Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:94–95
6:94Page 139
وَلَقَدۡ جِئۡتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَتَرَكۡتُم مَّا خَوَّلۡنَٰكُمۡ وَرَآءَ ظُهُورِكُمۡۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمۡ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ أَنَّهُمۡ فِيكُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيۡنَكُمۡ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٩٤
[It will be said to them], "And you have certainly come to Us alone [i.e., individually] as We created you the first time, and you have left whatever We bestowed upon you behind you. And We do not see with you your 'intercessors' which you claimed that they were among you associates [of Allāh]. It has [all] been severed between you,1 and lost from you is what you used to claim."
﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ لِلْحِسابِ ﴿فُرادى﴾ أيْ مُنْفَرِدِينَ عَنِ الأعْوانِ والأوْثانِ الَّتِي زَعَمْتُمْ أنَّها شُفَعاؤُكم أوْ عَنِ الأمْوالِ والأوْلادِ وسائِرِ ما آثَرْتُمُوهُ مِنَ الدُّنْيا، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ سَوْفَ تَشْفَعُ لِيَ اللّاتُ والعُزّى فَنَزَلَتْ. والجُمْلَةُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن كَلامِهِ تَعالى ولا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: (ولا يُكَلِّمُهُمْ) لِأنَّ المُرادَ نَفْيُ تَكْلِيمِهِمْ بِما يَنْفَعُهم أوْ لِأنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الغَضَبِ، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِ المَلائِكَةِ (أخْرِجُوا) إلَخْ وهي مِن جُمْلَةِ كَلامِهِمْ وفِيهِ بُعْدٌ وإنْ ظَنَّهُ الإمامُ أوْلى وأقْوى. ونَصْبُ ﴿فُرادى﴾ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ وهو جَمْعُ فَرْدٍ عَلى خِلافِ القِياسِ كَأنَّهُ جَمْعُ فَرْدانَ كَسَكْرانَ عَلى ما في الصِّحاحِ، والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ كَكُسالى، والرّاءُ في فَرْدِهِ مَفْتُوحَةٌ عِنْدَ صاحِبِ الدُّرِّ المَصُونِ، وحُكِيَ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ سُكُونُها، ونُقِلَ عَنِ الرّاغِبِ أنَّهُ جَمْعُ فَرِيدٍ كَأسِيرٍ وأُسارى، وفي القامُوسِ يُقالُ: جاءُوا أفْرادًا وفُرادًا وفُرادى وفَرادُ وفُرادُ وفَرْدى كَسَكْرى أيْ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ والواحِدُ فَرَدٌ وفَرِدٌ وفَرِيدٌ وفَرْدانُ، ولا يَجُوزُ فَرْدٌ في هَذا المَعْنى ولَعَلَّ هَذا بُعَيْدَ الإرادَةِ في الآيَةِ، وقُرِئَ فُرادًا كَرُخالٍ المَضْمُومِ الرّاءِ وفُرادَ كَأُحادَ ورُباعَ في كَوْنِهِ صِفَةً مَعْدُولَةً ولا يَرِدُ أنَّ مَجِيءَ هَذا الوَزْنِ المَعْدُولِ مَخْصُوصٌ بِالعَدَدِ بَلْ بِبَعْضِ كَلِماتِهِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ مِن عَدَمِ الِاخْتِصاصِ، نَعَمْ هو شائِعٌ فِيما ذُكِرَ وفَرْدى كَسَكْرى تَأْنِيثُ فَرْدانَ، والتَّأْنِيثُ لِجَمْعِ ذِي الحالِ ﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بَدَلٌ مِن فُرادى بَدَلُ كُلٍّ لِأنَّ المُرادَ المُشابَهَةُ في الِانْفِرادِ المَذْكُورِ والكافُ اسْمٌ بِمَعْنى مِثْلٍ أيْ مِثْلَ الهَيْئَةِ الَّتِي وُلِدْتُمْ عَلَيْها في الِانْفِرادِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا ثانِيَةً عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ تَعَدُّدَ الحالِ مِن غَيْرِ عَطْفٍ وهو الصَّحِيحُ أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في فُرادى فَهي حالٌ مُتَرادِفَةٌ أوْ مُتَداخِلَةٌ؛ والتَّشْبِيهُ
صفحة 225
أيْضًا في الِانْفِرادِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِاعْتِبارِ ابْتِداءِ الخِلْقَةِ أيْ مُشَبَّهِينَ ابْتِداءَ خَلْقِكم بِمَعْنى شَبِيهَةِ حالِكم حالَ ابْتِداءِ خَلْقِكم حُفاةً عُراةً غُرْلًا بِهِما، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةَ مَصْدَرِ (جِئْتُمُونا) أيْ مَجِيئًا كَخَلْقِنا لَكُمْ
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قَرَأتْ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ واسَوْأتاهُ إنَّ النِّساءَ والرِّجالَ سَيُحْشَرُونَ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى سَوْأةِ بَعْضٍ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، لا يَنْظُرُ الرِّجالُ إلى النِّساءِ ولا النِّساءُ إلى الرِّجالِ شُغِلَ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ“»
﴿وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ﴾ أيْ ما أعْطَيْناكم في الدُّنْيا مِنَ المالِ والخَدَمِ وهو مُتَضَمِّنٌ لِلتَّوْبِيخِ أيْ فَشُغِلْتُمْ بِهِ عَنِ الآخِرَةِ ﴿وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ ما قَدَّمْتُمْ مِنهُ شَيْئًا لِأنْفُسِكُمْ، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: يُؤْتى بِابْنِ آدَمَ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُ بَذَجٌ فَيَقُولُ لَهُ تَبارَكَ وتَعالى: أيْنَ ما جَمَعْتَ؟ فَيَقُولُ: يا رَبِّ جَمَعْتُهُ وتَرَكْتُهُ أوْفَرَ ما كانَ فَيَقُولُ: أيْنَ ما قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ فَلا يَراهُ قَدَّمَ شَيْئًا، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، والجُمْلَةُ قِيلَ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ، ﴿وما نَرى﴾ أيْ نُبْصِرُ وهو عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو البَقاءِ حِكايَةُ حالٍ وبِهِ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَعَكُمْ﴾ ولَيْسَ حالًا مِن مَفْعُولِ (نَرى) أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿شُفَعاءَكُمُ﴾ ولا مَفْعُولًا ثانِيًا، والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، وإضافَةُ الشُّفَعاءِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ بِاعْتِبارِ الزَّعْمِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ وصْفُهم بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ في الدُّنْيا ﴿أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾ أيْ شُرَكاءُ لِلَّهِ تَعالى في رُبُوبِيَّتِكم واسْتِحْقاقِ عِبادَتِكُمْ، والزَّعْمُ هُنا نَصٌّ في الباطِلِ وجاءَ اسْتِعْمالُهُ في الحَقِّ كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: تَقُولُ هَلَكْنا إنْ هَلَكَتْ وإنَّما عَلى اللَّهِ أرْزاقُ العِبادِ كَما زَعَمَ (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) بِنَصْبِ –بَيْنَ- وهي قِراءَةُ عاصِمٍ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، واخْتُلِفَ في تَخْرِيجِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: الكَلامُ عَلى إضْمارِ الفاعِلِ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ أيْ تَقَطَّعَ الأمْرُ أوِ الوَصْلُ بَيْنَكُمْ، وقِيلَ: أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ المَصْدَرِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ شَرْطَ إفادَةِ الإسْنادِ مَفْقُودَةٌ فِيهِ وهو تَغايُرُ الحُكْمِ والمَحْكُومِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ قامَ ولا جَلَسَ وأنْتَ تُرِيدُ قامَ هو أيِ القِيامَ وجَلَسَ هو أيِ الجُلُوسَ
ورُدَّ بِأنَّهُ سُمِعَ بَدا بَداءً وقَدْ قَدَّرُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ بَدا البَداءُ
وقالَ السَّفاقُسِيُّ: إنَّ مَن جَعَلَ الفاعِلَ ضَمِيرَ المَصْدَرِ قالَ: المُرادُ - وقَعَ التَّقْطِيعُ والتَّغايُرُ - حاصِلٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ ولَوَسُلِّمَ فالتَّقَطُّعُ المُعْتَبَرُ مَرْجِعًا مُعَرَّفٌ بِلامِ الجِنْسِ و (تَقَطَّعَ) مُنْكَرٌ فَكَيْفَ يُقالُ اتَّحَدَ الحُكْمُ والمَحْكُومُ عَلَيْهِ
ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِالتَّأْوِيلِ مُتَعَيِّنٌ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لِأنَّهُ إذا تَقَطَّعَ التَّقَطُّعُ حَصَلَ الوَصْلُ وهو ضِدُّ المَقْصُودِ وقِيلَ: إنَّ (بَيْنَ) هو الفاعِلُ وبَقِيَ عَلى حالِهِ مَنصُوبًا حَمْلًا لَهُ عَلى أغْلَبِ أحْوالِهِ وهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ، وقِيلَ: إنَّهُ بُنِيَ لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ
واخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّ الكَلامَ مِن بابِ التَّنازُعِ سُلِّطَ عَلى (ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. تَقَطَّعَ) وضَلَّ عَنْكم فَأعْمَلَ الثّانِي وهو ضَلَّ، وأضْمَرَ في تَقْطَعَ ضَمِيرَهُ، والمُرادُ بِذَلِكَ الأصْنامُ والمَعْنى لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وضَلُّوا عَنْكُمْ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ أيْ لَمْ يَبْقَ اتِّصالٌ بَيْنَكم وبَيْنَ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّهم شُرَكاءُ فَعَبَدْتُمُوهم
صفحة 226
وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (بَيْنُكُمْ) بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ وهو مِنَ الأضْدادِ كالقُرْءِ يُسْتَعْمَلُ في الوَصْلِ والفَصْلِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الوَصْلُ أيْ تَقْطَّعَ وصْلُكم وتَفَرَّقَ جَمْعُكُمْ، وطَعَنَ ابْنُ عَطِيَّةٍ في هَذا بِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ مِنَ العَرَبِ أنَّ البَيْنَ بِمَعْنى الوَصْلِ وإنَّما انْتُزِعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَعْنًى مَجازِيٌّ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى السَّماعِ لِأنَّ -بَيْنَ- يُسْتَعْمَلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ المُتَلابِسَيْنِ نَحْوُ بَيْنِي وبَيْنَكَ رَحِمٌ وصَداقَةٌ وشَرِكَةٌ فَصارَ لِذَلِكَ بِمَعْنى الوَصْلَةِ. عَلى أنَّهُ لَوْ قِيلَ بِأنَّهُ حَقِيقَةٌ في ذَلِكَ لَمْ يَبْعُدْ فَإنَّ أبا عَمْرٍو وأبا عُبَيْدَةَ وابْنَ جِنِّيِّ والزَّجّاجَ وغَيْرَهم مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ نَقَلُوهُ وكَفى بِهِمْ سَنَدًا فِيهِ فَكَوْنُهُ مُنْتَزَعًا مِن هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وعَلَيْهِ فَيَكُونُ مَصْدَرًا لا ظَرْفًا. وقِيلَ: إنَّ (بَيْنَ) هُنا ظَرْفٌ لَكِنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ عَلى سَبِيلِ الِاتِّساعِ
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (لَقَدْ تَقَطَّعَ ما بَيْنَكُمْ) وما فِيهِ مَوْصُوفَةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ ﴿وضَلَّ عَنْكُمْ﴾ وضاعَ وبَطَلَ ﴿ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾
94
- أنَّها شُفَعاؤُكم أوْ أنَّها شُرَكاءُ لِلَّهِ تَعالى فِيكم أوْ أنْ لا بَعْثَ ولا جَزاءَ
6:95Page 140
۞ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتِ مِنَ ٱلۡحَيِّۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٩٥
Indeed, Allāh is the cleaver of grain and date seeds.1 He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living. That is Allāh; so how are you deluded?
﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ شُرُوعٌ في تَقْرِيرِ بَعْضِ أفاعِيلِهِ تَعالى العَجِيبَةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ ولَطِيفِ صُنْعِهِ وحِكْمَتِهِ إثْرَ تَقْرِيرِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن جَمِيعِ المَباحِثِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ وكُلِّ المَطالِبِ الحُكْمِيَّةِ إنَّما هو مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى بِذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ سُبْحانَهُ. والفالِقُ المُوجِدُ والمُبْدِعُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والضَّحّاكِ. والحَبُّ مَعْلُومٌ. والنَّوى جَمْعُ نَواةِ التَّمْرِ كَما في القامُوسِ وغَيْرِهِ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ ويُجْمَعُ عَلى أنْواءٍ ونُوًى بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِها، وفَسَّرَهُ الإمامُ بِالشَّيْءِ المَوْجُودِ في داخِلِ الثَّمَرَةِ بِالمُثَلَّثَةِ أعَمُّ مِنَ التَّمْرِ بِالمُثَنّاةِ وغَيْرِهِ، والمَشْهُورُ أنَّ النَّوى إذا أُطْلِقَ فالمُرادُ مِنهُ ما في القامُوسِ وإذا أُرِيدَ غَيْرِهِ قُيِّدَ فَيُقالُ: نَوى الخَوْخِ ونَوى الإجاصِ ونَحْوُ ذَلِكَ. وأصْلُ الفَلْقِ الشَّقِّ وكانَ إطْلاقُ الفالِقِ عَلى المُوجِدِ بِاعْتِبارِ أنَّ العَقْلَ يَتَصَوَّرُ مِنَ العَدَمِ ظُلْمَةً مُتَّصِلَةً لا انْفِراجَ فِيها ولا انْفِلاقَ فَمَتى أوْجَدَ الشَّيْءَ تَخَيَّلَ الذِّهْنُ أنَّهُ شَقَّ ذَلِكَ العَدَمَ وفَلَقَهُ وأخْرَجَ ذَلِكَ المُبْدَعِ مِنهُ. وعَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ أنَّ المَعْنى شاقُّ الحَبَّةِ اليابِسَةِ ومُخْرِجُ النَّباتِ مِنها وشاقُّ النَّواةِ ومُخْرِجُ النَّخْلِ والشَّجَرِ مِنها، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ ولَعَلَّهُ الأوْلى
وفِي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ لِما فِيهِ مِنَ العَجائِبِ الَّتِي تَصْدَحُ أطْيارُها عَلى أفْنانِ الحِكَمِ وتَطْفَحُ أنْهارُها في رِياضِ الكَرَمِ. وعَنْ مُجاهِدٍ وأبِي مالِكٍ أنَّ المُرادَ بِالفَلْقِ الشِّقُّ الَّذِي بِالحُبُوبِ؛ وبِالنَّوى أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ خالِقُهُما كَذَلِكَ كَما في قَوْلِكَ: ضَيَّقَ فَمَّ الرَّكِيَّةِ ووَسَّعَ أسْفَلَها، وضُعِّفَ بِأنَّهُ لا دَلالَةَ لَهُ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ كَما في سابِقِهِ
﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ أيْ يُخْرِجُ ما يَنْمُو مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ والشَّجَرِ مِمّا لا يَنْمُو مِنَ النُّطْفَةِ والحَبِّ والنَّوى. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها عَلى ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ ولِذَلِكَ تُرِكَ العَطْفُ، وقِيلَ: خَبَرٌ ثانٍ ولَمْ يُعْطَفْ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِهِ في الدَّلالَةِ عَلى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ومُخْرِجُ المَيِّتِ﴾ كالنُّطْفَةِ وأخَوَيْها ﴿مِنَ الحَيِّ﴾ كالحَيَوانِ وأخَوَيْهِ، وهَذا عِنْدَ بَعْضٍ عَطْفٌ عَلى ﴿فالِقُ﴾ لا عَلى ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ﴾ إلَخْ لِأنَّهُ كَما عَلِمْتَ بَيانٌ لِما قَبْلَهُ وهَذا لا يَصْلُحُ لِلْبَيانِ وإنْ صَحَّ عَطْفُ الِاسْمِ المُشْتَقِّ عَلى الفِعْلِ وعَكْسُهُ
واخْتارَ ابْنُ المُنِيرِ كَوْنَهُ مَعْطُوفًا عَلى (يُخْرِجُ) قالَ: وقَدْ ورَدا جَمِيعًا بِصِيغَةِ المُضارِعِ كَثِيرًا وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُما تَوْأمانِ مُقْتَرِنانِ وهو يُبْعِدُ القِطَعَ، فالوَجْهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنْ يُقالَ: كانَ الأصْلُ أنْ يُؤْتى بِصِيغَةِ اسْمِ
صفحة 227
الفاعِلِ أُسْوَةَ أمْثالِهِ في الآيَةِ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى المُضارِعِ في هَذا الوَصْفِ وحْدَهُ إرادَةً لِتَصَوُّرِ إخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ واسْتِحْضارِهِ في ذِهْنِ السّامِعِ؛ وذَلِكَ إنَّما يَتَأتّى بِالمُضارِعِ دُونَ اسْمِ الفاعِلِ والماضِي ألَمْ تَرَ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ كَيْفَ عَدَلَ عَنِ الماضِي المُطابِقِ لِأنْزَلَ لِذَلِكَ، وقَوْلُهُ: بِأنِّي قَدْ لَقِيتُ الغُولَ يَسْعى يُسْهِبُ كالصَّحِيفَةِ صَحْصَحانِ فَآخُذُهُ وأضْرِبُهُ فَخَرَّتْ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْجِرانِ فَإنَّهُ عَدَلَ فِيهِ إلى المُضارِعِ إرادَةً لِتَصْوِيرِ شَجاعَتِهِ واسْتِحْضارِهِ لِذِهْنِ السّامِعِ إلى ما لا يُحْصى كَثْرَةً، وإنَّما يُنْتَحى فِيما تَكُونُ العِنايَةُ فِيهِ أقْوى، ولا شَكَّ أنَّ إخْراجَ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ أظْهَرُ في القُدْرَةِ مِن عَكْسِهِ وهو أيْضًا أوَّلُ الحالَيْنِ، والنَّظَرُ أوَّلُ ما يَبْدَأُ فِيهِ ثُمَّ القِسْمُ الآخَرُ ثانٍ عَنْهُ فَكانَ الأوَّلُ جَدِيرًا بِالتَّصْوِيرِ والتَّأْكِيدِ في النَّفْسِ ولِذَلِكَ هو مُقَدَّمٌ أبَدًا عَلى القِسْمِ الآخَرِ في الذَّكَرِ حَسَبَ تُرَتُّبِهِما في الواقِعِ، وسَهَّلَ عَطْفَ الِاسْمِ عَلى الفِعْلِ وحَسَّنَهُ أنَّ اسْمَ الفاعِلِ في مَعْنى المُضارِعِ، وكُلٌّ مِنهُما يُقَدَّرُ بِالآخَرِ فَلا جُناحَ في عَطْفِهِ عَلَيْهِ
وقالَ الإمامُ في وجْهِ ذَلِكَ الِاخْتِلافِ: إنَّ لَفْظَ الفِعْلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفاعِلَ مُعْتَنٍ بِالفِعْلِ في كُلٍّ حِينٍ وأوانٍ وأمّا لَفْظُ الِاسْمِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ التَّجَدُّدَ والِاعْتِناءَ بِهِ ساعَةً فَساعَةً، ويُرْشِدُ إلى هَذا ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ في دَلائِلِ الإعْجازِ مِن أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِن السَّماءِ﴾ قَدْ ذُكِرَ فِيهِ الرِّزْقُ بِلَفْظِ الفِعْلِ لِأنَّهُ يُفِيدُ أنَّهُ تَعالى يَرْزُقُهم حالًا فَحالًا وساعَةً فَساعَةً، وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ﴾ قَدْ ذُكِرَ فِيهِ الِاسْمُ لِيُفِيدَ البَقاءَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ يُقالُ: لَمّا كانَ الحَيُّ أشْرَفَ مِنَ المَيِّتِ وجَبَ أنْ يَكُونَ الِاعْتِناءُ بِإخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ أكْثَرَ مِنَ الِاعْتِناءِ بِإخْراجِ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ فَلِذا وقَعَ التَّعْبِيرُ عَنِ القِسْمِ الأوَّلِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ وعَنِ الثّانِي بِصِيغَةِ الِاسْمِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الِاعْتِناءَ بِإيجادِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ أكْثَرُ وأكْمَلُ مِنَ الِاعْتِناءِ بِإيجادِ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ. ثُمَّ العَطْفُ لِاشْتِمالِ الكَلامِ بِهِ عَلى زِيادَةٍ لا يَضُرُّ بِكَوْنِ الجُمْلَةِ بَيانًا لِما تَقَدَّمَ كَما لا يَضُرُّ شُمُولُ الحَيِّ والمَيِّتِ في الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها لِلْحَيَوانِ والنَّباتِ فِيهِ
وأيًّا ما كانَ فَلا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِعُمُومِ المَجازِ أوِ الجَمْعِ بَيْنَ المَجازِ والحَقِيقَةِ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى صِحَّتَهُ إنْ قُلْنا: إنَّ الحَيَّ حَقِيقَةً فِيمَن يَكُونُ مَوْصُوفًا بِالحَياةِ وهي صِفَةٌ تُوجِبُ صِحَّةَ الِادِّراكِ والقُدْرَةَ والمَيِّتَ حَقِيقَةً فِيمَن فارَقَتْهُ تِلْكَ الصِّفَةُ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وأنَّ إطْلاقَهُ عَلى نَحْوِ النَّباتِ والشَّجَرِ الغَضِّ والنَّوى مَجازٌ. وبِهَذا يُشْعِرُ كَلامُ الإمامِ فَإنَّهُ جَعَلَ ما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ المَعْنى يُخْرِجُ النَّباتَ الغَضَّ الطَّرِيَّ مِنَ الحَبِّ اليابِسِ ويُخْرِجُ الحَبَّ اليابِسَ مِنَ النَّباتِ الحَيِّ النّامِي مِنَ الوُجُودِ المَجازِيَّةِ؛ كالمَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ المَعْنى يُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ (ذَلِكُمُ) القادِرُ العَظِيمُ الشَّأْنِ السّاطِعُ البُرْهانِ هو (اللَّهُ) الذّاتُ الواجِبُ الوُجُودِ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾
95
- فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وتُشْرِكُونَ بِهِ مِن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ أصْلًا. وتَمَسَّكَ الصّاحِبُ بْنُ عَبّادٍ بِهَذا عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لَيْسَ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعالى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ خَلَقَ فِيهِ الإفْكَ لَمْ يَلِقْ بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ أنْ يَقُولَ: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ وقَدْ قَدَّمْنا الجَوابَ عَلى ذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، فَتَذَكَّرْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences