Al-AlusiAl‑Munafiqun · 63:7–11

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Munafiqun 63:7–11

63:7Page 555

هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْۗ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَفۡقَهُونَ ٧

They are the ones who say, "Do not spend on those who are with the Messenger of Allāh until they disband." And to Allāh belong the depositories of the heavens and the earth, but the hypocrites do not understand.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِبَعْضِ ما يَدُلُّ عَلى فِسْقِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جارِيًا مَجْرى التَّعْلِيلِ لِعَدَمِ مَغْفِرَتِهِ تَعالى لَهم ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ ذاكَ مُعَلَّلٌ بِما قَبْلَ، والقائِلُ رَأْسُ المُنافِقِينَ ابْنُ أُبَيٍّ وسائِرُهم راضُونَ بِذَلِكَ، أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ «عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: غَزَوْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ مَعَنا ناسٌ مِنَ الأعْرابِ فَكُنّا نَبْتَدِرُ الماءَ وكانَ الأعْرابُ يَسْبِقُونا إلَيْهِ فَيَسْبِقُ الأعْرابِيُّ أصْحابَهُ فَيَمْلَأُ الحَوْضَ ويَجْعَلُ حَوْضَهُ حِجارَةً ويَجْعَلُ النَّطْعَ عَلَيْهِ حَتّى يَجِيءَ أصْحابُهُ فَأتى رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ أعْرابِيًّا فَأرْخى زِمامَ ناقَتِهِ لِتَشْرَبَ فَأبى أنْ يَدَعَهُ فانْتَزَعَ حَجَرًا فَفاضَ فَرَفَعَ الأعْرابِيُّ خَشَبَةً فَضَرَبَ رَأْسَ الأنْصارِيِّ فَشَجَّهُ فَأتى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَأْسُ المُنافِقِينَ فَأخْبَرَهُ وكانَ مِن أصْحابِهِ فَغَضِبَ، وقالَ: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ مِن حَوْلِهِ يَعْنِي الأعْرابَ، ثُمَّ قالَ لِأصْحابِهِ: إذا رَجَعْتُمْ إلى المَدِينَةِ فَلْيُخْرِجِ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، قالَ زَيْدٌ: وأنا رِدْفُ عَمِّيَ فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ فَأخْبَرْتُ عَمِّي فَأخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَحَلَفَ وجَحَدَ وصَدَّقَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكَذَّبَنِي فَجاءَ عَمِّي إلَيَّ فَقالَ: ما أرَدْتُ إلى أنْ مَقَتَكَ وكَذَّبَكَ المُسْلِمُونَ فَوَقَعَ عَلَيَّ مِنَ الهَمِّ ما لَمْ يَقَعْ عَلى أحَدٍ قَطُّ فَبَيْنا أنا أسِيرُ وقَدْ خَفَضْتُ رَأْسِيَ مِنَ الهَمِّ إذْ أتانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَعَرَكَ أُذُنِي وضَحِكَ في وجْهِي ثُمَّ إنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَحِقَنِي فَقالَ: ما قالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ؟ قُلْتُ: ما قالَ لِي شَيْئًا إلّا أنَّهُ عَرَكَ أُذُنِي وضَحِكَ في وجْهِي فَقالَ: أبْشِرْ فَلَمّا أصْبَحْنا قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ

صفحة 115

﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾» وقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ البُخارِيِّ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قائِلٌ ذَلِكَ أيْضًا.

وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ، والأخْبارُ فِيهِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى وتِلْكَ الغَزاةُ الَّتِي أشارَ إلَيْها زَيْدٌ قالَ سُفْيانُ: يَرَوْنَ أنَّها غَزاةُ بَنِي المُصْطَلِقِ، وفي الكَشّافِ خَبَرٌ طَوِيلٌ في القِصَّةِ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهم عَنَوْا بِمَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ فُقَراءَ المُهاجِرِينَ، والظّاهِرُ أنَّ التَّعْبِيرَ -بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ- أيْ بِهَذا اللَّفْظِ وقَعَ مِنهم ولا يَأْباهُ كُفْرُهم لِأنَّهم مُنافِقُونَ مُقِرُّونَ بِرِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ظاهِرًا.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونُوا قالُوهُ تَهَكُّمًا أوْ لِغَلَبَتِهِ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى صارَ كالعَلَمِ لَمْ يُقْصَدْ مِنهُ إلّا الذّاتُ، ويُحْتَمَلْ أنَّهم عَبَّرُوا بِغَيْرِ هَذِهِ العِبارَةِ فَغَيَّرَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إجْلالًا لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإكْرامًا، والِانْفِضاضُ التَّفَرُّقُ، وحَتّى لِلتَّعْلِيلِ أيْ لا تُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ كَيْ يَتَفَرَّقُوا عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يَصْحَبُوهُ.

وقَرَأ الفَضْلُ بْنُ عِيسى الرَّقّاشِيُّ «يَنْفُضُوا» مِن أنْفَضَ القَوْمُ فَنِيَ طَعامُهم فَنَفَضَ الرَّجُلُ وِعاءَهُ، والفِعْلُ مِمّا يَتَعَدّى بِغَيْرِ الهَمْزَةِ وبِالهَمْزَةِ لا يَتَعَدّى، قالَ في الكَشّافِ: وحَقِيقَتُهُ حانَ لَهم أنْ يَنْفُضُوا مَزاوِدَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ رَدٌّ وإبْطالٌ لِما زَعَمُوا مِن أنَّ عَدَمَ إنْفاقِهِمْ عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُؤَدِّي إلى انْفِضاضِهِمْ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِبَيانِ أنَّ خَزائِنَ الأرْزاقِ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى خاصَّةً يُعْطِي مِنها مَن يَشاءُ ويَمْنَعُ مَن يَشاءُ ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى وبِشُؤُونِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ مِن مَقالاتِ الكَفَرَةِ ما يَقُولُونَ.

63:8Page 555

يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعۡنَآ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ لَيُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّۚ وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٨

They say, "If we return to al-Madīnah, the more honored [for power] will surely expel therefrom the more humble." And to Allāh belongs [all] honor, and to His Messenger, and to the believers, but the hypocrites do not know.

﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ قائِلُهُ كَما سَمِعْتَ ابْنُ أُبَيٍّ، وعَنى بِالأعَزِّ نَفْسَهُ أوْ ومَن يَلُوذُ بِهِ، وبِالأذَلِّ مَن أعَزَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وهو الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنُونَ، وإسْنادُ المَذْكُورِ إلى جَمِيعِهِمْ لِرِضائِهِمْ بِهِ كَما في سابِقِهِ.

وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والسَّبْتِيُّ في اخْتِيارِهِ «لَنُخْرِجَنَّ» بِالنُّونِ، ونَصْبِ «الأعَزَّ» و«الأذَلَّ» عَلى أنَّ «الأعَزَّ» مَفْعُولٌ بِهِ، و«الأذَلَّ» إمّا حالٌ بِناءً عَلى جَوازِ تَعْرِيفِ الحالِ، أوْ زِيادَةُ ألْ فِيهِ نَحْوَ أرْسَلَها العِراكَ، وادْخُلُوا الأوَّلَ فالأوَّلَ وهو المَشْهُورُ في تَخْرِيجِ ذَلِكَ، أوْ حالٌ بِتَقْدِيرِ مِثْلٍ وهو لا يَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ أيْ مِثْلَ الأذَلِّ، أوْ مَفْعُولٌ بِهِ لِحالٍ مَحْذُوفَةٍ أيْ مُشْبِهًا الأذَلَّ، أوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ عَلى أنَّ الأصْلَ إخْراجُ الأذَلِّ فَحُذِفَ المَصْدَرُ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فانْتَصَبَ انْتِصابَهُ.

وحَكى الكِسائِيُّ والفَرّاءُ أنَّ قَوْمًا قَرَؤُوا «لَيَخْرُجُنَّ» بِالياءِ مَفْتُوحَةً وضَمِّ الرّاءِ. ورَفْعِ «الأعَزُّ» عَلى الفاعِلِيَّةِ. ونَصْبِ «الأذَلَّ» عَلى ما تَقَدَّمَ، بَيْدَ أنَّكَ تُقَدِّرُ عَلى تَقْدِيرِ النَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ خُرُوجٌ، وقُرِئَ «لَيُخْرَجَنَّ» بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ «الأعَزُّ» عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ، ونَصْبِ «الأذَلَّ» عَلى ما مَرَّ.

وقَرَأ الحَسَنُ فِيما ذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ «لَنَخْرُجَنَّ» بِنُونِ الجَماعَةِ مَفْتُوحَةً وضَمِّ الرّاءِ، ونَصْبِ «الأعَزَّ» و«الأذَلَّ»، وحَكى هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وخُرِّجَتْ عَلى أنَّ نَصْبَ «الأعَزَّ» عَلى الِاخْتِصاصِ كَما في قَوْلِهِمْ: نَحْنُ العَرَبَ أقْرى النّاسِ لِلضَّيْفِ، ونَصْبَ «الأذَلَّ» عَلى أحَدِ الأوْجُهِ المارَّةِ فِيما حَكاهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ، والمَقْصُودُ إظْهارُ التَّضَجُّرِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وأنَّهم لا يُمْكِنُهم أنْ يُساكِنُوهم في دارٍ كَذا قِيلَ: وهو كَما تَرى، ولَعَلَّ هَذِهِ القِراءَةَ

صفحة 116

غَيْرُ ثابِتَةٍ عَنِ الحَسَنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ رَدٌّ لِما زَعَمُوهُ ضِمْنًا مِن عِزَّتِهِمْ وذُلِّ مَن نَسَبُوا إلَيْهِ الذُّلَّ، وحاشاهُ مِنهُ أيْ ولِلَّهِ تَعالى الغَلَبَةُ والقُوَّةُ ولِمَن أعَزَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن رَسُولِهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ لا لِلْغَيْرِ، ويُعْلَمُ مِمّا أشَرْنا إلَيْهِ تَوْجِيهُ الحَصْرِ المُسْتَفادِ مِن تَقْدِيمِ الخَبَرِ، وقِيلَ: إنَّ العَطْفَ مُعْتَبَرٌ قَبْلَ نِسْبَةِ الإسْنادِ فَلا يُنافِي ذَلِكَ ولا يَضُرُّ إعادَةُ الجارِّ لِأنَّها لَيْسَتْ لِإفادَةِ الِاسْتِقْلالِ في النِّسْبَةِ بَلْ لِإفادَةِ تَفاوُتِ ثُبُوتِ العِزَّةِ فَإنَّ ثُبُوتَها لِلَّهِ تَعالى ذاتِيٌّ ولِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِواسِطَةِ الرِّسالَةِ ولِلْمُؤْمِنِينَ بِواسِطَةِ الإيمانِ، وجاءَ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ - وكانَ مُخْلِصًا - سَلَّ سَيْفَهُ عَلى أبِيهِ عِنْدَما أشْرَفُوا عَلى المَدِينَةِ فَقالَ: واللَّهِ عَلى أنْ لا أغْمِدَهُ حَتّى تَقُولَ: مُحَمَّدٌ الأعَزُّ وأنا الأذَلُّ فَلَمْ يَبْرَحْ حَتّى قالَ ذَلِكَ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقَفَ والنّاسُ يَدْخُلُونَ حَتّى جاءَ أبُوهُ فَقالَ: وراءَكَ، قالَ: ما لَكَ ويْلَكَ ؟ قالَ: واللَّهِ لا تَدْخُلْها أبَدًا إلّا أنْ يَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَتَعْلَمَنَّ اليَوْمَ الأعَزَّ مِنَ الأذَلِّ فَرَجَعَ حَتّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَشَكا إلَيْهِ ما صَنَعَ ابْنُهُ فَأرْسَلَ إلَيْهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ خَلِّ عَنْهُ يَدْخُلْ فَفَعَلَ» وصَحَّ مِن رِوايَةِ الشَّيْخَيْنِ والتِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِمْ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ «لَمّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما قالَ ابْنُ أُبَيٍّ قامَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «دَعْهُ لا يَتَحَدَّثُ النّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ»» وفي رِوايَةٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ مُرْ مُعاذًا أنْ يَضْرِبَ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ، وفي الآيَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى شَرَفِ المُؤْمِنِينَ ما فِيها، ومِن هُنا قالَتْ بَعْضُ الصّالِحاتِ وكانَتْ في هَيْئَةٍ رَثَّةٍ: ألَسْتُ عَلى الإسْلامِ وهو العِزُّ الَّذِي لا ذُلَّ مَعَهُ والغِنى الَّذِي لا فَقْرَ مَعَهُ.

وعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وعَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: إنَّ النّاسَ يَزْعُمُونَ أنَّ فِيكَ تِيهًا قالَ: لَيْسَ بِتِيهٍ ولَكِنَّهُ عَزَّةٌ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وأُرِيدَ بِالتِّيهِ الكِبْرُ، وأشارَ العِزُّ إلى أنَّ العِزَّةَ غَيْرُ الكِبْرِ، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ أبُو حَفْصٍ السَّهْرَوَرْدِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ فَقالَ: العِزَّةُ غَيْرُ الكِبْرِ لِأنَّ العِزَّةَ مَعْرِفَةُ الإنْسانِ بِحَقِيقَةِ نَفْسِهِ وإكْرامُها أنْ لا يَضَعَها لِأقْسامٍ عاجِلَةٍ كَما أنَّ الكِبْرَ جَهْلُ الإنْسانِ بِنَفْسِهِ وإنْزالُها فَوْقَ مَنزِلَتِها فالعِزَّةُ ضِدُّ الذِّلَّةِ كَما أنَّ الكِبْرَ ضِدُّ التَّواضُعِ، وفَسَّرَ الرّاغِبُ العِزَّةَ بِحالَةٍ مانِعَةٍ لِلْإنْسانِ مِن أنْ يُغْلَبَ مِن قَوْلِهِمْ: أرْضٌ عَزازٌ أيْ صُلْبَةٌ وتَعَزَّزَ اللَّحْمُ اشْتَدَّ كَأنَّهُ حَصَلَ في عِزازٍ يَصْعُبُ الوُصُولُ إلَيْهِ، وقَدْ تُسْتَعارُ لِلْحَمِيَّةِ والأنَفَةِ المَذْمُومَةِ وهي بِهَذا المَعْنى تَثْبُتُ لِلْكَفَرَةِ، وتَفْسِيرُها بِالقُوَّةِ والغَلَبَةِ كَما سَمِعْتَ شائِعٌ ولَكَ أنْ تُرِيدَ بِها هُنا الحالَةَ المانِعَةَ مِنَ المَغْلُوبِيَّةِ فَإنَّها أيْضًا ثابِتَةٌ لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِكُلٍّ.

﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ مِن فَرْطِ جَهْلِهِمْ وغُرُورِهِمْ فَيَهْذُونَ ما يَهْذُونَ والفِعْلُ هُنا مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلِذا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ مَفْعُولٌ ولا كَذَلِكَ الفِعْلُ فِيما تَقَدَّمَ، وهو ما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأجِلَّةِ، وقِيلَ في وجْهِهِ: إنَّ كَوْنَ العِزَّةِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِ الأرْزاقِ بِيَدِهِ دُونَ العَكْسِ فَناسَبَ أنْ يُعْتَبَرَ الأخْلاقُ في الجُمْلَةِ المُذَيَّلَةِ لِما يُفِيدُ كَوْنَ العِزَّةِ لَهُ سُبْحانَهُ قَصْدًا لِلْمُبالَغَةِ والتَّقْيِيدُ لِلْجُمْلَةِ المُذَيَّلَةِ لِما يُفِيدُ كَوْنَ الأرْزاقِ بِيَدِهِ تَعالى، ثُمَّ قِيلَ: خَصَّ الجُمْلَةَ الأُولى بِـ ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ والثّانِيَةَ بِـ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ لِأنَّ إثْباتَ الفِقْهِ لِلْإنْسانِ أبْلَغُ مِن إثْباتِ العِلْمِ لَهُ فَيَكُونُ نَفْيُ العِلْمِ أبْلَغَ مِن نَفْيِ الفِقْهِ فَأوْتَرَ ما هو أبْلَغُ لِما هو أدْعى لَهُ.

وعَنِ الرّاغِبِ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا﴾ إلَخْ أنَّهم يَأْمُرُونَ بِالإضْرارِ بِالمُؤْمِنِينَ وحَبْسِ

صفحة 117

النَّفَقاتِ عَنْهم ولا يَفْطَنُونَ أنَّهم إذا فَعَلُوا ذَلِكَ أضَرُّوا بِأنْفُسِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ ذَلِكَ ولا يَفْطَنُونَ لَهُ، ومَعْنى الثّانِي إيعادُهم بِإخْراجِ الأعَزِّ لِلْأذَلِّ، وعِنْدَهم أنَّ الأعَزَّ مَن لَهُ القُوَّةُ والغَلَبَةُ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ فَهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ هَذِهِ القُدْرَةَ الَّتِي يَفْضُلُ بِها الإنْسانُ غَيْرَهُ إنَّما هي مِنَ اللَّهِ تَعالى فَهي لَهُ سُبْحانَهُ ولِمَن يَخُصُّهُ بِها مِن عِبادِهِ، ولا يَعْلَمُونَ أنَّ الذُّلَّ لِمَن يُقَدِّرُونَ فِيهِ العِزَّةَ وأنَّ اللَّهَ تَعالى مُعِزُّ أوْلِيائِهِ بِطاعَتِهِمْ لَهُ ومُذِلُّ أعْدائِهِ بِمُخالَفَتِهِمْ أمْرَهُ عَزَّ وجَلَّ، فَقَدِ اخْتَصَّ كُلَّ آيَةٍ بِما اقْتَضاهُ مَعْناها فَتَدَبَّرْ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ الذَّمِّ مَعَ الإشارَةِ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ في المَوْضِعَيْنِ.

63:9Page 555

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلۡهِكُمۡ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٩

O you who have believed, let not your wealth and your children divert you from the remembrance of Allāh. And whoever does that - then those are the losers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ لا يَشْغَلُكُمُ الِاهْتِمامُ بِتَدْبِيرِ أُمُورِها والِاعْتِناءِ بِمَصالِحِها والتَّمَتُّعِ بِها عَنِ الِاشْتِغالِ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الصَّلاةِ وسائِرِ العِباداتِ المَذْكُورَةِ لِلْمَعْبُودِ الحَقِّ جَلَّ شَأْنُهُ فَذِكْرُ اللَّهُ تَعالى مَجازٌ عَنْ مُطْلَقِ العِبادَةِ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الحَسَنِ وجَماعَةٍ، والعَلاقَةُ السَّبَبِيَّةُ لِأنَّ العِبادَةَ سَبَبٌ لِذِكْرِهِ سُبْحانَهُ وهو المَقْصُودُ في الحَقِيقَةِ مِنها.

وفِي رِوايَةٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ بِهِ جَمِيعُ الفَرائِضِ، وقالَ الضَّحّاكُ وعَطاءٌ: الذِّكْرُ هُنا الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الجِهادُ مَعَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: القُرْآنُ، والعُمُومُ أوْلى، ويُفْهَمُ كَلامُ الكَشّافِ أنَّ المُرادَ بِالأمْوالِ والأوْلادِ الدُّنْيا، وعَبَّرَ بِهِما عَنْها لِكَوْنِهِما أرْغَبَ الأشْياءِ مِنها قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكَهْفَ: 46] فَإذا أُرِيدَ بِذِكْرِ اللَّهِ العُمُومُ يُؤَوَّلُ المَعْنى إلى لا تَشْغَلَنَّكُمُ الدُّنْيا عَنِ الدِّينِ والمُرادُ بِنَهْيِ الأمْوالِ وما بَعْدَها نَهْيُ المَخاطَبِينَ وإنَّما وُجِّهَ إلَيْها لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّها لِقُوَّةِ تَسَبُّبِها لِلَّهْوِ وشِدَّةِ مَدْخَلِيَّتِها فِيهِ جُعِلَتْ كَأنَّها لاهِيَةٌ، وقَدْ نَهَيْتُ عَنِ اللَّهْوِ فالأصْلُ لا تَلْهُوا بِأمْوالِكم إلَخْ، فالتَّجَوُّزُ في الإسْنادِ، وقِيلَ: إنَّهُ تَجَوُّزٌ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ [الأعْرافَ: 2] أيْ لا تَكُونُوا بِحَيْثُ تُلْهِيكم أمْوالُكم إلَخْ.

﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيِ اللَّهْوَ بِها وهو الشَّغْلُ، وهَذا أبْلَغُ مِمّا لَوْ قِيلَ: ومَن تُلْهِهِ تِلْكَ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ حَيْثُ باعُوا العَظِيمَ الباقِيَ بِالحَقِيرِ الفانِي، وفي التَّعْرِيفِ بِالإشارَةِ والحَصْرِ لِلْخُسْرانِ فِيهِمْ، وفي تَكْرِيرِ الإسْنادِ وتَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ، وكَأنَّهُ لَمّا نُهِيَ المُنافِقُونَ عَنِ الإنْفاقِ عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأُرِيدَ الحَثُّ عَلى الإنْفاقِ جُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ تَمْهِيدًا وتَوْطِئَةً لِلْأمْرِ بِالإنْفاقِ لَكِنْ عَلى وجْهِ العُمُومِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

63:10Page 555

وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٠

And spend [in the way of Allāh] from what We have provided you before death approaches one of you and he says, "My Lord, if only You would delay me for a brief term so I would give charity and be of the righteous."

﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ بَعْضَ ما أعْطَيْناكم وتَفَضَّلْنا بِهِ عَلَيْكم مِنَ الأمْوالِ ادِّخارًا لِلْآخِرَةِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ أيْ أماراتُهُ ومُقَدِّماتُهُ، فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، ولِذا فَرَّعَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي﴾ أيْ أمْهَلْتَنِي ﴿إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أيْ أمَدٍ قَصِيرٍ ﴿فَأصَّدَّقَ﴾ أيْ فَأتَصَدَّقَ، وبِذَلِكَ قَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ وابْنُ جُبَيْرٍ، ونُصِبَ الفِعْلُ في جَوابِ التَّمَنِّي والجَزْمُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ بِالعَطْفِ عَلى مَوْضِعِ ﴿فَأصَّدَّقَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ أخَّرْتَنِي أصَدَّقْ وأكُنْ، وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ. والزَّجّاجُ، وحَكى سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ عَلى تَوَهُّمِ الشَّرْطِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّمَنِّي لِأنَّ الشَّرْطَ غَيْرُ ظاهِرٍ ولا يُقَدَّرُ حَتّى يُعْتَبَرَ العَطْفُ عَلى المَوْضِعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ [الأعْرافَ: 186] ويَذَرْهم فِيمَن قَرَأ بِالجَزْمِ وهو حَسَنٌ بَيْدَ أنَّ التَّعْبِيرَ بِالتَّوَهُّمِ هُنا يَنْشَأُ مِنهُ تَوَهُّمٌ قَبِيحٌ، والفَرْقُ بَيْنَ العَطْفِ

صفحة 118

عَلى المَوْضِعِ والعَطْفِ عَلى التَّوَهُّمِ أنَّ العامِلَ في العَطْفِ عَلى المَوْضِعِ مَوْجُودٌ وأثَرَهُ مَفْقُودٌ، والعامِلَ في العَطْفِ عَلى التَّوَهُّمِ مَفْقُودٌ وأثَرَهُ مَوْجُودٌ، واسْتُظْهِرَ أنَّ الخِلافَ لَفْظِيٌّ فَمُرادُ أبِي عَلِيٍّ والزَّجّاجِ العَطْفُ عَلى المَوْضِعِ المُتَوَهَّمِ أيِ المُقَدَّرِ إذْ لا مَوْضِعَ هُنا في التَّحْقِيقِ لَكِنَّهُما فَرّا مِن قُبْحِ التَّعْبِيرِ.

وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ والأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ العَنْبَرِيُّ. وأبُو عَمْرٍو «وأكُونَ» بِالنَّصْبِ وهو ظاهِرٌ، وقَرَأ عَبْدُ بْنُ عُمَيْرٍ «وأكُونُ» بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والنَّحْوِيُّونَ وأهْلُ المَعانِي قَدَّرُوا المُبْتَدَأ في أمْثالِ ذَلِكَ مِن أفْعالِ المُسْتَأْنَفَةِ، فَيُقالُ هُنا: أيْ وأنا أكُونُ ولا تَراهم يُهْمِلُونَ ذَلِكَ، ووُجِّهَ بِأنَّ ذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ لا يَصْلُحُ لِلِاسْتِئْنافِ مَعَ الواوِ الِاسْتِئْنافِيَّةِ كَما هُنا ولا بِدُونِها، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ إلى عَدَمِ صَلاحِيَتِهِ لِذَلِكَ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ وكَأنَّهُ لِهَذا صَرَّحَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ بِأنَّ التِزامَ التَّقْدِيرِ مِمّا لَمْ يَظْهَرُ لَهُ وجْهُهُ، وقِيلَ: وجْهُهُ أنَّ الِاسْتِئْنافَ بِالِاسْمِيَّةِ أظْهَرُ وهو كَما تَرى، وجُوِّزَ كَوْنُ الفِعْلِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَرْفُوعًا بِالعَطْفِ عَلى - أصَدَّقُ - عَلى نَحْوِ القَوْلَيْنِ السّابِقَيْنِ في الجَزْمِ، هَذا وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي الزَّكاةَ والنَّفَقَةَ في الحَجِّ، وعَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ: ﴿فَأصَّدَّقَ﴾ أُزَكِّي ﴿وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أحُجُّ، وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن كانَ لَهُ مالٌ يُبَلِّغُهُ حَجَّ بَيْتِ رَبِّهِ أوْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكاةُ فَلَمْ يَفْعَلْ سَألَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ المَوْتِ»» فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا ابْنَ عَبّاسٍ اتَّقِ اللَّهَ تَعالى فَإنَّما يَسْألُ الرَّجْعَةَ الكُفّارُ فَقالَ: سَأتْلُو عَلَيْكم بِذَلِكَ قُرْآنًا ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ كَذا في الدُّرِّ المَنثُورِ.

وفِي أحْكامِ القُرْآنِ رِوايَةُ التِّرْمِذِيِّ عَنْهُ ذَلِكَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وحُكِيَ عَنْهُ في البَحْرِ وغَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في مانِعِ الزَّكاةِ، وواللَّهِ لَوْ رَأى خَيْرًا لَما سَألَ الرَّجْعَةَ، فَقِيلَ لَهُ: أما تَتَّقِي اللَّهَ تَعالى يَسْألُ المُؤْمِنُونَ الكَرَّةَ ؟ ! فَأجابَ بِنَحْوِ ما ذُكِرَ، ولا يَخْفى أنَّ الِاعْتِراضَ عَلَيْهِ وكَذا الجَوابَ أوْفَقُ بِكَوْنِهِ نَفْسِهِ ادَّعى سُؤالَ الرَّجْعَةِ ولَمْ يَرْفَعِ الحَدِيثَ بِذَلِكَ، وإذا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي﴾ إلَخْ سُؤالًا لِلرَّجْعَةِ بِمَعْنى الرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا بَعْدَ المَوْتِ لَمْ يَحْتَجْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ كَما سَمِعْتَ آنِفًا.

63:11Page 555

وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَاۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١١

But never will Allāh delay a soul when its time has come. And Allāh is Aware of what you do.

﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا﴾ أيْ ولَنْ يُمْهِلَها ﴿إذا جاءَ أجَلُها﴾ أيْ آخِرُ عُمُرِها أوِ انْتَهى الزَّمانُ المُمْتَدُّ لَها مِن أوَّلِ العُمُرِ إلى آخِرِهِ عَلى تَفْسِيرِ الأجَلِ بِهِ ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَمُجازٍ عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِالياءِ آخِرَ الحُرُوفِ لِيُوافِقَ ما قَبْلَهُ في الغَيْبَةِ ونَفْسًا لِكَوْنِها نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْيِ في مَعْنى الجَمْعِ، واسْتَدَلَّ الكَيا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا﴾ إلَخْ عَلى وُجُوبِ إخْراجِ الزَّكاةِ عَلى الفَوْرِ ومَنعِ تَأْخِيرِها، ونَسَبَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ في الزَّجْرِ عَنِ التَّفْرِيطِ في هَذِهِ الحُقُوقِ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ فَلا أحَدَ يُؤَخِّرُ ذَلِكَ إلّا ويَجُوزُ أنَّ يَأْتِيَهُ المَوْتُ عَنْ قَرِيبٍ فَيَلْزَمُهُ التَّحَرُّزُ الشَّدِيدُ عَنْ هَذا التَّفْرِيطِ في كُلِّ وقْتٍ، وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَ المُجَبِّرَةِ مِن جِهاتٍ: مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا﴾، ومِنها أنَّهُ كانَ قَبْلَ حُضُورِ المَوْتِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى الإنْفاقِ فَكَيْفَ يَتَمَنّى تَأْخِيرَ الأجَلِ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى مُؤَيَّسًا لَهُ في الجَوابِ: ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ﴾ ولَوْلا أنَّهُ مُخْتارٌ لَأُجِيبَ بِاسْتِواءِ التَّأْخِيرِ والمَوْتِ حِينَ التَّمَنِّي، وأُجِيبَ بِأنَّ أهْلَ الحَقِّ لا يَقُولُونَ بِالجَبْرِ فالبَحْثُ ساقِطٌ عَنْهم عَلى أنَّهُ لا دَلالَةَ في الأوَّلِ كَما في سائِرِ الأوامِرِ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ، والتَّمَنِّي - وهو مُتَمَسَّكُ الفَرِيقِ - لا يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ بِهِ، والقَوْلُ المُؤَيِّسُ إبْطالٌ لِتَمَنِّيهِمْ لا جَوابَ عَنْهُ إذْ لا اسْتِحْقاقَ لِوُضُوحِ البُطْلانِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском