Al-AlusiAl‑An'am · 6:83–86

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:83–86

6:83Page 138

وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ٨٣

And that was Our [conclusive] argument which We gave Abraham against his people. We raise by degrees whom We will. Indeed, your Lord is Wise and Knowing.

﴿وتِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما احْتَجَّ بِهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (فَلَمّا جَنَّ اللَّيْلُ) إلَخْ، وقِيلَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أتُحاجُّونِّي﴾ إلى ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ وتَرْكِيبُ حُجَّةٍ اصْطِلاحِيَّةٍ مِنهُ يَحْتاجُ إلى تَأمُّلٍ، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ، وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿حُجَّتُنا﴾ خَبَرُهُ، وفي إضافَتِهِ إلى نُونِ العِظَمَةِ مِنَ التَّفْخِيمِ ما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ أيْ أرْشَدْناهُ إلَيْها أوْ عَلَّمْناهُ إيّاها في مَوْضِعِ الحالِ مِن (حُجَّةُ) والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ هو الخَبَرُ و(حُجَّتُنا) بَدَلٌ أوْ بَيانٌ لِلْمُبْتَدَإ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (آتَيْنا) إلَخْ مُعْتَرِضَةً أوْ تَفْسِيرِيَّةً ولا يَخْفى بُعْدُهُ، و(إبْراهِيمَ) مَفْعُولٌ أوَّلُ لَـ (آتَيْنا) قُدِّمَ عَلى الثّانِي لِكَوْنِهِ ضَمِيرًا

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (حُجَّتُنا) إنْ جُعِلَ خَبَرًا لِـ (تِلْكَ) أوْ بِمَحْذُوفٍ إنْ جُعِلَ بَدَلًا لِئَلّا يَلْزَمَ الفَصْلُ بَيْنَ أجْزاءِ البَدَلِ بِأجْنَبِيٍّ أيْ آتَيْناها إبْراهِيمَ حُجَّةً عَلى قَوْمِهِ، ولَمْ يُجَوِّزْ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِـ (حُجَّتِنا) أصْلًا لِلْمَصْدَرِيَّةِ والفَصْلِ، ولَعَلَّ المُجَوِّزَ لا يَرى المَصْدَرِيَّةَ مانِعَةً عَنْ تَعَلُّقِ الظَّرْفِ ويَجْعَلُ الفَصْلَ مُغْتَفَرًا، وقِيلَ: يَصِحُّ

صفحة 209

تَعَلُّقُهُ بِـ (آتَيْنا) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الغَلَبَةِ، وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ﴾ أيْ رُتَبًا عَظِيمَةً عالِيَةً مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ. مُسْتَأْنَفٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ (آتَيْنا) أيْ حالَ كَوْنِنا رافِعِينَ، ونَصْبُ (دَرَجاتٍ) إمّا عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِتَأْوِيلِ رَفْعاتٍ أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ أيْ إلى دَرَجاتٍ أوْ عَلى التَّمْيِيزِ، ومَفْعُولُ (نَرْفَعُ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن نَشاءُ﴾ وتَأْخِيرُهُ عَلى الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ أيْ مَن نَشاءُ رَفْعَهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وتَسْتَدْعِيهِ المَصْلَحَةُ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ مُسْتَمِرَّةٌ فِيما بَيْنَ الأخْيارِ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقُرِئَ (يَرْفَعُ) بِالياءِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ وكَذا نَشاءُ وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ (دَرَجاتِ مَن) بِالإضافَةِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ (نَرْفَعُ)، ورَفْعُ دَرَجاتِ الإنْسانِ رَفْعٌ لَهُ، وجَوَّزَ بَعْضُهم جَعْلَهُ مَفْعُولًا أيْضًا عَلى قِراءَةِ التَّنْوِينِ وجَعْلَ (مَن) بِتَقْدِيرِ لِمَن وهو بَعِيدٌ

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ أيْ في كُلِّ ما يَفْعَلُ مِن رَفْعٍ وخَفْضٍ ﴿عَلِيمٌ﴾

38

- أيْ بِحالِ مَن يَرْفَعُهُ واسْتِعْدادِهِ لَهُ عَلى مَراتِبَ مُتَفاوِتَةٍ وإنْ شِئْتَ عَمَمْتَ ويَدْخُلُ حِينَئِذٍ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ، وفي وضْعِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَوْضِعَ نُونِ العَظَمَةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ في تَضاعِيفِ بَيانِ حالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما لا يَخْفى مِن إظْهارِ مَزِيدِ اللُّطْفِ والعِنايَةِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَذا وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ في هَذِهِ الآياتِ الإبْراهِيمِيَّةِ عِدَّةَ أحْكامٍ الأوَّلُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَيْسَ بِجِسْمٍ إذْ لَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَ غائِبًا عَنّا فَيَكُونُ آفِلًا والأُفُولُ يُنافِي الرُّبُوبِيَّةَ، ولا يَخْفى أنَّ عَدَّ تِلْكَ الغَيْبَةِ المَفْرُوضَةِ أُفُولًا لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ لِأنَّ الأُفُولَ احْتِجابٌ مَعَ انْتِقالٍ وتِلْكَ الغَيْبَةُ المَفْرُوضَةُ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ هي مُجَرَّدُ احْتِجابٍ فِيما يَظْهَرُ، نَعَمْ أنَّهُ يُنافِي الرُّبُوبِيَّةَ أيْضًا لَكِنَّ الكَلامَ في كَوْنِهِ أُفُولًا لِيَتِمَّ الِاحْتِجاجُ بِالآيَةِ لا يُقالُ قَدْ جاءَ في حَدِيثِ الإسْراءِ ذِكْرُ الحِجابِ فَكَيْفَ يَصِحُّ القَوْلُ بِأنَّ الِاحْتِجابَ مُنافٍ لِلرُّبُوبِيَّةِ لِأنّا نَقُولُ: الحِجابُ الوارِدُ كَما قالَ القاضِي عِياضٌ إنَّما هو في حَقِّ العِبادِ لا في حَقِّهِ تَعالى فَهُمُ المَحْجُوبُونَ، والبارِي جُلَّ اسْمُهُ مُنَزَّهٌ عَمّا يَحْجُبُهُ إذِ الحِجابُ إنَّما يُحِيطُ بِمُقَدَّرٍ مَحْسُوسٍ ونَصَّ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ ذِكْرَ الحِجابِ لَهُ تَعالى تَمْثِيلٌ لِمَنعِهِ سُبْحانَهُ الخَلْقَ عَنْ رُؤْيَتِهِ، وقالَ السَّيِّدُ النَّقِيبَ في الدُّرَرِ والغُرَرِ: العَرَبُ تُسْتَعْمِلُ الحِجابَ بِمَعْنى الخَفاءِ وعَدَمِ الظُّهُورِ، فَيَقُولُ أحَدُهم لِغَيْرِهِ إذا اسْتَبْعَدَ فَهْمَهُ: بَيْنِي وبَيْنَكَ حِجابٌ، ويَقُولُونَ لِما يُسْتَصْعَبُ طَرِيقُهُ: بَيْنِي وبَيْنَهُ كَذا حُجُبٌ ومَوانِعُ وساتِرٌ وما جَرى ذَلِكَ، والظّاهِرُ عَلى هَذا أنَّ فِيما ذُكِرَ مَجازًا في المُفْرَدِ فَتَدَبَّرْ، الثّانِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ تَعالى بِحَيْثُ يَنْزِلُ مِنَ العَرْشِ إلى السَّماءِ تارَةً ويَصْعَدُ مِنَ السَّماءِ إلى العَرْشِ أُخْرى وإلّا لَحَصَلَ مَعْنى الأُفُولِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الواصِفِينَ رَبَّهم عَزَّ شَأْنُهُ بِصِفَةِ النُّزُولِ حَيْثُ سَمِعُوا حَدِيثَهُ الصَّحِيحَ عَنْ رَسُولِهِمْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَقُولُونَ: إنَّهُ حَرَكَةٌ وانْتِقالٌ كَما هو كَذَلِكَ في الأجْسامِ، بَلْ يُفَوِّضُونَ تَعْيِينَ المُرادِ مِنهُ إلى اللَّهِ تَعالى بَعْدَ تَنْزِيهِهِ سُبْحانَهُ عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقِينَ وحِينَئِذٍ لا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ في مَعْنى الأُفُولِ المُمْتَنِعِ عَلى الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ

صفحة 210

الثّالِثُ أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلصِّفاتِ المُحْدَثَةِ كَما تَقُولُ الكَرامِيَّةُ وإلّا لَكانَ مُتَغَيِّرًا وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ مَعْنى الأُفُولِ وهو ظاهِرٌ، الرّابِعُ أنَّ ما ذُكِرَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الدِّينَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلى الدَّلِيلِ لا عَلى التَّقْلِيدِ وإلّا لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِدْلالِ فائِدَةٌ ألْبَتَّةَ، الخامِسُ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعارِفَ الأنْبِياءِ بِرَبِّهِمُ اسْتِدْلالِيَّةٌ لا ضَرُورِيَّةٌ وإلّا لَما احْتاجَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الِاسْتِدْلالِ، السّادِسُ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى تَحْصِيلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ في أحْوالِ مَخْلُوقاتِهِ إذْ لَوْ أمْكَنَ تَحْصِيلُها بِطَرِيقٍ آخَرَ لَما عَدَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما في هَذَيْنَ الأخِيرَيْنِ، السّابِعُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ إلَخْ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الحُجَّةَ إنَّما حَصَلَتْ في عَقْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإيتاءِ اللَّهِ تَعالى وإظْهارِها في عَقْلِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ والكُفْرَ لا يَحْصُلانِ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ﴾ إلَخْ، الثّامِنُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: (نَرْفَعُ) إلَخْ يَدُلُّ عَلى فَسادِ طَعْنِ الحَشْوِيَّةِ في النَّظَرِ وتَقْرِيرِ الحُجَّةِ وذِكْرِ الدَّلِيلِ وفِيهِ أحْكامٌ أُخَرُ لا تَخْفى عَلى مَن يَتَدَبَّرُ

* * *

ومِن بابِ الإشارَةِ فِيها ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ﴾ حِينَ رَآهُ مُحْتَجِبًا بِظَواهِرِ عالَمِ المُلْكِ عَنْ حَقائِقِ المَلَكُوتِ ورُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْأشْياءِ مُعْتَقَدًا تَأْثِيرَ الأكْوانِ والأجْرامِ ذاهِلًا عَنِ المَلَكُوتِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا﴾ أيْ أشْباحًا خالِيَةً بِذَواتِها عَنِ الحَياةِ ﴿آلِهَةً﴾ فَتَعْتَقِدُ تَأْثِيرَها ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ظاهِرٍ عِنْدَ مَن كُشِفَ عَنْ عَيْنِهِ الغَيْنُ، ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ نُوقِفُهُ عَلى القُوى الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي نُدَبِّرُ بِها أمْرَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ أوْ نُوقِفُهُ عَلى حَقِيقَتِها ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ أيْ أهْلِ الإيقانِ العالِمِينَ أنْ لا تَأْثِيرَ إلّا لِلَّهِ تَعالى يُدَبِّرُ الأمْرَ بِأسْمائِهِ سُبْحانَهُ ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أيْ أظْلَمَ عَلَيْهِ لَيْلُ عالَمِ الطَّبِيعَةِ الجُسْمانِيَّةِ وذَلِكَ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ في صِباهُ وأوَّلِ شَبابِهِ رَأى كَوْكَبًا وهو كَوْكَبُ النَّفْسِ المُسَمّاةِ رُوحًا حَيَوانِيَّةِ الظّاهِرِ في مَلَكُوتِ الهَيْكَلِ الإنْسانِيِّ فَقالَ حِينَ رَأى فَيْضَهُ وحَياتَهُ وتَرْبِيَتَهُ مِن ذَلِكَ بِلِسانِ الحالِ: ﴿هَذا رَبِّي﴾، وكانَ اللَّهُ تَعالى يُرِيهِ في ذَلِكَ الحِينِ بِاسْمِهِ المُحْيِي ﴿فَلَمّا أفَلَ﴾ بِطُلُوعِ نُورِ القَلْبِ ﴿قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ﴾ أيْ قَمَرَ القَلْبِ بازِغًا مِن أُفُقِ النَّفْسِ ووَجَدَ فَيْضَهُ بِمُكاشَفاتِ الحَقائِقِ والمَعارِفِ وتَرْبِيَتِهِ مِنهُ ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾، وكانَ اللَّهُ تَعالى يُرِيهِ إذْ ذاكَ بِاسْمِهِ العالِمِ والحَكِيمِ ﴿فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ إلى نُورِ وجْهِهِ ﴿لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ المُحْتَجِبِينَ بِالبَواطِنِ عَنْهُ سُبْحانَهُ، ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ﴾ أيْ شَمْسَ الرُّوحِ بازِغَةً مُتَجَلِّيَةً عَلَيْهِ قالَ إذْ وجَدَ فَيْضَهُ وشُهُودَهُ وتَرْبِيَتَهُ مِنها ﴿هَذا رَبِّي﴾ وكانَ سُبْحانَهُ يُرِيهِ حِينَئِذٍ بِاسْمِهِ الشَّهِيدِ والعَلِيِّ العَظِيمِ ﴿هَذا أكْبَرُ﴾ مِنَ الأوَّلَيْنِ ﴿فَلَمّا أفَلَتْ﴾ بِتَجَلِّي أنْوارِ الحَقِّ وتَشَعْشُعِ سُبُحاتِ الوَجْهِ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ إذْ لا وُجُودَ بِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ أيْ أسْلَمْتُ ذاتِي ووُجُودِي ﴿لِلَّذِي فَطَرَ﴾ أوْجَدَ ﴿السَّماواتِ والأرْضَ﴾ أيْ سَمَواتِ الأرْواحِ وأرْضَ النَّفْسِ ﴿حَنِيفًا﴾ مائِلًا عَنْ كُلِّ ما سِواهُ حَتّى عَنْ وُجُودِي ومَيْلِي بِالفَناءِ فِيهِ جَلَّ جَلالُهُ ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ في شَيْءٍ، ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ في تَرْكِ السَّوِيِّ ﴿قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي﴾ إلى وُجُودِهِ الحَقِّ وتَوْحِيدِهِ، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ مِن ظُهُورِ نَفْسٍ أوْ قَلْبٍ أوْ وُجُودِ بَقِيَّةٍ ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ﴾ الحَقِيقِيُّ ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ حَقِيقَةً إلى الحَقِّ

وقالَ النَّيْسابُورِيُّ: قَدْ يَدُورُ في الخَلَدِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ جَنَّ عَلَيْهِ لَيْلُ الشُّبْهَةِ وظُلْمَتِها فَنَظَرَ أوَّلًا في عالَمِ

صفحة 211

الأجْسامِ فَوَجَدَها آفِلَةً في أُفُقِ التَّغْيِيرُ فَلَمْ يَرَها تَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ فارْتَقى مِنها إلى عالَمِ النُّفُوسِ المُدَبِّرَةِ لِلْأجْسامِ فَرَآها آفِلَةً في أُفُقِ الِاسْتِكْمال، فَكانَ حُكْمُها حُكْمَ ما دُونَها فَصَعَدَ مِنها إلى عالَمِ العُقُولِ المُجَرَّدِ فَصادَفَها آفِلَةً في أُفُقِ الإمْكانِ فَلَمْ يَبْقَ إلّا الواجِبُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وما ذُكِرَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الِاحْتِجاجَ كانَ مَعَ نَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ورَوَوْا في ذَلِكَ خَبَرًا طَوِيلًا وهو مَذْكُورٌ في كَثِيرٍ مِنَ الكُتُبِ مَشْهُورٌ بَيْنَ العامَّةِ، والمُخْتارُ عِنْدِي ما عَلِمْتَ واللَّهُ تَعالى يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ

6:84Page 138

وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَيۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٤

And We gave to him [i.e., Abraham] Isaac and Jacob - all [of them] We guided. And Noah, We guided before; and among his descendants, David and Solomon and Job and Joseph and Moses and Aaron. Thus do We reward the doers of good.

﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ أيْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إسْحاقَ﴾ وهو ولَدُهُ مِن سارَّةَ عاشَ مِائَةً وثَمانِينَ سَنَةً، وفي نَدِيمِ الفَرِيدِ أنَّ مَعْنى إسْحَقَ بِالعَرَبِيَّةِ الضَّحّاكُ ﴿ويَعْقُوبَ﴾ وهو ابْنُ إسْحَقَ عاشَ مِائَةً وسَبْعًا وأرْبَعِينَ سَنَةً، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ إلَخْ وعَطْفُ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ مِمّا لا نِزاعَ في جَوازِهِ، ويَجُوزُ عَلى بُعْدٍ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ (آتَيْنا) بِناءً عَلى أنَّها لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ كَما هو أحَدُ الِاحْتِمالاتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلا﴾ مَفْعُولٌ لِما بَعْدَهُ وتَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ لِلْقَصْرِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِما بَلْ بِالنِّسْبَةِ إلى أحَدِهِما أيْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما ﴿هَدَيْنا﴾ لا أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ، وقِيلَ: المُرادُ كُلًّا مِنَ الثَّلاثَةِ، وعَلَيْهِ الطَّبَرْسِيُّ. واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ الأوَّلَ لِأنَّ هِدايَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعْلُومَةً مِنَ الكَلامِ قَطْعًا وتَرَكَ ذِكْرَ المَهْدِيِّ إلَيْهِ لِظُهُورِ أنَّهُ الَّذِي أُوتِيَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُما مُتَعَبِّدانِ بِهِ

وقالَ الجَبائِيُّ: المُرادُ هَدَيْناهم بِنَيْلِ الثَّوابِ والكُرُماتِ ﴿ونُوحًا﴾ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ﴿هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾ ولَعَلَّهُ إنَّما لَمْ يَجْعَلْهُ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا لِلْمَذْكُورِ لِئَلّا يَفْصِلَ بَيْنَ العاطِفِ والمَعْطُوفِ بِشَيْءٍ أوْ يَخْلُوَ التَّقْدِيمُ عَنِ الفائِدَةِ السّابِقَةِ أعْنِي القَصْرَ ولا يَخْلُو ذَلِكَ عَنْ تَأمُّلٍ أيْ مِن قَبْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ

ونُوحٌ -كَما قالَ الجَوالِيقِيُّ- أعْجَمِيٌّ مُعْرِبٌ، زادَ الكِرْمانِيُّ ومَعْناهُ بِالسُّرْيانِيَّةِ السّاكِنُ، وقالَ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ: إنَّما سُمِّيَ نُوحًا لِكَثْرَةِ بُكائِهِ عَلى نَفْسِهِ واسْمُهُ عَبْدُ الغَفّارِ، والأوَّلُ أثْبَتُ عِنْدِي، وأكْثَرُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم -كَما قالَ الحاكِمُ- أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَبْلَ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وذَكَرَ النَّسّابُونَ أنَّهُ ابْنُ لَمْكَ بِفَتْحِ اللّامِ وسُكُونِ المِيمِ بَعْدَها كافٌ ابْنِ مَتُّوشَلَخَ بِفَتْحِ المِيمِ وتَشْدِيدِ المُثَنّاةِ المَضْمُومَةِ بَعْدَها واوٌ ساكِنَةٌ وفَتْحِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ واللّامِ والخاءِ المُعْجَمَةِ ابْنِ أخَنُوخَ بِفَتْحِ المُعْجَمَةِ وضَمِّ النُّونِ الخَفِيفَةِ وبَعْدَها واوٌ ساكِنَةٌ ثُمَّ مُعْجَمَةٌ وهو إدْرِيسٌ فِيما يُقالُ. ورَوى الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أوَّلُ الأنْبِياءِ قالَ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قُلْتُ: ثُمَّ مَن؟ قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: وبَيْنَهُما عَشَرَةُ قُرُونٍ» وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ

وذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ مَوْلِدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَعْدَ وفاةِ ءادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمِائَةٍ وسِتَّةٍ وعِشْرِينَ عامًا. وذَكَرَهُ سُبْحانَهُ هُنا قِيلَ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ إنْعامَهُ عَلى خَلِيلِهِ مِن جِهَةِ الفَرْعِ ثَنّى بِذِكْرِ إنْعامِهِ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ الأصْلِ؛ فَإنَّ شَرَفَ الوالِدِ سارَ إلى الوَلَدِ، وقِيلَ: إنَّما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ لِأنَّ قَوْمَهُ عَبَدُوا الأصْنامَ فَذَكَرَهُ لِيَكُونَ لَهُ بِهِ أُسْوَةً، وأمّا أنَّهُ ذُكِرَ لِما مَرَّ فَلا دَلالَةَ عَلى عَلاقَةِ الأُبُوَّةِ لِيُقْبَلَ، ودَلالَةُ (مِن قَبْلُ) عَلى ذَلِكَ غَيْرُ ظاهِرَةٍ. وقَنَعَ بَعْضُهم بِالشُّهْرَةِ عَنْ ذَلِكَ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ الضَّمِيرُ عِنْدَ جَمْعٍ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ مَساقَ النَّظْمِ الجَلِيلِ لِبَيانِ شُئُونِهِ

صفحة 212

وما مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِ مِن إيتاءِ الحُجَّةِ، ورَفْعِ الدَّرَجاتِ، وهِبَةِ الأوْلادِ الأنْبِياءِ، وإبْقاءِ هَذِهِ الكَرامَةِ في نَسْلِهِ؛ كُلُّ ذَلِكَ لِإلْزامِ مَن يَنْتَمِي إلى مِلَّتِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ واليَهُودِ، واخْتارَ آخَرُونَ كَوْنَهُ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ أقْرَبُ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ في الجُمْلَةِ (لُوطًا) عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ بَلْ كانَ ابْنَ أخِيهِ -كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى- آمَنَ بِهِ وشَخَصَ مَعَهُ مُهاجِرًا إلى الشّامِ فَأرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلى أهْلِ سَدُومَ، وكَذَلِكَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مِن ذُرِّيَّتِهِ -فِيما ذَكَرَ مُحْيِي السُّنَّةِ- فَلَوْ كانَ الضَّمِيرُ لَهُ لاخْتُصَّ بِالمَعْدُودِينَ في هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي بَعْدَها، وأمّا المَذْكُورُونَ في الآيَةِ الثّالِثَةِ فَعُطِفَ عَلى (نُوحًا) ولا يَجِبُ أنْ يُعْتَبَرَ في المَعْطُوفِ ما هو قَيْدٌ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ولا يَضُرُّ ذِكْرُ إسْماعِيلَ هُناكَ وإنْ كانَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ لِأنَّ السُّكُوتَ عَنْ إدْراجِهِ في الذُّرِّيَّةِ لا يَقْتَضِي أنَّهُ لَيْسَ مِنهم وإنَّما لَمْ يَعُدْ -كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ-: في مَوْهِبَتِهِ كَإسْحَقَ لِأنَّ هِبَةَ إسْحَقَ كانَتْ في كِبَرِهِ وكِبَرِ زَوْجَتِهِ فَكانَتْ في غايَةِ الغَرابَةِ، وذَكَرَ يَعْقُوبَ لِأنَّ إبْقاءَ النُّبُوَّةِ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ غايَةُ النِّعْمَةِ، ولَمْ يَعْطِفْ ﴿كُلا هَدَيْنا﴾ لِأنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِكَوْنِهِ نِعْمَةً

ومِنَ النّاسِ مَنِ ادَّعى أنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ ﷺ وصُرِّحَ في جامِعِ الأُصُولِ أنَّهُ كانَ مَنَ الأسْباطِ في زَمَنِ شِعْيا، وحِينَئِذٍ يَبْقى لُوطٌ فَقَطْ خارِجًا ولا يُتْرَكُ لَهُ إرْجاعُ الضَّمِيرِ عَلى إبْراهِيمَ؛ وجَعَلَهُ مُخْتَصًّا بِالمَعْدُودِينَ في الآياتِ الثَّلاثِ لِأنَّهُ لَمّا كانَ ابْنُ أخِيهِ آمَنَ بِهِ وهاجَرَ مَعَهُ أمْكَنَ أنْ يُجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ كَما قالَ الطِّيبِيُّ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كُلُّهم مُضافُونَ إلى ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإنْ كانَ مِنهم مَن لَمْ يَلْحَقْهُ بِوِلادَةٍ مِن قِبَلِ أُمٍّ ولا أبٍ لِأنَّ لُوطًا ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ والعَرَبُ تَجْعَلُ العَمَّ أبًا؛ كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ أبْناءِ يَعْقُوبَ أنَّهم قالُوا: ﴿نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ مَعَ أنَّ إسْماعِيلَ عَمُّ يَعْقُوبَ. والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَفْهُومٍ مِمّا سَبَقَ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ، واخْتِيرَ الأوَّلُ أيْ وهَدَيْنا مِن ذُرِّيَّتِهِ ﴿داوُدَ﴾ هو -كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ-: ابْنُ إيشا بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الياءِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ وبِالشِّينِ المُعْجَمَةِ ابْنِ عَوْبَرِ بِمُهْمَلَةٍ ومُوَحَّدَةٍ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ ابْنِ عابَرَ بِمُوَحَّدَةٍ ومُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ابْنِ سَلَمُونَ بْنِ يَخِيثُونَ بْنِ عَمِيِّ بْنِ يارِبَ بِتَحْتِيَّةٍ وآخِرُهُ باءٌ مُوَحَّدَةٌ ابْنِ رامَ بْنِ حَضْرَمَوْتَ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ بْنِ فارِصَ بِفاءٍ وآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ بْنِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ

قالَ كَعْبٌ: كانَ أحْمَرَ الوَجْهِ سِبْطَ الرَّأْسِ أبْيَضَ الجِسْمِ طَوِيلَ اللِّحْيَةِ فِيها جُعُودَةٌ حَسَنَ الصَّوْتِ والخَلْقِ، وجُمِعَ لَهُ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ. ونَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنِ المُؤَرِّخِينَ أنَّهُ عاشَ مِائَةَ سَنَةٍ، ومُدَّةُ مِلْكِهِ مِنها أرْبَعُونَ، ولَهُ اثْنا عَشَرَ ابْنًا ﴿وسُلَيْمانَ﴾ ولَدُهُ. قالَ كَعْبٌ: كانَ أبْيَضَ جَسِيمًا وسِيمًا وضِيئًا جَمِيلًا خاشِعًا مُتَواضِعًا وكانَ أبُوهُ يُشاوِرُهُ في كَثِيرٍ مِن أُمُورِهِ في صِغَرِ سِنِّهِ لِوُفُورِ عَقْلِهِ وعَلْمِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ مَلَكَ الأرْضَ. وعَنِ المُؤَرِّخِينَ أنَّهُ مُلِّكَ وهو ابْنُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وابْتَدَأ بِناءَ بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ مُلْكِهِ بِأرْبَعِ سِنِينَ، وتُوفِّيَ ولَهُ ثَلاثٌ وخَمْسُونَ سَنَةً. وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ مَعَ ما في المَفاعِيلِ مِن نَوْعِ طُولٍ رُبَّما يُخِلُّ تَأْخِيرُهُ بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ ﴿وأيُّوبَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو ابْنُ مُوصَ بْنِ رُومَ بْنِ عِيصَ بْنِ إسْحَقَ، وقِيلَ: ابْنُ مُوصَ بْنِ تارَخَ بْنِ رُومَ إلَخْ وحَكى ابْنُ عَساكِرَ أنَّ أُمَّهُ بِنْتُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّ أباهُ مِمَّنْ آمنَ بِإبْراهِيمَ فَهو قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّهُ كانَ بَعْدَ شُعَيْبٍ، وقالَ

صفحة 213

ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ كانَ بَعْدَ سُلَيْمانَ، ورَوى الطَّبَرانِيُّ أنَّ مُدَّةَ عُمُرِهِ كانَتْ ثَلاثًا وتِسْعِينَ سَنَةً، ﴿ويُوسُفَ﴾ وهو عَلى الصَّحِيحِ المَشْهُورِ ابْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَقَ بْنِ إبْراهِيمَ ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إنَّ الكَرِيمَ ابْنَ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَقَ بْنِ إبْراهِيمَ. عاشَ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً». وفِيهِ سِتُّ لُغاتٍ بِتَثْلِيثِ السِّينِ مَعَ الياءِ والهَمْزَةِ، والصَّوابُ أنَّهُ أعْجَمِيٌّ لا اشْتِقاقَ لَهُ، ﴿ومُوسى﴾ وهو ابْنُ عِمْرانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ ماهِيثَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ، ولا خِلافَ في نَسَبِهِ وهو اسْمٌ سُرْيانِيٌّ

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: إنَّما سُمِّيَ مُوسى لِأنَّهُ أُلْقِيَ بَيْنَ شَجَرٍ وماءٍ فالماءُ بِالقِبْطِيَّةِ مُو والشَّجَرُ شا، وفي الصَّحِيحِ وصْفُهُ بِأنَّهُ آدَمُ طُوالٌ جَعْدٌ كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ، وعاشَ -كَما قالَ الثَّعْلَبِيُّ- مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً، ﴿وهارُونَ﴾ أخُوهُ وشَقِيقُهُ، وقِيلَ: لِأُمِّهِ، وقِيلَ: لِأبِيهِ فَقَطْ حَكاهُما الكِرْمانِيُّ في عَجائِبِهِ ماتَ قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ وكانَ وُلِدَ قَبْلَهُ بِسَنَةٍ، وفي بَعْضِ أحادِيثِ الإسْراءِ «صَعِدْتُ إلى السَّماءِ الخامِسَةِ فَإذا أنا بَهَرُونِ ونِصْفُ لِحْيَتِهِ أبْيَضُ ونِصْفُها أسْوَدُ تَكادُ تَضْرِبُ سُرَّتَهُ مِن طُولِها فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ مَن هَذا؟ قالَ: المُحَبَّبُ في قَوْمِهِ هارُونُ بْنُ عِمْرانَ،» وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ مَعْنى هارُونَ بِالعِبْرانِيَّةِ المُحَبَّبِ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾

84

- قِيلَ: أيْ نَجْزِيهِمْ مِثْلَ ما جَزَيْنا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِرَفْعِ دَرَجاتِهِ وكَثْرَةِ أوْلادِهِ والنُّبُوَّةِ فِيهِمْ، والمُرادُ مُطْلَقُ المُشابَهَةِ في مُقابَلَةِ الإحْسانِ بِالإحْسانِ والمَكاناتِ بَيْنَ الأعْمالِ والأجْزِيَةِ مِن غَيْرِ بَخْسٍ لا المُماثَلَةِ مِن كُلِّ وجْهٍ لِأنَّ اخْتِصاصَ إبْراهِيمَ ﷺ بِكَثْرَةِ النُّبُوَّةِ في عَقِبِهِ أمْرٌ مَشْهُورٌ

واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ كَوْنَ التَّشْبِيهِ عَلى حَدِّ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ ونَظائِرِهِ، وألْ في (المُحْسِنِينَ) لِلْعَهْدِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِالإحْسانِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِالأعْمالِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ الَّذِي هو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُقارِنُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ وقَدْ فَسَّرَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها

6:85Page 138

وَزَكَرِيَّا وَيَحۡيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلۡيَاسَۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٥

And Zechariah and John and Jesus and Elias - and all were of the righteous.

﴿وزَكَرِيّا﴾ هو ابْنُ أزْنَ بْنِ بَرَكِيا كانَ مِن ذُرِّيَّةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وقُتِلَ بَعْدَ قَتْلِ ولَدِهِ وكانَ لَهُ يَوْمَ بُشِّرَ بِهِ اثْنانِ وتِسْعُونَ، وقِيلَ: تِسْعٌ وتِسْعُونَ، وقِيلَ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ وفِيهِ خَمْسُ لُغاتٍ أشْهَرُها المَدُّ، والثّانِيَةُ القَصْرُ، وقُرِئَ بِهِما في السَّبْعِ، وزَكَرِيَّ بِتَشْدِيدِ الياءِ وتَخْفِيفِها وزَكَرٍ كَقَلَمٍ

(ويَحْيى) ابْنُهُ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وقِيلَ: عَرَبِيٌّ وعَلى القَوْلَيْنِ كَما قالَ الواحِدِيُّ لا يَنْصَرِفُ وسُمِّيَ بِذَلِكَ عَلى القَوْلِ الثّانِي لِأنَّهُ حَيِيٌّ بِهِ رَحِمُ أُمِّهِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ وهو اسْمٌ عِبْرانِيٌّ أوْ سُرْيانِيٌّ وفي الصَّحِيحِ «أنَّهُ رَبْعَةٌ أحْمَرُ كَأنَّما خَرَجَ مِن دِيماسٍ،» وفي ذِكْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الذُّرِّيَّةَ يَتَناوَلُ أوْلادَ البَناتِ لِأنَّ انْتِسابَهُ لَيْسَ إلّا مِن جِهَةِ أُمِّهِ، وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ أبٌ يَصْرِفُ إضافَتَهُ إلى الأُمِّ إلى نَفْسِهِ فَلا يَظْهَرُ قِياسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ في كَوْنِهِ ذُرِّيَّةً لِجَدِّهِ مِنَ الأُمِّ

وتُعُقِّبَ بِأنَّ مُقْتَضى كَوْنِهِ بِلا أبٍ أنْ يُذْكَرَ في حَيِّزِ الذُّرِّيَّةِ وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، والمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ والذّاهِبُونَ إلى دُخُولِ ابْنِ البِنْتِ في الذُّرِّيَّةِ يَسْتَدِلُّونَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِها احْتَجَّ مُوسى الكاظِمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى ما رَواهُ البَعْضُ عَنِ الرَّشِيدِ وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ أنَّ أبا جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اسْتَدَلَّ بِها عِنْدَ الحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ

صفحة 214

بِآيَةِ المُباهَلَةِ حَيْثُ «دَعا ﷺ الحَسَنَ والحُسَيْنَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بَعْدَما نَزَلَ ﴿تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾»

وادَّعى بَعْضُهم أنَّ هَذا مِن خَصائِصِهِ ﷺ، وقَدِ اخْتَلَفَ إفْتاءُ أصْحابِنا في هَذِهِ المَسْألَةِ والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ القَوْلُ بِالدُّخُولِ، وإلْياسُ قالَ ابْنُ إسْحاقَ في المُبْتَدَإ: هو ابْنُ يَسَ بْنِ فَنْحاصَ بْنِ العِيزارَ بْنِ هارُونَ أخِي مُوسى بْنِ عِمْرانَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وحَكى القُتَبِيُّ أنَّهُ مِن سِبْطِ يُوشَعَ، وقِيلَ: مِن ولَدِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ إدْرِيسُ وهو عَلى ما قالَ ابْنُ إسْحَقَ ابْنُ يَرِدَ بْنِ مِهْلايِيلَ بْنِ أنُوشَ بْنِ قَيْنانَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ وهو جَدُّ نُوحٍ كَما أشَرْنا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ وهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وفي المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ ألْفُ سَنَةٍ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ قَبْلَ نُوحٍ يَكُونُ البَيانُ مُخْتَصًّا بِمَن في الآيَةِ الأوْلى، ونَصَّ الشِّهابُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وزَكَرِيّا﴾ وما بَعْدَهُ حِينَئِذٍ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الكَلامِ السّابِقِ ﴿كُلٌّ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِن أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾

58

- أيِ الكامِلِينَ في الصَّلاحِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِما يَنْبَغِي، والتَّحَرُّزُ عَمّا لا يَنْبَغِي وهو مَقُولٌ بِالتَّشْكِيكِ فَيُوصَفُ بِما هو مِن أعْلى مَراتِبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِها لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِمَضْمُونِها.

6:86Page 138

وَإِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطٗاۚ وَكُلّٗا فَضَّلۡنَا عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٦

And Ishmael and Elisha and Jonah and Lot - and all [of them] We preferred over the worlds.

﴿وإسْماعِيلَ﴾ هو -كَما قالَ النَّوَوِيُّ - أكْبَرُ ولَدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُقالُ -كَما نُقِلَ عَنِ الجَوالِيقِيِّ - بِالنُّونِ آخِرَهُ، قِيلَ ومَعْناهُ: مُطِيعُ اللَّهِ ﴿واليَسَعَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو ابْنُ أُخْطُوبَ بْنِ العَجُوزِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (اللَّيْسَعَ) بِوَزْنِ ضَيْغَمَ وهو أعْجَمِيٌّ دَخَلَتْ عَلَيْهِ اللّامُ عَلى خِلافِ القِياسِ وقارَنَتِ النَّقْلَ فَجُعِلَتْ عَلامَةُ التَّعْرِيبَ كَما قالَهُ التِّبْرِيزِيُّ، ونَصَّ عَلى أنَّ اسْتِعْمالَهُ بِدُونِها خَطَأٌ يَغْفُلُ عَنْهُ النّاسُ فَلَيْسَ كاليَزِيدِ في قَوْلِهِ:

رَأيْتُ الوَلِيدَ بْنِ اليَزِيدِ مُبارَكًا شَدِيدًا بِأعْباءِ الخِلافَةِ كاهَلُهُ

مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وهو عَلى القِراءَةِ الأوْلى أعْجَمِيٌّ أيْضًا، وقِيلَ: أنَّهُ مُعَرَّبُ يُوشَعُ، وقِيلَ: عَرَبِيٌّ مَنقُولٌ مَن يَسَعُ مُضارِعُ وسِعَ ﴿ويُونُسَ﴾ وهو ابْنُ مَتّى بِفَتْحِ المِيمِ وتَشْدِيدِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَقْصُورٌ كَحَتّى، ويُقالُ مَتْتى بِالفَكِّ وهو اسْمُ أبِيهِ كَما قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ وغَيْرُهُ مِنَ الحُفّاظِ، ووَقَعَ في تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزّاقِ أنَّهُ اسْمُ أُمِّهِ، وهو مَرْدُودٌ ولَمْ نَقِفْ كَغَيْرِنا عَلى اتِّصالِ نَسَبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ مَرَّ ما في جامِعِ الأُصُولِ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ في زَمَنِ مُلُوكِ الطَّوائِفِ مِنَ الفُرْسِ وهو مُثَلَّثُ النُّونِ ويُهْمَزُ

وقَرَأ أبُو طَلْحَةَ (يُونِسَ) بِكَسْرِ النُّونِ، قِيلَ: أرادَ أنْ يَجْعَلَهُ عَرَبِيًّا مَن أنِسَ وهو شاذٌّ ﴿ولُوطًا﴾ قالَ ابْنُ إسْحاقَ وهو ابْنُ هارانِ بْنِ آزَرَ، وفي المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ ولَمْ يُصَرَّحْ بِاسْمِ أبِيهِ ﴿وكُلا﴾ أيْ كُلَّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ لا بَعْضَهم دُونَ بَعْضِ ﴿فَضَّلْنا﴾ بِالنُّبُوَّةِ ﴿عَلى العالَمِينَ﴾

86

- أيْ عالَمَيْ عَصْرِهِمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ كَأُخْتَيْها وفِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском