Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:5–7
6:5Page 128
فَقَدۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَسَوۡفَ يَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٥
For they had denied the truth when it came to them, but there is going to reach them the news of what they used to ridicule.1
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ فَإنَّ الحَقَّ عِبارَةٌ عَنِ القُرْآنِ الَّذِي أعْرَضُوا عَنْهُ حِينَ أعْرَضُوا عَنْ كُلٍّ آيَةً آيَةً مِنهُ. وعَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ إظْهارًا لِكَمالِ فَظاعَةِ ما فَعَلُوا بِهِ. والفاءُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالآياتِ الآياتُ التَّنْزِيلِيَّةُ -كَما هو الأظْهَرُ عَلى ما قَرَّرَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ- لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها لا بِاعْتِبارِ أنَّهُ مُغايِرٌ لَهُ حَقِيقَةَ واقِعٍ عَقِيبَهُ أوْ حاصِلٌ بِسَبَبِهِ بَلْ عَلى أنَّهُ عَيَّنَهُ في الحَقِيقَةِ والتَّرْتِيبُ بِحَسْبِ التَّغايُرِ الِاعْتِبارِيِّ حَيْثُ أنَّ مَفْهُومَ التَّكْذِيبِ بِالحَقِّ أشْنَعُ مِنَ الإعْراضِ المَذْكُورِ إذْ هو مِمّا لا يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ مِن أحَدٍ
ولِذَلِكَ أُخْرِجَ مَخْرَجَ اللّازِمِ البَيِّنِ البُطْلانِ وتَرَتَّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ إظْهارًا لِغايَةِ بُطْلانِهِ. ثُمَّ قُيِّدَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ بِلا تَأمُّلٍ بَلْ آنَ المَجِيءُ تَأْكِيدًا لِشَناعَةِ فِعْلِهِمُ الفَظِيعِ. وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ داخِلَةٌ عَلى جَوابِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ. والمَعْنى عَلى الأوَّلِ حَيْثُ أعْرَضُوا عَنْ تِلْكَ الآياتِ حِينَ إتْيانِها فَقَدْ كَذَّبُوا بِما لا يُمْكِنُ لِعاقِلٍ تَكْذِيبُهُ أصْلًا مِن غَيْرِ أنْ يَتَدَبَّرُوا في حالِهِ ومَآلِهِ ويَقِفُوا عَلى ما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الشَّواهِدِ المُوجِبَةِ لِتَصْدِيقِهِ. وعَلى الثّانِي أنَّهم إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الآياتِ حالَ إتْيانِها فَلا تَعَجُّبَ مِن ذَلِكَ فَقَدْ فَعَلُوا بِما هو أعْظَمُ مِنها ما هو أعْظَمُ مِنَ الإعْراضِ حَيْثُ كَذَّبُوا بِالحَقِّ الَّذِي هو أعْظَمُ الآياتِ. واخْتارَ في البَحْرِ كَوْنَ الفاءِ سَبَبِيَّةً وما بَعْدَها مُسَبَّبٌ عَمّا قَبْلَها. وجُوِّزَ أيْضًا كَوْنُها سَبَبِيَّةً عَلى مَعْنى أنَّ ما بَعْدَها سَبَبٌ لِما قَبْلَها فَقَدْ قالَ الرَّضِيُّ: وقَدْ تَكُونُ الفاءُ السَّبَبِيَّةُ بِمَعْنى لامِ السَّبَبِيَّةِ وذَلِكَ إذا كانَ ما بَعْدَها سَبَبًا لِما قَبْلَها نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ وأطْلَقَ عَلَيْها الكَثِيرُ حِينَئِذٍ الفاءَ التَّعْلِيلِيَّةَ. وهَلْ تُفِيدُ التَّرْتِيبَ حِينَئِذٍ أمْ لا؟ لَمْ يُصَرِّحِ الرَّضِيُّ
صفحة 93
بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ويُفْهَمُ كَلامُ البَعْضِ أنَّها لِلتَّرْتِيبِ والتَّعْقِيبِ أيْضًا
واسْتُشْكِلَ بِأنَّ السَّبَبَ مُتَقَدِّمٌ عَلى المُسَبِّبِ ولا مُتَعَقِّبَ إيّاهُ، وتَكَلَّفَ صاحِبُ التَّوْضِيحِ لِتَوْجِيهِهِ بِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ عِلَّةٌ بِاعْتِبارِ مَعْلُولٍ، ودُخُولُ الفاءِ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ المُعْلَوْلِيَةِ لا بِاعْتِبارِ العِلِّيَّةِ، ورُدَّ بِأنَّها لا تَتَأتّى في كُلِّ مَحَلٍّ وفي التَّلْوِيحِ الأقْرَبُ ما ذَكَرَهُ القَوْمُ مِن أنَّها إنَّما تُدْخِلُ عَلى العِلَلِ بِاعْتِبارِ أنَّها تَدُومُ فَتَتَراخى عَنِ ابْتِداءِ الحُكْمِ وفي شَرْحِ المِفْتاحِ الشَّرِيفِيِّ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُتَصَوَّرُ تُرَتُّبُ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ قُلْتَ: مِن حَيْثُ أنَّ ذِكْرَ المُسَبِّبِ يَقْتَضِي ذِكْرَ السَّبَبِ انْتَهى، وعَلَيْهِ يَظْهَرُ وجْهُ التَّرْتِيبِ هُنا مُطْلَقًا لَكِنَّ ظاهِرَ كَلامِ النُّحاةِ وغَيْرِهِمْ أنَّ هَذِهِ الفاءَ تَخْتَصُّ بِالوُقُوعِ بَعْدَ الأمْرِ: كَأكْرِمْ زَيْدًا فَإنَّهُ أبُوكَ، واعْبُدِ اللَّهَ فَإنَّ العِبادَةَ حَقٌّ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فالوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى ولَيْسَتِ الفاءُ فَصِيحَةً كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُهم مِن قَوْلِ العَلّامَةِ البَيْضاوِيِّ في بَيانِ مَعْنى الآيَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا كانُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الآياتِ كُلِّها كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ لِأنَّ الفاءَ الفَصِيحَةَ لا تُقَدَّرُ جَوابَ (لَمّا)، لِأنَّ جَوابَها الماضِيَ لا يَقْتَرِنُ بِالفاءِ عَلى الفَصِيحِ فَكَيْفَ يُقَدَّرُ لِلْفاءِ ما يَقْتَضِي عَدَمَها فَما مُرادُ العَلّامَةِ إلّا بَيانُ حاصِلِ المَعْنى، ولِذا أسْقَطَ الفاءَ نَعَمْ قِيلَ: إنَّ هَذا المَعْنى مِمّا يَنْبَغِي تَنْزِيهُ التَّنْزِيلِ عَنْهُ وفِيهِ تَأمُّلٌ
وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ أمْرَ التَّرْتِيبِ يَجْرِي في الآيَةِ سَواءً كانَتِ الآيَةُ بِمَعْنى الدَّلِيلِ أوِ المُعْجِزَةِ أوِ الآيَةُ القُرْآنِيَّةُ لِتَغايُرِ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ فِيها، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
5
- لِلتَّرْتِيبِ أيْضًا بِناءً عَلى أنَّ ما تَقَدَّمَ لِكَوْنِهِ أمْرًا عَظِيمًا يَقْتَضِي تَرَتُّبَ الوَعِيدِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: (يستهزئون) إيذانًا بِأنَّ ما تَقَدَّمَ كانَ مَقْرُونًا بِالِاسْتِهْزاءِ
واسْتَدَلَّ بِهِ أبُو حَيّانَ عَلى أنَّ في الكَلامِ مَعْطُوفًا مَحْذُوفًا أيْ فَكَذَّبُوا بِالحَقِّ واسْتَهْزَءُوا بِهِ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا ضَرُورَةَ إلَيْهِ، و(ما) عِبارَةٌ عَنِ الحَقِّ المَذْكُورِ وعُبِّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ بِإبْهامِهِ وتَعْلِيلًا لِلْحُكْمِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، و(الأنْباءُ) جَمْعُ نَبَإٍ وهو الخَبَرُ الَّذِي يَعْظُمُ وقْعُهُ، والمُرادُ بِأنْباءِ القُرْآنِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ ويَتَحَقَّقُ مَدْلُولُها فِيهِمْ ويُظْهِرُ لَهم آياتِ وعِيدِهِ وإخْبارُهُ بِما يَحْصُلُ بِهِمْ في الدُّنْيا بِما يَحْصُلُ بِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ والجَلاءِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ العُقُوباتِ العاجِلَةِ، وقِيلَ: المُرادُ ما يَعُمُّ ذَلِكَ والعُقُوباتِ الَّتِي تَحِلُّ بِهِمْ في الآخِرَةِ مِن عَذابِ النّارِ ونَحْوِهِ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِـ (أنْباءِ) ذَلِكَ ما تَضَمَّنَ عُقُوباتِ الآخِرَةِ أوْ ظُهُورَ الإسْلامِ وعُلُوَّ كَلِمَتِهِ. وظاهِرُ ما يَأْتِي مِنَ الآياتِ يُرَجِّحُ الأوَّلَ
وصَرَّحَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّ إضافَةَ (أنْباءٍ) بَيانِيَّةٌ وهو احْتِمالٌ مَقْبُولٌ. وادِّعاءُ أنَّهُ مُقْحَمٌ وأنَّ المَعْنى سَيَظْهَرُ لَهم ما اسْتَهْزَءُوا بِهِ مِنَ الوَعِيدِ الواقِعِ فِيهِ أوْ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ لا وجْهَ لَهُ إذْ لا داعِيَ لِإقْحامِهِ. وفي البَحْرِ إنَّما قُيِّدَ الكَذِبُ بِالحَقِّ هُنا وكانَ التَّنْفِيسُ بِـ (سَوْفَ) وفي الشُّعَراءِ (فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ) بِدُونِ تَقْيِيدِ الكَذِبِ والتَّنْفِيسِ بِالسِّينِ لِأنَّ الأنْعامَ مُتَقَدِّمَةٌ في النُّزُولِ عَلى الشُّعَراءِ فاسْتُوفِيَ فِيها اللَّفْظُ وحُذِفَ مِنَ الشُّعَراءِ وهو مُرادٌ إحالَةً عَلى الأوَّلِ. وناسَبَ الحَذْفُ الاخْتِصارَ في حَرْفِ التَّنْفِيسِ فَجِيءَ بِالسِّينِ
6:6Page 128
أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٦
Have they not seen how many generations We destroyed before them which We had established upon the earth as We have not established you? And We sent [rain from] the sky upon them in showers and made rivers flow beneath them; then We destroyed them for their sins and brought forth after them a generation of others.
﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْيِينِ ما هو المُرادُ بِما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: شُرُوعٌ في تَوْبِيخِهِمْ بِبَذْلِ النُّصْحِ لَهم والأوَّلُ أظْهَرُ. والرُّؤْيَةُ عِرْفانِيَّةٌ، وقِيلَ: بَصَرِيَّةٌ، والمُرادُ في أسْفارِهِمْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وهي عَلى التَّقْدِيرَيْنِ تَسْتَدْعِي مَفْعُولًا واحِدًا، و(كَمْ) اسْتِفْهامِيَّةً كانَتْ أوْ خَبَرِيَّةً مُعَلَّقَةٌ لَها عَنِ العَمَلِ مُفِيدَةٌ لِلتَّكْثِيرِ سادَّةٌ مَعَ ما في حَيِّزِها مَسَدَّ مَفْعُولِها. وهي مَنصُوبَةٌ بِـ (أهْلَكْنا) عَلى المَفْعُولِيَّةِ. وهي عِبارَةٌ
صفحة 94
عَنِ الأشْخاصِ، وقِيلَ: إنَّ الرُّؤْيَةَ عِلْمِيَّةٌ تَسْتَدْعِي مَفْعُولَيْنِ والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّها و(مِن قَرْنٍ) مُمَيِّزٌ لِـ (كَمْ) عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ أهْلِ عَصْرٍ مِنَ الأعْصارِ سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِمْ مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ فَهو مِن قَرَنْتَ. واخْتُلِفَ في مِقْدارِ تِلْكَ المُدَّةِ فَقِيلَ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وقِيلَ: مِائَةٌ، وقِيلَ: ثَمانُونَ، وقِيلَ: سَبْعُونَ، وقِيلَ: سُنُونَ، وقِيلَ: ثَلاثُونَ، وقِيلَ: عِشْرُونَ، وقِيلَ: مِقْدارُ الأوْسَطِ في أعْمارِ أهْلِ كُلِّ زَمانٍ. ولَمّا كانَ هَذا لا ضابِطَ لَهُ يَضْبِطُ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ أهْلِ عَصْرٍ فِيهِمْ نَبِيٌّ أوْ فائِقٌ في العِلْمِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ اللَّهِ تَعالى. ويُحْتَمَلُ أنْ يُعْتَبَرَ مِائَةَ سَنَةٍ لِما ورَدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَيَّضَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَن يُجَدِّدُ لَها أمْرَ دِينِها
وقِيلَ: هي عِبارَةٌ عَنْ مُدَّةٍ مِنَ الزَّمانِ اخْتُلِفَ فِيها عَلى طُرُزِ ما تَقَدَّمَ. واخْتارَ بَعْضُهم أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الزَّمانِ المُعَيَّنِ وفي أهْلِهِ. والمُرادُ بِهِ هُنا الأهْلُ مِن غَيْرِ تَجَشُّمِ تَقْدِيرِ مُضافٍ أوِ ارْتِكابِ تَجُوُّزٍ
وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ انْتِصابَ (كَمْ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِـ (أهْلَكْنا) بِمَعْنى (إهْلاكٍ) أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِمَعْنى (أزْمِنَةٍ)، وهو تَكَلُّفٌ، و(مِنِ) الأُولى ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (أهْلَكْنا) وهَمْزَةُ الإنْكارِ لِتَقْرِيرِ الرُّؤْيَةِ، والمَعْنى ألَمْ يَعْرِفْ هَؤُلاءِ المُكَذِّبُونَ المُسْتَهْزِءُونَ بِمُعايَنَةِ الآثارِ وتَواتُرِ الأخْبارِ كَمْ أُمَّةً أهْلَكْنا مِن قَبْلِ خَلْقِهِمْ أوْ مِن قَبْلِ زَمانِهِمْ كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وأضْرابِهِمْ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ حالُهُمْ، وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّهُ في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةُ (قَرْنٍ) لِأنَّ الجُمَلَ بَعْدَ النَّكِراتِ صِفاتٌ لِاحْتِياجِها إلى التَّخْصِيصِ، وجُمِعَ الضَّمِيرُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، وتَعَقَّبَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ بِأنَّ تَنْوِينَهُ التَّفْخِيمِيَّ مُغْنٍ لَهُ عَنِ اسْتِدْعاءِ الصِّفَةِ عَلى أنَّ مَعَ اقْتِضائِهِ أنْ يَكُونَ مَضْمُونُهُ ومَضْمُونُ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الجُمَلِ الأرْبَعِ مَفْرُوغًا عَنْهُ غَيْرَ مَقْصُودٍ لِسِياقِ النَّظْمِ مُؤَدٍّ إلى اخْتِلالِ النَّظْمِ الكَرِيمِ كَيْفَ لا والمَعْنى حِينَئِذٍ: ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَوْصُوفِينَ بِكَذا وكَذا وبِإهْلاكِنا لَهم بِذُنُوبِهِمْ وأنَّهُ بَيِّنُ الفَسادِ، انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ التَّنْوِينَ التَّفْخِيمِيَّ لا يَأْبى الوَصْفَ، وما ورَدَ فِيهِ ذَلِكَ مِنَ النَّكِراتِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، وأمّا ما ذَكَرَهُ بَعْدُ فَقَدْ قالَ الشِّهابُ: إنَّهُ غَفْلَةٌ مِنهُ أوْ تَغافُلٌ عَنْ تَفْسِيرِهِمْ فَأهْلَكْناهم إلْخِ الآتِي بِقَوْلِهِمْ: لَمْ يُغْنِ ذَلِكَ عَنْهم شَيْئًا، وتَمْكِينُ الشَّيْءِ في الأرْضِ عَلى ما قِيلَ جَعْلُهُ قارًا فِيها ولِما لَزِمَ ذَلِكَ جَعْلُها مُقَرًّا لَهُ ورُدَّ الِاسْتِعْمالُ بِكُلٍّ مِنهُما فَقِيلَ تارَةً: مَكَّنَهُ في الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ وأُخْرى مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ حَتّى أُجْرِيَ كُلٌّ مِنهُما مَجْرى الآخَرِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ بَعْدَما تَقَدَّمَ كَأنَّهُ قِيلَ في الأوَّلِ: (مَكَّنا لَهُمْ) وفي الثّانِي: (ما لَمْ نُمَكِّنْكُمْ)
وفِي التّاجِ إنْ مَكَّنْتَهُ ومَكَّنْتَ لَهُ مِثْلُ نَصَحْتَهُ ونَصَحْتَ لَهُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: اللّامُ زائِدَةٌ مِثْلُ (رَدِفَ لَكُمْ) وكَلامُ الرّاغِبِ في مُفْرَداتِهِ يُؤَيِّدُهُ. وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ مَكَّنَهُ أبْلَغُ مِن مَكَّنَ لَهُ. ولِذَلِكَ خَصَّ المُتَقَدِّمَ بِالمُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرَ بِالمُتَأخِّرِينَ و(ما) إمّا مَوْصُولَةٌ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ التَّمْكِينُ الَّذِي نُمْكِنُهُ لَكم أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ أيْ تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ. وعَلَيْهِما فَهي مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ والعائِدُ إلَيْها مِنَ الصِّلَةِ أوِ الصِّفَةِ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: إنَّها مَفْعُولٌ بِهِ لِأنَّ المُرادَ مِنَ التَّمْكِينِ الإعْطاءُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أيْ أعْطَيْناهم ما تَمَكَّنُوا بِهِ مِن أنْواعِ التَّصَرُّفِ ما لَمْ نُعْطِكم. وقِيلَ: إنَّها مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ أيْ مُدَّةُ عَدَمِ تَمْكِينِكم ولا يَخْفى بُعْدُهُ. والخِطابُ
صفحة 95
لِلْكَفَرَةِ. وقِيلَ: لِجَمِيعِ النّاسِ. وقِيلَ: لِلْمُؤْمِنِينَ، والظّاهِرُ الأوَّلُ. والِالتِفاتُ لِما في مُواجَهَتِهِمْ بِضَعْفِ حالِهِمْ مِنَ التَّبْكِيتِ ما لا يَخْفى، وقِيلَ: لِيَتَّضِحَ مَرْجِعُ الضَّمِيرَيْنِ ولا يَشْتَبِهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وهي نُكْتَةٌ مِنَ الِالتِفاتِ لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْها أهْلُ المَعانِي
﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ﴾ أيِ المَطَرَ كَما رُوِيَ عَنْ هارُونَ التَّيْمِيِّ ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْضًا. وقِيلَ: السَّحابُ واسْتِعْمالُها في ذَلِكَ مَجازٌ مُرْسَلٌ. وقِيلَ: هي عَلى حَقِيقَتِها بِمَعْنى المِظَلَّةُ والمَجازُ في إسْنادِ الإرْسالِ إلَيْها لِأنَّ المُرْسَلَ ماءُ المَطَرِ وهي مَبْدَأٌ لَهُ. وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى. والإرْسالُ والإنْزالُ -كَما في البَحْرِ- مُتَقارِبانِ في المَعْنى لِأنَّ اشْتِقاقَهُ مِن ”رِسْلٍ“ اللَّبَنِ وهو ما يَنْزِلُ مِنَ الضَّرْعِ مُتَتابِعًا ﴿عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ أيْ غَزِيرًا كَثِيرَ الصَّبِّ، وهو صِيغَةُ مُبالَغَةٍ يَسْتَوِي في المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ وهو حالٌ مِنَ السَّماءِ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـأرْسَلْنا ﴿وجَعَلْنا الأنْهارَ﴾ أيْ صَيَّرْناها تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ أيْ مِن تَحْتِ مَساكِنِهِمْ. والمُرادُ أنَّهم عاشُوا في الخِصْبِ والرِّيفِ بَيْنَ الأنْهارِ والثِّمارِ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِجَعَلْنا ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: أجْرَيْنا الأنْهارَ كَما قالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ﴾ لِلْإيذانِ بِكَوْنِها مُسَخَّرَةً مُسْتَمِرَّةَ الجَرَيانِ لا لِأنَّ النَّهْرَ لا يَكُونُ إلّا جارِيًا فَلا يُفِيدُ الكَلامُ لِأنَّ النَّظْمَ حِينَئِذٍ ناظِرٌ إلى كَوْنِهِ مِن تَحْتِهِمْ فالفائِدَةُ ظاهِرَةٌ، ولَوْ كانَ ما ذُكِرَ صَحِيحًا لَما ورَدَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ) واسْتَظْهَرَ كَوْنُ الجَعْلِ بِمَعْنى الإنْشاءِ والإيجادِ وهو مَخْصُوصٌ بِهِ تَعالى فَلِذا غَيَّرَ الأُسْلُوبَ. وعَلَيْهِ فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ ولَيْسَ المُرادُ -عَلى ما قِيلَ- بِتَعْدادِ هاتِيكَ النِّعَمِ العِظامِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ تَمْكِينِهِمْ بَيانُ عِظَمِ جِنايَتِهِمْ في كُفْرانِها واسْتِحْقاقِهِمْ بِذَلِكَ لِأعْظَمِ العُقُوباتِ، بَلْ بَيانُ حِيازَتِهِمْ لِجَمِيعِ أسْبابِ نَيْلِ المَآرِبِ ومَبادِئِ الأمْنِ مِنَ المَكارِهِ والمَعاطِبِ وعَدَمِ إغْناءِ ذَلِكَ عَنْهم شَيْئًا ويُنْبِئُ عَنْ عَدَمِ الإغْناءِ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وقِيلَ: فَصِيحَةٌ، والمُرادُ: فَكَفَرُوا فَأهْلَكْناهُمْ، ورُجِّحَ الأوَّلُ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ أهْلَكْنا كُلَّ قَرْنٍ مِن تِلْكَ القُرُونِ بِسَبَبِ ما يَخُصُّهم مِنَ الذُّنُوبِ كَتَكْذِيبِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، و(أنْشَأنا) أيْ أوْجَدْنا ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ بَعْدَ إهْلاكِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾
6
- بَدَلًا مِنَ الهالِكِينَ، وهَذا بَيانٌ لِأنَّهُ تَعالى لا يَتَعاظَمُهُ أنْ يُهْلِكَ قَرْنًا ويُخْلِيَ بِلادَهُ مِنهم فَإنَّهُ جَلَّ جَلالُهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُنْشِئَ مَكانَهم آخَرِينَ يُعَمِّرَ بِهِمُ البِلادَ فَهو كالتَّتْمِيمِ لِما قَبْلَهُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم قُلِعُوا مَن أصْلِهِمْ ولَمْ يَبْقَ أحَدٌ مِن نَسْلِهِمْ لِجَعْلِهِمْ آخَرِينَ وكَوْنِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ،
6:7Page 128
وَلَوۡ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ كِتَٰبٗا فِي قِرۡطَاسٖ فَلَمَسُوهُ بِأَيۡدِيهِمۡ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٧
And even if We had sent down to you, [O Muḥammad], a written scripture on a page and they touched it with their hands, the disbelievers would say, "This is not but obvious magic."
﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾ اسْتِئْنافٌ سِيقَ بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ لِبَيانِ شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في المُكابَرَةِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْها مِنَ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ إثْرَ بَيانِ ما هم فِيهِ مِن غَيْرِ ذَلِكَ
وعَنِ الكَلْبِيِّ وغَيْرِهِ أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ ونَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ لَمّا قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ومَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وأنَّكَ رَسُولُهُ"، والكِتابُ المَكْتُوبُ، والجارُّ بَعْدَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وقِيلَ: إنْ جُعِلَ اسْمًا كالإمامِ فالجارُّ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ، وإنْ جُعِلَ مُصَدِّرًا بِمَعْنى المَكْتُوبِ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِهِ
صفحة 96
وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (نَزَّلْنا) وفِيهِ بَعْدُ، و(القِرْطاسُ) بِكَسْرِ القافِ وضَمِّها وقُرِئَ بِهِما مُعَرَّبُ كُرّاسَةٍ كَما قِيلَ، ومِمَّنْ نَصَّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ عَرَبِيٍّ الجَوالِيقِيُّ، وقِيلَ: إنَّهُ مُشْتَرَكٌ ومَعْناهُ الوَرَقُ وعَنْ قَتادَةَ: الصَّحِيفَةُ، وفي القامُوسِ: القِرْطاسُ مُثَلَّثَةُ القافِ وكَجَعْفَرٍ ودِرْهَمٍ والكاغِدُ، وقالَ الشِّهابُ: هو مَخْصُوصٌ بِالمَكْتُوبِ أوْ أعَمُّ مِنهُ ومِن غَيْرِهِ
0 – ﴿فَلَمَسُوهُ﴾ أيِ الكِتابُ أوِ القِرْطاسُ، و(اللَّمْسُ) كَما قالَ الجَوْهَرِيُّ المَسُّ بِاليَدِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأيْدِيهِمْ﴾ لِزِيادَةِ التَّعْيِينِ ودَفْعِ احْتِمالِ التَّجَوُّزِ الواقِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ أيْ تَفَحَّصْنا، وقِيلَ: إنَّهُ أعَمُّ مِنَ المَسِّ بِاليَدِ، فَعَنِ الرّاغِبِ: المَسُّ ادِّراكٌ بِظاهِرِ البَشَرَةِ كاللَّمْسِ وبِالتَّقْيِيدِ بِهِ يَنْدَفِعُ احْتِمالُ التَّجَوُّزِ أيْضًا
وقِيلَ: إنَّما قُيِّدَ بِذَلِكَ لِأنَّ الإحْساسَ بِاللُّصُوقِ يَكُونُ بِجَمِيعِ الأعْضاءِ ولِلْيَدِ خُصُوصِيَّةٌ في الإحْساسِ لَيْسَتْ لِسائِرِها، وأمّا التَّجَوُّزُ بِاللَّمْسِ عَنِ الفَحْصِ فَلا يَنْدَفِعُ بِهِ إذْ لا بُعْدَ في أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمُباشَرَتِهِمُ الفَحْصَ بِأنْفُسِهِمْ، بَلْ يَنْدَفِعُ لِكَوْنِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ أنْسَبَ بِالمَقامِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ الأيْدِي لِيُفِيدَ أنَّ اللَّمْسَ كانَ بِكِلْتا اليَدَيْنِ ولا يَظْهَرُ وجْهُ الإفادَةِ، وتَخْصِيصُ اللَّمْسِ لِأنَّهُ يَتَقَدَّمُهُ الإبْصارُ حَيْثُ لا مانِعَ، ولِأنَّ التَّزْوِيرَ لا يَقَعُ فِيهِ فَلا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا إذا تَرَكَ العِنادَ والتَّعَنُّتَ: ﴿إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا﴾
واعْتُرِضَ بِأنَّ اللَّمْسَ هُنا إنَّما يَدْفَعُ احْتِمالَ كَوْنِ المَرْئِيِّ مُخَيَّلًا، وأمّا نُزُولُهُ مِنَ السَّماءِ فَلا يُثْبُتُ بِهِ
وأُجِيبَ بِأنَّهُ إذا تَأيَّدَ الِادِّراكُ البَصَرِيُّ في النُّزُولِ بِالِادِّراكِ اللَّمْسِيِّ في المَنزِلِ بِجَزْمِ العَقْلِ بَدِيهَةً بِوُقُوعِ المُبْصَرِ جَزْمًا لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ فَلا يَبْقى بَعْدَهُ إلّا مُجَرَّدُ العِنادِ مَعَ أنَّ حُدُوثَهُ هُناكَ مِن غَيْرِ مُباشِرَةِ أحَدٍ يَكْفِي في الإعْجازِ كَما لا يَخْفى، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: الظّاهِرُ أنَّ فائِدَةَ زِيادَةِ لَمْسِهِمْ بِأيْدِيهِمْ تَحْقِيقُ القِراءَةِ عَلى قُرْبِ أيْ فَقَرَءُوهُ وهو بِأيْدِيهِمْ لا بَعِيدٌ عَنْهم لَما آمَنُوا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جَوابُ (لَوْ) عَلى الأفْصَحِ مِنِ اقْتِرانِ جَوابِها المُثْبَتِ بِاللّامِ، والمُرادُ (لَقالُوا) تَعَنُّتًا وعِنادًا لِلْحَقِّ، وإنَّما وضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى اتِّصافِهِمْ بِما في حَيِّزَ الصِّلَةَ مِنَ الكُفْرِ الَّذِي لا يُكَفِّرُ - كَما قِيلَ - حَسَنُ مَوْقِعِهِ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ أيْضًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمْ قَوْمٌ مَعْهُودُونَ مِنَ الكَفَرَةِ، فَحَدِيثُ الوَضْعِ حِينَئِذٍ مَوْضُوعٌ، و(إنْ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ هَذا﴾ أيِ الكِتابُ نافِيَةٌ أيْ ما هَذا ﴿إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾
7
- أيْ ظاهِرُ كَوْنِهِ سِحْرًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences