَعْضِ الأهْوالِ عَنْهم كَكَرْبِ طُولِ الوُقُوفِ حِينَ يُشَفَّعُ ﷺ فَيَشْفَعُ في الفَصْلِ بَيْنَ الخَلائِقِ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ مِن بابِ اسْتِجابَةِ دُعائِهِمْ في شَيْءٍ

عَلى أنَّ كَرْبَ طُولِ الوُقُوفِ الَّذِي يُفارِقُونَهُ نَعِيمٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يُلاقُونَهُ بَعْدُ وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا قَبْلُ، فالقَوارِعُ مُحِيطَةٌ بِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا تُفارِقُهم أصْلًا، وإنَّما يَنْتَقِلُونَ فِيها مِن شَدِيدٍ إلى أشَدَّ فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إثْرَ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَإنَّ قَوارِعَ السّاعَةِ لا تُكْشَفُ عَنِ المُشْرِكِينَ الأحْسَنُ عِنْدِي أنَّ هَوْلَ القِيامَةِ يُكْشَفُ أيْضًا كَكَرْبِ المَوْقِفِ إذا طالَ كَما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ العُظْمى، إلّا أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لَمْ يَذْكُرْهُ لِأنَّ المُعْتَزِلَةَ قائِلُونَ بِنَفْيِ الشَّفاعَةِ، وقَدْ غَفَلَ عَنْ هَذا مَنِ اتَّبَعَهُ مِن كَلامٍ خالٍ مِنَ التَّحْقِيقِ، والمُعْتَزِلَةُ عَلى ما في مَجْمَعِ البِحارِ لا يَنْفُونَ الشَّفاعَةَ في فَصْلِ القَضاءِ وإنَّما يُنْكِرُونَ الشَّفاعَةَ لِأهْلِ الكَبائِرِ والكُفّارِ في النَّجاةِ مِنَ النّارِ

هَذا واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في جَوابِ الشَّرْطِ الأوَّلِ فَقِيلَ: مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَمَن تَدْعُونَ، وقِيلَ: وعَلَيْهِ أبُو البَقاءِ تَقْدِيرُهُ دَعَوْتُمُ اللَّهَ تَعالى، وقِيلَ: إنَّهُ مَذْكُورٌ وهو أرَأيْتَكُمْ، وقِيلَ -ونُسِبَ لِلرَّضِيِّ- هو الجُمْلَةُ المُتَضَمِّنَةُ لِلِاسْتِفْهامِ بَعْدَهُ وهو كالمُتَعَيِّنِ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ ورَدَّهُ الدَّمامِينِيُّ بِأنَّ الجُمْلَةَ كَذَلِكَ لا تَقَعُ جَوابًا لِلشَّرْطِ بِدُونِ فاءٍ

وبَحَثَ في ذَلِكَ الشِّهابُ في حَواشِيهِ عَلى شَرْحِ الكافِيَةِ لِلرَّضِيِّ، وقالَ أبُو حَيّانَ وتَبِعَهُ غَيْرُ واحِدٍ الَّذِي أذْهَبَ إلَيْهِ أنْ يَكُونَ الجَوابُ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ أرَأيْتَكم عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ تَعالى فَأخْبِرُونِي عَنْهُ أتَدْعُونَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى لِكَشْفِهِ كَما تَقُولُ أخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ إنْ جاءَكَ ما تَصْنَعُ بِهِ، فَإنَّ التَّقْدِيرَ إنْ جاءَكَ فَأخْبِرْنِي فَحُذِفَ الجَوابُ لِدَلالَةِ أخْبِرْنِي عَلَيْهِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ، انْتَهى فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ.، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾

14

- عَطْفٌ عَلى (تَدْعُونَ) والنِّسْيانُ مَجازٌ عَنِ التَّرْكِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْ: تَتْرُكُونَ ما تُشْرِكُونَ بِهِ تَعالى مِنَ الأصْنامِ تَرْكًا كُلِّيًّا، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ فَإنَّهم لِشِدَّةِ الهَوْلِ يَنْسَوْنَ ذَلِكَ حَقِيقَةً ولا يَخْطُرُ لَهم بِبالٍ ولا يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أنْ يَنْسى اللَّهَ تَعالى لِأنَّ المُعْتادَ في الشَّدائِدِ أنْ يَلْهَجَ بِذِكْرِهِ تَعالى ويَنْسى ما سِواهُ سُبْحانَهُ، وقَدَّمَ الكَشْفَ مَعَ تَأخُّرِهِ عَنِ النِّسْيانِ كَتَأخُّرِهِ عَنِ الدُّعاءِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِهِ والإيذانِ بِتَرَتُّبِهِ عَلى الدُّعاءِ خاصَّةً

6:42Page 132

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَتَضَرَّعُونَ ٤٢

And We have already sent [messengers] to nations before you, [O Muḥammad]; then We seized them with poverty and hardship that perhaps they might humble themselves [to Us].

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ أنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ مَن لا يَدْعُو اللَّهَ تَعالى عِنْدَ إتْيانِ العَذابِ لِتَمادِيهِ في الغَيِّ والضَّلالِ ولا يَتَأثَّرُ بِالزَّواجِرِ التَّكْوِينِيَّةِ كَما لا يَتَأثَّرُ بِالزَّواجِرِ التَّنْزِيلِيَّةِ، وقِيلَ: مَسُوقٌ لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِإظْهارِ مَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِها، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِأنَّ مُقْتَضى المَقامِ بَيانُ حالِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ لا حالِ المُرْسَلِينَ؛ وتَنْوِينُ (أُمَمٍ) لِلتَّكْثِيرِ، و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ أوْ بِمَعْنى في أوْ زائِدَةٌ بِناءً عَلى جَوازِ زِيادَتِها في الإثْباتِ وضُعِّفَ أيْ تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا إلى أُمَمٍ كَثِيرَةٍ كائِنَةٍ مِن زَمانٍ أوْ في زَمانٍ قَبْلَ زَمانِكَ ﴿فَأخَذْناهُمْ﴾ أيْ فَكَذَّبُوا فَعاقَبْناهم ﴿بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾

صفحة 151

أيْ بِالبُؤْسِ والضُّرِّ

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ إنَّهُ قالَ: خَوْفُ السُّلْطانِ وغَلاءُ السِّعْرِ، وقِيلَ: البَأْساءُ القَحْطُ والجُوعُ، والضَّرّاءُ المَرَضُ ونُقْصانُ الأنْفُسِ والأمْوالِ. وهُما صِيغَتا تَأْنِيثٍ لا مُذَكَّرَ لَهُما عَلى أفْعَلَ كَأحْمَرَ حَمْراءِ كَما هو القِياسُ فَإنَّهُ لَمْ يُقَلْ: أضَرَّ وأبْأسَّ صِفَةً بَلْ لِلتَّفْضِيلِ ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾

24

- أيْ لِكَيْ يَتَذَلَّلُوا فَيَدْعُوا ويَتُوبُوا مِن كُفْرِهِمْ

6:43Page 132

فَلَوۡلَآ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَٰكِن قَسَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٤٣

Then why, when Our punishment came to them, did they not humble themselves? But their hearts became hardened, and Satan made attractive to them that which they were doing.

﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ أيْ فَلَمْ يَتَضَرَّعُوا حِينَئِذٍ مَعَ وُجُودِ المُقْتَضى وانْتِفاءِ المانِعِ الَّذِي يُعْذَرُونَ بِهِ، (ولَوْلا) عِنْدَ الهَرَوِيِّ تَكُونُ نافِيَةً حَقِيقِيَّةً وجُعِلَ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلا قَوْمَ يُونُسَ﴾ والجُمْهُورُ حَمَلُوهُ عَلى التَّوْبِيخِ والتَّنْدِيمِ وهو يُفِيدُ التُّرْكَ وعَدَمَ الوُقُوعِ ولِذا ظَهَرَ الِاسْتِدْراكُ والعَطْفُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ولَيْسَتْ (لَوْلا) هُنا تَحْضِيضِيَّةً كَما تُوُهِّمَ لِأنَّها تَخْتَصُّ بِالمُضارِعِ، واخْتارَ بَعْضُهم ما ذَهَبَ إلَيْهِ الهَرَوِيُّ. ولَمّا كانَ التَّضَرُّعُ ناشِئًا مِن لِينِ القَلْبِ كانَ نَفْيُهُ نَفْيَهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ فَما لانَتْ قُلُوبُهم ولَكِنْ قَسَتْ، وقِيلَ: كانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِمُ التَّضَرُّعُ إلّا أنَّهُ عَدَلَ إلى ما ذُكِرَ لِأنَّ قَساوَةَ القَلْبِ الَّتِي هي المانِعُ يُشْعِرُ بِأنَّ عَلَيْهِمْ ما ذُكِرَ، ومَعْنى (قَسَتْ) إلَخْ، اسْتَمَرَّتْ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ القَساوَةِ أوِ ازْدادَتْ قَساوَةً ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

34

- مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي فَلَمْ يُخْطَرُوا بِبالِهِمْ أنَّ ما اعْتَراهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ ما اعْتَراهم إلّا لِأجْلِهِ. والتَّزْيِينُ لَهُ مَعانٍ، أحَدُهُما إيجادُ الشَّيْءِ حَسَنًا مُزَيَّنًا في نَفْسِ الأمْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا﴾، والثّانِي جَعْلُهُ مُزَيَّنًا مِن غَيْرِ إيجادٍ كَتَزْيِينِ الماشِطَةِ العَرُوسَ، والثّالِثُ جَعْلُهُ مَحْبُوبًا لِلنَّفْسِ مُشْتَهًى لِلطَّبْعِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ وهَذا إمّا بِمَعْنى خَلْقِ المَيْلِ في النَّفْسِ والطَّبْعِ وإمّا بِمَعْنى تَزْوِيقِهِ وتَرْوِيجِهِ بِالقَوْلِ وما يُشْبِهُهُ كالوَسْوَسَةِ والإغْراءِ، وعَلى هَذا يُبْنى أمْرُ إسْنادِهِ فَإنَّهُ جاءَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ تارَةً مُسْنَدًا إلى الشَّيْطانِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ وتارَةً إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ وتارَةً إلى البَشَرِ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ فَإنْ كانَ بِالمَعْنى الأوَّلِ فَإسْنادُهُ إلى اللَّهِ تَعالى حَقِيقَةٌ، وكَذَلِكَ إذا كانَ بِالمَعْنى الثّالِثِ بِناءً عَلى المُرادِ مِنهُ أوَّلًا، وإنْ كانَ بِالمَعْنى الثّانِي أوِ الثّالِثِ بِناءً عَلى المُرادِ مِنهُ ثانِيًا فَإسْنادُهُ إلى الشَّيْطانِ أوِ البَشَرِ حَقِيقَةٌ، ولا يُمْكِنُ إسْنادُ ما يَكُونُ بِالإغْواءِ والوَسْوَسَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَذَلِكَ. وجاءَ أيْضًا غَيْرَ مَذْكُورِ الفاعِلِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ وحِينَئِذٍ يُقَدَّرُ في كُلِّ مَكانٍ ما يَلِيقُ بِهِ، وقَدْ مَرَّ لَكَ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا البَحْثِ فَتَذَكَّرْ

6:44Page 132

فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ ٤٤

So when they forgot that by which they had been reminded,1 We opened to them the doors of every [good] thing until, when they rejoiced in that which they were given, We seized them suddenly, and they were [then] in despair.

﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أيْ تَرَكُوا ما دَعاهُمُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِ ورَدُّوهُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَتَّعِظُوا بِهِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُمُ انْهَمَكُوا في مَعاصِيهِمْ ولَمْ يَتَّعِظُوا بِما نالَهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ فَلَمّا لَمْ يَتَّعِظُوا ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ النِّعَمِ الكَثِيرَةِ كالرَّخاءِ وسَعَةِ الرِّزْقِ مَكْرًا بِهِمْ واسْتِدْراجًا لَهُمْ

فَقَدْ رَوى أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ مِن حَدِيثِ عَقَبَةَ بْنِ عامِرٍ مَرْفُوعًا ”إذا رَأيْتَ اللَّهَ تَعالى يُعْطِي العَبْدَ في الدُّنْيا وهو مُقِيمٌ عَلى مَعاصِيهِ فَإنَّما هو اسْتِدْراجٌ ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ (فَلَمّا نَسُوا) الآيَةَ وما بَعْدَها“، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ الآيَةَ قالَ: ”مُكِرَ بِالقَوْمِ ورَبِّ الكَعْبَةِ أُعْطُوا حاجَتَهم ثُمَّ أُخِذُوا“ وقِيلَ: المُرادُ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ ذَلِكَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وإزاحَةً لِلْعِلَّةِ، والظّاهِرُ أنَّ (فَتَحْنا) جَوابٌ لِـ (ما)

صفحة 152

لِأنَّ فِيها سَواءً قِيلَ بِحَرْفِيَّتِها أوِ اسْمِيَّتِها مَعْنى الشَّرْطِ

واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لا يَظْهَرُ وجْهُ سَبَبِيَّةِ النِّسْيانِ لِفَتْحِ أبْوابِ الخَيْرِ، وأُجِيبَ بِأنَّ النِّسْيانَ سَبَبُ الِاسْتِدْراجِ المُتَوَقِّفِ عَلى فَتْحِ أبْوابِ الخَيْرِ، وسَبَبِيَّةُ شَيْءٍ لِآخَرَ تَسْتَلْزِمُ سَبَبِيَّتَهُ لِما يُتَوَقَّفُ عَلَيْهِ. أوْ يُقالُ إنَّ الجَوابَ ما ذُكِرَ بِاعْتِبارِ مَآلِهِ ومُحَصِّلِهِ وهو ألْزَمْناهُمُ الحُجَّةَ ونَحْوَهُ، وتَسَبُّبُهُ عَنْهُ ظاهِرٌ، وقِيلَ: إنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْهُ بِاعْتِبارِ غايَتِهِ وهو أخْذُهم بَغْتَةً. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ عامِرٍ (فَتَّحْنا) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا﴾ فَرَحَ بَطَرٍ ﴿بِما أُوتُوا﴾ مِنَ النِّعَمِ ولَمْ يَقُومُوا بِحَقِّ المُنْعِمِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿أخَذْناهُمْ﴾ عاقَبْناهم وأنْزَلْنا بِهِمُ العَذابَ ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً لِيَكُونَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ وأفْظَعَ هَوْلًا، وهي نَصْبٌ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ أيْ مُباغَتِينَ أوْ مَبْغُوتِينَ أوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ بَغَتْناهم بَغْتَةً ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾

44

- أيْ آيِسُونَ مِنَ النَّجاةِ والرَّحْمَةِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وقالَ البَلْخِيُّ: أذِلَّةٌ خاضِعُونَ، وعَنِ السُّدِّيِّ: الإبْلاسُ تَغَيُّرُ الوَجْهِ ومِنهُ سُمِّيَ إبْلِيسُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَكَّسَ وجْهَهُ وغَيْرَهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ هو بِمَعْنى الِاكْتِئابِ

وفِي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ لِلْإبْلاسِ ثَلاثَةُ مَعانِي في اللُّغَةِ الحُزْنُ، والحَسْرَةُ، واليَأْسُ وهي مَعانٍ مُتَقارِبَةٌ. وقالَ الرّاغِبُ: هو الحُزْنُ المُعْتَرِضُ مِن شِدَّةِ اليَأْسِ، ولَمّا كانَ المُبْلَسُ كَثِيرًا ما يَلْزَمُ السُّكُوتَ ويَنْسى ما يَعْنِيهِ قِيلَ: أبْلَسَ فَلانٌ إذا سَكَتَ وإذا انْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ و(إذا) هي الفُجائِيَّةُ وهي ظَرْفُ مَكانٍ كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو البَقاءِ. وعَنْ جَماعَةٍ أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّها حَرْفٌ؛ وعَلى القَوْلَيْنِ الأوَّلِينِ النّاصِبُ لَها خَبَرُ المُبْتَدَإ أيْ أبْلَسُوا في مَكانِ إقامَتِهِمْ أوْ في زَمانِها

6:45Page 133

فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْۚ وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٥

So the people that committed wrong were eliminated. And praise to Allāh, Lord of the worlds.

﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ آخِرُهم كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ، وهو مِن دُبُرِهِ إذا تَبِعَهُ فَكَأنَّهُ في دُبُرِهِ أيْ خَلْفَهُ، ومِنهُ إنَّ مِنَ النّاسِ مَن لا يَأْتِي الصَّلاةَ إلّا دُبُرًا أيْ في آخِرِ الوَقْتِ

وقالَ الأصْمَعِيُّ: الدّابِرُ الأصْلُ ومِنهُ قَطَعَ اللَّهُ دابِرَهُ أيْ أصْلَهُ. وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ أنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا بِالعَذابِ ولَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ

﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾

54

- عَلى ما جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ النَّكالِ والإهْلاكِ فَإنَّ إهْلاكَ الكُفّارِ والعُصاةِ مِن حَيْثُ أنَّهُ تَخْلِيصٌ لِأهْلِ الأرْضِ مِن شُؤْمِ عَقائِدِهِمُ الفاسِدَةِ وأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ يَحِقُّ أنْ يُحْمَدَ عَلَيْها فَهَذا مِنهُ تَعالى تَعْلِيمٌ لِلْعِبادِ أنْ يَحْمَدُوهُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ، واخْتارَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ حَمِدَ مِنهُ عَزَّ اسْمُهُ لِنَفْسِهِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ

6:46Page 133

قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمۡعَكُمۡ وَأَبۡصَٰرَكُمۡ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِهِۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ هُمۡ يَصۡدِفُونَ ٤٦

Say, "Have you considered:1 if Allāh should take away your hearing and your sight and set a seal upon your hearts, which deity other than Allāh could bring them [back] to you?" Look how We diversify2 the verses; then they [still] turn away.

﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ عَلى سَبِيلِ التَّبْكِيتِ والإلْزامِ أيْضًا ﴿أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ أيْ أصَمَّكم وأعْماكم فَأخَذَهُما مَجازٌ عَمّا ذُكِرَ لِأنَّهُ لازِمٌ لَهُ والِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى بَقاءِ العَرْضِ زَمانَيْنِ مَحَلُّ نَظَرٍ

﴿وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ بِأنْ غَطّى عَلَيْها بِما لا يَبْقى لَكم مَعَهُ عَقَلَ وفَهِمَ أصْلًا، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَتْمُ عَطْفًا تَفْسِيرِيًّا لِلْأخْذِ فَإنَّ البَصَرَ والسَّمْعَ طَرِيقانِ لِلْقَلْبِ مِنهُما يَرُدُّ ما يَرُدُّ مِنَ المُدْرَكاتِ فَأخْذُهُما سَدٌّ لِبابِهِ بِالكُلِّيَّةِ وهو السِّرُّ في تَقْدِيمِ أخْذِهِما عَلى الخَتْمِ عَلَيْها، واعْتُرِضَ بِأنَّ المُدْرَكاتِ ما يَتَوَقَّفُ عَلى السَّمْعِ والبَصَرِ ولِهَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ بِوُجُوبِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى عَلى مَن وُلِدَ أعْمى أصَمَّ بَلَغَ سِنَّ التَّكْلِيفِ، وقِيلَ: في التَّقْدِيمِ إنَّهُ مِن بابِ تَقْدِيمِ ما يَتَعَلَّقُ بِالظّاهِرِ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالباطِنِ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ السَّمْعِ وإفْرادِهِ قَدْ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ مُسْتَعارٌ لِاسْمِ الإشارَةِ المُفْرَدِ لِأنَّهُ الَّذِي

صفحة 153

كَثُرَ في الِاسْتِعْمالِ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْ أشْياءَ عِدَّةٍ، وأمّا الضَّمِيرُ المُفْرَدُ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ ذَلِكَ ونُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى المَأْخُوذِ والمَخْتُومِ عَلَيْهِ في ضِمْنِ ما مَرَّ أيِ المَسْلُوبِ مِنكم أوْ راجِعٌ إلى السَّمْعِ وما بَعْدَهُ داخِلٌ مَعَهُ في القَصْدِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى أحَدِ هَذِهِ المَذْكُوراتِ، و(مَن) مُبْتَدَأٌ و (إلَهٌ) خَبَرُهُ و (غَيْرُ) صِفَةٌ لِلْخَبَرِ (ويَأْتِيكُمْ) صِفَةٌ أُخْرى، والجُمْلَةُ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مُتَعَلِّقُ الرُّؤْيَةِ ومَناطُ الِاسْتِخْبارِ أيْ أخْبِرُونِي إنْ سَلَبَ اللَّهُ تَعالى مَشاعِرَكم، مَن إلَهٌ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ يَأْتِيكم بِهِ، وتَرَكَ كافَ الخِطابِ هُنا، قِيلَ: لِأنَّ التَّخْوِيفَ فِيهِ أخَفُّ مِمّا تَقَدَّمَ ومِمّا يَأْتِي

وقِيلَ: اكْتِفاءٌ بِالسّابِقِ واللّاحِقِ لِتَوَسُّطِ هَذا الخِطابِ بَيْنَهُما، وقِيلَ: لَمّا كانَ هَذا مِمّا لا يَبْقى القَوْمُ مَعَهُ أهْلًا لِلْخِطابِ حُذِفَتْ كافَّةً إيماءً لِذَلِكَ ورِعايَةً لِمُناسَبَةٍ خَفِيَّةٍ ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ أيْ نُكَرِّرُها عَلى أنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومِنهُ تَصْرِيفُ الرِّياحِ والمُرادُ مِنَ الآياتِ عَلى ما رَوى الكَلْبِيُّ: الآياتُ القُرْآنِيَّةُ وهَلْ هي عَلى الِإطْلاقِ أوْ ما ذُكِرَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا أوْ ما ذُكِرَ قَبْلَ هَذا أقْوالٌ أقْرَبُها عِنْدِي الأقْرَبُ وفِيها الدّالُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وتَوْحِيدِهِ وما فِيهِ التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ والتَّنْبِيهُ والتَّذْكِيرُ، وهَذا تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: لِمَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ مِن عَدَمِ تَأثُّرِهِمْ بِما مَرَّ مِنَ الآياتِ الباهِراتِ

﴿ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾

64

- أيْ يُعْرِضُونَ عَنْ ذَلِكَ: وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنْشَدَ لِهَذا المَعْنى قَوْلَ أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ:

عَجِبْتُ لِحُكْمِ اللَّهِ فِينا وقَدْ بَدا لَهُ صَدْفُنا عَنْ كُلِّ حَقٍّ مُنَزَّلِ

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ يُقالُ: صَدَفَ عَنِ الشَّيْءِ صُدُوفًا إذا مالَ عَنْهُ، وأصْلُهُ مِنَ الصَّدْفِ الجانِبُ والنّاحِيَةُ ومِثْلُهُ الصَّدَفَةُ، وتُطْلَقُ عَلى كُلِّ بِناءٍ مُرْتَفِعٍ، وجاءَ في الخَبَرِ أنَّهُ ﷺ مَرَّ بِصَدَفٍ مائِلٍ فَأسْرَعَ

والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى تَصَرُّفٍ داخِلٍ مَعَهُ في حُكْمِهِ وهو العُمْدَةُ في التَّعَجُّبِ، و(ثُمَّ) لِلِاسْتِبْعادِ أيْ أنَّهم بَعْدَ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ المُوجِبِ لِلْإقْبالِ والإيمانِ يُدَبِّرُونَ ويَكْفُرُونَ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском