Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
At-Talaq 65:1–6, continued
ورُدَّ بِأنَّ الضَّرَرَ الدُّنْيَوِيَّ غَيْرُ مُحَقَّقٍ فَلا يَنْبَغِي تَفْسِيرُ الظُّلْمِ ها هُنا بِهِ، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا تَدْرِي﴾ إلَخْ لَيْسَ تَعْلِيلًا لِما ذُكِرَ بَلْ هو تَرْغِيبٌ لِلْمُحافَظَةِ عَلى الحُدُودِ بَعْدَ التَّرْهِيبِ، وفِيهِ أنَّهُ بِالتَّرْهِيبِ أشْبَهُ مِنهُ بِالتَّرْغِيبِ، ولَعَلَّ المُرادَ مِن أضَرَّ بِها عَرَّضَها لِلضَّرَرِ، فالظُّلْمُ هو ذَلِكَ التَّعْرِيضُ ولا مَحْذُورَ في تَفْسِيرِهِ بِهِ فِيما يَظْهَرُ، وجُمْلَةُ التَّرَجِّي في مَوْضِعِ النَّصْبِ بِـ ﴿لا تَدْرِي﴾، وعْدَّ أبُو حَيّانَ ﴿لَعَلَّ﴾ مِنَ المُعَلِّقاتِ، والخِطابُ في ﴿لا تَدْرِي﴾ لِلْمُتَعَدِّي بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِالزَّجْرِ عَنِ التَّعَدِّي لا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما قِيلَ، فالمَعْنى مَن يَتَعَدّى حُدُودَ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلضَّرَرِ فَإنَّكَ لا تَدْرِي أيُّها المُتَعَدِّي عاقِبَةَ الأمْرِ ﴿لَعَلَّ اللَّهَ﴾ تَعالى يُحْدِثُ في قَلْبِكَ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الَّذِي فَعَلْتَ مِنَ التَّعَدِّي ﴿أمْرًا﴾ يَقْتَضِي خِلافَ ما فَعَلْتَهُ فَيَكُونُ بَدَلُ بُغْضِها مَحَبَّةً وبَدَلُ الإعْراضِ عَنْها إقْبالًا إلَيْها، ولا يَتَسَنّى تَلافِيهِ بِرَجْعَةٍ أوِ اسْتِئْنافِ
65:2Page 558
فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖ وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ لِلَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ٢
And when they have [nearly] fulfilled their term, either retain them according to acceptable terms or part with them according to acceptable terms. And bring to witness two just men from among you and establish the testimony for [the acceptance of] Allāh. That is instructed to whoever should believe in Allāh and the Last Day. And whoever fears Allāh - He will make for him a way out1
﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ شارَفْنَ آخِرَ عِدَّتِهِنَّ.
﴿فَأمْسِكُوهُنَّ﴾ فَراجِعُوهُنَّ ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ بِحُسْنِ مُعاشَرَةٍ وإنْفاقٍ مُناسِبٍ لِلْحالِ مِنَ الجانِبَيْنِ.
﴿أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ بِإيفاءِ الحَقِّ واتِّقاءِ الضِّرارِ مِثْلَ أنْ يُراجِعَها ثُمَّ يُطَلِّقُها تَطْوِيلًا لِلْعِدَّةِ.
﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ عِنْدَ الرَّجْعَةِ إنِ اخْتَرْتُمُوها أوِ الفُرْقَةِ إنِ اخْتَرْتُمُوها تَبَرِّيًا عَنِ الرِّيبَةِ وقَطْعًا لِلنِّزاعِ، وهَذا أمْرُ نَدْبٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البَقَرَةَ: 282]، وقالَ الشّافِعِيُّ في القَدِيمِ: إنَّهُ لِلْوُجُوبِ في الرَّجْعَةِ، وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ أمَرَ بِالإشْهادِ عَلى الطَّلاقِ وأنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ وأنَّهُ لِلْوُجُوبِ وشَرْطٌ في صِحَّةِ الطَّلاقِ ﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ﴾ أيْ أيُّها الشُّهُودُ عِنْدَ الحاجَةِ ﴿لِلَّهِ﴾ خالِصًا لِوَجْهِهِ تَعالى، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ إذا تَعاطَفَ أمْرانِ لِمَأْمُورَيْنِ يَلْزَمُ ذِكْرُ النِّداءِ أوْ يَقْبُحُ تَرْكُهُ نَحْوَ اضْرِبْ يا زَيْدُ وقُمْ يا عَمْرُو، ومَن خَصَّ جَوازَ التَّرْكِ بِلا قُبْحٍ بِاخْتِلافِهِما كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يُوسُفَ: 29] فَإنَّ المَأْمُورَ بِقَوْلِهِ تَعالى:
صفحة 135
﴿أشَهِدُوا﴾ لِلْمُطَلِّقِينَ وبِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ﴾ لِلشُّهُودِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وقَدْ تَعاطَفَ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ في أفْصَحِ الكَلامِ.
﴿ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيْ لِأنَّهُ المُنْتَفِعُ بِذَلِكَ، والإشارَةُ عَلى ما اخْتارَهُ صاحِبُ الكَشّافِ إلى الحَثِّ عَلى إقامَةِ الشَّهادَةِ لِلَّهِ تَعالى، والأوْلى كَما في الكَشْفِ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى جَمِيعِ ما مَرَّ مِن إيقاعِ الطَّلاقِ عَلى وجْهِ السُّنَّةِ وإحْصاءِ العِدَّةِ والكَفِّ عَنِ الإخْراجِ والخُرُوجِ وإقامَةِ الشَّهادَةِ لِلرَّجْعَةِ أوِ المُفارَقَةِ لِيَكُونَ أشَدَّ مُلاءَمَةً لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ .
65:3Page 558
وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا ٣
And will provide for him from where he does not expect. And whoever relies upon Allāh - then He is sufficient for him. Indeed, Allāh will accomplish His purpose. Allāh has already set for everything a [decreed] extent.
﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ فَإنَّهُ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ جِيءَ بِهِ لِتَأْكِيدِ ما سَبَقَ مِنَ الأحْكامِ بِالوَعْدِ عَلى اتِّقاءِ اللَّهِ تَعالى فِيها، فالمَعْنى ومَن يَتَّقِ اللَّهَ تَعالى فَطَلَّقَ لِلسُّنَّةِ، ولَمْ يُضارَّ المُعْتَدَّةَ، ولَمْ يُخْرِجْها مِن مَسْكَنِها واحْتاطَ فَأشْهَدَ يَجْعَلْ لَهُ سُبْحانَهُ مَخْرَجًا مِمّا عَسى أنْ يَقَعَ في شَأْنِ الأزْواجِ مِنَ الغُمُومِ والوُقُوعِ في المَضايِقِ ويُفَرِّجْ عَنْهُ ما يَعْتَرِيهِ مِنَ الكُرُوبِ، ويَرْزُقْهُ مِن وجْهٍ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ ولا يَحْتَسِبُهُ، وفي الأخْبارِ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ - كَعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْهُ - ما يُؤَيِّدُ بِظاهِرِهِ هَذا الوَجْهَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا جِيءَ بِهِ عَلى نَهْجِ الِاسْتِطْرادِ عِنْدَ ذِكْرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ﴾ إلَخْ، فالمَعْنى ومَن يَتَّقِ اللَّهَ تَعالى في كُلِّ ما يَأْتِي وما يَذَرُ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا مِن غُمُومِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو أوْلى لِعُمُومِ الفائِدَةِ، وتَناوُلِهِ لِما نَحْنُ فِيهِ تَناوُلًا أوَّلِيًّا، ولِاقْتِضاءِ أخْبارٍ في سَبَبِ النُّزُولِ وغَيْرِهِ لَهُ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن يَتَّقِ﴾ إلَخْ فَقالَ: مَخْرَجًا مِن شُبُهاتِ الدُّنْيا ومِن غَمَراتِ المَوْتِ ومِن شَدائِدِ يَوْمِ القِيامَةِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ - في المَعْرِفَةِ - والبَيْهَقِيُّ «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ فَجَعَلَ يُرَدِّدُها حَتّى نَعَسْتُ ثُمَّ قالَ: يا أبا ذَرٍّ لَوْ أنَّ النّاسَ كُلَّهم أخَذُوا بِها لَكَفَتْهم»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««جاءَ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ الأشْجَعِيُّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ابْنِيَ أسَرَهُ العَدُوُّ وجَزِعَتْ أُمُّهُ فَما تَأْمُرُنِي ؟ قالَ: آمُرُكَ وإيّاها أنْ تَسْتَكْثِرا مِن قَوْلِ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ فَقالَتِ المَرْأةُ: نِعْمَ ما أمَرَكَ فَجَعَلا يُكْثِرانِ مِنها فَتَغَفَّلَ العَدُوَّ فاسْتاقَ غَنَمَهم فَجاءَ بِها إلى أبِيهِ فَنَزَلَتْ ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾»» الآيَةَ.
وفِي رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ مَوْلى آلِ قَيْسٍ قالَ: ««جاءَ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ الأشْجَعِيُّ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ لَهُ: أُسِرَ ابْنُ عَوْفٍ فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أرْسِلْ إلَيْهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أنْ تُكْثِرَ مِن قَوْلِ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ وكانُوا قَدْ شَدُّوهُ بِالقَدِّ فَسَقَطَ القَدُّ عَنْهُ فَخَرَجَ فَإذا هو بِناقَةٍ لَهم فَرَكِبَها فَإذا سَرْحٌ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ كانُوا شَدَّدُوهُ فَصاحَ بِها فاتَّبَعَ آخِرُها أوَّلَها فَلَمْ يَفْجَأْ أبَوَيْهِ إلّا وهو يُنادِي بِالبابِ فَأتى أبُوهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَهُ فَنَزَلَتْ ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾» إلَخْ.
وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ أصابَهُ جُهْدٌ وبَلاءٌ فَشَكا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: ««اتَّقِ اللَّهَ واصْبِرْ فَرَجَعَ ابْنُهُ وقَدْ أصابَ أعَنُزًا فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَنَزَلَتْ فَقالَ: هي لَكَ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مُضْطَرِبٌ عَلى ما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وعَلى القَوْلِ بِالِاسْتِطْرادِ قِيلَ: المَعْنى مَن يَتَّقِ الحَرامَ
صفحة 136
يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا إلى الحَلالِ، وقِيلَ: مَخْرَجًا مِنَ الشِّدَّةِ إلى الرَّخاءِ، وقِيلَ: مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ. وقِيلَ: مَخْرَجًا مِنَ العُقُوبَةِ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ مِنَ الثَّوابِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ”مَن يَتَّقِ اللَّهَ“ عِنْدَ المُصِيبَةِ ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ إلى الجَنَّةِ، والكُلُّ كَما تَرى، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ العُمُومُ الَّذِي سَمِعْتَهُ، وفي الكَشْفِ إنَّ تَنْوِيعَ الوَعْدِ لِلْمُتَّقِي وتَكْرِيرَ الحَثِّ عَلَيْهِ بَعْدَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّقْوى مِلاكُ الأمْرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ناطَ بِهِ سُبْحانَهُ سَعادَةَ الدّارَيْنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ أمْرَ الطَّلاقِ والعِدَّةَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَحْتاجُ إلى فَضْلِ تَقْوى لِأنَّهُ أبْغَضُ المُباحِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِما يَتَضَمَّنُ مِنَ الإيحاشِ وقَطْعِ الأُلْفَةِ المُمَهِّدَةِ، ثُمَّ الِاحْتِياطُ في أمْرِ النَّسَبِ الَّذِي هو مِن جُلَّةِ المَقاصِدِ يُؤْذِنُ بِالتَّشْدِيدِ في أمْرِ العِدَّةِ فَلا بُدَّ مِنَ التَّقْوى لِيَقَعَ الطَّلاقُ عَلى وجْهٍ يُحْمَدُ عَلَيْهِ، ويُحْتاطُ في العِدَّةِ ما يَجِبُ فَهُنالِكَ يَحْصُلُ لِلزَّوْجَيْنِ المَخْرَجُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وعَلَيْهِ فالزَّوْجَةُ داخِلَةٌ في العُمُومِ كالزَّوْجِ ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ أيْ كافِيهِ عَزَّ وجَلَّ في جَمِيعِ أُمُورِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ وهْبٍ قالَ: ««يَقُولُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى: إذا تَوَكَّلَ عَلَيَّ عَبْدِي لَوْ كادَتْهُ السَّماواتُ والأرْضُ جَعَلْتُ لَهُ مِن بَيْنِ ذَلِكَ المَخْرَجَ»» ﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾ بِإضافَةِ الوَصْفِ إلى مَفْعُولِهِ والأصْلُ بالِغٌ أمْرَهُ بِالنَّصْبِ - كَما قَرَأ بِهِ الأكْثَرُونَ - أيْ يَبْلُغُ ما يُرِيدُهُ عَزَّ وجَلَّ ولا يَفُوتُهُ مُرادٌ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ في رِوايَةٍ وداوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ وعِصْمَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «بالِغٌ» بِالرَّفْعِ مُنَوَّنًا «أمْرُهُ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلُ - بالِغٌ -الخَبَرُ - لِأنَّ- أوْ مُبْتَدَأٌ، وبالِغٌ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ أيْ نافِذٌ أمْرُهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ المُفَضَّلُ في رِوايَةٍ أيْضًا بالِغًا بِالنَّصْبِ «أمْرُهُ» بِالرَّفْعِ، وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى أنَّ بالِغًا حالٌ مِن فاعِلِ ”جَعَلَ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ لا مِنَ المُبْتَدَأِ لِأنَّهم لا يَرْتَضُونَ مَجِيءَ الحالِ مِنهُ، وجُمْلَةُ ﴿قَدْ جَعَلَ﴾ إلَخْ خَبَرُ ”إنَّ“، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بالِغًا هو الخَبَرُ عَلى لُغَةِ مَن يَنْصِبُ الجُزْأيْنِ - بِإنَّ - كَما في قَوْلِهِ:
إذا اسْوَدَّ جُنْحُ اللَّيْلِ فَلْتَأْتِ ولْتَكُنْ خُطاكَ خِفافًا إنَّ حُرّاسَنا أُسْدا
وتُعُقِّبَ بِأنَّها لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، ومَعْنى ﴿قَدْرًا﴾ تَقْدِيرًا، والمُرادُ تَقْدِيرُهُ قَبْلَ وُجُودِهِ، أوْ مِقْدارًا مِنَ الزَّمانِ، وهَذا بَيانٌ لِوُجُوبِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى وتَفْوِيضُ الأمْرِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّهُ إذا عُلِمَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الرِّزْقِ وغَيْرِهِ لا يَكُونُ إلّا بِتَقْدِيرِهِ تَعالى لا يَبْقى إلّا التَّسْلِيمُ لِلْقَدَرِ، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: تَقْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِن تَأْقِيتِ الطَّلاقِ والأمْرِ بِإحْصاءِ العِدَّةِ، وتَمْهِيدٍ لِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن مَقادِيرِها.
وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ «قَدَرًا» بِفَتْحِ الدّالِ
65:4Page 558
وَٱلَّٰٓـِٔي يَئِسۡنَ مِنَ ٱلۡمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمۡ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَٰثَةُ أَشۡهُرٖ وَٱلَّٰٓـِٔي لَمۡ يَحِضۡنَۚ وَأُوْلَٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مِنۡ أَمۡرِهِۦ يُسۡرٗا ٤
And those who no longer expect menstruation among your women - if you doubt, then their period is three months, and [also for] those who have not menstruated. And for those who are pregnant, their term is until they give birth.1 And whoever fears Allāh - He will make for him of his matter ease.
﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ﴾ أيِ الحَيْضِ، وقُرِئَ - يَيْأسْنَ - مُضارِعًا ﴿مِن نِسائِكُمْ﴾ لِكِبَرِهِنَّ، وقَدْ قَدَّرَ بَعْضُهم سِنَّ اليَأْسِ بِسِتِّينَ سَنَةً، وبَعْضُهم بِخَمْسٍ وخَمْسِينَ، وقِيلَ: هو غالِبُ سِنِّ يَأْسِ عَشِيرَةِ المَرْأةِ، وقِيلَ غالِبُ سِنِّ يَأْسِ النِّساءِ في مَكانِها الَّتِي هي فِيهِ فَإنَّ المَكانَ إذا كانَ طَيِّبَ الهَواءِ والماءِ - كَبَعْضِ الصَّحارى - يُبْطِئُ فِيهِ سِنُّ اليَأْسِ، وقِيلَ: أقْصى عادَةِ امْرَأةٍ في العالَمِ، وهَذا القَوْلُ - بالِغٌ دَرَجَةَ اليَأْسِ - مِن أنْ يُقْبَلَ ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أيْ إنْ شَكَكْتُمْ وتَرَدَّدْتُمْ في عِدَّتِهِنَّ، أوْ إنْ جَهِلْتُمْ عِدَّتَهُنَّ ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ. وجَماعَةٌ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ
صفحة 137
أنَّ ناسًا مِن أهْلِ المَدِينَةِ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي في البَقَرَةِ في عِدَّةِ النِّساءِ قالُوا: لَقَدْ بَقِيَ مِن عِدَّةِ النِّساءِ عِدَدٌ لَمْ تُذْكَرْ في القُرْآنِ الصِّغارِ والكِبارِ اللّاتِي قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُنَّ الحَيْضُ وذَواتُ الحَمْلِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ النِّساءِ القُصْرى ﴿واللائِي يَئِسْنَ﴾ الآيَةَ، وفي رِوايَةٍ أنَّ قَوْمًا مِنهم أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وخَلّادُ بْنُ النُّعْمانِ لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البَقَرَةَ: 228] قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ فَما عِدَّةُ مَن لا قُرْءَ لَها مِن صِغَرٍ أوْ كِبَرٍ ؟ فَنَزَلَ ﴿واللائِي يَئِسْنَ﴾ إلَخْ، فَقالَ قائِلٌ: فَما عِدَّةُ الحامِلِ ؟ فَنَزَلَ ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ إلَخْ.
ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ الشَّرْطَ هُنا لا مَفْهُومَ لَهُ عِنْدَ القائِلِينَ بِالمَفْهُومِ لِأنَّهُ بَيانٌ لِلْواقِعَةِ الَّتِي نَزَلَ فِيها مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِلتَّقْيِيدِ، وتَقْدِيرُ مُتَعَلَّقِ الِارْتِيابِ ما سَمِعْتَ هو ما أشارَ إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ في دَمِ البالِغاتِ مَبْلَغَ اليَأْسِ أهْوَ دَمُ حَيْضٍ أوِ اسْتِحاضَةٍ فَعِدَّتُهُنَّ إلَخْ، وإذا كانَتْ هَذِهِ عِدَّةَ المُرْتابِ بِها فَغَيْرُ المُرْتابِ بِها أوْلى بِذَلِكَ، وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ في حَيْضِهِنَّ وقَدِ انْقَطَعَ عَنْهُنَّ الدَّمُ وكُنَّ مِمَّنْ يَحِيضُ مِثْلُهُنَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: الآيَةُ وارِدَةٌ في المُسْتَحاضَةِ أطْبَقَ بِها الدَّمُ لا تَدْرِي أهْوَ دَمُ حَيْضٍ أوْ دَمُ عِلَّةٍ، وقِيلَ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أيْ إنْ تَيَقَّنْتُمْ إياسَهُنَّ، والِارْتِيابُ مِنَ الأضْدادِ والكُلُّ كَما تَرى.
والمَوْصُولُ قالُوا: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿فَعِدَّتُهُنَّ﴾ إلَخْ، ”وإنِ ارْتَبْتُمْ“ شَرْطٌ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فاعْلَمُوا أنَّها ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، والشَّرْطُ وجَوابُهُ جُمَلٌ مُعْتَرِضَةٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ ﴿فَعِدَّتُهُنَّ﴾ إلَخْ جَوابَ الشَّرْطِ بِاعْتِبارِ الإعْلامِ والإخْبارِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النَّحْلَ: 53] والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرٌ مِن غَيْرِ حَذْفٍ وتَقْدِيرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ كَذَلِكَ أوْ عِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، وجُوِّزَ عَطْفُ هَذا المَوْصُولِ عَلى المَوْصُولِ السّابِقِ وجَعْلُ الخَبَرِ لَهُما مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ، والمُرادُ - بِاللّائِي لَمْ يَحِضْنَ -الصِّغارُ اللّائِي لَمْ يَبْلُغْنَ سِنَّ الحَيْضِ.
واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ شُمُولَهُ مَن لَمْ يَحِضْنَ لِصِغَرٍ ومَن لا يَكُونُ لَهُنَّ حَيْضٌ البَتَّةَ كَبَعْضِ النِّساءِ يَعِشْنَ إلى أنْ يَمُتْنَ ولا يَحِضْنَ، ومَن أتى عَلَيْها زَمانُ الحَيْضِ وما بَلَغَتْ بِهِ ولَمْ تَحِضْ، ثُمَّ قالَ: وقِيلَ: هَذِهِ تَعْتَدُّ سَنَةً.
﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ﴾ أيْ مُنْتَهى عِدَّتِهِنَّ ﴿أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ولَوْ نَحْوَ مُضْغَةٍ وعَلَقَةٍ ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ يَكُنَّ مُطَلَّقاتٍ أوْ مُتَوَفّى عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ كَما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وابْنِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المَرْأةِ يَتَوَفّى عَنْها زَوْجُها وهي حامِلٌ فَقالَ: إذا وضَعَتْ حَمْلَها فَقَدْ حَلَّتْ فَأخْبَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: لَوْ ولَدَتْ وزَوْجُها عَلى سَرِيرِهِ لَمْ يُدْفَنْ لَحَلَّتْ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ أنَّهُ قالَ: مَن شاءَ لاعَنْتُهُ أنَّ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ النِّساءِ القُصْرى ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ إلَخْ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ البَقَرَةِ بِكَذا وكَذا شَهْرًا وكُلُّ مُطَلَّقَةٍ أوْ مُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها فَأجَلُها أنْ تَضَعَ حَمْلَها، وفي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ بِسَبْعِ سِنِينَ ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وأبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ وعائِشَةَ - وإلَيْهِ ذَهَبَ فُقَهاءُ الأمْصارِ - ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في زَوائِدِ المُسْنَدِ وأبُو يَعْلى والضِّياءُ في المُخْتارَةِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أهِيَ المُطَلَّقَةُ ثَلاثًا والمُتَوَفّى عَنْها ؟ قالَ: «هِيَ المُطَلَّقَةُ ثَلاثًا والمُتَوَفّى عَنْها»» ورَوى جَماعَةٌ نَحْوَهُ
صفحة 138
عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ، وصَحَّ «أنَّ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحارِثِ الأسْلَمِيَّةَ كانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ فَتُوفِّيَ عَنْها في حَجَّةِ الوَداعِ وهي حامِلٌ فَوَضَعَتْ بَعْدَ وفاتِهِ بِثَلاثَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، وفي رِوايَةٍ بِخَمْسٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً، وفي أُخْرى بِأرْبَعِينَ لَيْلَةً فاخْتَضَبَتْ وتَكَحَّلَتْ وتَزَيَّنَتْ تُرِيدُ النِّكاحَ فَأُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْها فَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «إنْ تَفْعَلْ فَقَدْ خَلا أجَلُها»» وذَهَبَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما إلى أنَّ الآيَةَ في المُطَلَّقاتِ، وأمّا المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها فَعِدَّتُها آخِرُ الأجَلَيْنِ، وهو مَذْهَبُ الإمامِيَّةِ كَما في مَجْمَعِ البَيانِ.
وعَلى ما تَقَدَّمَ فالآيَةُ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البَقَرَةَ: 234] الآيَةَ عَلى رَأْيِ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ ومَن وافَقَهم مِنَ الشّافِعِيَّةِ لِأنَّ العامَّ المُطْلَقَ المُتَأخِّرَ ناسِخٌ عِنْدَهم فَأوْلى أنْ يَكُونَ العامُّ مِن وجْهٍ كَذَلِكَ، وأمّا مَن لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ فَمَن لَمْ يُجَوِّزْ تَأْخِيرَ بَيانِ العامِّ قالَ: بِالنَّسْخِ أيْضًا لِأنَّ العامَّ الأوَّلَ حِينَئِذٍ مُرادُ تَناوُلِهِ لِأفْرادِهِ، وفي مِثْلِهِ لا خِلافَ في أنَّ الخاصَّ المُتَراخِيَ ناسِخٌ بِقَدَرِهِ لا مُخَصِّصٌ، ومَن جَوَّزَ ذَهَبَ إلى التَّخْصِيصِ بِناءً عَلى أنِ الَّتِي في القُصْرى أخَصُّ مُطْلَقًا، ووَجْهَهُ أنَّهُ ذُكِرَ في البَقَرَةِ حُكْمُ المُطَلَّقاتِ مِنَ النِّساءِ وحُكْمُ المُتَوَفّى عَنْهُنَّ الأزْواجُ عَلى التَّفْرِيقِ، ثُمَّ ورَدَتْ هَذِهِ مُخَصِّصَةٌ في البابَيْنِ لِشُمُولِ لَفْظِ الأجَلِ العِدَّتَيْنِ، وخُصُوصِ - أُولاتِ الأحْمالِ - مُطْلَقًا بِالنِّسْبَةِ إلى الأرْواحِ، وهَذا كَما يَقُولُ القائِلُ: هِنْدِيَّةُ المَوالِي لَهم كَذا وتُرْكِيَّتُهم لَهم كَذا لِجِنْسٍ آخَرَ، ثُمَّ يَقُولُ: والكُهُولُ مِنهم لَهم دُونَ ذَلِكَ أوْ فَوْقَهُ أوْ كَذا مُرِيدًا صِنْفًا آخَرَ يَكُونُ الأخِيرُ مُخَصِّصًا لِلْحُكْمَيْنِ، ولا نَظَرَ إلى اخْتِلافِ العَطايا لِشُمُولِ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى الِاخْتِصاصِ وخُصُوصِ الكُهُولِ مِنَ المَوالِي مُطْلَقًا كَذَلِكَ فِيما نَحْنُ فِيهِ لا نَظَرَ إلى اخْتِلافِ العِدَّتَيْنِ لِشُمُولِ لَفْظِ الأجَلِ، وخُصُوصِ - أُولاتِ الأحْمالِ - بِالنِّسْبَةِ إلى الأزْواجِ مُطْلَقًا، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ: بِالنِّسْبَةِ إلى المُطَلَّقاتِ والمُتَوَفّى عَنْهُنَّ رِجالُهُنَّ مُطْلَقًا فَلا فَرْقَ - قالَهُ في الكَشْفِ - ثُمَّ قالَ: ومَن ذَهَبَ إلى أبْعَدِ الأجَلَيْنِ احْتَجَّ بِأنَّ النَّصَّيْنِ مُتَعاضِدانِ لِأنَّ بَيْنَهُما عُمُومًا وخُصُوصًا مِن وجْهٍ ولا وجْهَ لِلْإلْغاءِ فَيَلْزَمُ الجَمْعُ، وفي القَوْلِ بِذَلِكَ يَحْصُلُ الجَمْعُ لِأنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ إذا زادَتْ فَقَدْ تَرَبَّصَتْ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا مَعَ الزِّيادَةِ وإنْ قَصُرَتْ وتَرَبَّصَتِ المُدَّةَ فَقَدْ وضَعَتْ وتَرَبَّصَتْ فَيَحْصُلُ العَمَلُ بِمُقْتَضى الآيَتَيْنِ، والجَوابُ أنَّهُ إلْغاءٌ لِلنَّصَّيْنِ لا جَمْعَ إذِ المُعْتَبَرُ الجَمْعُ بَيْنَ النَّصَّيْنِ لا بَيْنَ المُدَّتَيْنِ وذَلِكَ لِفَواتِ الحَصْرِ والتَّوْقِيتِ الَّذِي هو مُقْتَضى الآيَتَيْنِ. اهَـ فَتَدَبَّرْ.
وقَرَأ الضَّحّاكُ «أحْمالَهُنَّ» جَمْعًا ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في شَأْنِ أحْكامِهِ تَعالى ومُراعاةِ حُقُوقِها: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾ بِأنْ يُسَهِّلَ عَزَّ وجَلَّ أمْرَهُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: اليُسْرُ الثَّوابُ ”ومَن“ قِيلَ: لِلْبَيانِ قُدِّمَ عَلى المُبَيَّنِ لِلْفاصِلَةِ، وقِيلَ: بِمَعْنى في، وقِيلَ:
65:5Page 558
ذَٰلِكَ أَمۡرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُۥٓ إِلَيۡكُمۡۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُعۡظِمۡ لَهُۥٓ أَجۡرًا ٥
That is the command of Allāh, which He has sent down to you; and whoever fears Allāh - He will remove for him his misdeeds and make great for him his reward.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ المَنزِلَةِ في الفَضْلِ، وإفْرادُ الكافِ - مَعَ أنَّ الخِطابَ لِلْجَمْعِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْرُ اللَّهِ أنْزَلَهُ إلَيْكُمْ﴾ لِما أنَّها لِمُجَرَّدِ الفَرْقِ بَيْنَ الحاضِرِ والمُنْقَضِي لا لِتَعْيِينِ خُصُوصِيَّةِ المُخاطَبِينَ ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ بِالمُحافَظَةِ عَلى أحْكامِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ﴾ فَإنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ﴿ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا﴾ بِالمُضاعَفَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ - نُعْظِمُ - بِالنُّونِ التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ، وقَرَأ ابْنُ مُقْسِمٍ - يُعَظِّمُ -بِالياءِ والتَّشْدِيدِ مُضارِعَ عَظَّمَ مُشَدَّدًا،
65:6Page 559
أَسۡكِنُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ سَكَنتُم مِّن وُجۡدِكُمۡ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيۡهِنَّۚ وَإِن كُنَّ أُوْلَٰتِ حَمۡلٖ فَأَنفِقُواْ عَلَيۡهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ فَإِنۡ أَرۡضَعۡنَ لَكُمۡ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأۡتَمِرُواْ بَيۡنَكُم بِمَعۡرُوفٖۖ وَإِن تَعَاسَرۡتُمۡ فَسَتُرۡضِعُ لَهُۥٓ أُخۡرَىٰ ٦
Lodge them1 [in a section] of where you dwell out of your means and do not harm them in order to oppress them.2 And if they should be pregnant, then spend on them until they give birth. And if they breastfeed for you, then give them their payment and confer among yourselves in the acceptable way; but if you are in discord, then there may breastfeed for him [i.e., the father] another woman.3
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ
صفحة 139
مِمّا قَبْلَهُ مِنَ الحَثِّ عَلى التَّقْوى كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ نَعْمَلُ بِالتَّقْوى في شَأْنِ المُعْتَدّاتِ ؟ فَقِيلَ: ﴿أسْكِنُوهُنَّ﴾ إلَخْ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ أيْ أسْكَنُوهُنَّ بَعْضَ مَكانِ سُكْناكم، ولْتَسْكُنْ إذا لَمْ يَكُنْ إلّا بَيْتٌ واحِدٌ في بَعْضِ نَواحِيهِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: هي لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾ أيْ مِن وُسْعِكم أيْ مِمّا تُطِيقُونَهُ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ عَلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يُعْرَفُ عَطْفُ بَيانٍ يُعادُ فِيهِ العامِلُ إنَّما هَذا طَرِيقَةُ البَدَلِ مَعَ حَرْفِ الجَرِّ ولِذَلِكَ أعْرَبَهُ أبُو البَقاءِ بَدَلًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المُرادَ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ عَطْفُ بَيانٍ لِلْجارِّ والمَجْرُورِ لا المَجْرُورِ فَقَطْ حَتّى يُقالَ ذَلِكَ مَعَ أنَّهُ لا يَبْرُدُ لَهُ بِسَلامَةِ الأمِيرِ وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ عَطْفِ البَيانِ والبَدَلِ إلّا في أمْرٍ يَسِيرٍ، ولا يَخْفى قُوَّةُ كَلامِ أبِي حَيّانَ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ «مِن وجْدِكم» بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ الفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ويَعْقُوبُ بِكَسْرِها - وذَكَرَها المَهْدَوِيُّ عَنِ الأعْرَجِ - والمَعْنى في الكُلِّ الوُسْعُ ﴿ولا تُضارُّوهُنَّ﴾ ولا تَسْتَعْمِلُوا مَعَهُنَّ الضِّرارَ في السُّكْنى ﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ فَتُلْجِئُوهُنَّ إلى الخُرُوجِ بِشَغْلِ المَكانِ أوْ بِإسْكانِ مَن لا يُرِدْنَ السُّكْنى مَعَهُ ونَحْوَ ذَلِكَ ﴿وإنْ كُنَّ﴾ أيِ المُطَلَّقاتُ ﴿أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فَيَخْرُجْنَ عَنِ العِدَّةِ، وأمّا المُتَوَفّى عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ فَلا نَفَقَةَ لَهُنَّ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ مَسْعُودٍ تَجِبُ نَفَقَتُهُنَّ في التَّرِكَةِ، ولا خِلافَ في وُجُوبِ سُكْنى المُطَلَّقاتِ أُولاتِ الحَمْلِ ونَفَقَتِهِنَّ بُتَّ الطَّلاقُ أوْ لَمْ يُبَتَّ. واخْتُلِفَ في المُطَلَّقاتِ اللّاتِي لَسْنَ أُولاتِ حَمْلٍ بَعْدَ الِاتِّفاقِ عَلى وُجُوبِ السُّكْنى لَهُنَّ إذا لَمْ يَكُنَّ مَبْتُوتاتٍ، فَقالابْنُ المُسَيَّبِ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ وعَطاءٌ والشَّعْبِيُّ والحَسَنُ ومالِكٌ والأوْزاعِيُّ وابْنُ أبِي لَيْلى والشّافِعِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ: لِلْمُطَلَّقَةِ الحائِلِ المَبْتُوتَةِ السُّكْنى ولا نَفَقَةَ لَها، وقالَ الحَسَنُ وحَمّادٌ وأحْمَدُ وإسْحاقُ وأبُو ثَوْرٍ والإمامِيَّةُ: لا سُكْنى لَها ولا نَفَقَةَ لِحَدِيثِ «فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قالَتْ: طَلَّقَنِي زَوْجِي أبُو عَمْرِو بْنُ حَفْصِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيُّ البَتَّةَ فَخاصَمْتُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في السُّكْنى والنَّفَقَةِ فَلَمْ يَجْعَلْ لِي سُكْنى ولا نَفَقَةً وأمَرَنِي أنْ أعْتَدَّ في بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ثُمَّ أنْكَحَنِي أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ»، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ: لَها السُّكْنى والنَّفَقَةُ فَهُما عِنْدَهُ لِكُلِّ مُطْلَقَةٍ لَمْ تَكُنْ ذاتَ حَمْلٍ، ودَلِيلُهُ «أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ في المَبْتُوتَةِ: «لَها النَّفَقَةُ والسُّكْنى»» مَعَ أنَّ ذَلِكَ جَزاءُ الِاحْتِباسِ وهو مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الحائِلِ والحامِلِ، ولَوْ كانَ جَزاءً لِلْحَمْلِ لَوَجَبَ في مالِهِ إذا كانَ لَهُ مالٌ ولَمْ يَقُولُوا بِهِ.
ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ - أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ وأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ مِن وُجْدِكم - ومَن خَصَّ الإنْفاقَ بِالمُعْتَدّاتِ أُولاتِ الحَمْلِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ لِمَكانِ الشَّرْطِ فِيها وهو لا يَتِمُّ عَلى النّافِينَ لِمَفْهُومِ المُخالَفَةِ مَعَ أنَّ فائِدَةَ الشَّرْطِ ها هُنا أنَّ الحامِلَ قَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّها لا نَفَقَةَ لَها لِطُولِ مُدَّةِ الحَمْلِ فَأثْبَتَ لَها النَّفَقَةَ لِيُعْلَمَ غَيْرُها بِالطَّرِيقِ الأوْلى - كَما في الكَشّافِ - فَهو مِن مَفْهُومِ المُوافَقَةِ، وحَدِيثُ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَدْ طَعَنَ فِيهِ عُمَرُ وعائِشَةُ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وغَيْرُهم ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ عَلى الإرْضاعِ ﴿وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ خِطابٌ لِلْآباءِ والأُمَّهاتِ، والِافْتِعالُ بِمَعْنى التَّفاعُلِ، يُقالُ: ائْتَمَرَ القَوْمُ وتَآمَرُوا بِمَعْنى، قالَ الكِسائِيُّ: والمَعْنى تَشاوَرُوا، وحَقِيقَتُهُ
صفحة 140
لِيَأْمُرْ بَعْضُكم بَعْضًا بِمَعْرُوفٍ أيْ جَمِيلٍ في الأُجْرَةِ والإرْضاعِ ولا يَكُنْ مِنَ الأبِ مُماسَكَةٌ ولا مِنَ الأُمِّ مُعاسَرَةٌ، وقِيلَ: المَعْرُوفُ الكُسْوَةُ والدِّثارُ ﴿وإنْ تَعاسَرْتُمْ﴾ أيْ تَضايَقْتُمْ أيْ ضَيَّقَ بَعْضُكم عَلى الآخَرِ بِالمُشاحَّةِ في الأُجْرَةِ أوْ طَلَبِ الزِّيادَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ أيْ فَسَتُوجَدُ ولا تَعُوزُ مُرْضِعَةٌ أُخْرى، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: مُعاتَبَةٌ لِلْأُمِّ لِأنَّهُ كَقَوْلِكَ لِمَن تَسْتَقْضِيهِ حاجَةً فَتَتَعَذَّرُ مِنهُ: سَيَقْضِيها غَيْرُكَ أيْ سَتَقْضِي وأنْتَ مَلُومٌ.
وخَصَّ الأُمَّ بِالمُعاتَبَةِ عَلى ما قالَ ابْنُ المُنِيرِ لِأنَّ المَبْذُولَ مِن جِهَتِها هو لَبَنُها لِوَلَدِها وهو غَيْرُ مُتَمَوَّلٍ ولا مَضْمُونٌ بِهِ في العُرْفِ وخُصُوصًا مِنَ الأُمِّ عَلى الوَلَدِ، ولا كَذَلِكَ المَبْذُولُ مِن جِهَةِ الأبِ فَإنَّهُ المالُ المُضْنُونَ بِهِ عادَةً، فالأُمُّ إذَنْ أجْدَرُ بِاللَّوْمِ وأحَقُّ بِالعَتْبِ، والكَلامُ عَلى مَعْنى فَلْيَطْلُبْ لَهُ الأبُ مُرْضِعَةً أُخْرى فَيَظْهَرُ الِارْتِباطُ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ الكَلامَ لا يَخْلُو عَنْ مُعاتَبَةِ الأبِ أيْضًا حَيْثُ أُسْقِطَ في الجَوابِ عَنْ حَيِّزِ شَرَفِ الخِطابِ مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّهُ إذا ضايَقَ الأُمَّ في الأجْرِ فامْتَنَعَتْ مِنَ الإرْضاعِ لِذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن إرْضاعِ امْرَأةٍ أُخْرى، وهي أيْضًا تَطْلُبُ الأجْرَ في الأغْلَبِ والأُمُّ أشْفَقُ فَهي بِهِ أوْلى، وبِذَلِكَ يَظْهَرُ كَمالُ الِارْتِباطِ، والأوَّلُ أظْهَرُ فَتَدَبَّرْ، وقِيلَ: ﴿فَسَتُرْضِعُ﴾ خَبَرٌ بِمَعْنى الأمْرِ أيْ فَلْتُرْضِعْ، ولَيْسَ بِذاكَ، وهَذا الحُكْمُ إذا قَبِلَ الرَّضِيعُ ثَدْيَ أُخْرى أمّا إذا لَمْ يَقْبَلُ إلّا ثَدْيَ أُمِّهِ فَقَدْ قالُوا: تُجْبَرُ عَلى الإرْضاعِ بِأُجْرَةِ مِثْلِها
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences