Al-AlusiAl‑Mulk · 67:11–18

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Mulk 67:11–18

67:11Page 562

فَٱعۡتَرَفُواْ بِذَنۢبِهِمۡ فَسُحۡقٗا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ١١

And they will admit their sin, so [it is] alienation1 for the companions of the Blaze.

﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ الَّذِي هو كُفْرُهم وتَكْذِيبُهم بِآياتِ اللَّهِ تَعالى ونَذُرِهِ ( عَزَّ وجَلَّ ﴿فَسُحْقًا لأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ أيْ فَبَعُدا لَهم مِن رَحْمَتِهِ تَعالى وهو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والكِسائِيُّ «فَسُحْقًا» بِضَمِّ الحاءِ والسُّحْقُ مُطْلَقًا البُعْدُ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ أيْ سَحَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى سَحْقًا قالَ الشّاعِرُ:

يَجُولُ بِأطْرافِ البِلادِ مَغْرِبًا وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصِّبا كُلَّ مُسْحَقِ

وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ إمّا فِعْلٌ مُتَعَدٍّ مِنَ المَزِيدِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ كَما في قَوْلِهِ:

وإنْ أهْلِكُ فَذَلِكَ كانَ قَدَرِي أيْ تَقْدِيرِي والتَّقْدِيرُ فَأسْحَقَهُمُ اللَّهُ سَحْقًا أيْ إسْحاقًا، أوْ بِفِعْلٍ مُرَتَّبٍ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ أيْ فَأسْحَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَسُحِقُوا سَحْقًا كَما في قَوْلِهِ:

وعَضَّةَ دَهْرٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ تَدَعْ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مَسَحَتْ أوْ مُجَلَّفِ

أيْ لَمْ تَدَعْ فَلَمْ يَبْقَ إلّا مَسَحَتْ وإلى أوَّلِ الوَجْهَيْنِ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ والزَّجاجُ، وبَعْدَ ثُبُوتِ الفِعْلِ الثُّلاثِيِّ المُتَعَدِّي كَما في البَيْتِ وبِهِ قالَ أبُو حَيّانٍ لا يَحْتاجُ إلى ما ذَكَرَ. واللّامُ في ﴿لأصْحابِ﴾ لِلتَّبْيِينِ كَما في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يُوسُفَ: 23] وسَقْيًا لَكَ وفي الآيَةِ عَلى ما قِيلَ تَغْلِيبٌ، ولَعَلَّ وجْهَهُ عِنْدَ القائِلِ وهو أنَّ السُّوقَ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ فَسَحْقًا لَهم ولِأصْحابِ السَّعِيرِ فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أوَّلًا أحْوال الشَّياطِينِ حَيْثُ قالَهُ سُبْحانَهُ ﴿وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أحْوالَ الكُفّارِ حَيْثُ قالَ عَزَّ وجَلَّ ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ والأوْفَقُ بِقِراءَةِ النَّصْبِ والأبْعَدُ مِن شُبْهَةِ التَّكْرارِ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ غَيْرُ الشَّياطِينِ ثُمَّ قالَ تَعالى شَأْنُهُ ﴿فَسُحْقًا لأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ فَكَأنَّ السَّوْقُ يَقْتَضِي فَسُحْقًا لَهم ولِأصْحابِ السَّعِيرِ لَكِنْ لَمْ يَقُلْ كَذَلِكَ لِأجْلِ التَّغْلِيبِ حَيْثُ أطْلَقَ أصْحابَ السَّعِيرِ عَلى الشَّياطِينِ والكُفّارِ جَمِيعًا.

ولا يَضُرُّ في هَذا دَلالَةُ غَيْرِ آيَةٍ عَلى عَدَمِ اخْتِصاصِ أصْحابِ السَّعِيرِ بِالشَّياطِينِ بَلْ يُطْلَقُ عَلى سائِرِ الكَفَرَةِ أيْضًا لِأنَّهُ يَكْفِي في التَّغْلِيبِ الِاخْتِصاصُ المُتَبادِرُ مِنَ السَّوْقِ هُنا ولا تَوَقُّفَ لَهُ عَلى عَدَمِ جَوازِ إطْلاقِ ذَلِكَ عَلى غَيْرِ الشَّياطِينِ في شَيْءٍ مِنَ المَواضِعِ عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ لا حاجَةَ إلى التِزامِ اخْتِصاصِ أصْحابِ السَّعِيرِ بِالشَّياطِينِ أصْلًا ولَوْ بِحَسَبِ السَّوْقِ، بَلى يَكْفِي لِصِحَّةِ التَّوْجِيهِ كَوْنُهم أصِيلًا في دُخُولِ السَّعِيرِ والكُفّارُ مُلْحَقِينَ بِهِمْ كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ بِمَعْنى في عِدادِهِمْ وجُمْلَتِهِمْ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الدّاخِلُ في السَّعِيرِ قِسْمَيْنِ.

وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ ذِكْرُهُما مَعًا في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِالسَّحْقِ كَما يَشْهَدُ بِهِ سِياقُ الآيَةِ، لَكِنَّهُ عَدَّلَ وغَلَّبَ

صفحة 13

أصْحابَ السَّعِيرِ الدّالِّ عَلى الأصالَةِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ التَّوابِعِ وذَكَرَ أنَّ في هَذا التَّغَلُّبِ إيجازًا وهو ظاهِرٌ، ومُبالَغَةً أيْ في الإبْعادِ إذْ لَوْ أُفْرِدَ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِالذِّكْرِ لَأمْكَنَ أنْ يُتَوَهَّمَ تَفاوُتُ الإبْعادَيْنِ بِأنْ يَكُونَ إبْعادُ الكَفَرَةِ دُونَ إبْعادِ الشَّياطِينِ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ جَعْلُهُمُ الشَّياطِينَ أصِيلًا وأنْفُسَهم مُلْحَقَةً بِهِمْ، فَلَمّا ضُمُّوا إلَيْهِمْ في الحُكْمِ بِهِ دَلَّ عَلى أنَّ إبْعادَهم لَمْ يَقْصُرْ عَنْ إبْعادِ أُولَئِكَ وأيْضًا لَمّا غَلَّبَ سُبْحانَهُ وتَعالى أصْحابَ السَّعِيرِ وهُمُ الشَّياطِينُ عَلى الكُفّارِ فَقَدْ جَعَلَ الكَفّارَ مِن قَبِيلِ الشَّياطِينِ فَكَأنَّهم هم بِأعْيانِهِمْ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى وتَعْلِيلًا فَإنَّ تَرَقُّبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ وكَذا تَعَلُّقُهُ بِهِ يُشْعِرُ بِعِلِّيَتِهِ لَهُ فَيُشْعِرُ ذَلِكَ بِأنَّ الإبْعادَ حَصَلَ لَهم لِأجْلِ كَوْنِهِمْ أصْحابَ السَّعِيرِ.

وقِيلَ في تَوْجِيهِ التَّغْلِيبِ وما فِيهِ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ غَيْرُ هَذا، وقَدْ عُدَّ ذَلِكَ مِنَ المُشْكِلاتِ وغَدا مُعْتَرَكًا لِعُلَماءِ الرُّومِ وغَيْرِهِمْ مِنَ العُلَماءِ الأعْلامِ ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أقْرَبُ إلى الأفْهامِ وأبْعَدُ عَنِ النِّزاعِ والخِصامِ فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى ولِيُّ الأفْهامِ.

67:12Page 562

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ ١٢

Indeed, those who fear their Lord unseen will have forgiveness and great reward.

﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ أيْ يَخافُونَ عَذابَهُ غائِبًا عَنْهم أوْ غائِبِينَ عَنْهُ أوْ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ غَيْرَ مُرائِينَ أوْ بِما خَفِيَ مِنهم وهو قُلُوبُهم ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ لِذُنُوبِهِمْ ﴿وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ وتَقْدِيمُ المَغْفِرَةِ عَلى الأجْرِ لِأنَّ دَرْءَ المَضارِّ أهَمُّ مِن جَلْبِ المَنافِعِ والجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ قِيلَ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ.

67:13Page 563

وَأَسِرُّواْ قَوۡلَكُمۡ أَوِ ٱجۡهَرُواْ بِهِۦٓۖ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٣

And conceal your speech or publicize it; indeed, He is Knowing of that within the breasts.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ خَطابٌ عامٌّ لِلْمُكَلَّفِينَ كَما في قَوْلِهِ أوَّلًا ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ قالَ في الكَشْفِ أصْلُ الكَلامِ ولِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنكم أيُّها المُكَلَّفُونَ المُبْتَلُونَ ولِلَّذِينَ يَخْشَوْنَ مِنكم فَقَطَعَ هَذا الثّانِي جَوابًا عَنِ السُّؤالِ الَّذِي يَقْطُرُ مِن بَيانِ حالِ الكافِرِينَ مَعَ أنَّ ذِكْرَهم بِالعَرْضِ وهو ماذا حالُ مَن أحْسَنُ عَمَلًا ومَن خَرَجَ مُمَحَّصًا عِنْدَ الِابْتِلاءِ فَأُجِيبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ﴾ إلَخِ فَأثْبَتَ لَهم كَمالَ العِلْمِ ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطِرٍ: 28] . وكَمالَ التَّقْوى لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿بِالغَيْبِ﴾ وفي هَذا القَطْعِ تَرْشِيحٌ لِلْمَعْنى المَرْمُوزِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ أيْ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكُمْ﴾ المُتَّقِي تَخْصِيصًا لَهم بِأنَّهُمُ المَقْصُودُونَ ولَوْ عُطِفَ لَدَلَّ عَلى التَّساوِي، ثُمَّ قِيلَ فاتَّقُوهُ في السِّرِّ والعَلَنِ ودُومُوا أنْتُمْ أيُّها الخاشِعُونَ عَلى خَشْيَتِكم وأنِيبُوا إلى الخَشْيَةِ والتَّقْوى أيُّها المُغْتَرُّونَ، واعْتَقِدُوا اسْتِواءَ أسْرارِكم وجَهْرِكم في عِلْمِ رَبِّكم فَكُونُوا عَلى حَذَرٍ واخْشَوْهُ حَقَّ الخَشْيَةِ فَقَوْلُهُ تَعالى ذَلِكَ عَطْفٌ عَلى هَذا المُضْمَرِ.

وجُوِّزَ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ إلَخِ اسْتِطْرادٌ عَقِيبَ ذِكْرِ الكُفّارِ وجَزائِهِمْ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿وأسِرُّوا﴾ ﴿أوِ اجْهَرُوا﴾ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ إلى أصْحابِ السَّعِيرِ لِبُعْدِ العَهْدِ وزِيادَةِ الِاخْتِصاصِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كَأنَّهُ قِيلَ ولِلْكافِرِينَ بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ ثُمَّ قِيلَ مِن صِفَتِها كَيْتَ وكَيْتُ، وإسْرارُكم بِالقَوْلِ وجَهْرُكم بِهِ أيُّها الكافِرُونَ سِيّانِ فَلا تَفُوتُونَنا جَهَرْتُمْ بِالكُفْرِ والبَغْضاءِ، أوْ أبْطَنْتُمُوهُما فَهو مِن تَتِمَّةِ الوَعِيدِ ثُمَّ قالَ والأوَّلُ امْلَأُ بِالقَبُولِ انْتَهى ويَظْهَرُ لِي بُعْدُ الأوَّلِ ويُؤَيِّدُ الثّانِي ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ نَزَلَتْ ﴿وأسِرُّوا﴾ إلَخِ في المُشْرِكِينَ كانُوا يَنالُونَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَيُوحى إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكم كَيْلا يَسْمَعَ رَبُّ مُحَمَّدٍ فَقِيلَ لَهم أسِرُّوا ذَلِكَ أوِ اجْهُرُوا بِهِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُهُ.

وتَقْدِيمُ السِّرِّ عَلى الجَهْرِ لِلْإيذانِ بِافْتِضاحِهِمْ ووُقُوعِ ما يَحْذَرُونَهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ، والمُبالَغَةُ في شُمُولِ عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ المُحِيطِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ كَأنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِما يُسِرُّونَهُ أقْدَمُ مِنهُ بِما يَجْهَرُونَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِما في الحَقِيقَةِ عَلى السَّوِيَّةِ، أوْ لِأنَّ مَرْتَبَةَ السِّرِّ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ الجَهْرِ إذْ ما مِن شَيْءٍ يَجْهَرُ بِهِ إلّا وهو أوْ مَبادِئُهُ مُضْمَرٌ في القَلْبِ غالِبًا فَتَعَلُّقُ عِلْمُهُ تَعالى بِحالَتِهِ الأُولى مُتَقَدِّمٌ عَلى تَعَلُّقِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ وتَقْرِيرٌ لَهُ وفي صِيغَةِ الفَعِيلِ وتَحْلِيَةِ الصُّدُورِ بِلامِ الِاسْتِغْراقِ ووَصْفُ الضَّمائِرِ بِصاحِبَتِها مِنَ الجَزالَةِ ما لا يَخْفى كَأنَّهُ قِيلَ إنَّهُ عَزَّ وجَلَّ مُبالِغٌ في الإحاطَةِ بِمُضْمِراتِ جَمِيعِ النّاسِ وأسْرارِهِمُ الخَفِيَّةِ المُسْتَكِنَّةِ في صُدُورِهِمْ

صفحة 14

بِحَيْثُ لا تَكادُ تُفارِقُها أصْلًا فَكَيْفَ لا يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَهُ وتَجْهَرُونَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِذاتِ الصُّدُورِ القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى ﴿عَلِيمٌ﴾ بِالقُلُوبِ وأحْوالِها فَلا يَخْفى عَلَيْهِ سِرٌّ مِن أسْرارِها.

67:14Page 563

أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ ١٤

Does He who created not know,1 while He is the Subtle, the Aware?

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ إنْكارٌ ونَفْيٌ لِعَدَمِ إحاطَةِ عِلْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ومَن فاعِلُ ﴿يَعْلَمُ﴾ أيْ ألا يَعْلَمُ السِّرَّ والجَهْرَ مَن أوْجَدَ بِمُوجِبِ حِكْمَتِهِ جَمِيعَ الأشْياءِ الَّتِي هُما مِن جُمْلَتِها.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يَعْلَمُ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ أيْ ألا يَعْلَمُ ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ تَعالى المُتَوَصِّلُ عِلْمُهُ إلى ما ظَهَرَ مِن خَلْقِهِ وما بَطَنَ وقِيلَ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿خَلَقَ﴾ والأوَّلُ أظْهَرُ وقُدِّرَ مَفْعُولُ يَعْلَمُ بِما سَمِعْتَ ولَمْ يَجْعَلِ الفِعْلَ مِن بابِ يُعْطِي ويَمْنَعُ لِمَكانِ هَذِهِ الحالِ عَلى ما قِيلَ إذْ لَوْ قُلْتَ ألا يَكُونُ عالِمًا مَن هو خالِقٌ ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ لَمْ يَكُنْ مَعْنًى صَحِيحًا لِاعْتِمادِ ألا يَعْلَمُ عَلى الحالِ والشَّيْءُ لا يُوَقَّتُ بِنَفْسِهِ فَلا يُقالُ: ألا يَعْلَمُ وهو عالِمٌ، ولَكِنْ ألا يَعْلَمُ كَذا وهو عالِمٌ كُلَّ شَيْءٍ وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ اللَّطِيفَ هو العالِمُ بِالخَفِيّاتِ فَيَكُونُ المَعْنى ألا يَكُونَ عالِمًا وهو عالِمٌ بِالخَفِيّاتِ وهو مُسْتَقِيمٌ. وأُجِيبُ بِأنَّ لا يَعْلَمُ مِن ذَلِكَ البابِ وهو عَلى ما قَرَّرَهُ السَّكّاكِيُّ مُسْتَغْرِقٌ في المَقامِ الخِطابِيِّ ( واللَّطِيفُ الخَبِيرُ ) مَن يُوَصِّلُ عِلْمَهُ إلى ما ظَهَرَ مَن خَلْقِهِ وما بَطَنَ فَهُما سَواءٌ في الِاسْتِغْراقِ والإطْلاقِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ الِاسْتِغْراقَ غَيْرُ لازِمٍ كَما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ [القَصَصِ: 23] . الآيَةُ ولَوْ سَلَّمَ فالوَجْهُ مُخْتَلِفٌ لِأنَّ العُمُومَ المُسْتَفادَ مِنَ الثّانِي لَيْسَ العُمُومَ المُسْتَفادَ مِنَ الأوَّلِ، فَإنَّ اللُّطْفَ لِلْعِلْمِ بِالخَفايا خاصَّةً ويَلْزَمُ العِلْمُ بِالجَلايا مِن طَرِيقِ الدَّلالَةِ، ثُمَّ إنَّ الغَزالِي اعْتَبَرَ في مَفْهُومِ اللَّطِيفِ مَعَ العِلْمِ بِخَفايا الأُمُورِ سُلُوكَ سَبِيلِ الرِّفْقِ في إيصالِ ما يُصْلِحُها فَلا يَتَكَرَّرُ مَعَ الخَبِيرِ بِناءً عَلى أنَّهُ العالِمُ بِالخَفايا أيْضًا.

والوَجْهُ في الحاجَةِ إلى التَّقْدِيرِ كَما قالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا يَعْلَمُ﴾ تَذْيِيلٌ بَعْدَ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ فَرَبْطُ المَعْنى أنَّ يُقالَ ﴿ألا يَعْلَمُ﴾ هَذا الخَفِيَّ أعْنِي قَوْلَكُمُ المُسَرَّ بِهِ أوْ ألا يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم مَن يَعْلَمُ دَقائِقَ الخَفايا وجَلائِلَها جُمَلُها وتَفاصِيلُها، ولَوْ قِيلَ ألا يَكُونُ عالِمًا بَلِيغَ العِلْمِ مَن هو كَذا لَمْ يَرْتَبِطْ ولَكانَ فِيهِ عَيٌّ وقُصُورٌ وجَوَّزَ كَوْنَ مَن مَفْعُولَ خَلَقَ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانٍ أيْ ألا يَعْلَمُ مَخْلُوقَهُ وهَذِهِ حالُهُ ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ فِيهِ إقامَةَ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى الرَّبِّ وهو أدَلُّ عَلى المَحْذُوفِ أعْنِي السِّرَّ والجَهْرَ وتَعْمِيمُ المَخْلُوقِ المُتَناوِلِ لَهُما تَناوُلًا أوَّلِيًّا ولِهَذا قَدَّرُوا مَن خَلَقَ الأشْياءَ دَلالَةً عَلى أنَّ حَذْفَ المَفْعُولِ لِلتَّعْمِيمِ.

67:15Page 563

هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ ١٥

It is He who made the earth tame1 for you - so walk among its slopes and eat of His provision - and to Him is the resurrection.

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا﴾ غَيْرَ صَعْبَةٍ يَسْهُلُ جِدًّا عَلَيْكُمُ السُّلُوكُ فِيها فَهو فَعَوْلٌ لِلْمُبالِغَةِ في الذُّلِّ مِن ذُلٍّ بِالضَّمِّ ويُكْسَرُ ضِدَّ الصُّعُوبَةِ، ويُسْتَعْمَلُ المَضْمُومُ فِيما يُقابِلُ العِزَّ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ القامُوسِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الذَّلُولُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ مَذْلُولَةٍ كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ انْتَهى. وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِعْلَهُ قاصِرٌ وإنَّما يُعَدّى بِالهَمْزَةِ أوِ التَّضْعِيفِ فَلا يَكُونُ بِمَعْنى المَفْعُولِ، واسْتَظْهَرَ أنْ مَذْلُولَةً خَطَأٌ وقالَ بَعْضُهُمْ: يَقُولُونَ لِلدّابَّةِ إذا كانَتْ مُنْقادَةً غَيْرَ صَعْبَةٍ ذَلُولٌ مِنَ الذِّلِّ بِالكَسْرِ وهو سُهُولَةُ الِانْقِيادِ وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ وقِيلَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ وتَقْدِيمٌ لَكم عَلى مَفْعُولَيِ الجَعْلِ مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّأخُّرُ عَنْهُما لِلِاهْتِمامِ بِما قَدَّمَ والتَّشْوِيقِ إلى ما أخَّرَ فَإنَّ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ إذا أُخِّرَ لا سِيَّما عِنْدَ كَوْنِ المُقَدَّمِ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المُؤَخَّرِ مِن مَنافِعِ المُخاطَبِينَ تُبْقِي النَّفْسَ مُتَرَقِّبَةً لِوُرُودِهِ فَيَتَمَكَّنُ لَدَيْها عِنْدَ ذِكْرِهِ فَضْلُ تَمَكُّنٍ.

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فامْشُوا في مَناكِبِها﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى الجَعْلِ المَذْكُورِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها فَصِيحَةٌ والمُرادُ بِمَناكِبِها عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وغَيْرِهِما: جِبالُها. وقالَ الحَسَنُ: طُرُقُها وفِجاجُها. وأصْلُ المَنكِبِ مُجْتَمَعُ ما بَيْنَ العَضُدِ والكَتِفِ، واسْتِعْمالُهُ فِيما ذَكَرَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ التَّحْقِيقِيَّةِ وهي قَرِينَةُ المَكْنِيَّةِ في الأرْضِ حَيْثُ شُبِّهَتْ بِالبَعِيرِ كَما ذَكَرَهُ الخَفاجِيُّ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قُلْتَ كَيْفَ تَكُونُ مَكْنِيَّةً وقَدْ ذَكَرَ طَرَفُها الآخَرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلُولا﴾ قُلْتُ: هو بِتَقْدِيرِ أرْضًا ذَلُولًا فالمَذْكُورُ جِنْسُ الأرْضِ المُطْلَقُ، والمُشَبَّهُ هو

صفحة 15

الفَرْدُ الخارِجِيُّ وهو غَيْرُ مَذْكُورٍ فَيَجُوزُ كَوْنُ ذَلُولًا اسْتِعارَةً، والمَكْنِيَّةُ حِينَئِذٍ هي مَدْلُولُ الضَّمِيرِ لا المُصَرَّحُ بِها في النَّظْمِ الكَرِيمِ والمانِعُ مِنَ الِاسْتِعارَةِ ذِكْرُ المُشَبَّهِ بِعَيْنِهِ لا بِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.

وفِي الكَشّافِ: المَشْيُ في مَناكِبِها مَثَلٌ لِفَرْطِ التَّذْلِيلِ ومُجاوَزَتِهِ الغايَةَ لِأنَّ المَنكِبَيْنِ ومُلْتَقاهُما مِنَ الغارِبِ أرَقُّ شَيْءٍ مِنَ البَعِيرِ وإنْباهٌ عَنْ أنْ يَطَأهُ الرّاكِبُ بِقَدَمِهِ ويَعْتَمِدَ عَلَيْهِ لَمْ يَتْرُكْ بَقِيَّةً مِنَ التَّذْلِيلِ، والمُرادُ أنَّهُ لَيْسَ هُنا أمْرٌ بِالمَشْيِ حَقِيقَةً وإنَّما القَصْدُ بِهِ إلى جَعْلِهِ مَثَلًا لِفَرْطِ التَّذْلِيلِ سَواءٌ كانَتِ المَناكِبُ مُفَسَّرَةً بِالجِبالِ أوْ غَيْرِها وسَواءٌ كانَ ما قَبْلُ اسْتِعارَةً أوْ تَشْبِيهًا ﴿وكُلُوا مِن رِزْقِهِ﴾ انْتَفَعُوا بِما أنْعَمَ جَلَّ شَأْنُهُ وكَثِيرًا ما يُعَيِّرُ عَنْ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ بِالأكْلِ لِأنَّهُ الأهَمُّ الأعَمُّ.

وفِي أنْوارِ التَّنْزِيلِ أيِ التَمِسُوا مِن نِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى أنَّ الأكْلَ مَجازٌ عَنِ الِالتِماسِ مِن قَبِيلِ ذِكْرِ المَلْزُومِ وإرادَةِ اللّازِمِ، قِيلَ: وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى (اِمْشُوا) وجَوَّزَ بَعْضٌ إبْقاءَهُ عَلى ظاهِرِهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ الِاكْتِفاءِ ولَيْسَ بِذاكَ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى نَدْبِ التَّسَبُّبِ والكَسْبِ.

وفِي الحَدِيثِ ««إنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّ العَبْدَ المُؤْمِنَ المُحْتَرِفَ»»

وهَذا لا يُنافِي التَّوَكُّلَ. بَلْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قالَ مَرَّ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْمٍ فَقالَ: مَن أنْتُمْ؟ فَقالُوا: المُتَوَكِّلُونَ. قالَ: أنْتُمُ المُتّاكِلُونَ، إنَّما المُتَوَكِّلُ رَجُلٌ ألْقى حَبَّهُ في بَطْنِ الأرْضِ وتَوَكَّلَ عَلى رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وتَمامُ الكَلامِ في هَذا الفَصْلِ في مَحَلِّهِ. والمَشْهُورُ أنَّ الأمْرَ في المَوْضِعَيْنِ لِلْإباحَةِ وجَوَّزَ كَوَّنَهُ لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ لِأنَّ مِنَ المَشْيِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ ما هو واجِبٌ كَما لا يَخْفى.

﴿وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ أيِ المَرْجِعُ بَعْدَ البَعْثِ لا إلى غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ فَبالِغُوا في شُكْرِ نِعَمِهِ الَّتِي مِنها تَذْلِيلُ الأرْضِ وتَمْكِينُكم مِنها وبَثُّ الرِّزْقِ فِيها، ومِمّا يَقْضِي مِنهُ العَجَبُ جَوازُ عَوْدِ ضَمِيرِ رِزْقِهِ عَلى الأرْضِ بِاعْتِبارِ أنَّها مَبْدَأٌ أوْ عُنْصُرٌ مِنَ العَناصِرِ، أوْ ذَلُولٌ وهو يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ أيْ مِنَ الرِّزْقِ الَّذِي خَلَقَ عَلَيْها، وكَذا ضَمِيرُ إلَيْهِ أيْ وإلى الأرْضِ نَشُورُكم ورُجُوعُكم فَتَخْرُجُونَ مِن بُيُوتِكم وقُصُورِكم إلى قُبُورِكم. وجُمْلَةُ إلَيْهِ النُّشُورُ قِيلَ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ بَعْدَ مُلاحَظَةِ ما تَرَتَّبُ عَلَيْها وقِيلَ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ المَرْفُوعِ فَتَدَبَّرْ.

67:16Page 563

ءَأَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخۡسِفَ بِكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ١٦

Do you feel secure that He who is above1 would not cause the earth to swallow you and suddenly it would sway?2

﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ﴾ وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ فَقِيلَ عَلى تَأْوِيلِ ﴿مَن في السَّماءِ﴾ أمْرُهُ سُبْحانَهُ وقَضاؤُهُ يَعْنِي أنَّهُ مِنَ التَّجَوُّزِ في الإسْنادِ أوْ أنَّ فِيهِ مُضافًا مُقَدَّرًا وأصْلُهُ مَن في السَّماءِ أمْرُهُ، فَلَمّا حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ ارْتَفَعَ واسْتَتَرَ. وقِيلَ: عَلى تَقْدِيرِ خالِقِ مَن في السَّماءِ وقِيلَ: ﴿فِي﴾ بِمَعْنى عَلى ويُرادُ العُلُوُّ بِالقَهْرِ والقُدْرَةِ وقِيلَ هو مَبْنِيٌّ عَلى زَعْمِ العَرَبِ حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهُ سُبْحانَهُ في السَّماءِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ( أأمِنتُمْ ) مَن تَزْعُمُونَ أنَّهُ ﴿فِي السَّماءِ﴾ وهو مُتَعالٍ عَنِ المَكانِ وهَذا في غايَةِ السَّخافَةِ فَكَيْفَ يُناسِبُ بِناءُ الكَلامِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ عَلى زَعْمِ بَعْضِ زَعْمِ الجَهَلَةِ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ، أوْ هو غَيْرُهُ عَزَّ شَأْنُهُ وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم فَقِيلَ: أُرِيدَ بِالمَوْصُولِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المُوَكَّلُونَ بِتَدْبِيرِ هَذا العالَمِ وقِيلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو المَلِكُ المُوَكَّلُ بِالخَسْفِ، وأئِمَّةُ السَّلَفِ لَمْ يَذْهَبُوا إلى غَيْرِهِ تَعالى والآيَةُ عِنْدَهم مِنَ المُتَشابِهِ. وقَدْ قالَ ﷺ: ««آمَنُوا بِمُتَشابِهِهِ»» .

ولَمْ يَقُلْ أوَّلُوهُ فَهم مُؤْمِنُونَ بِأنَّهُ ( عَزَّ وجَلَّ ) في السَّماءِ عَلى المَعْنى الَّذِي أرادَهُ سُبْحانَهُ مَعَ كَمالِ التَّنْزِيهِ، وحَدِيثُ الجارِيَةِ مِن أقْوى الأدِلَّةِ لَهم في هَذا البابِ وتَأْوِيلُهُ بِما أوَّلَ ابْنُ الخَلَفِ خُرُوجٌ عَنْ دائِرَةِ الإنْصافِ عِنْدَ أُولِي الألْبابِ. وفي فَتْحِ البارِي لِلْحافِظِ ابْنِ حَجْرٍ أُسْنِدَ الَّلكائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الشَّيْبانِيِّ قالَ: اتِّفاقُ الفُقَهاءِ كُلِّهِمْ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ عَلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ والأحادِيثِ الَّتِي جاءَتْ بِها الثِّقاتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في صِفَةِ الرَّبِّ مِن غَيْرِ تَشْبِيهٍ ولا تَفْسِيرٍ.

وأسْنَدَ البَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أحْمَدَ بْنِ أبِي الحِوارِيِّ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيَنْةَ: كُلُّ ما وصَفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ نَفْسَهُ في كِتابِهِ فَتَفْسِيرُهُ تِلاوَتُهُ والسُّكُوتُ عَنْهُ وهَذِهِ طَرِيقَةُ

صفحة 16

الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.

وقالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ في الرِّسالَةِ النِّظامِيَّةِ: اخْتَلَفَ مَسالِكُ العُلَماءِ في هَذِهِ الظَّواهِرِ فَرَأى بَعْضُهم تَأْوِيلَها والتَزَمَ ذَلِكَ في آيِ الكِتابِ وما يَصِحُّ مِنَ السُّنَنِ، وذَهَبَ أئِمَّةُ السَّلَفِ إلى الِانْكِفافِ عَنِ التَّأْوِيلِ وإجْراءِ الظَّواهِرِ عَلى مَوارِدِها وتَفْوِيضِ مَعانِيها إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والَّذِي نَرْتَضِيهِ رَأْيًا ونَدِينُ اللَّهَ تَعالى بِهِ عَقِيدَةً اتِّباعُ سَلَفِ الأُمَّةِ لِلدَّلِيلِ القاطِعِ عَلى أنَّ إجْماعَ الأُمَّةِ حُجَّةٌ، فَلَوْ كانَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الظَّواهِرِ حَتْمًا لَأوْشَكَ أنْ يَكُونَ اهْتِمامُهم بِهِ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، إذِ انْصَرَمَ عَصْرُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ عَلى الإضْرابِ عَنِ التَّأْوِيلِ كانَ ذَلِكَ هو الوَجْهَ المُتَّبَعَ انْتَهى كَلامُ الإمامِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ النَّقْلُ في ذَلِكَ عَنْ أهْلِ العَصْرِ الثّالِثِ وهم فُقَهاءُ الأمْصارِ كالثَّوْرِيِّ والأوْزاعِيِّ ومالِكٍ واللَّيْثِ ومَن عاصَرَهم وكَذا مَن أخَذَ عَنْهم مِنَ الأئِمَّةِ، فَكَيْفَ لا يُوثَقُ بِما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ القُرُونِ الثَّلاثَةِ وهم خَيْرُ القُرُونِ بِشَهادَةِ صاحِبِ الشَّرِيعَةِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؟ انْتَهى كَلامُ الحافِظِ عَلى وجْهِ الِاخْتِصارِ.

ونَقَلَ نُصُوصَ الأئِمَّةِ في إجْراءِ ذَلِكَ عَلى الظّاهِرِ مَعَ التَّنْزِيهِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ يُفْضِي إلى مَزِيدِ بَسْطٍ وتَطْوِيلٍ وقَدْ أُلِّفَتْ فِيهِ كُتُبٌ مُعْتَبَرَةً مُطَوَّلَةٌ ومُخْتَصَرَةٌ. وفي تَنْبِيهِ العُقُولِ لِشَيْخِ مَشايِخِنا إبْراهِيمَ الكُورانِيِّ أنَّ إجْماعَ القُرُونِ الثَّلاثَةِ عَلى إجْراءِ المُتَشابِهاتِ عَلى مَوارِدِها مَعَ التَّنْزِيهِ بِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشُّورى: 11] دَلِيلٌ عَلى أنَّ الشّارِعَ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ أرادَ بِها ظَواهِرَها والجَزْمُ بِصِدْقِهِ ﷺ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ المُعارِضِ العَقْلِيِّ الدّالِّ عَلى نَقِيضِ ما دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ النَّقْلِيُّ في نَفْسِ الأمْرِ وإنْ تَوَهَمَهُ العاقِلُ في طَوْرِ النَّظَرِ والفِكْرِ. فَمَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى بِهَذا النَّحْوِ مِنَ الصِّفاتِ طَوْرٌ وراءَ ذَلِكَ انْتَهى.

وأنا أقُولُ في التَّأْوِيلِ اتِّباعُ الظَّنِّ وقَوْلُ في اللَّهِ ( عَزَّ وجَلَّ ) بِغَيْرِ عِلْمٍ وإلّا لاتَّحَدَ ما يَذْكُرُونَهُ مِنَ المَعْنى فِيهِ مَعَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ حَيْثُ يَذْكُرُونَ في تَأْوِيلِ شَيْءٍ واحِدٍ وُجُوهًا مِنَ الِاحْتِمالاتِ وفِيما عَلَيْهِ السَّلَفُ سَلامَةٌ مِن ذَلِكَ ويَكْفِي هَذا في كَوْنِهِ أحْسَنَ المَسالِكِ.

وما ( عَلَيَّ ) إذا ما قُلْتُ مُعْتَقَدِي دَعِ الجَهُولَ يَظُنُّ الجَهْلَ عُدْوانًا

وقَرَأ نافِعٌ «أأمِنتُمْ» بِتَحْقِيقِ الهَمْزَةِ الأُولى وتَسْهِيلِ الثّانِيَةِ وأدْخَلَ أبُو عَمْرٍو وقالُونَ بَيْنَهُما ألِفًا. وقَرَأ قُنْبُلٌ بِإبْدالِ الأُولى واوًا لِضَمِّ ما قَبْلَها وهو راءُ النُّشُورِ وعَنْهُ وعَنْ ورْشٍ غَيْرُ ذَلِكَ أيْضًا. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ( مَن ) وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ الجارِّ أيْ مِن أنْ يَخْسِفَ ومَحَلُّهُ حِينَئِذٍ النَّصْبُ أوِ الجَرُّ والباءُ لِلْمُلابَسَةِ والأرْضُ مَفْعُولٌ بِهِ لِيَخْسِفَ والخَسْفُ قَدْ يَتَعَدّى قالَ الرّاغِبُ يُقالُ خَسَفَهُ اللَّهُ تَعالى وخَسَفَ هو قالَ تَعالى: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ [القَصَصِ: 81] . أيْ أأمِنتُمْ مِن أنْ يُذْهِبَ الأرْضَ إلى سُفْلٍ مُلْتَبِسَةً بِكم وزَعَمَ بَعْضُهم لُزُومَ لُزُومِهِ وأنَّ ﴿الأرْضَ﴾ نُصِبَ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ أنْ يَخْسِفَ بِكم في الأرْضِ ولَيْسَ كَذَلِكَ ﴿فَإذا هِيَ﴾ حِينَ الخَسْفِ ﴿تَمُورُ﴾ تَرْتَجُّ وتَهْتَزُّ اهْتِزازًا شَدِيدًا، وأصْلُ المَوْرِ التَّرَدُّدُ في المَجِيءِ والذَّهابِ.

67:17Page 563

أَمۡ أَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗاۖ فَسَتَعۡلَمُونَ كَيۡفَ نَذِيرِ ١٧

Or do you feel secure that He who is above would not send against you a storm of stones? Then you would know how [severe] was My warning.

﴿أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ إضْرابٌ عَنِ الوَعِيدِ بِما تَقَدَّمَ إلى الوَعِيدِ بِوَجْهٍ آخَرَ أيْ بَلْ أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يُرْسِلَ إلَخِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الحاصِبِ والوَعِيدِ بِالخَسْفِ أوَّلًا لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ الأرْضِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا﴾ وقَدْ ذَكَرَ المِنَّةَ في تَسْهِيلِ المَشْيِ في مَناكِبِها وذِكْرِ إرْسالِ الحاصِبِ ثانِيًا وهَذا في مُقابَلَةِ الِامْتِنانِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وكُلُوا مِن رِزْقِهِ﴾ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذّارِياتِ: 22] قالَهُ في الكَشْفِ.

وفِي غُرَّةِ التَّنْزِيلِ لِلرّاغِبِ في وجْهِ تَقْدِيمِ الوَعِيدِ بِالخَسْفِ عَلى التَّوَعُّدِ بِالحاصِبِ إنَّهُ لَمّا كانَتِ الأرْضُ الَّتِي مَهَّدَها سُبْحانَهُ وتَعالى لَهم لِاسْتِقْرارِهِمْ يَعْبُدُونَ فِيها خالِقَها فَعَبَدُوا الأصْنامَ الَّتِي هي شَجَرُها أوْ حَجَرُها خُوِّفُوا بِما هو أقْرَبُ إلَيْهِمْ، والتَّخْوِيفُ بِالحاصِبِ مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي مَصاعِدُ كَلِمِهِمُ الطَّيِّبَةِ ومَعارِجُ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ لِأجْلِ أنَّهم بَدَّلُوهُما بِسَيِّئاتِ كُفْرِهِمْ وقَبائِحِ أعْمالِهِمْ، ولَعَلَّ ما أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا أوْلى ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ أيْ إنْذارِي فَنَذِيرٌ مَصْدَرٌ مِثْلُهُ في قَوْلِ حَسّانٍ:

صفحة 17

فَأُنْذِرُ مِثْلَها نُصْحًا قُرَيْشًا مِنَ الرَّحْمَنِ إنْ قَبِلَتْ نَذِيرِي

وهُوَ مُضافٌ إلى ياءِ الضَّمِيرِ والقُرّاءُ مُخْتَلِفُونَ فِيها فَمِنهم مَن حَذَفَها وصْلًا وأثْبَتَها وقْفًا ومِنهم مَن حَذَفَها في الحالَيْنِ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، والمَعْنى فَسَتَعْلَمُونَ ما حالُ إنْذارِي وقُدْرَتِي عَلى إيقاعِهِ عِنْدَ مُشاهَدَتِكم لِلْمُنْذَرِ بِهِ ولَكِنْ لا يَنْفَعُكُمُ العِلْمُ حِينَئِذٍ وقُرِئَ شاذًّا «فَسَيَعْلَمُونَ» بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ.

67:18Page 563

وَلَقَدۡ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ١٨

And already had those before them denied, and how [terrible] was My reproach.

﴿ولَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ مِن قَبْلِ كُفّارِ مَكَّةَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وأضْرابُهم والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِإبْرارِ الإعْراضِ عَنْهم ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ إنْكارِي عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ العَذابِ أيْ كانَ عَلى غايَةِ الهَوْلِ والفَظاعَةِ، وهَذا هو مَوْرِدُ التَّأْكِيدِ القَسَمِيِّ لا تَكْذِيبُهم فَقَطِ الكَلامُ في ﴿نَكِيرِ﴾ كالكَلامِ في ﴿نَذِيرِ﴾ وفي الكَلامِ مِنَ المُبالَغَةِ في تَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَشْدِيدِ التَّهْدِيدِ لِقَوْمِهِ ما لا يَخْفى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском