Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
At-Tahrim 66:4–7
66:4Page 560
إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدۡ صَغَتۡ قُلُوبُكُمَاۖ وَإِن تَظَٰهَرَا عَلَيۡهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوۡلَىٰهُ وَجِبۡرِيلُ وَصَٰلِحُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ ٤
If you two [wives] repent to Allāh, [it is best], for your hearts have deviated. But if you cooperate against him - then indeed Allāh is his protector, and Gabriel and the righteous of the believers and the angels, moreover, are [his] assistants.
﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ﴾ خِطابٌ لِحَفْصَةَ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغِيبَةِ إلى الخِطابِ لِلْمُبالَغَةِ في المُعاتَبَةِ فَإنَّ المُبالِغَ في العِتابِ يَصِيرُ المُعاتَبِ أوَّلًا بَعِيدًا عَنْ ساحَةِ الحُضُورِ، ثُمَّ إذا اشْتَدَّ غَضَبُهُ تَوَجَّهَ إلَيْهِ وعاتَبَهُ بِما يُرِيدُ، وكَوْنُ الخِطابِ لَهُما لِما أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ حِبّانَ وغَيْرُهُ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمْ أزَلْ حَرِيصًا أنْ أسْألَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ المَرْأتَيْنِ مِن أزْواجِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اللَّتَيْنِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ تَتُوبا﴾ إلَخْ حَتّى حَجَّ عُمَرُ وحَجَجْتُ مَعَهُ فَلَمّا كانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ عُمَرُ وعَدَلْتُ مَعَهُ بِالإداوَةِ فَنَزَلَ ثُمَّ إنِّي صَبَبْتُ عَلى يَدَيْهِ فَتَوَضَّأ فَقُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ مَنِ المَرْأتانِ مِن أزْواجِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اللَّتانِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ تَتُوبا﴾ إلَخْ ؟ فَقالَ: واعَجَبًا لَكَ يا ابْنَ عَبّاسٍ هُما عائِشَةُ وحَفْصَةُ ثُمَّ أنْشَأ يُحَدِّثُنِي الحَدِيثَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ»، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ مالَتْ عَنِ الواجِبِ مِن مُخالَفَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِحُبِّ ما يُحِبُّهُ وكَراهَةِ ما يَكْرَهُهُ إلى مُخالَفَتِهِ، والجُمْلَةُ قائِمَةٌ مَقامَ جَوابِ الشَّرْطِ بَعْدَ حَذْفِهِ. والتَّقْدِيرُ إنْ تَتُوبا فَلِتَوْبَتِكُما مُوجِبٌ وسَبَبٌ ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ أوْ فَحُقَّ لَكُما ذَلِكَ فَقَدْ صَدَرَ ما يَقْتَضِيها وهو عَلى مَعْنى فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ:
إذا ما انْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ
مِن أنَّهُ بِتَأْوِيلِ تَبَيَّنَ أنِّي لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ، وجَعَلَها ابْنُ الحاجِبِ جَوابًا مِن حَيْثُ الإعْلامُ كَما قِيلَ في: إنْ تُكْرِمْنِي اليَوْمَ فَقَدْ أكْرَمَتُكَ أمْسِ، وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ يَمْحُ إثْمَكُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِسَبَبِ التَّوْبَةِ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَقَدْ أدَّيْتُما ما يَجِبُ عَلَيْكُما أوْ أتَيْتُما بِما يَحِقُّ لَكُما، وما ذُكِرَ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ قِيلَ: وإنَّما لَمْ يُفَسِّرُوا ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ بِمالَتْ إلى الواجِبِ أوِ الحَقِّ أوِ الخَيْرِ حَتّى يَصِحَّ جَعْلُهُ جَوابًا مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ لِأنَّ صِيغَةَ الماضِي - وقَدْ - وقِراءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ - فَقَدْ زاغَتْ قُلُوبُكُما - وتَكْثِيرَ المَعْنى مَعَ تَقْلِيلِ اللَّفْظِ تَقْتَضِي ما سَلَفَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنَّما يَتَمَشّى عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ مِن أنَّ الجَوابَ يَكُونُ ماضِيًا وإنْ لَمْ يَكُنْ لَفْظُ كانَ، فِيهِ نَظَرٌ، والجَمْعُ في ﴿قُلُوبُكُما﴾ دُونَ التَّثْنِيَةِ لِكَراهَةِ اجْتِماعِ تَثْنِيَتَيْنِ مَعَ ظُهُورِ المُرادِ وهو في مِثْلِ ذَلِكَ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا مِنَ التَّثْنِيَةِ والإفْرادِ، قالَ أبُو حَيّانَ: لا يَجُوزُ عِنْدَ أصْحابِنا إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ:
صفحة 153
حَمامَةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي
وغَلَّطَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ابْنَ مالِكٍ في قَوْلِهِ في التَّسْهِيلِ: ويُخْتارُ لَفْظُ الإفْرادِ عَلى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ ﴿وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ وتَخْفِيفِ الظّاءِ، وهي قِراءَةُ عاصِمٍ ونافِعٍ في رِوايَةٍ، وطَلْحَةَ والحَسَنِ وأبِي رَجاءٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ - تَظّاهَرا - بِتَشْدِيدِ الظّاءِ، وأصْلُهُ تَتَظاهَرا فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الظّاءِ، وبِالأصْلِ قَرَأ عِكْرِمَةُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ أُخْرى - تَظَّهَّرا - بِتَشْدِيدِ الظّاءِ والهاءِ دُونَ ألِفٍ، والمَعْنى فَإنْ تَتَعاوَنا عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما يَسُوؤُهُ مِنَ الإفْراطِ في الغَيْرَةِ وإفْشاءِ سِرِّهِ.
﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ﴾ أيْ ناصِرُهُ والوَقْفُ عَلى ما في البَحْرِ وغَيْرِهِ هُنا أحْسَنُ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وجِبْرِيلُ﴾ مُبْتَدَأً، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ﴾ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، وقَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ بَعْدَ نُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ظَهِيرٌ﴾ وجَعَلُوهُ الخَبَرَ عَنِ الجَمِيعِ، وهو بِمَعْنى الجَمْعِ أيْ مُظاهِرُونَ، واخْتِيرَ الإفْرادُ لِجَعْلِهِمْ كَشَيْءٍ واحِدٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ ”جِبْرِيلُ“ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ مُقَدَّرٌ نَظِيرَ ما قالُوا في قَوْلِهِ:
ومَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ عَلى جِبْرِيلَ أيْ ﴿وجِبْرِيلُ﴾ مَوْلاهُ ﴿وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، والخَبَرُ ﴿ظَهِيرٌ﴾، وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ اخْتِيارُ الوَقْفِ عَلى ”المُؤْمِنِينَ“ فَظَهِيرٌ خَبَرُ المَلائِكَةِ، وعَلَيْهِ غالِبُ مُخْتَصِرِيهِ، وظاهِرُ كَلامِهِمُ التَّقْدِيرُ لِكُلٍّ مِن جِبْرِيلَ وصالِحِ المُؤْمِنِينَ خَبَرًا وهو إمّا لَفْظُ مَوْلًى مُرادًا بِهِ مَعَ كُلِّ مَعْنى مِن مَعانِيهِ المُناسِبَةِ أيْ ﴿وجِبْرِيلُ﴾ مَوْلاهُ أيْ قَرِينُهُ ﴿وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ مَوْلاهُ أيْ تابِعُهُ، أوْ لَفْظٌ آخَرُ بِذَلِكَ المَعْنى المُناسِبِ وهو قَرِينُهُ في الأوَّلِ وتابِعُهُ في تابِعِهِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ المَوْلى في الجَمْعِ بِمَعْنى النّاصِرِ كَما لا يَخْفى، وزِيادَةُ ”هو“ عَلى ما في الكَشّافِ لِلْإيذانِ بِأنَّ نُصْرَتَهُ تَعالى عَزِيمَةٌ مِن عَزائِمِهِ وأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ مُتَوَلِّي ذَلِكَ بِذاتِهِ تَعالى، وهو تَصْرِيحٌ بِأنَّ الضَّمِيرَ لَيْسَ مِنَ الفَصْلِ في شَيْءٍ، وأنَّهُ لِلتَّقَوِّي لا لِلْحَصْرِ، والحَصْرُ أكْثَرِيٌّ في المَعْرِفَتَيْنِ عَلى ما نَقَلَهُ في الإيضاحِ، وإنْ كانَ كَلامُ السَّكّاكِيِّ مُوهِمًا الوُجُوبَ وهَذا والمُبالَغَةُ مُحَقَّقَةٌ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ وحَقَّقَ في الأُصُولِ، وأمّا الحَصْرُ فَلَيْسَ مِن مُقْتَضى اللَّفْظِ فَلا يُرِدْ أنَّ الأوْلى أنْ يَكُونَ ﴿وجِبْرِيلُ﴾ وما بَعْدَهُ مُخْبَرًا عَنْهُ - بِظَهِيرٍ - وإنَّ سُلِّمَ فَلا يُنافِيهِ لِأنَّ نُصْرَتَهم نُصْرَتُهُ تَعالى فَلَيْسَ مِنَ المُمْتَنِعِ عَلى نَحْوِ زَيْدٌ المُنْطَلِقُ وعَمْرٌو، كَذا في الكَشْفِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذِّكْرِ مَزِيدُ فَضْلِهِ بَلْ هو رَأْسُ الكَرُوبِيِّينَ، والمُرادُ بِالصّالِحِ عِنْدَ كَثِيرٍ الجِنْسُ الشّامِلُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، وأُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ هُنا، ومِثْلُهُ قَوْلُكَ: كُنْتُ في السّامِرِ والحاضِرِ، ولِذا عَمَّ بِالإضافَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اللَّفْظُ جَمِيعًا، وكانَ القِياسُ أنْ يُكْتَبَ - وصالِحُو -بِالواوِ إلّا أنَّها حُذِفَتْ خَطًّا تَبَعًا لِحَذْفِها لَفْظًا، وقَدْ جاءَتْ أشْياءُ في المُصْحَفِ تُبِعَ فِيها حُكْمُ اللَّفْظِ دُونَ وضْعِ الخَطِّ نَحْوَ - ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ﴾ [الإسْراءَ: 11] و﴿يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القَمَرَ: 6] و﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العَلَقَ: 18] ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ [ص: 21] -إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ الإضافَةَ لِلْعَهْدِ فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وقَتادَةَ والعَلاءِ بْنِ زِيادٍ، ومُظاهَرَتِهِمْ لَهُ قِيلَ: تَضَمَّنَ كَلامُهم ذَمَّ المُتَظاهِرِينَ عَلى نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وفِيهِ مِنَ الخَفاءِ ما فِيهِ وقِيلَ: عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ﴿وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ،» ورَوى الإمامِيَّةُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ «أنَّ النَّبِيَّ
صفحة 154
صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ نَزَلَتْ أخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ هَذا صالِحُ المُؤْمِنِينَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ قالَ: هو عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأخْرَجَ هو وجَماعَةٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: ﴿وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ نَزَلَ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ خاصَّةً، وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ أنَّهُ قالَ: ﴿وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وقِيلَ: الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ قالا: نَزَلَتْ ﴿وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وذَهَبَ إلى تَفْسِيرِهِ بِهِما عِكْرِمَةُ ومَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ وغَيْرُهُما، وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ أبِي أُمامَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في فَضائِلِ الصَّحابَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ﴿وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أبِي يَقْرَؤُها ﴿وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، ورَجَّحَ إرادَةَ ذَلِكَ بِأنَّهُ اللّائِقُ بِتَوْسِيطِهِ بَيْنَ جِبْرِيلَ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الظَّهِيرِ المَعْنَوِيِّ والظَّهِيرِ الصُّورِيِّ كَيْفَ لا وإنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ظَهِيرٌ لَهُ ﷺ يُؤَيِّدُهُ بِالتَّأْيِيداتِ الإلَهِيَّةِ وهُما وزِيراهُ وظَهِيراهُ في تَدْبِيرِ أُمُورِ الرِّسالَةِ وتَمْشِيَةِ أحْكامِها الظّاهِرَةِ مَعَ أنَّ بَيانَ مُظاهَرَتِهِما لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أشَدُّ تَأْثِيرًا في قُلُوبِ بِنْتَيْهِما وتَوْهِينًا لِأمْرِهِما.
وأنا أقُولُ العُمُومُ أوْلى، وهُما - وكَذا عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - يَدْخُلانِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والتَّنْصِيصُ عَلى بَعْضٍ في الأخْبارِ المَرْفُوعَةِ إذا صَحَّتْ لِنُكْتَةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ لا لِإرادَةِ الحَصْرِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: مِن صالِحِ المُؤْمِنِينَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ»، وفائِدَةُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ نُصْرَةَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أقْوى وُجُوهِ نُصْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وإنْ تَنَوَّعَتْ، ثُمَّ لا خَفاءَ في أنَّ نُصْرَةَ جَمِيعِ المَلائِكَةِ - وفِيهِمْ جِبْرِيلُ - أقْوى مِن نُصْرَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ.
وقِيلَ: الإشارَةُ إلى مُظاهَرَةِ صالِحِ المُؤْمِنِينَ خاصَّةً فالتَّعْظِيمُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، وفي التَّنْبِيهِ عَلى هَذا دَفْعُ تَوَهُّمِ ما يُوهِمُهُ التَّرْتِيبُ الذِّكْرِيُّ مِن أعْظَمِيَّةِ مُظاهَرَةِ المُتَقَدِّمِ، وبِالجُمْلَةِ فائِدَةُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ نَحْوَ فائِدَةِ - ثُمَّ - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهو التَّفاوُتُ الرُّتْبِيُّ أيْ أعْظَمِيَّةُ رُتْبَةِ ما بَعْدَها بِالنِّسْبَةِ إلى ما قَبْلَها وهَذا لا يَتَسَنّى عَلى ما نُقِلَ عَنِ البَحْرِ بَلْ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى تَبَعِيَّةِ المَذْكُورِينَ في النُّصْرَةِ والإعانَةِ عَزَّ وجَلَّ، وأيًّا ما كانَ فَإنَّ شَرْطِيَّةَ - وتَظاهَرا - فِعْلُ الشَّرْطِ، والجُمْلَةُ المَقْرُونَةُ بِالفاءِ دَلِيلُ الجَوابِ، وسَبَبٌ أُقِيمَ مَقامَهُ، والأصْلُ فَإنَّ ﴿تَظاهَرا﴾ عَلَيْهِ فَلَنْ يُعْدَمَ مَن يُظاهِرُهُ فَإنَّ اللَّهَ مَوْلاهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ هي بِنَفْسِها الجَوابَ عَلى أنَّها مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ، وأعْظَمَ جَلَّ جَلالُهُ شَأْنَ النُّصْرَةِ لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى هاتَيْنِ الضَّعِيفَتَيْنِ إمّا لِلْإشارَةِ إلى عِظَمِ مَكْرِ النِّساءِ أوْ لِلْمُبالَغَةِ في قَطْعِ حِبالِ طَمَعِهِما لِعِظَمِ مَكانَتِهِما عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ ولِأُمُومَتِهِما لَهم وكَرامَةً لَهُ ﷺ ورِعايَةً لِأبَوَيْهِما في أنَّ تَظاهُرَهُما يُجْدِيهِما نَفْعًا.
وقِيلَ: المُرادُ المُبالَغَةُ في تَوْهِينِ أمْرِ تَظاهُرِهِما ودَفْعِ ما عَسى أنْ يَتَوَهَّمَهُ المُنافِقُونَ مِن ضَرَرِهِ في أمْرِ النُّبُوَّةِ والتَّبْلِيغِ وقَهْرِ أعْداءِ الدِّينِ لِما أنَّ العادَةَ قاضِيَةٌ بِاشْتِغالِ بالِ الرَّجُلِ بِسَبَبِ تَظاهُرِ أزْواجِهِ عَلَيْهِ، وفِيهِ أيْضًا مَزِيدُ إغاظَةٍ لِلْمُنافِقِينَ وحَسْمٌ لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنَّ تَظاهُرًا عَلَيْهِ لا يَضُرُّ ذَلِكَ في أمْرِهِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى هو مَوْلاهُ وناصِرُهُ في أمْرِ دِينِهِ وسائِرِ شُؤُونِهِ عَلى كُلِّ مَن يَتَصَدّى لِما يَكْرَهُهُ ﴿وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ مُظاهِرُونَ لَهُ ومُعِينُونَ إيّاهُ كَذَلِكَ، ويُلائِمُ هَذا تَرْكُ ذِكْرِ المُعانِ عَلَيْهِ حَيْثُ
صفحة 155
لَمْ يَقُلْ ظَهِيرٌ لَهُ عَلَيْكُما مَثَلًا، وكَذا تَرْكُ ذِكْرِ المُعانِ فِيهِ وتَخْصِيصُ - صالِحِ المُؤْمِنِينَ - بِالذِّكْرِ، وتَقْوى هَذِهِ المُلاءَمَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ مِن تَفْسِيرِ - صالِحِ المُؤْمِنِينَ - بِمَن بَرِئَ مِنَ النِّفاقِ فَتَأمَّلْ.
66:5Page 560
عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبۡدِلَهُۥٓ أَزۡوَٰجًا خَيۡرٗا مِّنكُنَّ مُسۡلِمَٰتٖ مُّؤۡمِنَٰتٖ قَٰنِتَٰتٖ تَٰٓئِبَٰتٍ عَٰبِدَٰتٖ سَٰٓئِحَٰتٖ ثَيِّبَٰتٖ وَأَبۡكَارٗا ٥
Perhaps his Lord, if he divorced you [all], would substitute for him wives better than you - submitting [to Allāh], believing, devoutly obedient, repentant, worshipping, and traveling1 - [ones] previously married and virgins.
﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ﴾ أيْ أنْ يُعْطِيَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَدَلَكُنَّ ﴿أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ والخِطابُ لِجَمِيعِ زَوْجاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، وخُوطِبْنَ لِأنَّهُنَّ في مَهْبِطِ الوَحْيِ وساحَةِ العِزِّ والحُضُورِ، ويُرْشِدُ إلى هَذا ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ عُمَرُ: اجْتَمَعَ نِساءُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الغَيْرَةِ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: ”عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ خَيْرًا مِنكُنَّ“ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ولَيْسَ فِيها أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُطَلِّقْ حَفْصَةَ وأنَّ في النِّساءِ خَيْرًا مِنهُنَّ مَعَ أنَّ المَذْهَبَ عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ عَلى وجْهِ الأرْضِ خَيْرٌ مِنهُنَّ لِأنَّ تَعْلِيقَ طَلاقِ الكُلِّ لا يُنافِي تَطْلِيقَ واحِدَةٍ والمُعَلَّقُ بِما لَمْ يَقَعْ لا يَجِبُ وُقُوعُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْجَمِيعِ عَلى التَّغْلِيبِ، وأصْلُ الخِطابِ لِاثْنَتَيْنِ مِنهُنَّ وهُما المَخاطَبَتانِ أوَّلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ إلَخْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُما وغَيْرَكُما أنْ يُبْدِلَهُ خَيْرًا مِنكُما ومِن غَيْرِكُما مِنَ الأزْواجِ، والظّاهِرُ أنَّ عَدَمَ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُطَلِّقْ حَفْصَةَ وأنَّ في النِّساءِ خَيْرًا مِن أزْواجِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى حالِهِ لِأنَّ التَّعْلِيقَ عَلى طَلاقِ الِاثْنَتَيْنِ ولَمْ يَقَعْ فَلا يَجِبُ وُقُوعُ المُعَلَّقِ ولا يُنافِي تَطْلِيقَ واحِدَةٍ، وقالَ الخَفاجِيُّ والتَّغْلِيبُ في خِطابِ الكُلِّ مَعَ أنَّ المُخاطَبَ أوَّلًا اثْنَتانِ، وفي لَفْظَةِ ”إنْ“ الشَّرْطِيَّةِ أيْضًا الدّالَّةِ عَلى عَدَمِ وُقُوعِ الطَّلاقِ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ طَلَّقَ حَفْصَةَ فَغُلِّبَ ما لَمْ يَقَعْ مِنَ الطَّلاقِ عَلى الواقِعِ وعَلى التَّعْمِيمِ لا تَغْلِيبَ في الخِطابِ ولا في ”إنْ“ . انْتَهى، وفِيهِ بَحْثٌ، ثُمَّ إنَّ المَشْهُورَ أنَّ ﴿عَسى﴾ في كَلامِهِ تَعالى لِلْوُجُوبِ، وأنَّ الوُجُوبَ هُنا إنَّما هو بَعْدَ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ، وقِيلَ: هي كَذَلِكَ إلّا هُنا، والشَّرْطُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ اسْمِ ﴿عَسى﴾ وخَبَرِها.
والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ إنْ طَلَّقَكُنَّ فَعَسى إلَخْ، و﴿أزْواجًا﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ - لِيُبْدِلَ – و﴿خَيْرًا﴾ صِفَتُهُ وكَذا ما بَعْدُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَيّاشٍ «طَلَّقَكُّنَّ» بِإدْغامِ القافِ في الكافِ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ «يُبَدِّلَهُ» بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ ﴿مُسْلِماتٍ﴾ مُقِرّاتٍ ﴿مُؤْمِناتٍ﴾ مُخْلِصاتٍ لِأنَّهُ يُعْتَبَرُ في الإيمانِ تَصْدِيقُ القَلْبِ، وهو لا يَكُونُ إلّا مُخْلِصًا، أوْ مُنْقاداتٍ عَلى أنَّ الإسْلامَ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ مُصَدِّقاتٌ ﴿قانِتاتٍ﴾ مُصَلِّياتٍ أوْ مُواظِباتٍ عَلى الطّاعَةِ مُطْلَقًا ﴿تائِباتٍ﴾ مُقْلِعاتٍ عَنِ الذَّنْبِ ﴿عابِداتٍ﴾ مُتَعَبِّداتٍ أوْ مُتَذَلِّلاتٍ لِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿سائِحاتٍ﴾ صائِماتٍ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو هُرَيْرَةَ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قالَ الفَرّاءُ: وسُمِّيَ الصّائِمُ سائِحًا لِأنَّ السّائِحَ لا زادَ مَعَهُ. وإنَّما يَأْكُلُ مِن حَيْثُ يَجِدُ الطَّعامَ، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ويَمانُ: مُهاجِراتٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَيْسَ في الإسْلامِ سِياحَةٌ إلّا الهِجْرَةَ، وقِيلَ: ذاهِباتٌ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى أيَّ مَذْهَبٍ.
وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ «سَيِّحاتٍ» ﴿ثَيِّباتٍ﴾ جَمْعُ ثَيِّبٍ مِن ثابَ يَثُوبُ ثَوْبًا، وزْنُهُ فَيْعَلٌ كَسَيِّدٍ وهي الَّتِي تَثُوبُ أيْ تَرْجِعُ عَنِ الزَّوْجِ أيْ بَعْدَ زَوالِ عُذْرَتِها ﴿وأبْكارًا﴾ جَمْعُ بِكْرٍ مِن بَكَرَ إذا خَرَجَ بُكْرَةً وهي أوَّلُ النَّهارِ، وفِيها مَعْنى التَّقَدُّمِ سُمِّيَتْ بِها الَّتِي لَمْ تُفْتَضَّ اعْتِبارًا بِالثَّيِّبِ لِتَقَدُّمِها عَلَيْها فِيما يُرادُ لَهُ النِّساءُ، وتُرِكَ العَطْفُ
صفحة 156
فِي الصِّفاتِ السّابِقَةِ لِأنَّها صِفاتٌ تَجْتَمِعُ في شَيْءٍ واحِدٍ وبَيْنَها شِدَّةُ اتِّصالٍ يَقْتَضِي تَرْكَ العَطْفِ ووَسَّطَ العاطِفَ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى تَغايُرِ الصِّفَتَيْنِ وعَدَمِ اجْتِماعِهِما في ذاتٍ واحِدَةٍ، ولَمْ يُؤْتَ - بِأوْ - قِيلَ: لِيَكُونَ المَعْنى أزْواجًا بَعْضُهُنَّ ثَيِّباتٌ وبَعْضُهُنَّ أبْكارٌ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: وسَّطَ العاطِفَ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ لِأنَّهُما في حُكْمِ صِفَةٍ واحِدَةٍ إذِ المَعْنى مُشْتَمِلاتٌ عَلى الثَّيِّباتِ والأبْكارِ فَتَدَبَّرْ، وفي الِانْتِصافِ لِابْنِ المُنِيرِ ذَكَرَ لِيَ الشَّيْخُ ابْنُ الحاجِبِ أنَّ القاضِيَ الفاضِلَ عَبْدَ الرَّحِيمِ البِيسانِيَّ الكاتِبَ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّ الواوَ في الآيَةِ هي الواوُ الَّتِي سَمّاها بَعْضُ ضَعْفَةِ النُّحاةِ واوَ الثَّمانِيَةِ لِأنَّها ذُكِرَتْ مَعَ الصِّفَةِ الثّامِنَةِ، وكانَ الفاضِلُ يَتَبَجَّحُ بِاسْتِخْراجِها زائِدَةً عَلى المَواضِعِ الثَّلاثَةِ المَشْهُورَةِ قَبْلَهُ: أحَدُها في التَّوْبَةِ ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التَّوْبَةَ: 112]، والثّانِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكَهْفَ: 22]، والثّالِثُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزُّمُرَ: 73] إلى أنْ ذَكَرَ ذَلِكَ يَوْمًا بِحَضْرَةِ أبِي الجُودِ النَّحْوِيِّ المُقْرِئِ فَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ واهِمٌ في عَدِّها مِن ذَلِكَ القَبِيلِ، وأحالَ عَلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن دُعاءِ الضَّرُورَةِ إلى الإتْيانِ بِها ها هُنا لِامْتِناعِ اجْتِماعِ الصِّفَتَيْنِ في مَوْصُوفٍ واحِدٍ وواوُ الثَّمانِيَةِ إنْ ثَبَتَتْ فَإنَّما تَرِدُ بِحَيْثُ لا حاجَةَ إلَيْها إلّا الإشْعارَ بِتَمامِ نِهايَةِ العَدَدِ الَّذِي هو السَّبْعَةُ فَأنْصَفَهُ الفاضِلُ واسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنهُ، وقالَ: أرْشَدْتَنا يا أبا الجُودِ. انْتَهى.
وذُكِرَ الجِنْسانِ لِأنَّ في أزْواجِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَن تَزَوَّجَها ثَيِّبًا وفِيهِنَّ مَن تَزَوَّجَها بِكْرًا، وجاءَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا إلّا عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وكانَتْ تَفْتَخِرُ بِذَلِكَ عَلى صَواحِباتِها، ورَدَّتْ عَلَيْها الزَّهْراءُ عَلى أبِيها وعَلَيْها الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَعْلِيمِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيّاها حِينَ افْتَخَرَتْ عَلى أُمِّها خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بِقَوْلِها: إنَّ أُمِّي تَزَوَّجَ بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو بِكْرٌ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ مِنَ النِّساءِ غَيْرَها ولا كَذَلِكَ أنْتُنَّ فَسَكَتَتْ
66:6Page 560
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ ٦
O you who have believed, protect yourselves and your families from a Fire whose fuel is people and stones, over which are [appointed] angels, harsh and severe; they do not disobey Allāh in what He commands them but do what they are commanded.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكُمْ﴾ نارًا أيْ نَوْعًا مِنَ النّارِ ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ تَتَّقِدُ بِهِما اتِّقادَ غَيْرِها بِالحَطَبِ، ووِقايَةُ النَّفْسِ عَنِ النّارِ بِتَرْكِ المَعاصِي وفِعْلِ الطّاعاتِ، ووِقايَةُ الأهْلِ بِحَمْلِهِمْ عَلى ذَلِكَ بِالنُّصْحِ والتَّأْدِيبِ، ورُوِيَ «أنَّ عُمَرَ قالَ حِينَ نَزَلَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ نَقِي أنْفُسَنا فَكَيْفَ لَنا بِأهْلِينا ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: تَنْهَوْهُنَّ عَمّا نَهاكُمُ اللَّهُ عَنْهُ وتَأْمُرُوهُنَّ بِما أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ وِقايَةً بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ النّارِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: عَلِّمُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكُمُ الخَيْرَ وأدَّبُوهم، والمُرادُ بِالأهْلِ عَلى ما قِيلَ: ما يَشْمَلُ الزَّوْجَةَ والوَلَدَ والعَبْدَ والأمَةَ.
واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى الرَّجُلِ تَعَلُّمُ ما يَجِبُ مِنَ الفَرائِضِ وتَعْلِيمُهُ لِهَؤُلاءِ، وأدْخَلَ بَعْضُهُمُ الأوْلادَ في الأنْفُسِ لِأنَّ الوَلَدَ بَعْضٌ مِن أبِيهِ، وفي الحَدِيثِ ««رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قالَ: يا أهْلاهُ صَلاتَكم صِيامَكم زَكاتَكم مَسْكَنَكم يَتِيمَكم جِيرانَكم لَعَلَّ اللَّهَ يَجْمَعُكم مَعَهُ في الجَنَّةِ»»، وقِيلَ: إنَّ أشَدَّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ مَن جَهِلَ أهْلَهُ.
وقُرِئَ - وأهْلُوكم -بِالواوِ وهو عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿قُوا﴾ وحَسُنَ العَطْفُ لِلْفَصْلِ بِالمَفْعُولِ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَ بَعْضٍ ولْيَقِ أهْلُوكم أنْفُسَهم ولَمْ يَرْتَضِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وذَكَرَ ما حاصِلُهُ أنَّ الأصْلَ ﴿قُوا﴾ أنْتُمْ وأهْلُوكم أنْفُسَكم وأنْفُسَهم بِأنْ يَقِيَ ويَحْفَظَ كُلٌّ مِنكم ومِنهم نَفْسَهُ عَمّا يُوبِقُها، فَقَدَّمَ أنْفُسَكم، وجَعَلَ الضَّمِيرَ المُضافَ إلَيْهِ الأنْفُسَ مُشْتَمِلًا عَلى الأهْلِينَ تَغْلِيبًا فَشَمِلَهُمُ الخِطابُ، وكَذا اعْتُبِرَ التَّغْلِيبُ في ﴿قُوا﴾، وفِيهِ
صفحة 157
تَقْلِيلٌ لِلْحَذْفِ وإيثارُ العَطْفِ المُفْرَدِ الَّذِي هو الأصْلُ والتَّغْلِيبُ الَّذِي نُكْتَتُهُ الدَّلالَةُ عَلى الأصالَةِ والتَّبَعِيَّةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ «وُقُودُها» بِضَمِّ الواوِ أيْ ذُو وُقُودِها، وتَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ يُعْلَمُ مِمّا مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ﴾ أيْ أنَّهم مُوَكَّلُونَ عَلَيْها يَلُونَ أمْرَها وتَعْذِيبَ أهْلِها وهُمُ الزَّبانِيَةُ التِّسْعَةَ عَشَرَ قِيلَ: وأعْوانُهم ﴿غِلاظٌ شِدادٌ﴾ غِلاظُ الأقْوالِ شِدادُ الأفْعالِ، أوْ غِلاظُ الخُلُقِ شِدادُ الخَلْقِ أقْوِياءُ عَلى الأفْعالِ الشَّدِيدَةِ، أخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ قالَ: بَلَغَنا أنَّ خَزَنَةَ النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ ما بَيْنَ مَنكِبَيْ أحَدِهِمْ مَسِيرَةُ مِائَةِ خَرِيفٍ لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ رَحْمَةٌ إنَّما خُلِقُوا لِلْعَذابِ يَضْرِبُ المَلَكُ مِنهُمُ الرَّجُلَ مِن أهْلِ النّارِ الضَّرْبَةَ فَيَتْرُكُهُ طَحْنًا مِن لَدُنْ قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾ صِفَةٌ أُخْرى - لِمَلائِكَةٍ - وما في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى البَدَلِ أيْ لا يَعْصُونَ ما أمَرَ اللَّهُ أيْ ما أمَرَهُ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى:﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طَهَ: 93] أوْ عَلى إسْقاطِ الجارِّ أيْ لا يَعْصُونَ فِيما أمَرَهم بِهِ ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ أيِ الَّذِي يَأْمُرُهم عَزَّ وجَلَّ بِهِ، والجُمْلَةُ الأُولى لِنَفْيِ المُعانَدَةِ والِاسْتِكْبارِ عَنْهم صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأعْرافَ: 206]، والثّانِيَةُ لِإثْباتِ الكِياسَةِ لَهم ونَفْيِ الكَسَلِ عَنْهم فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ إلى ﴿لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنْبِياءَ: 19، 20]، وبِعِبارَةٍ أُخْرى إنَّ الأُولى لِبَيانِ القَبُولِ باطِنًا فَإنَّ العِصْيانَ أصْلُهُ المَنعُ والإباءُ، وعِصْيانُ الأمْرِ صِفَةُ الباطِنِ بِالحَقِيقَةِ لِأنَّ الإتْيانَ بِالمَأْمُورِ إنَّما يُعَدُّ طاعَةً إذا كانَ بِقَصْدِ الِامْتِثالِ فَإذًا نَفْيُ العِصْيانِ عَنْهم دَلَّ عَلى قَبُولِهِمْ وعَدَمِ إبائِهِمْ باطِنًا، والثّانِيَةُ لِأداءِ المَأْمُورِ بِهِ مِن غَيْرِ تَثاقُلٍ وتَوانٍ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ الِاسْتِمْرارُ المُسْتَفادُ مِن ”يَفْعَلُونَ“ فَلا تَكْرارَ، وفي الحُصُولِ ﴿لا يَعْصُونَ﴾ فِيما مَضى عَلى أنَّ المُضارِعَ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ في الآتِي.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ الطَّرْدِ والعَكْسِ وهو كُلُّ كَلامَيْنِ يُقَرِّرُ الأوَّلُ بِمَنطُوقِهِ مَفْهُومَ الثّانِي وبِالعَكْسِ مُبالَغَةً في أنَّهم لا تَأْخُذُهم رَأْفَةٌ في تَنْفِيذِ أوامِرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والغَضَبِ لَهُ سُبْحانَهُ.
66:7Page 560
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَعۡتَذِرُواْ ٱلۡيَوۡمَۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٧
O you who have disbelieved, make no excuses that Day. You will only be recompensed for what you used to do.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ﴾ مَقُولٌ لِقَوْلٍ قَدْ حُذِفَ ثِقَةً بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ يُقالُ لَهم ذَلِكَ عِنْدَ إدْخالِ المَلائِكَةِ إيّاهُمُ النّارَ حَسْبَما أُمِرُوا بِهِ، فَتَعْرِيفُ اليَوْمِ لِلْعَهْدِ ونَهْيُهم عَنِ الِاعْتِذارِ لِأنَّهم لا عُذْرَ لَهم أوْ لِأنَّ العُذْرَ لا يَنْفَعُهم ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي بَعْدَ ما نُهِيتُمْ عَنْهُما أشَدَّ النَّهْيِ وأُمِرْتُمْ بِالإيمانِ والطّاعَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences