Al-AlusiAl‑Mumtahanah · 60:12–13

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Mumtahanah 60:12–13

60:12Page 551

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ يُبَايِعۡنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشۡرِكۡنَ بِٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡرِقۡنَ وَلَا يَزۡنِينَ وَلَا يَقۡتُلۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ وَلَا يَأۡتِينَ بِبُهۡتَٰنٖ يَفۡتَرِينَهُۥ بَيۡنَ أَيۡدِيهِنَّ وَأَرۡجُلِهِنَّ وَلَا يَعۡصِينَكَ فِي مَعۡرُوفٖ فَبَايِعۡهُنَّ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُنَّ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٢

O Prophet, when the believing women come to you pledging to you that they will not associate anything with Allāh, nor will they steal, nor will they commit unlawful sexual intercourse, nor will they kill their children, nor will they bring forth a slander they have invented between their arms and legs,1 nor will they disobey you in what is right - then accept their pledge and ask forgiveness for them of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ﴾

صفحة 80

أيْ مُبايَعاتٍ لَكَ أيْ قاصِداتٍ لِلْمُبايَعَةِ ﴿عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ أوْ شَيْئًا مِنَ الإشْراكِ ﴿ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ أُرِيدَ بِهِ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ: وأْدُ البَناتِ بِالقَرِينَةِ الخارِجِيَّةِ، وإنْ كانَ الأوْلادُ أعَمَّ مِنهُنَّ، وجَوَّزَ إبْقاءَهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّ العَرَبَ كانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ مِن أجْلِ الفَقْرِ والفاقَةِ، وانْظُرْ هَلْ يَجُوزُ حَمْلُ هَذا النَّهْيِ عَلى ما يَعُمُّ ذَلِكَ، وإسْقاطُ الحَمْلِ بَعْدَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والحَسَنُ والسُّلَمِيُّ «ولا يُقَتِّلْنَ» بِالتَّشْدِيدِ ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ .

قالَ الفَرّاءُ: كانَتِ المَرْأةُ في الجاهِلِيَّةِ تَلْتَقِطُ المَوْلُودَ فَتَقُولُ: هَذا ولَدِي مِنكَ فَذَلِكَ البُهْتانُ المُفْتَرى بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ، وذَلِكَ أنَّ الوَلَدَ إذا وضَعَتْهُ الأُمُّ سَقَطَ بَيْنَ يَدَيْها ورِجْلَيْها، وفي الكَشّافِ كُنِّيَ بِالبُهْتانِ المُفْتَرى بَيْنَ يَدَيْها ورِجْلَيْها عَنِ الوَلَدِ الَّذِي تُلْصِقُهُ بِزَوْجِها كَذِبًا لِأنَّ بَطْنَها الَّذِي تَحْمِلُهُ فِيهِ بَيْنَ اليَدَيْنِ وفَرَجِها الَّذِي تَلِدُهُ بِهِ بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ، وقِيلَ: كُنِّيَ بِذَلِكَ عَنِ الوَلَدِ الدَّعِيِّ لِأنَّ اللَّواتِي كُنَّ يُظْهِرْنَ البُطُونَ لِأزْواجِهِنَّ في بَدْءِ الحالِ إنَّما فَعَلْنَ ذَلِكَ امْتِنانًا عَلَيْهِمْ، وكُنَّ يُبْدِينَ في ثانِي الحالِ عِنْدَ الطَّلْقِ حِينَ يَضَعْنَ الحَمْلَ بَيْنَ أرْجُلِهِنَّ أنَّهُنَّ ولَدُنْ لَهم فَنُهِينَ عَنْ ذَلِكَ الَّذِي هو مِن شِعارِ الجاهِلِيَّةِ المُنافِي لِشِعارِ المُسْلِماتِ تَصْوِيرًا لِتَيْنِكِ الحالَتَيْنِ وتَهْجِيَنًا لِما كُنَّ يَفْعَلْنَهُ، وأيًّا ما كانَ فَحَمْلُ الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: مَعْناهُ لا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِنَّ، واليَدُ والرِّجْلُ كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ لِأنَّ مُعْظَمَ الأفْعالِ بِهِما، ولِذا قِيلَ لِلْمُعاقَبِ بِجِنايَةٍ قَوْلِيَّةٍ: هَذا ما كَسَبَتْ يَداكَ، أوْ مَعْناهُ لا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يُنْشِئْنَهُ في ضَمائِرِهِمْ وقُلُوبِهِنَّ، والقَلْبُ مَقَرُّهُ بَيْنَ الأيْدِي والأرْجُلِ، والكَلامُ عَلى الأوَّلِ كِنايَةٌ عَنْ إلْقاءِ البُهْتانِ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِنَّ، وعَلى الثّانِي كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ البُهْتانِ مِن دَخِيلَةِ قُلُوبِهِنَّ المَبْنِيَّةِ عَلى الخُبْثِ الباطِنِيِّ.

وقالَ الخَطّابِيُّ: مَعْناهُ لا يَبْهَتْنَ النّاسَ كِفاحًا ومُواجَهَةً كَما يُقالُ لِلْأمْرِ بِحَضْرَتِكَ: إنَّهُ بَيْنَ يَدَيْكَ، ورُدَّ بِأنَّهم وإنْ كَنَّوْا عَنِ الحاضِرِ بِما ذُكِرَ لَكِنْ لا يُقالُ فِيهِ: هو بَيْنَ رِجْلَيْكَ، وهو وارِدٌ لَوْ ذُكِرَتِ الأرْجُلُ وحْدَها أمّا إذا ذُكِرَتْ مَعَ الأيْدِي تَبَعًا فَلا، والكَلامُ قِيلَ: كِنايَةٌ عَنْ خَرْقِ جِلْبابِ الحَياءِ، والمُرادُ النَّهْيُ عَنِ القَذْفِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الكَذِبُ والغَيْبَةُ، ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ حَمْلُ ذَلِكَ عَلى القَذْفِ، وقِيلَ: بَيْنَ أيْدِيهِنَّ قُبْلَةٌ أوْ جَسَّةٌ وأرْجُلِهِنَّ الجِماعُ، وقِيلَ: بَيْنَ أيْدِيهِنَّ ألْسِنَتُهُنَّ بِالنَّمِيمَةِ، وأرْجُلِهِنَّ فُرُوجُهُنَّ بِالجِماعِ، وهو - وكَذا ما قَبْلَهُ - كَما تَرى.

وقِيلَ: البُهْتانُ السِّحْرُ، ولِلنِّساءِ مَيْلٌ إلَيْهِ جِدًّا فَنُهِينَ عَنْهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ أيْ فِيما تَأْمُرُهُنَّ بِهِ مِن مَعْرُوفٍ وتَنْهاهُنَّ عَنْهُ مِن مُنْكَرٍ، والتَّقْيِيدُ بِالمَعْرُوفِ مَعَ أنَّ الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَأْمُرُ إلّا بِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ طاعَةُ مَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ، ويُرَدُّ بِهِ عَلى مَن زَعَمَ مِنَ الجَهَلَةِ أنَّ طاعَةَ أُولِي الأمْرِ لازِمَةٌ مُطْلَقًا، وخَصَّ بَعْضُهم هَذا المَعْرُوفَ بِتَرْكِ النِّياحَةِ لِما أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ الأنْصارِيَّةِ قالَتِ امْرَأةٌ مِن هَذِهِ النِّسْوَةِ: ما هَذا المَعْرُوفُ الَّذِي لا يَنْبَغِي لَنا أنْ نَعْصِيَكَ فِيهِ ؟ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا تَنُحْنَ»» الحَدِيثَ، ونَحْوُهُ مِنَ الأخْبارِ الظّاهِرَةِ في تَخْصِيصِهِ بِما ذُكِرَ كَثِيرٌ، والحَقُّ العُمُومُ، وما ذُكِرَ في الأخْبارِ مِن بابِ الِاقْتِصارِ عَلى بَعْضِ أفْرادِ العامِّ لِنُكْتَةٍ، ويَشْهَدُ لِلْعُمُومِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسٍ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: هو النَّوْحُ وشَقُّ الجُيُوبِ ووَشْمُ الوُجُوهِ ووَصْلُ الشَّعَرِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أوامِرِ الشَّرِيعَةِ فَرَضَها ونَدَبَها، وتَخْصِيصُ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ بِالذِّكْرِ في حَقِّهِنَّ لِكَثْرَةِ

صفحة 81

وُقُوعِها فِيما بَيْنَهُنَّ مَعَ اخْتِصاصِ بَعْضِها بِهِنَّ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا ﴿فَبايِعْهُنَّ﴾ بِضَمانِ الثَّوابِ عَلى الوَفاءِ بِهَذِهِ الأشْياءِ، وتَقْيِيدُ مُبايَعَتِهِنَّ بِما ذُكِرَ مِن مَجِيئِهِنَّ لِحَثِّهِنَّ عَلى المُسارَعَةِ إلَيْها مَعَ كَمالِ الرَّغْبَةِ فِيها مِن غَيْرِ دَعْوَةٍ لَهُنَّ إلَيْها ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ﴾ زِيادَةً عَلى ما في ضِمْنِ المُبايَعَةِ مِن ضَمانِ الثَّوابِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ مَبالِغٌ جَلَّ شَأْنُهُ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ فَيَغْفِرُ عَزَّ وجَلَّ لَهُنَّ ويَرْحَمُهُنَّ إذا وفَّيْنَ بِما بايَعْنَ عَلَيْهِ وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ - عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ - يَوْمَ الفَتْحِ فَبايَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الرِّجالَ عَلى الصَّفا وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يُبايِعُ النِّساءَ تَحْتَها عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وجاءَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بايَعَ النِّساءَ أيْضًا بِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ.

أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهم «عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيَّةَ قالَتْ: أتَيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِنُبايِعَهُ فَأخَذَ عَلَيْنا ما في القُرْآنِ أنْ لا نُشْرِكَ بِاللَّهِ حَتّى بَلَغَ ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ فَقالَ: «فِيما اسْتَطَعْنَ وأطَقْنَ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أرْحَمُ بِنا مِن أنْفُسِنا يا رَسُولَ اللَّهِ ألا تُصافِحُنا ؟ قالَ: إنِّي لا أُصافِحُ النِّساءَ إنَّما قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأةٍ واحِدَةٍ»» .

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ سَعْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا بايَعَ النِّساءَ وضَعَ عَلى يَدِهِ ثَوْبًا» وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُبايِعُهُنَّ وبَيْنَ يَدَيْهِ وأيْدِيهِنَّ ثَوْبٌ قَطَوِيٌّ، ومَن يُثْبِتُ ذَلِكَ يَقُولُ بِالمُصافَحَةِ وقْتَ المُبايَعَةِ، والأشْهَرُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ أنْ لا مُصافَحَةَ، وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا بايَعَ النِّساءَ دَعا بِقَدَحٍ مِن ماءٍ فَغَمَسَ يَدَهُ فِيهِ ثُمَّ يَغْمِسْنَ أيْدِيَهُنَّ فِيهِ وكَأنَّ هَذا بَدَلُ المُصافَحَةِ» واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ.

والمُبايَعَةُ وقَعَتْ غَيْرَ مَرَّةٍ ووَقَعَتْ في مَكَّةَ بَعْدَ الفَتْحِ وفي المَدِينَةِ ومِمَّنْ بايَعْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في مَكَّةَ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ زَوْجُ أبِي سُفْيانَ، فَفي «حَدِيثِ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ كُنْتُ في النِّسْوَةِ المُبايِعاتِ وكانَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ في النِّساءِ فَقَرَأ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْهِنَّ الآيَةَ فَلَمّا قالَ: ﴿عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ قالَتْ هِنْدٌ: وكَيْفَ نَطْمَعُ أنْ يَقْبَلَ مِنّا ما لَمْ يَقْبَلْهُ مِنَ الرِّجالِ ؟ يَعْنِي أنَّ هَذا بَيِّنٌ لُزُومُهُ فَلَمّا قالَ ﴿ولا يَسْرِقْنَ﴾ قالَتْ: واللَّهِ إنِّي لَأُصِيبُ الهِنَةَ مِن مالِ أبِي سُفْيانَ لا يُدْرى أيَحِلُّ لِي ذَلِكَ ؟ فَقالَ أبُو سُفْيانَ: ما أصَبْتِ مِن شَيْءٍ فِيما مَضى وفِيما غَبَرَ فَهو لَكِ حَلالٌ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَرَفَها فَقالَ لَها: وإنَّكِ لَهِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ ؟ قالَتْ: نَعَمْ فاعْفُ عَمّا سَلَفَ يا نَبِيَّ اللَّهِ عَفا اللَّهُ عَنْكَ، فَقالَ: ﴿ولا يَزْنِينَ﴾ فَقالَتْ: أوَتَزْنِي الحُرَّةُ ؟ تُرِيدُ أنَّ الزِّنا في الإماءِ بِناءً عَلى ما كانَ في الجاهِلِيَّةِ مِن أنَّ الحُرَّةَ لا تَزْنِي غالِبًا وإنَّما يَزْنِي في الغالِبِ الإماءُ، وإنَّما قُيِّدَ بِالغالِبِ لِما قِيلَ: إنَّ ذَواتِ الرّاياتِ كُنَّ حَرائِرَ، فَقالَ: ﴿ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ فَقالَتْ: رَبَّيْناهم صِغارًا وقَتَلْتَهم كِبارًا - تَعْنِي ما كانَ مِن أمْرِ ابْنِها حَنْظَلَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ فَإنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ - فَضَحِكَ عُمَرُ حَتّى اسْتَلْقى وتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ- وفي رِوايَةٍ - أنَّها قالَتْ: قَتَلَتَ الآباءَ وتُوصِينا بِالأوْلادِ ؟ ! فَضَحِكَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقالَ: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ﴾ فَقالَتْ: واللَّهِ إنَّ البُهْتانَ لَأمْرٌ قَبِيحٌ ولا يَأْمُرُ اللَّهُ تَعالى إلّا بِالرُّشْدِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ، فَقالَ: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ فَقالَتْ: واللَّهِ ما جَلَسْنا مَجْلِسَنا هَذا وفي أنْفُسِنا أنَّ نَعْصِيَكَ في شَيْءٍ» وكَأنَّ هَذا مِنها دُونَ غَيْرِها مِنَ النِّساءِ لِمَكانِ أُمِّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مِن رَسُولِ اللَّهِ

صفحة 82

صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ أنَّها حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِجاهِلِيَّةٍ، ويُرْوى أنَّ أوَّلَ مَن بايَعَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ النِّساءِ أُمُّ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ وكَبْشَةُ بِنْتُ رافِعٍ مَعَ نِسْوَةٍ أُخَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ.

60:13Page 551

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ قَدۡ يَئِسُواْ مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلۡكُفَّارُ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡقُبُورِ ١٣

O you who have believed, do not make allies of a people with whom Allāh has become angry. They have despaired of [reward in] the Hereafter just as the disbelievers have despaired of [meeting] the companions [i.e., inhabitants] of the graves.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ زَيْدٍ ومُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ أنَّهُمُ اليَهُودُ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ عَبَّرَ عَنْهم في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ بِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، ورُوِيَ أنَّ قَوْمًا مِن فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ كانُوا يُواصِلُونَ اليَهُودَ لِيُصِيبُوا مِن ثِمارِهِمْ فَنَزَلَتْ، قِيلَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كُفّارُ قُرَيْشٍ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هم عامَّةُ الكَفَرَةِ وهَذِهِ الآيَةُ عَلى ما قالَ الطَّيِّبِيُّ: مُتَّصِلَةٌ بِخاتِمَةِ قِصَّةِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ نُهِيَ المُؤْمِنُونَ عَنِ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [المُمْتَحَنَةَ: 1] وهي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المُمْتَحَنَةَ: 9] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ﴾ إلَخْ مُسْتَطْرَدٌ فَإنَّهُ لَمّا جَرى حَدِيثُ المُعامَلَةِ مَعَ الَّذِينَ لا يُقاتِلُونَ المُسْلِمِينَ والَّذِينَ يُقاتِلُونَهم وقَدْ أخْرَجُوهم مِن دِيارِهِمْ مِنَ الأمْرِ بِمَبَرَّةِ أُولَئِكَ والنَّهْيِ عَنْ مَبَرَّةِ هَؤُلاءِ أتى بِحَدِيثِ المُعامَلَةِ مَعَ نِسائِهِمْ، ولَمّا فَرَغَ مِن ذَلِكَ أوْصَلَ الخاتِمَةَ بِالفاتِحَةِ عَلى مِنوالِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ مِن حَيْثُ المَعْنى، وفي الِانْتِصافِ جَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ نَفْسَها مِن بابِ الِاسْتِطْرادِ وهو ظاهِرٌ عَلى القَوْلِ: بِأنَّ المُرادَ بِالقَوْمِ اليَهُودُ أوْ أهْلُ الكِتابِ مُطْلَقًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ﴾ اسْتِئْنافٌ، والمُرادُ قَدْ يَئِسُوا مِن خَيْرِ الآخِرَةِ وثَوابِها لِعِنادِهِمُ الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَنعُوتَ في كِتابِهِمُ المُؤَيِّدِ بِالآياتِ البَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ الباهِراتِ، وإذا أُرِيدَ بِالقَوْمِ الكَفَرَةُ فَيَأْسُهم مِنَ الآخِرَةِ لِكُفْرِهِمْ بِها.

﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾ أيِ الَّذِينَ هم أصْحابُ القُبُورِ أيِ الكُفّارِ المَوْتى عَلى أنَّ ”مِنَ“ بَيانِيَّةٌ، والمَعْنى أنَّ يَأْسَ هَؤُلاءِ مِنَ الآخِرَةِ كَيَأْسِ الكُفّارِ الَّذِينَ ماتُوا وسَكَنُوا القُبُورَ وتَبَيَّنُوا حِرْمانَهم مِن نَعِيمِها المُقِيمِ، وقِيلَ: كَيَأْسِهِمْ مِن أنْ يَنالَهم خَيْرٌ مِن هَؤُلاءِ الأحْياءِ، والمُرادُ وصْفُهم بِكَمالِ اليَأْسِ مِنَ الآخِرَةِ، وكَوْنُ ”مِن“ بَيانِيَّةً مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ زَيْدٍ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ عَطِيَّةَ وجَماعَةٍ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ كَوْنَها لِابْتِداءِ الغايَةِ، والمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ المَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسُوا مِن مَوْتاهم أنْ يُبْعَثُوا ويَلْقَوْهم في دارِ الدُّنْيا، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ، فالمُرادُ بِالكُفّارِ أُولَئِكَ القَوْمُ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ تَسْجِيلًا لِكُفْرِهِمْ وإشْعارًا بِعِلَّةِ يَأْسِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ أبِي الزِّنادِ كَما يَئِسَ الكافِرُ - بِالإفْرادِ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.

* * *

هَذا «ومِن بابِ الإشارَةِ في بَعْضِ الآياتِ» ما قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ إلَخْ إشارَةٌ لِلسّالِكِ إلى تَرْكِ مُوالاةِ النَّفْسِ الإمارَةِ وإلْقاءِ المَوَدَّةِ إلَيْها فَإنَّها العَدُوُّ الأكْبَرُ كَما قِيلَ: أعْدى أعْدائِكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ، وهي لا تَزالُ كارِهَةً لِلْحَقِّ ومُعارِضَةً لِرَسُولِ العَقْلِ نافِرَةً لَهُ ولا تَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ حَتّى تَكُونَ مُطَمْئِنَةً راضِيَةً مَرْضِيَّةً، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ﴾ إلَخْ إشارَةٌ إلى أنَّهُ مَتى أطاعَتِ النَّفْسُ وأُمِنَ جِماحُها جازَ إعْطاؤُها حُظُوظَها المُباحَةَ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِما رُوِيَ أنَّ ««لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»» وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ﴾ إلَخْ إشارَةٌ إلى مُبايَعَةِ المُرْشِدِ المُرِيدِ الصّادِقِ ذا النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ وذَلِكَ أنْ يُبايِعَهُ عَلى تَرْكِ الِاخْتِيارِ وتَفْوِيضِ الأُمُورِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وأنْ لا يَرْغَبَ فِيما لَيْسَ لَهُ بِأهْلٍ، وأنْ لا يَلِجَ في شَهَواتِ النَّفْسِ، وأنْ لا يَئِدَ الوارِدَ الإلْهامِيَّ تَحْتَ تُرابِ الطَّبِيعَةِ، وأنْ لا يَفْتَرِيَ فَيَزْعُمُ أنَّ الخاطِرَ السَّرِيَّ خاطِرُ

صفحة 83

الرُّوحِ وخاطِرَ الرُّوحِ خاطِرُ الحَقِّ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأنْ لا يَعْصِيَ في مَعْرُوفٍ يُفِيدُهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنْ يَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ في ضِمْنِ المُبالَغَةِ أنْ يَسْتُرَ صِفاتِهِ بِصِفاتِهِ ووُجُودَهُ بِوُجُودِهِ، وحاصِلُهُ أنْ يُطْلَبَ لَهُ البَقاءُ بَعْدَ الفَناءِ وذَلِكَ فَضْلٌ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском