Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Mumtahanah 60:4–8
60:4Page 549
قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ إِلَّا قَوۡلَ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسۡتَغۡفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمۡلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۖ رَّبَّنَا عَلَيۡكَ تَوَكَّلۡنَا وَإِلَيۡكَ أَنَبۡنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٤
There has already been for you an excellent pattern1 in Abraham and those with him, when they said to their people, "Indeed, we are disassociated from you and from whatever you worship other than Allāh. We have denied you, and there has appeared between us and you animosity and hatred forever until you believe in Allāh alone" - except for the saying of Abraham to his father, "I will surely ask forgiveness for you, but I have not [power to do] for you anything against Allāh. Our Lord, upon You we have relied, and to You we have returned, and to You is the destination.
﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ تَأْكِيدٌ لِأمْرِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ والتَّخْطِئَةِ في مُوالاةِ الكُفّارِ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ لِيُعْلَمَ أنَّ الحُبَّ في اللَّهِ تَعالى والبُغْضَ فِيهِ سُبْحانَهُ مِن أوْثَقِ عُرا الإيمانِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُغْفَلَ عَنْهُما، والأُسْوَةُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِها وهُما لُغَتانِ، وبِالكَسْرِ قَرَأ جَمِيعُ القُرّاءِ إلّا عاصِمًا وهي بِمَعْنى الِائْتِساءِ والِاقْتِداءِ، وتُطْلَقُ عَلى الخَصْلَةِ الَّتِي مِن حَقِّها أنْ يُؤْتَسى ويُقْتَدى بِها. وعَلى نَفْسِ الشَّخْصِ المُؤْتَسى بِهِ،
صفحة 70
فَفِي زَيْدٍ أُسْوَةٌ مِن بابِ التَّجْرِيدِ نَحْوَ: ولِلضُّعَفاءِ في الرَّحْمَنِ كافٍ وفي البَيْضَةِ عِشْرُونَ مِنًّا حَدِيدٌ وكُلٌّ مِن ذَلِكَ قِيلَ: مُحْتَمَلٌ في الآيَةِ، ورُجِّحَ إرادَةُ الخَصْلَةِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ الآتِي عَلَيْها أظْهَرُ، ”ولَكم“ لِلْبَيانِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ كَما في سُقْيا لَكَ، أوْ هو مُتَعَلِّقٌ بَكانَ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ تَعَلُّقَ الظَّرْفِ بِها، و”أُسْوَةٌ“ اسْمُها و”حَسَنَةٌ“ صِفَتُهُ، و”في إبْراهِيمَ“ خَبَرُها، أوْ ”لَكم“ هو الخَبَرُ، و”في إبْراهِيمَ“ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ - لِأُسْوَةٍ - أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ - لِكانَ - أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ”لَكم“ عَلى ما قِيلَ، أوْ في ”حَسَنَةٌ“ ولَمْ يُجَوَّزْ كَوْنُهُ صِلَةَ ”أُسْوَةٌ“ بِناءً عَلى أنَّها مَصْدَرٌ، أوِ اسْمُهُ وهو إذا وُصِفَ لا يَعْمَلُ مُطْلَقًا لِضَعْفِ شَبَهِهِ بِالفِعْلِ، قِيلَ: وإذا قُلْنا: إنَّها لَيْسَتْ مَصْدَرًا ولا اسْمَهُ، أوْ قُلْنا: إنَّهُ يُغْتَفَرُ عَمَلُهُ وإنْ وُصِفَ قَبْلَ العَمَلِ في الظَّرْفِ لِلِاتِّساعِ فِيهِ جازَ ذَلِكَ.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ - بِالَّذِينَ مَعَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ أتْباعُهُ المُؤْمِنُونَ لَكِنْ قالَ الطَّبَرِيُّ وجَماعَةٌ: المُرادُ بِهِمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ كانُوا قَرِيبًا مِن عَصْرِهِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وقْتَ مُكافَحَتِهِ قَوْمَهُ وبَراءَتِهِ مِنهم أتْباعٌ مُؤْمِنُونَ كافَحُوهم مَعَهُ وتَبَرَّؤُوا مِنهم، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ قالَ لِسارَةَ حِينَ رَحَلَ إلى الشّامِ مُهاجِرًا مِن بَلَدِ نَمْرُوذَ: ما عَلى الأرْضِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى غَيْرِي وغَيْرُكِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ وُجُودُ الأتْباعِ المُؤْمِنِينَ في أوَّلِ وقْتِ المُكافَحَةِ بَلِ اللّازِمُ وُجُودُهم ولَوْ بَعْدُ، ولا شَكَّ في أنَّهم وُجِدُوا بَعْدُ فَلْيُحْمَلْ مَن مَعَهُ عَلَيْهِمْ، ويَكُونُ التَّبَرِّي المَحْكِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ﴾ إلَخْ وقْتَ وُجُودِهِمْ، ”وإذْ“ قِيلَ: ظَرْفٌ لِخَبَرِ ﴿كانَتْ﴾ والعامِلُ الجارُّ والمَجْرُورُ أوِ المُتَعَلِّقُ، أوْ - لِكانَ - نَفْسِها عَلى ما مَرَّ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿أُسْوَةٌ﴾ و﴿بُرَآءُ﴾ جَمْعُ بَرِيءٍ كَظَرِيفٍ وظُرَفاءَ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ «بِراءٌ» كَظِرافٍ جَمْعُ ظَرِيفٍ أيْضًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ «بُراءٌ» بِضَمِّ الباءِ كَتُؤامٍ وظُؤارٍ، وهو اسْمُ جَمْعٍ الواحِدُ بَرِيءٌ وتُوامٌ وظِئْرٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ ذَلِكَ عَلى إبْدالِ الضَّمِّ مِنَ الكَسْرِ كَرُخالٍ بِضَمِّ الرّاءِ جَمْعُ رَخِلٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ ضَمٌّ أصْلِيٌّ، والصِّيغَةُ مِن أوْزانِ أسْماءِ الجُمُوعِ، ولَيْسَ ذَلِكَ جَمْعَ تَكْسِيرٍ فَتَكُونُ الضَّمَّةُ بَدَلًا مِنَ الكَسْرَةِ ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عِيسى، قالَ أبُو حاتِمٍ: زَعَمُوا أنَّهُ عِيسى الهَمْدانِيُّ وعَنْهُ «بَراءٌ» عَلى فَعالٍ كالَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ في [الزُّخْرُفِ: 26]، وهو مَصْدَرٌ عَلى فَعالٍ يُوصَفُ بِهِ المُفْرَدُ وغَيْرُهُ، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِها، أوْ لِأنَّ قَوْمَهُمُ المُشْرِكُونَ مُسْتَبْعِدُونَ ذَلِكَ شاكُّونَ فِيهِ حَيْثُ يَحْسَبُونَ أنْفُسَهم عَلى شَيْءٍ وكَأنَّهُمُ اسْتَشْعَرُوا ذَلِكَ مِنهم فَقالُوا لَهم: ﴿إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ﴾ .
﴿ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الأصْنامِ والكَواكِبِ وغَيْرِها ﴿كَفَرْنا بِكُمْ﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا بُرَآءُ﴾ إلى آخِرِهِ فَهو عَلى مَعْنى كَفَرْنا بِكم وبِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، ويَكُونُ المُرادُ ﴿بِكُمْ﴾ القَوْمَ ومَعْبُودِيهِمْ بِتَغْلِيبِ المُخاطَبِينَ، والكُفْرُ بِذَلِكَ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الِاعْتِدادِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنّا لا نَعْتَدُّ بِشَأْنِكم ولا بِشَأْنِ آلِهَتِكم وما أنْتُمْ عِنْدَنا عَلى شَيْءٍ.
وفِي الكَشْفِ أنَّ الأصْلَ كَفَرْنا بِما تَعْبُدُونَ ثُمَّ كَفَرْنا بِكم وبِما تَعْبُدُونَ لِأنَّ مَن كَفَرَ بِما أتى بِهِ الشَّخْصُ فَقَدْ كَفَرَ بِهِ، ثُمَّ اكْتَفى - بِكُفْرِنا بِكم - لَتَضَمُّنِهِ الكُفْرَ بِجَمِيعِ ما أتَوْا بِهِ وما تَلَبَّسُوا بِهِ لا سِيَّما وقَدْ تَقَدَّمَهُ ﴿إنّا بُرَآءُ﴾ فُسِّرَ بِأنّا لا نَعْتَدُّ إلَخْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَهَكُّمٌ بِهِمْ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُسَمّى كُفْرًا لُغَةً وعُرْفًا وإنَّما هو اسْمٌ يَقَعُ عَلى أدْخَلِ الأشْياءِ في الِاسْتِهْجانِ والذَّمِّ، وما ذَكَرْناهُ أقْرَبُ، وهو مَعْنى ما في الكَشّافِ دُونَهُ، وأمّا ما قِيلَ: إنَّ في الكَلامِ مَعْطُوفًا
صفحة 71
عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ مَحْذُوفًا أيْ بِكم وبِما تَعْبُدُونَ، وحُذِفَ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ السِّياقِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا﴾ أيْ هَذا دَأْبُنا مَعَكم لا نَتْرُكُهُ ﴿حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ وتَتْرُكُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ فَتَنْقَلِبُ العَداوَةُ وِلايَةً والبَغْضاءُ مَحَبَّةً، وفَسَّرَ الفَيْرُوزابادِي ﴿البَغْضاءُ﴾ بِشِدَّةِ البُغْضِ ضِدَّ الحُبِّ، وأفادَ أنَّ العَداوَةَ ضِدُّ الصَّداقَةِ، وفَسَّرَ الصَّداقَةَ بِالمَحَبَّةِ، فالعَداوَةُ والبَغْضاءُ عَلى هَذا مُتَقارِبانِ، وأفادَ الرّاغِبُ أنَّ العَداوَةَ مُنافاةُ الِالتِئامِ قَلْبًا، وقالَ: البُغْضُ نِفارُ النَّفْسِ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي تَرْغَبُ عَنْهُ وهو ضِدُّ الحُبِّ، ثُمَّ قالَ: يُقالُ: بَغَضَ الشَّيْءَ بُغْضًا وبَغْضَةً وبَغْضاءَ، وهو نَحْوُ كَلامِ الفَيْرُوزابادِي، والَّذِي يُفْهَمُ مِن كَلامِ غَيْرِ واحِدٍ أنَّهُ كَثِيرًا ما يُعْتَبَرُ في العَداوَةِ التَّخاذُلُ دُونَ البَغْضاءِ فَلْيُراجَعْ هَذا المَطْلَبُ.
﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ كَما قالَهُ قَتادَةُ. وجَماعَةٌ وهو عَلى تَقْدِيرِ التَّجْرِيدِ أوْ تَفْسِيرًا - لِأُسْوَةٍ - بِالِاقْتِداءِ مُنْقَطِعٌ بِلا رَيْبٍ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِها ما يُؤْتَسى بِهِ فَقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ وقِيلَ: مُنْقَطِعٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الأكْثَرُ، وتَوْجِيهُ الِاسْتِثْناءِ إلى العِدَةِ بِالِاسْتِغْفارِ لا إلى نَفْسِ الِاسْتِغْفارِ المَحْكِيِّ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واغْفِرْ لأبِي﴾ [الشُّعَراءَ: 86] الآيَةَ مَعَ أنَّهُ المُرادُ قِيلَ: لِأنَّها كانَتْ هي الحامِلَةُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ، ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ اسْتِثْناءُ نَفْسِ الِاسْتِغْفارِ بِطَرِيقِ الأوْلى، وجَعَلَها بَعْضُهم كِنايَةً عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِأنَّ عِدَةَ الكَرِيمِ خُصُوصًا مِثْلَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا سِيَّما إذا أُكِّدَتْ بِالقَسَمِ يُلازِمُها الإنْجازُ ولَيْسَ بِلازِمٍ كَما لا يَخْفى، وكَأنَّ هَذِهِ العِدَةَ غَيْرُ العِدَةِ السّابِقَةِ في سُورَةِ [مَرْيَمَ: 47] في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ الآيَةَ ولَعَلَّها وقَعَتْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ تِلْكَ تَأْكِيدًا لَها وحُكِيَتْ ها هُنا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِثْناءِ.
وفِي الإرْشادِ تَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ دُونَ ما وقَعَ في سُورَةِ مَرْيَمَ لِوُرُودِها عَلى طَرِيقِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ، واسْتِثْناءُ ذَلِكَ في الأُسْوَةِ الحَسَنَةِ قِيلَ: لِأنَّ اسْتِغْفارَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأبِيهِ الكافِرِ بِمَعْنى أنْ يُوَفِّقَهُ اللَّهُ تَعالى لِلتَّوْبَةِ ويَهْدِيَهُ سُبْحانَهُ لِلْإيمانِ وإنْ كانَ جائِزًا عَقْلًا وشَرْعًا لِوُقُوعِهِ قَبْلَ تَبَيُّنِ أنَّهُ مِن أصْحابِ الجَحِيمِ وأنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ ما في سُورَةِ التَّوْبَةِ لَكِنَّهُ لَيْسَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُؤْتَسى بِهِ أصْلًا إذِ المُرادُ بِهِ ما يَجِبُ الِائْتِساءُ بِهِ حَتْمًا لِوُرُودِ الوَعِيدِ عَلى الإعْراضِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ: ﴿ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ فاسْتِثْناؤُهُ عَمّا سَبَقَ إنَّما يُفِيدُ عَدَمَ وُجُوبِ اسْتِدْعاءِ الإيمانِ والمَغْفِرَةِ لِلْكافِرِ المَرْجُوِّ إيمانُهُ، وذَلِكَ مِمّا لا يَرْتابُ فِيهِ عاقِلٌ، وأمّا عَدَمُ جَوازِهِ فَلا دَلالَةَ لِلِاسْتِثْناءِ عَلَيْهِ قَطْعًا، وزَعَمَ الإمامُ عَلِيٍّ ما نُقِلَ عَنْهُ دَلالَةَ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِغْفارُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعْصِيَةً لِأنَّ كَثِيرًا مِن خَواصِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَجُوزُ التَّأسِّي بِهِ لِأنَّهُ أُبِيحَ لَهم خاصَّةً وهو كَما تَرى إذْ هو ظاهِرٌ في أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارَ الَّذِي وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ فُرِضَ واقِعًا مِن غَيْرِهِ لَكانَ مَعْصِيَةً ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هو مُباحٌ مِمَّنْ وقَعَ.
وعَنِ الطَّيِّبِيِّ ما حاصِلُهُ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أجابَ قَوْلَ أبِيهِ: ﴿لأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: 46] بِقَوْلِهِ: ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ رَحْمَةً ورَأْفَةً بِهِ، ولَمْ يَكُنْ عارِفًا بِإصْرارِهِ عَلى الكُفْرِ وفّى بِوَعْدِهِ، وقالَ: ﴿واغْفِرْ لأبِي﴾ فَلَمّا تَبَيَّنَ إصْرارَهُ تَرَكَ الدُّعاءَ وتَبَرَّأ مِنهُ، فَظَهَرَ أنَّ اسْتِغْفارَهُ لَمْ يَكُنْ مُنْكَرًا، وهو في حَياتِهِ بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ فَإنَّهُ فَصَّلَ عَداوَتَهم وحِرْصَهم عَلى قَطْعِ أرْحامِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ﴾ إلَخْ وسَلّاهم عَنِ القَطِيعَةِ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ اسْتَثْنى مِنها ما ذُكِرَ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تُجامِلُوهم ولا تُبْدُوا لَهُمُ الرَّأْفَةَ كَما فَعَلَ إبْراهِيمُ لِأنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ
صفحة 72
لَهُ كَما تَبَيَّنَ لَكُمُ. انْتَهى، وفِيهِ رَمْزٌ إلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُسْتَثْنى نَفْسَ العِدَةِ مِن حَيْثُ دَلالَتِها عَلى الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، ومَآلُ ذَلِكَ اسْتِثْناءُ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، وعَلَّلَ بَعْضُ الأجِلَّةِ عَدَمَ كَوْنِ اسْتِغْفارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأبِيهِ الكافِرِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُؤْتَسى بِهِ بِأنَّهُ كانَ قَبْلَ النَّهْيِ أوْ لِمَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ وتُعُقِّبَ الثّانِي بِأنَّ الوَعْدَ بِالمَحْظُورِ لا يَرْفَعُ حَظْرَهُ، والأوَّلُ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَناوُلِ النَّهْيِ لِاسْتِغْفارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ مَعَ أنَّ النَّهْيَ إنَّما ورَدَ في شَأْنِ الِاسْتِغْفارِ بَعْدَ تَبَيُّنِ الأمْرِ، وقَدْ كانَ اسْتِغْفارُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَهُ، ومُنْبِئٌ عَنْ كَوْنِ الِاسْتِغْفارِ مُؤْتَسى بِهِ لَوْ لَمْ يُنْهَ عَنْهُ مَعَ أنَّ ما يُؤْتَسى بِهِ ما يَجِبُ الِائْتِساءُ بِهِ لا ما يَجُوزُ فِعْلُهُ في الجُمْلَةِ، وأُجِيبَ بِما لا يَرْفَعُ القالَ والقِيلَ فالأوْلى التَّعْلِيلُ بِما سَبَقَ.
واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن مُضافٍ لِإبْراهِيمَ مُقَدَّرٌ في نَظْمِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أيْ لَقَدْ كانَ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في مَقالاتِ إبْراهِيمَ ومُحاوَراتِهِ لِقَوْمِهِ ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ﴾ إلَخْ، وجَزَمَ بِاتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ عَلَيْهِ، وكَذا جَزَمَ الطَّيِّبِيُّ بِاتِّصالِهِ عَلى قَوْلِ البَغْوِيِّ أيْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ وأُمُورِهِ إلّا في اسْتِغْفارِهِ لِأبِيهِ المُشْرِكِ، ولا يَخْفى أنَّ التَّقْدِيرَ خِلافُ الظّاهِرِ، ومَتى ارْتُكِبَ فالأوْلى تَقْدِيرُ أُمُورٍ، بَقِيَ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى مَنعِ التَّأسِّي بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الِاسْتِغْفارِ لِلْكافِرِ الحَيِّ مَعَ أنَّهُ بِالمَعْنى السّابِقِ أعْنِي طَلَبَ الإيمانِ لَهُ لا مَنعَ عَنْهُ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ إنَّما مُنِعَ مِنَ التَّأسِّي بِظاهِرِهِ وظُنَّ أنَّهُ جائِزٌ مُطْلَقًا كَما وقَعَ لِبَعْضِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وفِيهِ أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ دَلالَةَ الآيَةِ عَلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ لَيْسَ مِمّا يَجِبُ الِائْتِساءُ بِهِ حَتْمًا لا عَلى مَنعِهِ وحُرْمَتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ تَبَيُّنَ كَوْنِ أبِيهِ مِن أصْحابِ الجَحِيمِ الَّذِي كانَ الِاسْتِغْفارُ قَبْلَهُ كانَ في الدُّنْيا وكَذا التَّبَرِّي مِنهُ بَعْدَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ التَّوْبَةِ قَوْلٌ: بِكَوْنِ ذَلِكَ في الآخِرَةِ لِدَلالَةِ ظَواهِرِ بَعْضِ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ عَلَيْهِ فَإنَّها دالَّةٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَشْفَعُ لِأبِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهي اسْتِغْفارٌ أيِ اسْتِغْفارٌ فِيهِ، ولَوْ كانَ تَبَيَّنَ أنَّهُ يَمُوتُ كافِرًا في الدُّنْيا لَمْ يَكُنْ لِيَشْفَعَ، ويَطْلُبَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ المَغْفِرَةَ لَهُ ضَرُورَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عالِمٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ، وإنْكارُ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يُقْدِمُ عَلَيْهِ عاقِلٌ، والذّاهِبُونَ إلى أنَّ التَّبَيُّنَ كانَ في الدُّنْيا كَما عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ - وهو الصَّحِيحُ الَّذِي أجْزِمُ بِهِ اليَوْمَ - أشْكَلَتْ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الظَّواهِرُ مِن حَيْثُ دَلالَتِها عَلى الشَّفاعَةِ الَّتِي هي في ذَلِكَ اليَوْمِ اسْتِغْفارٌ، وأتْهَمُوا وأنْجَدُوا في الجَوابِ عَنْها، وقَدْ تَقَدَّمَ جَمِيعُ ما وجَدْتُهُ لَهم فارْجِعْ إلَيْهِ واخْتَرْ لِنَفْسِكَ ما يَحْلُو.
ثُمَّ إنِّي أقُولُ الَّذِي يَغْلِبُ عَلى ظَنِّي أنَّ الِاسْتِغْفارَ الَّذِي كانَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ التَّبَيُّنِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ لا بِمَعْنى التَّوْفِيقِ لِلْإيمانِ، والآياتُ الَّتِي في سُورَةِ التَّوْبَةِ وما ورَدَ في سَبَبِ نُزُولِها تُؤَيِّدُ ظَواهِرُها ذَلِكَ.
وألْتَزِمَ أنَّ امْتِناعَ جَوازِ الِاسْتِغْفارِ إنَّما عُلِمَ بِالوَحْيِ لا بِالعَقْلِ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ تَعالى لِلْكافِرِ وهو سُبْحانَهُ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ إذِ اسْتَغْفَرَ عالِمًا بِالوَحْيِ امْتِناعُهُ، ومَعْنى الآيَةِ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - إنَّ لَكُمُ الِاقْتِداءَ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ والَّذِينَ مَعَهُ في البَراءَةِ مِنَ الكَفَرَةِ لَكِنَّ اسْتِغْفارَهُ لِلْكافِرِ لَيْسَ لَكُمُ الِاقْتِداءُ بِهِ فِيهِ وما لَهُ يَجِبُ عَلَيْكُمُ البَراءَةُ ويَحْرُمُ عَلَيْكُمُ الِاسْتِغْفارُ وإبْداءُ الرَّأْفَةِ، فَلَيْسَ لَكُمُ الَّذِي اعْتَبَرْناهُ في الِاسْتِثْناءِ مِن بابِ قَوْلِهِ تَعالى: ما ﴿كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التَّوْبَةَ: 113] إلَخْ، ودَلالَةُ ذَلِكَ عَلى المَنعِ ظاهِرَةٌ فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ما قَدَّمْناهُ، ووَراءَهُ كَلامٌ مَبْنِيٌّ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: لَيْسَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ قَضاءٌ مُبْرَمٌ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ القُطْبِ الشَّيْخِ عَبْدِ القادِرِ الكِيلانِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ، وشَيَّدَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أرْكانَهُ في رِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بَسَطَ فِيها الأدِلَّةَ عَلى ذَلِكَ لَكِنَّها لا تَخْلُو عَنْ بَحْثٍ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنَ شَيْءٍ﴾ مِن تَمامِ القَوْلِ المُسْتَثْنى مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿لأسْتَغْفِرَنَّ﴾ ومَوْرِدُ الِاسْتِثْناءِ نَفْسُ الِاسْتِغْفارِ لا قَيْدُهُ فَإنَّهُ في نَفْسِهِ
صفحة 73
مِن خِصالِ الخَيْرِ لِكَوْنِهِ إظْهارًا لِلْعَجْزِ وتَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى اللَّهِ تَعالى، فالكَلامُ مِن قَبِيلِ ما رَجَعَ فِيهِ النَّفْيُ لِلْمُقَيَّدِ دُونَ القَيْدِ.
وفِي الكَشْفِ أنَّهُ وإنْ كانَ في نَفْسِهِ كَلامًا مُطابِقًا لِلْواقِعِ حَسَنًا أنْ يُجْعَلَ أُسْوَةً إلّا أنَّهُ شَفَعَ بِقَوْلِهِ: ﴿لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ تَحْقِيقًا لِلْوَعْدِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وما في طاقَتِي إلّا هَذا فَهو مَبْذُولٌ لا مَحالَةَ، وفِيهِ أنَّهُ لَوْ مَلَكَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ لَفَعَلَ، وعَلى هَذا فَهو حَقِيقٌ بِالِاسْتِثْناءِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ إلى آخِرِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مُتَّصِلَةٌ مَعْنًى بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ عَلى أنَّها بَيانٌ لِحالِهِمْ في المُجاهَدَةِ لِأعْداءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وقَشْرِ العَصا، ثُمَّ اللَّجَأِ إلى اللَّهِ تَعالى في كِفايَةِ شَرِّهِمْ وأنَّ تِلْكَ مِنهم لَهُ عَزَّ وجَلَّ لا لِحَظِّ نَفْسِي، وقِيلَ: اتِّصالُها بِما تَقَدَّمَ لَفْظِيٌّ عَلى أنَّها بِتَقْدِيرِ قَوْلِهِ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ﴾ أيْ وقالُوا: رَبَّنا إلَخْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى قُولُوا رَبَّنا أمْرًا مِنهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَقُولُوهُ، وتَعْلِيمًا مِنهُ عَزَّ وجَلَّ لَهم وتَتْمِيمًا لِما وصّاهم سُبْحانَهُ بِهِ مِن قَطْعِ العَلائِقِ بَيْنَهم وبَيْنَ الكُفّارِ والِائْتِساءِ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ في البَراءَةِ مِنهم وتَنْبِيهًا عَلى الإنابَةِ إلى اللَّهِ تَعالى والِاسْتِعاذَةِ بِهِ مِن فِتْنَةِ أهْلِ الكُفْرِ والِاسْتِغْفارِ مِمّا فَرَطَ مِنهم وهو كَما قِيلَ: وجْهٌ حَسَنٌ لا يَأْباهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ، وفِيهِ شَمَّةٌ مِن أُسْلُوبِ ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النِّساءَ: 171] لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا حَثَّهم عَلى الِائْتِساءِ بِمَن سَمِعْتَ في الِانْتِهاءِ عَنِ الكُفْرِ ومُوالاةِ أهْلِهِ، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ ما يَدُلُّ عَلى اللَّجَأِ إلَيْهِ تَعالى يَكُونُ في المَعْنى نَهْيًا عَنِ الأوَّلِ وأمْرًا بِالثّانِي.
وجَعَلَ بَعْضُهُمُ القَوْلَ عَلى هَذا الوَجْهِ مَعْطُوفًا عَلى ”لا تَتَّخِذُوا“ أيْ وقُولُوا رَبَّنا إلَخْ، وأيًّا ما كانَ فَتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ لِلْقَصْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا لا عَلى غَيْرِكَ وإلَيْكَ أنَبْنا لا إلى غَيْرِكَ وإلَيْكَ المَصِيرُ لا إلى غَيْرِكَ
60:5Page 549
رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٥
Our Lord, make us not [objects of] torment for the disbelievers and forgive us, our Lord. Indeed, it is You who is the Exalted in Might, the Wise."
﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَسُبُّونَنا ويُعَذِّبُونَنا - قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - فالفِتْنَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْتُونِ أيِ المُعَذَّبِ مِن فَتَنَ الفِضَّةَ إذا أذابَها فَكَأنَّهُ قِيلَ: رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مُعَذَّبِينَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وقالَ مُجاهِدٌ: أيْ لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ، أوْ بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ فَيَظُنُّوا أنَّهم مُحِقُّونَ وأنّا مُبْطِلُونَ فَيُفْتَنُوا لِذَلِكَ.
وقالَ قَرِيبًا مِنهُ قَتادَةُ وأبُو مِجْلَزٍ، والأوَّلُ أرْجَحُ، ولَمْ تُعْطَفْ هَذِهِ الجُمْلَةُ الدُّعائِيَّةُ عَلى الَّتِي قَبْلَها سُلُوكًا بِهِما مَسْلَكَ الجُمَلِ المَعْدُودَةِ، وكَذا الجُمْلَةُ الآتِيَةُ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ بَدَلٌ مِمّا قَبْلَها، ورُدَّ بِعَدَمِ اتِّحادِ المَعْنَيَيْنِ كُلًّا وجُزْءًا ولا مُناسَبَةَ بَيْنَهُما سِوى الدُّعاءِ ﴿واغْفِرْ لَنا﴾ ما فَرَطَ مِنّا ﴿رَبَّنا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾ الغالِبُ الَّذِي لا يُذِلُّ مَنِ التَجَأ إلَيْهِ ولا يُخَيِّبُ رَجاءَ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا ما فِيهِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ
60:6Page 550
لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٦
There has certainly been for you in them an excellent pattern for anyone whose hope is in Allāh and the Last Day. And whoever turns away - then indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.
﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ﴾ أيْ في إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الكَلامُ فِيهِ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ أيْ ثَوابَهُ تَعالى أوْ لِقاءَهُ سُبْحانَهُ ونَعِيمَ الآخِرَةِ أوْ أيّامَ اللَّهِ تَعالى واليَوْمَ الآخِرَ خُصُوصًا، والرَّجاءُ يَحْتَمِلُ الأمَلَ والخَوْفَ صِلَةً - لِحَسَنَةٍ - أوْ صِفَةً، وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَدَلًا مِن ”لَكم“ بِناءً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأخْفَشُ مِن جَوازِ أنْ يُبْدَلَ الظّاهِرُ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ - وكَذا مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ - بَدَلَ الكُلِّ كَما يَجُوزُ أنْ يُبْدَلَ مِن ضَمِيرِ الغائِبِ، وأنْ يُبْدَلَ مِنَ الكُلِّ بَدَلَ البَعْضِ وبَدَلَ الِاشْتِمالِ وبَدَلَ الغَلَطِ.
ونُقِلَ جَوازُ ذَلِكَ الإبْدالِ عَنْ سِيبَوَيْهِ أيْضًا، والجُمْهُورُ عَلى مَنعِهِ وتَخْصِيصُ الجَوازِ بِبَدَلِ البَعْضِ والِاشْتِمالِ والغَلَطِ.
صفحة 74
وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّهُ لا خِلافَ في جَوازِ أنْ يُبْدَلَ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ بَدَلَ الكُلِّ فِيما يُفِيدُ إحاطَةً كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائِدَةَ: 114] وجُعِلَ ما هُنا مِن ذَلِكَ وفِيهِ خَفاءٌ، وجُمْلَةُ ﴿لَقَدْ كانَ﴾ إلَخْ قِيلَ: تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ المُبالَغَةِ في الحَثِّ عَلى الِائْتِساءِ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ، ولِذَلِكَ صُدِّرَتْ بِالقَسَمِ وهو عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ: إنْ لَمْ يُنْظَرْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالُوا﴾ فَإنَّهُ قَيْدٌ مُخَصَّصٌ فَإنْ نُظِرَ لَهُ كانَ ذَلِكَ تَعْمِيمًا بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ الطَّيِّبِيِّ في تَحْقِيقِ أمْرِ هَذا التَّكْرِيرِ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذا مُقَيَّدٌ بِنَحْوِ ما تَقَدَّمَ كَأنَّهُ قِيلَ: لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ إذْ قالُوا إلَخْ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
﴿لِمَن كانَ﴾ إلَخْ إشارَةٌ إلى أنَّ مَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ تَعالى واليَوْمَ الآخِرَ لا يَتْرُكُ الِاقْتِداءَ بِهِمْ وإنَّ تَرْكَهُ مِن مَخايِلِ عَدَمِ رَجاءِ اللَّهِ سُبْحانَهُ واليَوْمِ الآخِرِ الَّذِي هو مِن شَأْنِ الكَفَرَةِ بَلْ مِمّا يُؤْذِنُ بِالكُفْرِ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ فَإنَّهُ مِمّا يُوعَدُ بِأمْثالِهِ الكَفَرَةُ.
60:7Page 550
۞ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجۡعَلَ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ عَادَيۡتُم مِّنۡهُم مَّوَدَّةٗۚ وَٱللَّهُ قَدِيرٞۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧
Perhaps Allāh will put, between you and those to whom you have been enemies among them, affection. And Allāh is competent,1 and Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهُمْ﴾ أيْ مِن أقارِبِكُمُ المُشْرِكِينَ ﴿مَوَدَّةً﴾ بِأنْ يُوافِقَكم في الدِّينِ، وعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ لَمّا رَأى مِنهُمُ التَّصَلُّبَ في الدِّينِ والتَّشَدُّدَ في مُعاداةِ آبائِهِمْ وأبْنائِهِمْ وسائِرِ أقْرِبائِهِمْ ومُقاطَعَتِهِمْ إيّاهم بِالكُلِّيَّةِ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ، ولَقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وعْدَهُ الكَرِيمَ حِينَ أتاحَ لَهُمُ الفَتْحَ فَأسْلَمَ قَوْمُهم فَتَمَّ بَيْنَهم مِنَ التَّحابِّ والتَّصافِي ما تَمَّ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ أبُو سُفْيانَ وأضْرابُهُ مِن مَسْلَمَةِ الفَتْحِ مِن أقارِبِهِمُ المُشْرِكِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: كانَتِ المَوَدَّةُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهم تَزَوُّجَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أبِي سُفْيانَ فَصارَتْ أُمَّ المُؤْمِنِينَ وصارَ مُعاوِيَةُ خالَ المُؤْمِنِينَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَزَوُّجَها كانَ وقْتَ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ، ونُزُولُ هَذِهِ الآياتِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ فَما ذُكِرَ لا يَكادُ يَصِحُّ بِظاهِرِهِ، وفي ثُبُوتِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَقالٌ ﴿واللَّهُ قَدِيرٌ﴾ مُبالِغٌ في القُدْرَةِ فَيَقْدِرُ سُبْحانَهُ عَلى تَقْلِيبِ القُلُوبِ وتَغْيِيرِ الأحْوالِ وتَسْهِيلِ أسْبابِ المَوَدَّةِ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ فَيَغْفِرُ جَلَّ شَأْنُهُ لِما فَرَطَ مِنكم في مُوالاتِهِمْ ﴿رَحِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في الرَّحْمَةِ فَيَرْحَمُكم عَزَّ وجَلَّ بِضَمِّ الشَّمْلِ واسْتِحالَةِ الخِيانَةِ ثِقَةً وانْقِلابِ المَقْتِ مِقَةً، وقِيلَ: يَغْفِرُ سُبْحانَهُ لِمَن أسْلَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ ويَرْحَمُهم، والأوَّلُ أفْيَدُ وأنْسَبُ بِالمَقامِ.
60:8Page 550
لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٨
Allāh does not forbid you from those who do not fight you because of religion and do not expel you from your homes - from being righteous toward them and acting justly toward them. Indeed, Allāh loves those who act justly.
﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ أيْ لا يَنْهاكم سُبْحانَهُ وتَعالى عَنِ البِرِّ بِهَؤُلاءِ كَما يَقْتَضِيهِ كَوْنُ ﴿أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِنَ المَوْصُولِ ﴿وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ أيْ تُفْضُوا إلَيْهِمْ بِالقِسْطِ أيِ العَدْلِ، فالفِعْلُ مُضَمَّنٌ مَعْنى الإفْضاءِ ولِذا عُدِّيَ بِإلى ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ أيِ العادِلِينَ.
أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ «عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَتْ: أتَتْنِي أُمِّي راغِبَةً وهي مُشْرِكَةٌ في عَهْدِ قُرَيْشٍ إذْ عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أأصْلُها ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ﴾ إلَخْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ»» وفي رِوايَةِ الإمامِ أحْمَدَ وجَماعَةٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: «قَدِمَتْ قَتِيلَةُ بِنْتُ عَبْدِ العُزّى عَلى ابْنَتِها أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ بِهَدايا.
صفحة 75
صِنابٍ وأقِطٍ وسَمْنٍ وهي مُشْرِكَةٌ فَأبَتْ أسْماءُ أنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَها أوْ تُدْخِلَها بَيْتَها حَتّى أرْسَلَتْ إلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنْ تَسْألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ هَذا فَسَألَتْهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ فَأمَرَها أنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَها وتُدْخِلَها بَيْتَها» .
وقَتِيلَةُ هَذِهِ - عَلى ما في التَّحْرِيرِ - كانَتِ امْرَأةَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَطَلَّقَها في الجاهِلِيَّةِ وهي أُمُّ أسْماءَ حَقِيقَةً، وعَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّها خالَتُها وسَمَّتْها أُمّا مَجازًا، والأوَّلُ هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وقالَ الحَسَنُ وأبُو صالِحٍ: نَزَلَتِ الآيَةُ في خُزاعَةَ وبَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ وكِنانَةَ ومُزَيْنَةَ وقَبائِلَ مِنَ العَرَبِ كانُوا صالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى أنْ لا يُقاتِلُوهُ ولا يُعِينُوا عَلَيْهِ، وقالَ قُرَّةُ الهَمْدانِيُّ وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن بَنِي هاشِمٍ مِنهُمُ العَبّاسُ.
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ في النِّساءِ والصِّبْيانِ مِنَ الكَفَرَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: في قَوْمٍ بِمَكَّةَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا فَكانَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ يَتَحَرَّجُونَ مِن بِرِّهِمْ لِتَرْكِهِمْ فَرْضَ الهِجْرَةِ، وقِيلَ: في مُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِها أقامُوا بَيْنَ الكَفَرَةِ وتَرَكُوا الهِجْرَةَ - أيْ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْها -وقالَ النَّحّاسُ والثَّعْلَبِيُّ: نَزَلَتْ في المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَطِيعُوا الهِجْرَةَ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها في كَفَرَةٍ اتَّصَفُوا بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وعَلى ذَلِكَ قالَ الكَيا: فِيها دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّصَدُّقِ عَلى أهْلِ الذِّمَّةِ دُونَ أهْلِ الحَرْبِ وعَلى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْأبِ الذِّمِّيِّ دُونَ الحَرْبِيِّ لِوُجُوبِ قَتْلِهِ، ويَخْطُرُ لِي أنِّي رَأيْتُ في الفَتاوى الحَدِيثِيَّةِ لِابْنِ حَجَرٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ الِاسْتِدْلالَ بِها عَلى جَوازِ القِيامِ لِأهْلِ الذِّمَّةِ لِأنَّهُ مِنَ البِرِّ والإحْسانِ إلَيْهِمْ ولَمْ نُنْهَ عَنْهُ، لَكِنْ راجَعْتُ تِلْكَ الفَتاوى عِنْدَ كِتابَتِي هَذا البَحْثَ فَلَمْ أظْفَرْ بِذَلِكَ، ومَعَ هَذا وجَدْتُهُ نُقِلَ في آخِرِ الفَتاوى الكُبْرى في بابِ السِّيَرِ عَنِ العِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ أنَّهُ لا يُفْعَلُ القِيامُ لِكافِرٍ لِأنّا مَأْمُورُونَ بِإهانَتِهِ وإظْهارِ صَغارِهِ فَإنْ خِيفَ مِن شَرِّهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ جازَ لِأنَّ التَّلَفُّظَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ جائِزٌ لِلْإكْراهِ فَهَذا أوْلى، ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِشَيْءٍ، ثُمَّ إنَّ في كَوْنِ القِيامِ مِنَ البِرِّ مُطْلَقًا تَرَدُّدًا، وتَخْصِيصُ العِزِّ جَوازَ القِيامِ لِلْكافِرِ بِما إذا خِيفَ ضَرَرٌ عَظِيمٌ مُخالِفٌ لِقَوْلِ ابْنِ وهْبانَ مِنَ الحَنَفِيَّةِ:
ولِلْمِيلِ أوْ لِلْمالِ يُخْدَمُ كافِرٌ ولِلْمِيلِ لِلْإسْلامِ لَوْ قامَ يُغْفَرُ
ومِنَ النّاسِ مَن يَجْعَلُ كُلَّ مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ كالمَيْلِ لِلْإسْلامِ لَكِنْ بِشَرْطِ أنْ لا يَقْصِدَ القائِمُ تَعْظِيمًا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، ونَقَلَ الخَفاجِيُّ عَنِ الدُّرِّ المَنثُورِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التَّوْبَةَ: 5] الآيَةَ، والِاسْتِدْلالُ بِها عَلى ما سَمِعْتَ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ النَّسْخِ إنْ تَمَّ إنَّما يَتِمُّ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ فِيها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences