Al-AlusiAl‑An'am · 6:47–52

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:47–52

6:47Page 133

قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغۡتَةً أَوۡ جَهۡرَةً هَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٧

Say, "Have you considered: if the punishment of Allāh should come to you unexpectedly or manifestly,1 will any be destroyed but the wrongdoing people?"

﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ تَبْكِيتٌ آخَرُ لَهم بِإلْجائِهِمْ إلى الِاعْتِرافِ بِاخْتِصاصِ العَذابِ بِهِمْ ﴿إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾ أيِ العاجِلُ الخاصُّ بِكم كَما أتى أضْرابُكم مِنَ الأُمَمِ قَبْلَكم ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً مِن غَيْرِ ظُهُورِ أمارَةٍ وشُعُورٍ، ولِتَضَمُّنِها بِهَذا الِاعْتِبارِ ما في الخُفْيَةِ مِن عَدَمِ الشُّعُورِ صَحَّ مُقابَلَتُها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أوْ جَهْرَةً﴾ وبَدَأ بِها لِأنَّها أرْدَعُ مِنَ الجَهْرَةِ وإنَّما لَمْ يَقُلْ: خِفْيَةً لِأنَّ الإخْفاءَ لا يُناسِبُ شَأْنَهُ تَعالى

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ البَغْتَةَ اسْتِعارَةٌ لِلْخِفْيَةِ بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِها بِالجَهْرَةِ، وأنَّها مَكْنِيَّةٌ مِن غَيْرِ تَخْيِيلِيَّةٍ ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى ما فِيهِ تَعَسُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ فَإنَّ المُقابَلَةَ بَيْنَ الشَّيْءِ والقَرِيبِ مِن مُقابِلِهِ كَثِيرَةٌ في الفَصِيحِ ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: ”بَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا“ وعَنِ الحَسَنِ أنَّ البَغْتَةَ أنْ يَأْتِيَهم لَيْلًا، والجَهْرَةُ أنْ يَأْتِيَهم نَهارًا وقُرِئَ: بَغَتَةً أوْ جَهَرَةً بِفَتْحِ الغَيْنِ والهاءِ عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ كالغَلَبَةِ أيْ إتْيانًا بَغْتَةً أوْ إتْيانًا جَهْرَةً، وفي المُحْتَسِبِ لِابْنِ جِنِّيٍّ أنَّ مَذْهَبَ أصْحابِنا في كُلِّ حَرْفِ حَلْقٍ ساكِنٍ بَعْدَ فَتْحٍ لا يُحَرَّكُ إلّا عَلى أنَّهُ لُغَةٌ فِيهِ كالنَّهْرِ والنَّهَرِ والشَّعْرِ والشَّعَرِ

صفحة 154

والحَلْبِ والحَلَبِ والطَّرْدِ والطَّرَدِ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ يَجُوزُ تَحْرِيكُ الثّانِي لِكَوْنِهِ حَرْفًا حَلْقِيًّا قِياسًا مُطْرَدًا كالبَحْرِ والبَحَرِ، وما أرى الحَقَّ إلّا مَعَهُمْ، وكَذا سَمِعْتُ مِن عامَّةِ عَقِيلٍ، وسَمِعْتُ الشَّجَرِيَّ يَقُولُ: أنا مَحَمُومٌ بِفَتْحِ الحاءِ ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ مَفْعُولَ بِفَتْحِ الفاءِ، وقالُوا: اللَّحَمُ يُرِيدُ اللَّحْمَ، وسَمِعْتُهُ يَقُولُ: تَغَدُوا بِمِعْنى تَغْدُوا، ولَيْسَ في كَلامِهِمْ مَفَعَلَ بِفَتْحِ الفاءِ، وقالُوا: سارَ نَحَوَهُ بِفَتْحِ الحاءِ ولَوْ كانَتِ الحَرَكَةُ أصْلِيَّةً ما صَحَّتِ اللّامُ أصْلًا اهـ، وهي كَما قالَ الشِّهابُ فائِدَةٌ يَنْبَغِي حِفْظُها وقُرِئَ بَغْتَةً وجَهْرَةً بِالواوِ الواصِلَةِ

﴿هَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾

74

- أيْ إلّا أنْتُمْ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ وإيذانًا بِأنَّ مَناطَ إهْلاكِهِمْ ظُلْمُهم ووَضْعُهُمُ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ والإعْراضَ مَوْضِعَ الإقْبالِ، وهَذا كَما قالَ الجَماعَةُ مُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ والِاسْتِفْهامِ لِلتَّقْرِيرِ أيْ قُلْ تَقْرِيرًا لَهم بِاخْتِصاصِ الهَلاكِ بِهِمْ أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُهُ جَلَّ شَأْنُهُ حَسْبَما تَسْتَحِقُّونَهُ هَلْ يُهْلَكُ بِذَلِكَ العَذابِ إلّا أنْتُمْ أيْ هَلْ يُهْلَكُ غَيْرُكم مِمَّنْ لا يَسْتَحِقُّهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْمِ الظّالِمِينَ الجِنْسُ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَأْباهُ تَخْصِيصُ الإتْيانِ بِهِمْ، وقِيلَ: الِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى النَّفْيِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفْرَغٌ، والأصْلُ فِيهِ النَّفْيُ ومُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ حِينَئِذٍ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُهُ عَزَّ وجَلَّ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً ماذا يَكُونُ الحالُ، ثُمَّ قِيلَ: بَيانًا لِذَلِكَ ما ﴿يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ ما يُهْلَكُ بِذَلِكَ العَذابِ الخاصِّ بِكم إلّا أنْتُمْ

وقَيَّدَ الطَّبَرْسِيُّ وغَيْرُهُ الهَلاكَ بِهَلاكِ التَّعْذِيبِ والسُّخْطِ تَوْجِيهًا لِلْحَصْرِ إذْ قَدْ يُهْلَكُ غَيْرُ الظّالِمِ لَكِنَّ ذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنهُ تَعالى بِهِ لِيَجْزِيَهُ الجَزاءَ الأوْفى عَلى ابْتِلائِهِ، ولَعَلَّهُ اشْتِغالٌ بِما لا يَعْنِي، وقُرِئَ يَهْلَكُ بِفَتْحِ الياءِ

6:48Page 133

وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۖ فَمَنۡ ءَامَنَ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٤٨

And We send not the messengers except as bringers of good tidings and warners. So whoever believes and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ﴾ إلى الأُمَمِ ﴿إلا مُبَشِّرِينَ﴾ مَن أطاعَ مِنهم بِالثَّوابِ ﴿ومُنْذِرِينَ﴾ مَن عَصى مِنهم بِالعَذابِ، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى الجَنَّةِ والنّارِ لِأنَّهُما أعْظَمُ ما يُبَشَّرُ بِهِ ويُنْذَرُ بِهِ، والمُتَعاطِفانِ مَنصُوبانِ عَلى أنَّهُما حالانِ مُقَدَّرَتانِ مُفِيدَتانِ لِلتَّعْلِيلِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ جَرَتْ عَلَيْهِ العادَةُ الإلَهِيَّةُ، والآيَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ ما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا لِأجْلِ أنْ يُبَشِّرُوا قَوْمَهم بِالثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ ويُنْذِرُوهم بِالعَذابِ عَلى المَعْصِيَةِ، ولَمْ نُرْسِلْهم لِيُقْتَرَحَ عَلَيْهِمْ ويُسْخَرَ بِهِمْ ﴿فَمَن آمَنَ﴾ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ ﴿وأصْلَحَ﴾ ما يَجِبُ إصْلاحُهُ والإتْيانِ بِهِ عَلى وفْقِ الشَّرِيعَةِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها (ومَن) مَوْصُولَةٌ ولِشِبْهِ المَوْصُولِ بِالشَّرْطِ دَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِنَ العَذابِ الَّذِي أنْذَرَ الرُّسُلُ بِهِ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

84

- لِفَواتِ الثَّوابِ الَّذِي بُشِّرُوا بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وجَمْعُ الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ الرّاجِعَةِ إلى (مَن) بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها

6:49Page 133

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلۡعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٤٩

But those who deny Our verses - the punishment will touch1 them for their defiant disobedience.

﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيِ الَّتِي بَلَّغَتْها الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ التَّبْشِيرِ والإنْذارِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها نَبِيُّنا ﷺ ومُعْجِزاتُهُ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَمَسُّهُمُ العَذابُ﴾ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى (مَن آمَنَ) إلَخْ، والمُرادُ بِالعَذابِ العَذابُ الَّذِي أُنْذِرُوهُ عاجِلًا أوْ آجِلًا أوْ حَقِيقَةُ العَذابِ وجِنْسُهُ المُنْتَظِمُ لِذَلِكَ انْتِظامًا أوَّلِيًّا وفي جَعْلِهِ ماسًّا إيذانًا بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ الحَيِّ الفاعِلِ لِما يُرِيدُ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ عَلى ما قِيلَ

وجَوَّزَ الطِّيبِيُّ أنْ يَكُونَ المَسُّ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً مِن غَيْرِ اسْتِعارَةٍ في العَذابِ، والظّاهِرُ أنَّ ما ذُكِرَ مَبْنِيٌّ عَلى أنْ

صفحة 155

المَسَّ مِن خَواصِّ الأحْياءِ، وفي البَحْرِ أنَّهُ يُشْعِرُ بِالِاخْتِيارِ، ومَنَعَ ذَلِكَ بَعْضُهم وادَّعى عِصامُ المِلَّةِ أنَّهُ أُشِيرَ بِالمَسِّ إلى أنَّ العَذابَ لا يَأْخُذُهم بِحَيْثُ يَعْدَمُهم حَتّى يَتَخَلَّصُوا بِالهَلاكِ ولَهُ وجْهٌ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾

94

- أيْ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ

نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ كُلَّ فِسْقٍ في القُرْآنِ مَعْناهُ الكَذِبُ، ولَعَلَّهُ في حَيِّزِ المَنعِ وخُرُوجِهِمُ المُسْتَمِرِّ عَنْ حَظِيرَةِ الإيمانِ والطّاعَةِ، وقَدْ يُقالُ: الفاسِقُ لِمَن خَرَجَ عَنِ التِزامِ بَعْضِ الأحْكامِ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ هَهُنا

قُلْ أيُّها الرَّسُولُ البَشِيرُ النَّذِيرُ لِلْكَفَرَةِ الَّذِينَ يَقْتَرِحُونَ عَلَيْكَ ما يَقْتَرِحُونَ:

6:50Page 133

قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّي مَلَكٌۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ٥٠

Say, [O Muḥammad], "I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allāh or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel. I only follow what is revealed to me." Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Then will you not give thought?"

﴿لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ أيْ مَقْدُوراتُهُ جَمْعُ خَزِينَةٍ أوْ خِزانَةٍ أوْ خَزْنَةٍ وهي في الأصْلِ ما يُحْفَظُ فِيهِ الأشْياءُ النَّفِيسَةُ تُجُوِّزَ فِيها عَمّا ذُكِرَ، وعَلى ذَلِكَ الجَبائِيُّ وغَيْرُهُ ولَمْ يَقُلْ: لا أقْدِرُ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ اللَّهُ، قِيلَ: لِأنَّهُ أبْلَغُ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ لِقُوَّةِ قُدْرَتِهِ كَأنَّ مَقْدُوراتِهِ مَخْزُونَةٌ حاضِرَةٌ عِنْدَهُ، وقِيلَ: الخَزائِنُ مَجازٌ عَنِ المَرْزُوقاتِ مِن إطْلاقِ المَحَلِّ عَلى الحالِ أوِ اللّازِمِ عَلى المُلْزَمِ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيِ خَزائِنُ رِزْقِ اللَّهِ تَعالى أوْ مَقْدُوراتِهِ، والمَعْنى لا أدَّعِي أنَّ هاتِيكَ الخَزائِنَ مُفَوَّضَةٌ إلَيَّ أتَصَرَّفُ فِيها كَيْفَما أشاءُ اسْتِقْلالًا أوْ اسْتِدْعاءً حَتّى تَقْتَرِحُوا عَلَيَّ تَنَزُّلَ الآياتِ أوْ إنْزالَ العَذابِ أوْ قَلْبَ الجِبالِ ذَهَبًا أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِي

ولا أعْلَمَ الغَيْبَ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ ﴿عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ فَهو مَقُولٌ أقُولُ أيْضًا، ونَظَرَ فِيهِ الحَلَبِيُّ مِن حَيْثُ أنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنْ يَصِيرَ التَّقْدِيرُ ولا أقُولُ لَكم لا أعْلَمُ الغَيْبَ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، وأُجِيبُ بِأنَّ التَّقْدِيرَ ولا أقُولُ لَكم أعْلَمُ الغَيْبَ بِإضْمارِ القَوْلِ بَيْنَ لا وأعْلَمُ لا بَيْنَ الواوِ (ولا)، وقِيلَ: لا في - لا أعْلَمُ - مَزِيدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلنَّفْيِ

وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى (لا أقُولُ) لا مَعْمُولَ لَهُ فَهو أُمِرَ أنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ بِهَذِهِ الجُمَلِ فَهي مَعْمُولَةٌ لِلْأمْرِ الَّذِي هو (قُلْ)، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في الإخْبارِ بِأنِّي لا أعْلَمُ الغَيْبَ، وإنَّما الفائِدَةُ في الإخْبارِ بِأنِّي لا أقُولُ ذَلِكَ لِيَكُونَ نَفْيًا لِادِّعاءِ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما مِن خَواصِّ الإلَهِيَّةِ لِيَكُونَ المَعْنى إنِّي لا أدَّعِي الإلَهِيَّةَ

﴿ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ﴾ ولا أدَّعِي المَلَكِيَّةَ، ويَكُونُ تَكْرِيرُ (لا أقُولُ) إشارَةً إلى هَذا المَعْنى، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ مَفْهُومِي ﴿عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾، و﴿إنِّي مَلَكٌ﴾ لَمّا كانَ حالُهُما مَعْلُومًا عِنْدَ النّاسِ لَمْ يَكُنْ حاجَةٌ إلى نَفْيِهِما، وإنَّما الحاجَةُ إلى نَفْيِ ادِّعائِهِما تَبَرِّيًا عَنْ دَعْوى الباطِلِ، ومَفْهُومُ (إنِّي لا أعْلَمُ الغَيْبَ لَمًّا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا احْتِيجَ هُنا إلى نَفْيِهِ فَدَعْوى أنَّهُ لا فائِدَةَ في الإخْبارِ بِذَلِكَ مَنظُورٌ فِيها، والَّذِي اخْتارَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ القَوْلُ الأوَّلُ، وأنَّ المَعْنى ولا أدَّعِي أيْضًا أنِّي أعْلَمُ الغَيْبَ مِن أفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ حَتّى تَسْألُونِي عَنْ وقْتِ السّاعَةِ أوْ وقْتِ إنْزالِ العَذابِ أوْ نَحْوِهِما

وخَصَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما الغَيْبَ بِعاقِبَةِ ما يَصِيرُونَ إلَيْهِ أيْ لا أدَّعِي ذَلِكَ، ولا أدَّعِي أيْضًا المَلَكِيَّةَ حَتّى تَكْفُلُونِي مِنَ الأفاعِيلِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ ما لا يُطِيقُهُ البَشَرُ مِنَ الرُّقِيِّ في السَّماءِ ونَحْوِهِ أوْ تَعُدَّوْا عَدَمَ اتِّصافِي بِصِفاتِهِمْ قادِحًا في أمْرِي كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُمْ: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ ولَيْسَ في الآيَةِ عَلى هَذا دَلِيلٌ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيها هو مَحَلُّ النِّزاعِ كَما زَعَمَ الجَبائِيُّ لِأنَّها إنَّما ورَدَتْ رَدًّا عَلى الكُفّارِ في قَوْلِهِمْ ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ﴾ إلَخْ وتَكْلِيفِهِمْ لَهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِنَحْوِ الرُّقِيِّ في السَّماءِ. ونَحْنُ لا نَدَّعِي تَمَيُّزَ الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في عَدَمِ الأكْلِ مَثَلًا والقُدْرَةِ عَلى الأفاعِيلِ الخارِقَةِ كالرُّقِيِّ ونَحْوِهِ ولا مُساواتَهم لَهم في ذَلِكَ بَلْ كَوْنُ المَلائِكَةِ مُتَمَيِّزِينَ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ

صفحة 156

والسَّلامُ في ذَلِكَ مِمّا أجْمَعَ عَلَيْهِ المُوافِقُ والمُخالِفُ ولا يُوجِبُ ذَلِكَ اتِّفاقًا عَلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنهم بِالمَعْنى المُتَنازَعِ فِيهِ وإلّا لَكانَ كَثِيرٌ مِنَ الحَيْواناتِ أفْضَلَ مِنَ الإنْسانِ، ولا يَدَّعِي ذَلِكَ إلّا جَمادٌ

وهَذا الجَوابُ أظْهَرُ مِمّا نُقِلَ عَنِ القاضِي زَكَرِيّا مِن أنَّ هَذا القَوْلَ مِنهُ ﷺ مِن بابِ التَّواضُعِ وإظْهارِ العُبُودِيَّةِ نَظِيرَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا تُفَضِّلُونِي عَلى ابْنِ مَتّى» في رَأْيٍ بَلْ هو لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ الأفْضَلِيَّةَ عَلى زَعْمِ المُخاطَبِينَ وهو مِن ضِيقِ العَطَنِ، وقِيلَ: حَيْثُ كانَ مَعْنى الآيَةِ لا أدَّعِي الأُلُوهِيَّةَ ولا المَلَكِيَّةَ لا يَكُونُ فِيها تَرَقٍّ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى بَلْ هي حِينَئِذٍ ظاهِرَةٌ في التَّدَلِّي، وبِذَلِكَ تَهْدِمُ قاعِدَةَ اسْتِدْلالِ الزَّمَخْشَرِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى البَشَرِ إذْ لا يُتَصَوَّرُ التَّرَقِّي مِنَ الأُلُوهِيَّةِ إلى ما هو أعْلى مِنها إذْ لا أعَلا لِيُتَرَقّى إلَيْهِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا هَدْمَ لَها مَعَ إعادَةِ (لا أقُولُ) الَّذِي جَعَلَهُ أمْرًا مُسْتَقِلًّا كالإضْرابِ إذِ المَعْنى لا أدَّعِي الأُلُوهِيَّةَ بَلْ ولا المَلَكِيَّةَ ولِذا كَرَّرَ (لا أقُولُ)

وقالَ بَعْضُهم في التَّفْرِيقِ بَيْنَ المَقامَيْنِ: إنَّ مَقامَ نَفْيِ الِاسْتِنْكافِ يَنْبَغِي فِيهِ أنْ يَكُونَ المُتَأخِّرُ أعَلا لِئَلّا يَلْغُوا ذِكْرُهُ، ومُقامُ نَفْيِ الِادِّعاءِ بِالعَكْسِ فَإنَّ مَن لا يَتَجاسَرُ عَلى دَعْوى المَلَكِيَّةِ أوَّلًا أنْ لا يَتَجاسَرَ عَلى دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ الأشَدِّ اسْتِبْعادًا، نَعَمْ في كَوْنِ المُرادِ مِنَ الأوَّلِ نَفْيَ دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ والتَّبَرِّي مِنها نَظَرٌ وإلّا لَقِيلَ لا أقُولُ لَكم إنِّي إلَهٌ كَما قِيلَ ﴿ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ﴾ وأيْضًا في الكِنايَةِ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ بِـ ﴿عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ ما لا يَخْفى مِنَ البَشاعَةِ، وإضافَةُ الخَزائِنِ إلَيْهِ تَعالى مُنافِيَةٌ لَها. ودَفَعَ المُنافاةَ بِأنَّ دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ لَيْسَ دَعْوى أنْ يَكُونَ هو اللَّهَ تَعالى بَلْ أنْ يَكُونَ شَرِيكًا لَهُ عَزَّ اسْمُهُ في الأُلُوهِيَّةِ فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ إضافَةَ الخَزائِنِ إلَيْهِ تَعالى اخْتِصاصِيَّةٌ فَتُنافِي الشَّرِكَةَ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ خَزائِنُ مِثْلَ خَزائِنَ أوْ تُنْسَبُ إلَيْهِ وهو كَما تَرى. ومِن هُنا قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ جَعْلَ ذَلِكَ تَبَرِّيًا عَنْ دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ قَطْعًا

﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ ما أفْعَلُ إلّا اتِّباعَ ما يُوحى إلَيَّ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي مَدْخَلٌ ما في الوَحْيِ أوْ في المُوحى بِطَرِيقِ الِاسْتِدْعاءِ أوْ بِوَجْهٍ آخَرَ مِنَ الوُجُوهِ أصْلًا. وحاصِلُهُ إنِّي عَبْدٌ يَمْتَثِلُ أمْرَ مَوْلاهُ ويَتَّبِعُ ما أوْحاهُ ولا أدَّعِي شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ حَتّى تَقْتَرِحُوا عَلَيَّ ما هو مِن آثارِها وأحْكامِها وتَجْعَلُوا عَدَمَ إجابَتِي إلى ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى عَدَمِ صِحَّةِ ما أدَّعِيهِ مِنَ الرِّسالَةِ. ولا يَخْفى أنَّ هَذا أبْلَغُ مِن إنِّي نَبِيٌّ أوْ رَسُولٌ ولِذا عَدَلَ إلَيْهِ

ولا دَلالَةَ لِنَفاةِ القِياسِ ولا لِمَعانِي جَوازِ اجْتِهادِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما لا يَخْفى. وذَهَبَ البَعْضُ إلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الرَّدُّ عَلى الكَفَرَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ دَعْوى ولَيْسَتْ مِمّا يُسْتَبْعَدُ إنَّما المُسْتَبْعَدُ ادِّعاءُ الأُلُوهِيَّةِ أوِ المَلَكِيَّةِ ولَسْتُ أدَّعِيها. وقَدْ عَلِمْتَ آنِفًا ما في دَعْوى أنَّ المَقْصُودَ مِمّا تَقَدَّمَ نَفْيُ ادِّعاءِ الأُلُوهِيَّةِ والمَلَكِيَّةِ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ أيِ الضّالُّ والمُهْتَدِي عَلى الِإطْلاقِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيُّ والمُرادُ إنْكارُ اسْتِواءِ مَن لا يَعْلَمُ ما ذُكِرَ مِنَ الحَقائِقِ ومَن يَعْلَمُها مَعَ الإشْعارِ بِكَمالِ ظُهُورِها والتَّنْفِيرُ عَنِ الضَّلالِ والتَّرْغِيبُ في الِاهْتِداءِ، وتَكْرِيرُ الأمْرِ لِتَثْبِيتِ التَّبْكِيتِ وتَأْكِيدِ الإلْزامِ ﴿أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾

5

- عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ ألا تَسْمَعُونَ هَذا الكَلامَ الحَقَّ فَلا تَتَفَكَّرُونَ فِيهِ أوْ أتَسْمَعُونَهُ فَلا تَتَفَكَّرُونَ. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ. والكَلامُ داخِلٌ تَحْتَ الأمْرِ. ومَناطُ التَّوْبِيخِ عَدَمُ الأمْرَيْنِ عَلى الأوَّلِ

صفحة 157

وعَدَمُ التَّفْكِيرِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُهُ عَلى الثّانِي

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ في الأعْمى والبَصِيرِ ثَلاثَ احْتِمالاتٍ إمّا أنْ يَكُونا مِثالًا لِلضّالِّ والمُهْتَدِي أوْ مِثالًا لِلْجاهِلِ والعالِمِ أوْ مِثالًا لِمُدَّعِي المُسْتَحِيلِ كالأُلُوهِيَّةِ والمَلَكِيَّةِ ومُدَّعِي المُسْتَقِيمِ كالنُّبُوَّةِ. وأنَّ المَعْنى لا يَسْتَوِي هَذانَ الصِّنْفانِ ﴿أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ في ذَلِكَ فَتَهْتَدُوا أيْ فَتُمَيِّزُوا بَيْنَ ادِّعاءِ الحَقِّ والباطِلِ أوْ فَتَعْلَمُوا أنَّ اتِّباعَ الوَحْيِ مِمّا لا مَحِيصَ عَنْهُ. والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما مَضى إمّا مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا أوْ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنْ أتَّبِعُ﴾ إلَخْ أوْ لِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ (لا أقُولُ) . ورَجَّحَ في الكَشْفِ الأوَّلَ ثُمَّ الثّانِيَ. ولا يَخْفى بُعْدُ هَذا التَّرْجِيحِ. واعْتُرِضَ القَوْلُ بِإحالَةِ المَلَكِيَّةِ بِأنَّها مِنَ المُمْكِناتِ لِأنَّ الجَواهِرَ مُتَماثِلَةٌ والمَعانِيَ القائِمَةَ بِبَعْضِها يَجُوزُ أنْ تَقُومَ بِكُلِّها

وأُجِيبُ بَعْدَ تَسْلِيمِ ما فِيهِ أنَّ البَشَرَ حالَ كَوْنِهِ بَشَرًا مُحالٌ أنْ يَكُونَ مَلَكًا لِتَمايُزِهِما بِالعَوارِضِ المُتَنافِيَةِ بِلا خِلافٍ. وإقْدامُ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ سَماعِ ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ عَلى الأكْلِ لَيْسَ طَمَعًا في المَلَكِيَّةِ حالَ البَشَرِيَّةِ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمْ يَطْمَعْ في المَلَكِيَّةِ أصْلًا وإنَّما طَمِعَ في الخُلُودِ فَأكَلَ

6:51Page 133

وَأَنذِرۡ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحۡشَرُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٥١

And warn by it [i.e., the Qur’ān] those who fear that they will be gathered before their Lord - for them besides Him will be no protector and no intercessor - that they might become righteous.

﴿وأنْذِرْ﴾ أيْ عِظْ وخَوِّفْ يا مُحَمَّدُ بِهِ أيْ بِما يُوحى أوْ بِالقُرْآنِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والزَّجّاجِ، وقِيلَ: أيْ بِاللَّهِ تَعالى ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ

وهَذا أمْرٌ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ بَعْدَما حَكى سُبْحانَهُ وتَعالى لَهُ أنَّ مِنَ الكَفَرَةِ مَن لا يَتَّعِظُ ولا يَتَأثَّرُ قَدِ التَحَقَ بِالأمْواتِ وانْتَظَمَ في سِلْكِ الجَماداتِ فَما يَنْجَعُ فِيهِ دَواءُ الإنْذارِ ولا يُفِيدُهُ العِظَةُ والتِّذْكارُ إذْ يُنْذَرُ مَن يُتَوَقَّعُ في الجُمْلَةِ مِنهُمُ الِانْتِفاعُ ويُرْجى مِنهُمُ القَبُولُ والسَّماعُ وهُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ فالمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ المَجُوزُونَ لِلْحَشْرِ عَلى الوَجْهِ الآتِي سَواءً كانُوا جازِمِينَ بِأصْلِهِ كَأهْلِ الكِتابِ وبَعْضِ المُشْرِكِينَ المُعْتَرِفِينَ بِالبَعْثِ المُتَرِدِّدِينَ في شَفاعَةِ آبائِهِمُ الأنْبِياءِ كالأوَّلِينَ أوْ في شَفاعَةِ الأصْنامِ كالآخِرِينَ أوِ المُتَرَدِّدِينَ فِيهِما مَعًا كَبَعْضِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ يُعْلَمُ مِن حالِهِمْ أنَّهم إذا سَمِعُوا بِحَدِيثِهِ يَخافُونَ أنْ يَكُونُ حَقًّا، وأمّا المُنْكِرُونَ لِلْحَشْرِ رَأْسًا والقائِلُونَ بِهِ القاطِعُونَ بِشَفاعَةِ آبائِهِمْ أوْ بِشَفاعَةِ الأصْنامِ فَهم خارِجُونَ مِمَّنْ أُمِرَ بِإنْذارِهِمْ كَذا قالَ شَيْخُ الإسْلامِ

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ المُؤْمِنُونَ وارْتَضاهُ غَيْرُ واحِدٍ إلّا أنَّهم قَيَّدُوا بِالمُفَرِّطِينَ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلْإنْذارِ ورَجاءَ التَّقْوى، وتَعَقَّبَهُ الشَّيْخُ بِأنَّهُ مِمّا لا يُساعِدُهُ السِّباقُ ولا السِّياقُ بَلْ فِيهِ ما يَقْضِي بِعَدَمِ صِحَّتِهِ وبَيَّنَهُ بِما سَيُذْكَرُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: المُرادُ المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ وعَلَّلَهُ الإمامُ الرّازِيُّ بِأنَّهُ لا عاقِلَ إلّا وهو يَخافُ الحَشْرَ سَواءٌ قَطَعَ بِحُصُولِهِ أوْ كانَ شاكًّا فِيهِ لِأنَّهُ بِالِاتِّفاقِ غَيْرُ مَعْلُومِ البُطْلانِ بِالضَّرُورَةِ فَكانَ هَذا الخَوْفُ قائِمًا في حَقِّ الكُلِّ، وبِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا إلى الكُلِّ فَكانَ مَأْمُورًا بِالتَّبْلِيغِ إلَيْهِ ولا يُخْفى ما فِيهِ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِلْإنْذارِ إمّا بِالعَذابِ الأُخْوَرِيِّ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وإمّا مُطْلَقُ العَذابِ الَّذِي ورَدَ بِهِ الوَعِيدُ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ بِتَحْقِيقِ المَخافَةِ إمّا بِاعْتِبارِ أنَّ التَّرْبِيَةَ المَفْهُومَةَ مِنها مُقْتَضِيَةٌ خِلافَ ما خافُوا لِأجْلِهِ الحَشْرَ، وإمّا بِاعْتِبارِ أنَّها مُنْبِئَةٌ عَنِ المالِكِيَّةِ المُطْلَقَةِ والتَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ كَما قِيلَ والمُرادُ مِنَ الحَشْرِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ الحَشْرُ إلى المَكانِ الَّذِي جَعَلَهُ عَزَّ وجَلَّ مَحِلًّا لِاجْتِماعِهِمْ ولِلْقَضاءِ عَلَيْهِمْ فَلا تَصْلُحُ الآيَةُ دَلِيلًا لِلْمُجَسِّمَةِ

صفحة 158

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ (يُحْشُرُوا) والعامِلُ فِيهِ فِعْلُهُ، ونَقَلَ الإمامُ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ (يَخافُونَ)، والأوَّلُ أوْلى ومَن دُونَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنِ اسْمِ لَيْسَ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ لَهُ فَلَمّا قُدِّمَ عَلَيْهِ انْتَصَبَ عَلى الحالِيَّةِ، والحالُ الأُولى لِإخْراجِ الحَشْرِ الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ بِها عَنْ حَيِّزِ الخَوْفِ وتَحْقِيقِ أنَّ ما نِيطَ بِهِ الخَوْفُ تِلْكَ الحالَةُ لا الحَشْرُ كَيْفَما كانَ ضَرُورَةَ أنَّ المُعْتَرِفِينَ بِهِ الجازِمِينَ بِنُصْرَةِ غَيْرِهِ تَعالى بِمَنزِلَةِ المُنْكِرِينَ لَهُ في عَدَمِ الخَوْفِ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ أمْرُ الإنْذارِ، والحالُ الثّانِيَةُ لِتَحْقِيقِ مَدارِ خَوْفِهِمْ وهو فِقْدانُ ما عَلَّقُوا بِهِ رَجاءَهم وذَلِكَ إنَّما هو غَيْرُهُ سُبْحانَهُ كَما في قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ﴾ ولَيْسَتْ لِإخْراجِ الوَلِيِّ الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ بِها عَنْ حَيِّزِ الِانْتِفاءِ لِاسْتِلْزامِهِ ثُبُوتَ وِلايَتِهِ تَعالى لَهم كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ وذَلِكَ فاسِدٌ، والمَعْنى أنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ حَشْرَهم غَيْرَ مَنصُورِينَ مِن جِهَةِ أنْصارِهِمْ بِزَعْمِهِمْ، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ ثُمَّ قالَ: ومِن هَذا اتَّضَحَ أنْ لا سَبِيلَ إلى كَوْنِ المُرادِ بِالخائِفِينَ المُفَرِّطِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إذْ لَيْسَ لَهم ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ سَواءً - عَزَّ وجَلَّ - لِيَخافُوا الحَشْرَ بِدُونِ نُصْرَتِهِ وإنَّما الَّذِي يَخافُونَهُ الحَشْرُ بِدُونِ نُصْرَتِهِ سُبْحانَهُ انْتَهى، وهو تَحْقِيقٌ لَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ، ويَصْغُرُ لَدَيْهِ ما في التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ، ولَعَلَّ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُما فَتَدَبَّرْ

لَعَلَّهم يَتَّقُونَ

15

- أيْ لِكَيْ يَخافُوا في الدُّنْيا ويَنْتَهُوا عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وهو عَلى هَذا تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإنْذارِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا عَنْ ضَمِيرِ الأمْرِ أيْ أنْذِرْهم راجِيًا تَقْواهم أوْ مِنَ المَوْصُولِ أيْ أنْذِرْهم مَرْجُوًّا مِنهُمُ

6:52Page 133

وَلَا تَطۡرُدِ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ مَا عَلَيۡكَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَمَا مِنۡ حِسَابِكَ عَلَيۡهِم مِّن شَيۡءٖ فَتَطۡرُدَهُمۡ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٢

And do not send away those who call upon their Lord morning and afternoon, seeking His face [i.e., favor]. Not upon you is anything of their account and not upon them is anything of your account.1 So were you to send them away, you would [then] be of the wrongdoers.

﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ لِما أمَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِإنْذارِ المَذْكُورِينَ لَعَلَّهم يَنْتَظِمُونَ في سَلْكِ المُتَّقِينَ نُهِيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ بِحَيْثُ يُؤَدِّي إلى طَرْدِهِمْ، ويُفْهَمُ مِن بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا مَعًا ولا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنَ البَعْضِ الآخَرِ فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «مَرَّ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وعِنْدَهُ صُهَيْبٌ وعَمّارٌ وبِلالٌ وخَبّابٌ ونَحْوُهم مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ رَضِيَتْ بِهَؤُلاءِ مِن قَوْمِكَ أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا أنَحْنُ نَكُونُ تَبَعًا لِهَؤُلاءِ اطْرُدْهم عَنْكَ فَلَعَلَّكَ إنْ طَرَدْتَهم أنْ نَتَّبِعَكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمُ القُرْءانَ ﴿وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾»

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وغَيْرُهم عَنْ خَبّابٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «جاءَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ التَّمِيمِيُّ وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ فَوَجَدا النَّبِيَّ ﷺ مَعَ بِلالٍ وصُهَيْبٍ وعَمّارٍ وخَبّابٍ في أُناسٍ ضُعَفاءَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَلَمّا رَأوْهم حَوْلَهُ حَقَّرُوهم فَأتَوْهُ فَخَلَوْا بِهِ، فَقالُوا: نُحِبُّ أنْ تَجْعَلَ لَنا مِنكَ مَجْلِسًا تَعْرِفُ لَنا العَرَبُ لَهُ فَضْلَنا فَإنَّ وُفُودَ العَرَبِ تَأْتِيكَ فَنَسْتَحِي أنْ تَرانا قُعُودًا مَعَ هَؤُلاءِ الأعْبُدِ فَإذا نَحْنُ جِئْناكَ فَأقِمْهم عَنّا فَإذا نَحْنُ فَرَغْنا فاقْعُدْ مَعَهم إنْ شِئْتَ قالَ: نَعَمْ، قالُوا: فاكْتُبْ لَنا عَلَيْكَ بِذَلِكَ كِتابًا فَدَعا بِالصَّحِيفَةِ ودَعا عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لِيَكْتُبَ ونَحْنُ قُعُودٌ في ناحِيَةٍ إذْ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾ إلَخْ، ثُمَّ دَعانا فَأتَيْناهُ وهو يَقُولُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ فَكُنّا نَقْعُدُ مَعَهُ فَإذا أرادَ أنْ يَقُومَ قامَ وتَرَكَنا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ إلَخْ

صفحة 159

فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْعُدُ مَعَنا بَعْدُ فَإذا بَلَغَ السّاعَةَ الَّتِي يَقُومُ فِيها يَقُومُ فِيها قُمْنا وتَرَكْناهُ حَتّى يَقُومَ،» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «مَشى عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ وقَرَظَةُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ والحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ ومُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ في أشْرافِ الكُفّارِ مِن عَبْدِ مَنافٍ إلى أبِي طالِبٍ فَقالُوا: لَوْ أنَّ ابْنَ أخِيكَ طَرَدَ عَنّا هَؤُلاءِ الأعْبُدَ والحُلَفاءَ كانَ أعْظَمَ لَهُ في صُدُورِنا وأطْوَعَ لَهُ عِنْدَنا وأدْنى لِاتِّباعِنا إيّاهُ وتَصْدِيقِهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ أبُو طالِبٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَوْ فَعَلْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ حَتّى نَنْظُرَ ما يُرِيدُونَ بِقَوْلِهِمْ: وما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِن أمْرِهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأنْذِرْ بِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾» وكانُوا بِلالًا وعَمّارَ بْنَ ياسِرٍ وسالِمًا مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ وصُبَيْحًا مَوْلى أُسَيْدٍ والحُلَفاءَ ابْنَ مَسْعُودٍ والمِقْدادَ بْنَ عَمْرٍو وواقِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الحَنْظَلِيَّ وعَمْرَو بْنَ عَبْدِ عَمْرٍو ومَرْثَدَ بْنَ أبِي مَرْثَدٍ وأشْباهَهم ونَزَلَ في أئِمَّةِ الكُفْرِ مِن قُرَيْشٍ والمَوالِي والحُلَفاءِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском