Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Mulk 67:4–10
67:4Page 562
ثُمَّ ٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ كَرَّتَيۡنِ يَنقَلِبۡ إِلَيۡكَ ٱلۡبَصَرُ خَاسِئٗا وَهُوَ حَسِيرٞ ٤
Then return [your] vision twice again.1 [Your] vision will return to you humbled while it is fatigued.
﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ أيْ رُجْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ في ارْتِيادِ الخَلَلِ والمُرادُ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْرِيرُ والتَّكْثِيرُ كَما قالُوا في لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ أيْ رَجْعَةً بَعْدَ رَجْعَةٍ أيْ رُجُعاتٌ كَثِيرَةٌ بَعْضُها في أثَرِ بَعْضٍ، وهَذا كَما أُرِيدَ بِأصْلِ المُثَنّى التَّكْثِيرُ في قَوْلِهِ:
لِوَعْدِ قَبْرٍ وقَبْرٌ كانَ أكْرَمَهم بَيْتًا وأبْعَدَهم عَنْ مَنزِلِ الذّامِّ
فَإنَّهُ يُرِيدُ لَوْ عُدْتَ قُبُورَ كَثِيرَةً وقِيلَ هو عَلى ظاهِرِهِ وأُمِرَ بِرَجْعِ البَصَرِ إلى السَّماءِ مَرَّتَيْنِ إذْ يُمْكِنُ غَلَطٌ في الأُولى فَيَسْتَدْرِكُ بِالثّانِيَةِ أوِ الأُولى لِيَرى حُسْنَها واسْتِواءَها والثّانِيَةُ لِيُبْصِرَ كَواكِبَها في سَيْرِها وانْتِهائِها ولَيْسَ بِشَيْءٍ. ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا﴾ فَإنَّهُ جَوابُ الأمْرِ والجَوابِيَّةُ تَقْتَضِي المُلازِمَةَ وما تَضَمَّنَهُ لا يَلْزَمُ مِنَ المَرَّتَيْنِ غالِبًا، والمَعْنى يَعُدْ إلَيْكَ البَصَرُ مَحْرُومًا مِن إصابَةِ ما التَمَسَهُ مِن إصابَةِ العَيْبِ والخَلَلِ كَأنَّهُ طَرَدَ عَنْهُ طَرْدًا بِالصِّغارِ بِناءً عَلى ما قِيلَ إنَّهُ مَأْخُوذٌ مَن خَسَأ الكَلْبُ المُتَعَدِّي أيْ طَرَدَهُ عَلى أنَّهُ اسْتِعارَةٌ، لَكِنْ في الصِّحاحِ يُقالُ: خَسّا بَصَرَهُ خَسًّا وخَسْوَأً أيْ سَدَرَ والسِّدْرُ تُحَيِّرُ النَّظَرِ فَكانَ تَفْسِيرُ ﴿خاسِئًا﴾ بِـ (مُتَحِيِّرًا) أخْذًا لَهُ مِن ذَلِكَ أقْرَبَ.
وكَأنَّهُمُ اخْتارُوا ما تَقَدَّمَ لِأنَّ فِيهِ مُبالَغَةً وبَلاغَةً ظاهِرَةً مَعَ كَوْنِهِ أبْعَدَ عَنِ التَّكْرارِ مَآلًا مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهُوَ حَسِيرٌ﴾ أيْ كَلَيْلٌ مِن طُولِ المُعاوَدَةِ وكَثْرَةِ المُراجَعَةِ. يُقالُ: حَسِرَ بَعِيرُهُ يَحْسَرُ حُسُورًا أيْ ( كَلَّ ) وانْقَطَعَ فَهو حَسِيرٌ ومَحْسُورٌ. وقالَ الرّاغِبُ: الحَسْرُ كَشْفُ المَلْبَسِ عَمّا عَلَيْهِ، يُقالُ: حَسِرَتْ عَنِ الذِّراعِ أيْ كَشَفَتْ، والحاسِرُ مَن لا دِرْعَ عَلَيْهِ ولا مِغْفَرَ. وناقَةٌ حَسِيرٌ انْحَسَرَ عَنْها اللَّحْمُ والقُوَّةُ، ونُوقٌ حَسْرى، والحاسِرُ أيْضًا المَعْنى لِانْكِشافِ قُواهُ ويُقالُ لَهُ أيْضًا مَحْسُورٌ أمّا الحاسِرُ فَتَصَوَّرَ أنَّهُ قَدْ حَسَرَ بِنَفْسِهِ قُواهُ، وأمّا المَحْسُورُ فَتَصَوَّرْ أنَّ التَّعَبَ قَدْ
صفحة 8
حَسَرَهُ وحَسِيرٌ في الآيَةِ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى حاسِرٍ وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَحْسُورٍ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ كالوَصْفِ السّابِقِ مِنَ البَصَرِ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ. وقَرَأ الخَوارِزْمِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ «يَنْقَلِبُ» بِالرَّفْعِ، وخَرَّجَ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ حالٍ مُقَدَّرَةٍ.
67:5Page 562
وَلَقَدۡ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلۡنَٰهَا رُجُومٗا لِّلشَّيَٰطِينِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ ٥
And We have certainly beautified the nearest heaven with lamps [i.e., stars] and have made [from] them what is thrown at the devils1 and have prepared for them the punishment of the Blaze.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ﴾ إلَخِ كَلامٌ مَسُوقٌ لِلْحَثِّ عَلى النَّظَرِ قُدْرَةً وامْتِنانًا. وفي الإرْشادِ بَيانٌ لِكَوْنِ خَلْقِ السَّماواتِ في غايَةِ الحُسْنِ والبَهاءِ إثْرَ بَيانِ ( خُلُوِّها ) عَنْ شائِبَةِ العَيْبِ والقُصُورِ، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِها أيْ وبِاللَّهِ لَقَدْ زَيَّنا السَّماءَ ﴿الدُّنْيا﴾ مِنكم أيِ الَّتِي هي أتَمُّ دُنُوًّا مِنكم مِن غَيْرِها فَدُنُوُّها بِالنِّسْبَةِ إلى ما تَحْتُ وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن حَوْلَ العَرْشِ فَبِالعَكْسِ ﴿بِمَصابِيحَ﴾ جَمْعُ مِصْباحٍ وهو السِّراجُ، وتُجُوِّزَ بِهِ عَنِ الكَوْكَبِ ثُمَّ جُمِعَ أوْ تُجُوِّزَ بِالمَصابِيحِ ابْتِداءً عَنِ الكَواكِبِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ بِمَقَرِّ السِّراجِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ تَجَوُّزًا عَلى تَجَوُّزٍ ولا حاجَةَ إلَيْهِ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِأنَّ المِصْباحَ نَفْسُ السِّراجِ أيْضًا وتَنْكِيرُها لِلتَّعْظِيمِ أيْ بِمَصابِيحَ عَظِيمَةٍ لَيْسَتْ كَمَصابِيحِكُمُ الَّتِي تَعْرِفُونَها. وقِيلَ لِلتَّنْوِيعِ والأوَّلُ أوْلى.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الكَواكِبُ المُضِيئَةُ بِاللَّيْلِ إضاءَةَ السِّراجِ مِنَ السَّيّاراتِ والثَّوابِتِ بِناءً عَلى أنَّها كُلَّها في أفْلاكٍ ومَجارٍ مُتَفاوِتَةٌ قُرْبًا وبُعْدًا في ثِخَنِ السَّماءِ الدُّنْيا، وكَوْنُ السَّماءِ هي الفُلْكَ خِلافُ المَعْرُوفِ عَنِ السَّلَفِ وإنَّما هو قَوْلٌ قالَهُ مَن أرادَ الجَمْعَ بَيْنَ كَلامِ الفَلاسِفَةِ الأُولى وكَلامِ الشَّرِيعَةِ فَشاعَ فِيما بَيْنَ الإسْلامِ واعْتَقَدَهُ مَنِ اعْتَقَدَهُ. وعَنْ عَطاءٍ أنَّ الكَواكِبَ في قَنادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ بِسَلاسِلَ مِن نُورٍ في أيْدِي مَلائِكَةٍ وعَلَيْهِ فَ ﴿زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ كَقَوْلِ القائِلِ:
زَيَّنْتُ السَّقْفَ بِالقَنادِيلِ وهو ظاهِرٌ لَكِنَّ الخَبَرَ لا يَكادُ يَصِحُّ. ومَنِ اعْتَقَدَ أنَّ السَّماءَ الدُّنْيا فَلَكُ القَمَرِ والسِّتُّ الباقِيَةُ أفْلاكُ السَّيّاراتِ الباقِيَةِ عَلى التَّرْتِيبِ المَشْهُورِ وأنَّ لِلثَّوابِتِ فَلَكًا مَخْصُوصًا يُسَمّى بِلِسانِ الشَّرْعِ بِالكُرْسِيِّ، أوْ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ في فَلَكِ زُحَلَ وهو السَّماءُ السّابِعَةُ، أوْ يَكُونَ بَعْضُها في فَلَكٍ وبَعْضُها الآخَرُ في آخَرَ فَوْقَهُ، أوْ كُلٌّ مِنها في فَلَكٍ وسَماءٍ غَيْرِ السَّبْعِ. والِاقْتِصارُ عَلى العَدَدِ القَلِيلِ لا يَنْفِي الكَثِيرَ قالَ: إنَّ تَخْصِيصَ السَّماءِ بِالتَّزْيِينِ بِها لِأنَّها إنَّما تُرى عَلَيْها ولا تَرى جُرْمَ ما فَوْقَها أوْ رِعايَةً لِمُقْتَضى إفْهامِ العامَّةِ لِتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ سَماءٍ وسَماءٍ عَلَيْهِمْ، فَهم يَرَوْنَ الكَواكِبَ كَجَواهِرَ مُتَلَأْلِئَةٍ عَلى بِساطِ الفَلَكِ الأزْرَقِ الأقْرَبِ، ومَنِ اعْتَبَرَ ما عَلَيْهِ أهْلُ الهَيْئَةِ اليَوْمَ مِن أنَّ الكَواكِبَ فَلَكُ عَجائِبِ القُدْرَةِ مَواخِرُ في بَحْرِ جَوِّ الفَضاءِ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ومَجارِيها فِيهِ هي أفْلاكُها وقَدْ تَحَرَّكَتْ إذْ تَحَرَّكَتْ في خَلاءٍ أوْ ما يُشْبِهُهُ مَعَ قُوًى بِها تَجاذَبَتْ وارْتَبَطَتْ ولَها حَرَكاتٌ عَلى أنْفُسِها وحَرَكاتٌ غَيْرُ ذَلِكَ ولَيْسَتْ مَرْكُوزَةً كَما اشْتُهِرَ في أجْرامٍ صُلْبَةٍ شَفّافَةٍ لا ثَقِيلَةٍ ولا خَفِيفَةٍ تُسَمّى أفْلاكًا أوْ سَماءً وهي مُتَفاوِتَةٌ قُرْبًا وبُعْدًا تَفاوُتًا كُلِّيًّا، وإنْ رُؤِيَتْ كُلُّها قَرِيبَةً لِسَبَبٍ خَفِيَ إلى الآنِ عَلَيْهِمْ حَتّى أنَّ مِنها ما لا يَصِلُ شُعاعُهُ إلَيْنا إلّا في عِدَّةِ سِنِينَ مَعَ أنَّ شُعاعَ الشَّمْسِ وبَيْنَنا وبَيْنَها أرْبَعَةٌ وثَلاثُونَ مِلْيُونًا مِنَ الفَراسِخِ، والمِلْيُونُ ألْفُ ألْفٍ يَصِلُ إلَيْنا في ثَمانِ دَقائِقَ وثَلاثَ عَشْرَةَ ثانِيَةٍ إلى آخَرِ ما زَعَمُوا فِيها.
قالَ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسَّماءِ الدُّنْيا طَبَقَةٌ مَخْصُوصَةٌ في هَذا الفَضاءِ، وبِالمَصابِيحِ كَواكِبُ فِيها نَفْسِها قَدْ زَيَّنَتْ تِلْكَ الطَّبَقَةَ بِها تَزْيِينُ فَضاءِ دارٍ بِطُيُورٍ يَطِرْنَ وحائِماتٍ فِيهِ مَثَلًا، أوْ جَمِيعِ ما يُرى مِنَ الكَواكِبِ وإنْ كانَ فَوْقَها وتَزْيِينُها بِذَلِكَ بِإظْهارِهِ فِيها كَما مَرَّ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَن تَصَدّى لِتَطْبِيقِ الآياتِ والأخْبارِ عَلى ما قالَهُ الفَلاسِفَةُ مُطْلَقًا فَقَدْ تَصَدّى لِأمْرٍ لا يَكادُ يَتِمُّ لَهُ واللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ ﷺ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ. نَعْمَ تَأْوِيلُ النَّقْلِيِّ إنَّما يَنْبَغِي إذا قامَ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ عَلى خِلافِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، وأكْثَرُ أدِلَّةِ الفَلاسِفَةِ قاعِدَةٌ عَلى العَجْزِ عَنْ إثْباتِها إثْباتًا صَحِيحًا ما يُخالِفُ أدِلَّةَ أهْلِ الشَّرْعِ كَما لا يَخْفى عَلى مَنِ اسْتَضاءَ بِمَصابِيحِهِ.
﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ الضَّمِيرُ لِلْمَصابِيحِ عَلى ما هو الظّاهِرُ لا لِلسَّماءِ الدُّنْيا عَلى مَعْنى (جَعَلْنا مِنها أيْ مِن جِهَتِها كَما قِيلَ والرُّجُومُ جَمْعُ
صفحة 9
رَجْمٍ بِالفَتْحِ، وهو مَصْدَرٌ سُمِّي بِهِ ما يُرْجَمُ بِهِ أيْ يُرْمى فَصارَ لَهُ حُكْمُ الأسْماءِ الجامِدَةِ ولِذا جُمِعَ وإنْ كانَ الأصْلُ في المَصادِرِ أنَّها لا تُجْمَعُ. وقِيلَ إنَّهُ هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى الرَّجْمِ أيْضًا. والمُرادُ بِالشَّياطِينِ مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، ورَجْمُهم عَلى ما اشْتُهِرَ بِانْقِضاضِ الشُّهُبِ المُسَبَّبَةِ عَنِ الكَواكِبِ وإلَيْهِ ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما قَرَّرَهُ الفَلاسِفَةُ المُتَقَدِّمُونَ مِن أنَّ الكَواكِبَ نَفْسَها غَيْرُ مُنْقَضَّةٍ وإنَّما المُنْقَضُّ شُعَلٌ نارِيَّةٌ تَحْدُثُ مِن أجْزاءٍ مُتَصاعِدَةٍ لِكُرَةِ النّارِ لَكِنَّها بِواسِطَةِ تَسْخِينِ الكَواكِبِ لِلْأرْضِ، فالتَّجَوُّزُ في إسْنادِ الجَعْلِ إلَيْها أوْ في لَفْظِها وهو مَجازٌ بِوَسائِطَ.
وقالَ الشِّهابُ: لا مانِعَ مِن جَعْلِ المُنْقَضِّ نَفْسِهِ مِن جِنْسِ الكَواكِبِ وإنْ خالَفَ اعْتِقادَ الفَلاسِفَةِ وأهْلِ الهَيْئَةِ، ولَكِنْ في النُّصُوصِ الإلَهِيَّةِ ما فِيهِ رُجُومٌ لِلشَّياطِينِ انْتَهى. وأقُولُ لا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ المَبْنى لا يَتِمُّ أيْضًا إلّا بِثُبُوتِ كُرَةِ النّارِ الَّذِي لا تَراهم يَسْتَدِلُّونَ عَلَيْهِ إلّا بِحُدُوثٍ هَذِهِ الشُّهُبِ وسَلَفُ الأُمَّةِ لا يَقُولُونَ بِذَلِكَ وكَذا أهْلُ الفَلْسَفَةِ الجَدِيدَةِ وهَؤُلاءِ لَمْ يُحَقِّقُوا إلى الآنِ أمْرَ هَذِهِ الشُّهُبِ لَكِنْ يَمِيلُونَ إلى أنَّها أجْسامٌ انْفَصَلَتْ عَنِ الكَواكِبِ الَّتِي يَزْعُمُونَها عَوالِمَ مُشْتَمِلَةً عَلى جِبالٍ ونَحْوِها اشْتِمالَ الأرْضِ عَلى ذَلِكَ، وخَرَجَتْ لِبَعْضِ الحَوادِثِ عَنْ حَدِّ القُوى الجاذِبَةِ لَها إلى ما انْفَصَلَتْ عَنْهُ ولَمْ تَصِلْ إلى حَدِّ جَذْبِ قُوَّةِ الأرْضِ لَها فَبَقِيَتْ تَدُورُ عِنْدَ مُنْتَهى كُرَةِ الأرْضِ وما يُحِيطُ بِها مِنَ الهَواءِ، فَإذا عَرَضَ لَها الدُّخُولُ في هَواءِ الأرْضِ أثْناءَ حَرَكَتِها احْتَرَقَتْ كُلًّا أوْ بَعْضًا كَما تَحْتَرِقُ بَعْضُ الأجْسامِ المَحْفُوظَةِ عَنِ الهَواءِ إذا صادَمَها الهَواءُ، ورُبَّما تَصِلُ في بَعْضِ حَرَكاتِها إلى حَدِّ جَذْبِ الأرْضِ فَتَقَعَ عَلَيْها.
وبَعْضُهم يَزْعُمُ في الحِجارَةِ السّاقِطَةِ مِنَ الجَوِّ الَّتِي تُسَمّى عِنْدَهم بِالأبْرُولِيتِ يَعْنُونَ حِجارَةَ الهَواءِ أنَّها مِن تِلْكَ الأجْسامِ وكُلُّ ذَلِكَ حَدِيثُ خُرافَةٍ ورَجْمٌ بِظُنُونٍ فاسِدَةٍ، وقُصارى ما يُقالُ في هَذِهِ الشُّهُبِ أنَّها تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ ناشِئَةً مِن أجْرامٍ مِن جِنْسِ الكَواكِبِ فِيها قُوَّةُ الإحْراقِ سَواءٌ كانَ كُلُّ مُضِيءٍ مُحْرِقًا أمْ لا مُتَكَوِّنَةً في جَوِّ هَذا الفَضاءِ المُشاهَدِ إلّا أنَّها لِغايَةِ صِغَرِها لا تُشاهَدُ ولَوْ بِالنَّظّاراتِ حَتّى إذا قُرِّبَتْ بِانْقِضاضِها شُوهِدَتْ وقَدْ تُصادِفُ في انْقِضاضِها أجْسامًا مُتَصاعِدَةً مِنَ الأرْضِ فَتُحْرِقُها، ورُبَّما يَتَّصِلُ الحَرِيقُ إلى ما يَقْرُبُ مِنَ الأرْضِ جِدًّا ورُبَّما تَكَوَّنَتِ الحِجارَةُ مِن ذَلِكَ.
ثُمَّ إنَّ العَقْلَ يُجَوِّزُ أنْ يَكُونَ لَها دَوَرانٌ عَلى شَكْلٍ مِنَ الأشْكالِ فَتَرْجِعُ بَعْدَ ما يُشاهَدُ لَها مِنَ الِانْقِضاضِ، وأنْ تَتَلاشى بَعْدَ انْقِضاضِها ويَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى غَيْرَها مِن مادَّةٍ لا يَعْلَمُها إلّا هو عَزَّ وجَلَّ.
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ( جَعَلْناها ) وإنْ عادَ عَلى المَصابِيحِ لَكِنْ لَمْ يَعُدْ عَلَيْها إلّا بِاعْتِبارِ الجِنْسِ دُونَ خُصُوصِيَّةِ كَوْنِها مُزَيَّنَةً بِها السَّماءُ الدُّنْيا نَظِيرَ ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ﴾ [فاطِرٍ: 11] وعِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ لِما أنَّ التَّزْيِينَ بِاعْتِبارِ الظُّهُورِ ولا ظُهُورَ لِهَذِهِ الأجْرامِ قَبْلَ انْقِضاضِها وإنِ اعْتَبَرَ في كَوْنِها مَصابِيحَ أوْ كَواكِبَ أوْ نُجُومًا ظُهُورَها في نَفْسِها ولِمَن يَقْرُبُ مِنها دُونَ خُصُوصِيَّةِ ظُهُورِها لَنا، وفي كَوْنِها زِينَةً لِلسَّماءِ كَوْنَها زِينَةً لَها في الجُمْلَةِ فالأمْرُ ظاهِرٌ جِدًّا.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ناشِئَةً مِنَ المَصابِيحِ المُشاهَدَةِ المُزَيَّنِ بِها بِأنْ يَنْفَصِلَ عَنْها وهي في مَحَلِّها شُعَلٌ هي الشُّهُبُ وما ذاكَ إلّا كَقَبَسٍ يُؤْخَذُ مِن نارٍ والنّارُ ثابِتَةٌ وإلَيْهِ ذَهَبَ الجِبائِيُّ وكَثِيرٌ وهو مُحْتَمِلٌ لِأنَّ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنها قابِلِيَّةُ أنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُ ذَلِكَ، وأنْ يَكُونَ القابِلِيَّةُ لِبَعْضِها دُونَ بَعْضٍ وهَذا لِعَدَمِ الِاطِّلاعِ عَلى حَقائِقِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ وأحْوالِها في أنْفُسِها. والكَلامُ نَحْوَ قَوْلِكَ أسْكَنَ الأمِيرُ قَبِيلَةَ كَذا في ثَغْرِ كَذا وجَعَلَها تَرْمِي بِالبَنادِقِ مَن يَقْرُبُ مِنهُ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها قابِلِيَّةُ الرَّمْيِ، ثُمَّ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ ما يُشاهَدُ مِنَ الشُّهُبِ قَبَسًا مِنَ المَصابِيحِ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُهُ وهو الَّذِي تَرْمِي بِهِ الشَّياطِينُ مِنها وبَعْضُهُ مِن أُمُورٍ تَحْدُثُ في الجَوِّ مِنَ اصْطِكاكٍ أوْ نَحْوِهِ.
وتَفاوُتُ الشُّهُبِ قِلَّةً وكَثْرَةً يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِتَفاوُتِ حَوادِثِ الجَوِّ، وأنْ يَكُونَ لِتَفاوُتِ الِاسْتِراقِ ولَيْسَ في الآياتِ والأخْبارِ ما هو نَصٌّ في أنَّ الشُّهُبَ لا تَكُونُ إلّا لِرَمْيِ الشَّياطِينِ فَيُحْتَمَلُ
صفحة 10
أنْ يَكُونَ أكْثَرُ الشُّهُبِ مِنَ الحَوادِثِ الجَوِّيَّةِ وذَواتِ الأذْنابِ مِنها في رَأْيِ المُتَقَدِّمِينَ، وهي في أنْفُسِها دُونَ أذْنابِها نُجُومٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا تَدُورُ لا كَما يَدُورُ غَيْرُها مِنَ النُّجُومِ فَتَقْرُبُ تارَةً وتَبْعُدُ أُخْرى فَتَخْرُجُ عَنْ مَداراتِ السَّيّاراتِ إلى حَيْثُ لا تُشاهَدُ أصْلًا عِنْدَ فَلاسِفَةِ العَصْرِ ولَهم فِيها كَلامٌ أطْوَلُ مِن أذْنابِها. وقَدْ أوْرَدَ الإمامُ الرّازِيُّ في هَذا الفَصْلِ أسْئِلَةً وشُبَهًا أجابَ عَنْها بِما أجابَ ونَحْنُ فَعَلْنا نَحْوَ ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ عَلى وجْهٍ أتَمَّ فَلْيُتَذَكَّرْ.
وقَدْ أطْنَبْنا هُناكَ الكَلامَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ ( إلّا ) أنَّ بَعْضًا مِمّا ذَكَّرْناهُ هُناكَ فَخُذْ مِنَ المَوْضِعَيْنِ ما صَفا ودَعْ ما كَدُرَ بَعْدَ أنْ تَتَأمَّلَ حَقَّ التَّأمُّلِ وتَتَدَبَّرَ. وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ وجَعَلْناها ظُنُونًا ورُجُومًا بِالغَيْبِ لِشَياطِينِ الإنْسِ وهُمُ المُنَجِّمُونَ المُعْتَقِدُونَ تَأْثِيرَ النُّجُومِ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ ونَحْوِهِما وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِمْ أيْ رَدَّ فِيما تَقَدَّمَ فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ أرَدْتَهُ فَإنَّهُ نَفِيسٌ جِدًّا.
﴿وأعْتَدْنا لَهُمْ﴾ وهَيَّأْنا لِلشَّياطِينِ ﴿عَذابَ السَّعِيرِ﴾ عَذابَ النّارِ المُسَعَّرَةِ المُشْعِلَةِ في الآخِرَةِ بَعْدَ الإحْراقِ في الدُّنْيا بِالشُّهُبِ، ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ أنَّهم خُلِقُوا مِن نارٍ لِأنَّهم لَيْسُوا نارًا فَقَطْ بَلْ هي أغْلَبُ عَناصِرِهِمْ فَهي مِنهم كالتُّرابِ مِن بَنِي آدَمَ فَيَتَأثَّرُونَ مِن ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَكُونُ نارًا أقْوى مِن نارٍ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ النّارَ مَخْلُوقَةٌ الآنَ وعَلى أنَّ الشَّياطِينَ مُكَلَّفُونَ.
67:6Page 562
وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٦
And for those who disbelieved in their Lord is the punishment of Hell, and wretched is the destination.
﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ مِن غَيْرِ الشَّياطِينِ أوْ مِنهم ومَن غَيْرِهِمْ عَلى أنَّهُ تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ لِدَفْعِ إيهامِ اخْتِصاصِ العَذابِ بِهِمْ والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ والحَصْرُ إضافِيٌّ بِقَرِينَةِ النُّصُوصِ الوارِدَةِ في تَعْذِيبِ العُصاةِ فَلا حُجَّةَ فِيهِ لِمَن قالَ مِنَ المُرْجِئَةِ: لا يُعَذِّبُ غَيْرَ الكَفَرَةِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ والأعْرَجُ وأُسَيْدُ بْنُ أُسَيْدٍ المُزْنِي وحَسَنٌ في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ «عَذابَ» بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ﴿عَذابَ السَّعِيرِ﴾ أيْ وأعْتَدْنا لِلَّذِينَ كَفَرُوا عَذابَ جَهَنَّمَ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيْ جَهَنَّمُ.
67:7Page 562
إِذَآ أُلۡقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقٗا وَهِيَ تَفُورُ ٧
When they are thrown into it, they hear from it a [dreadful] inhaling while it boils up.
﴿إذا أُلْقُوا فِيها﴾ أيْ طُرِحُوا فِيها كَما يُطْرَحُ الحَطَبُ في النّارِ العَظِيمَةِ ﴿سَمِعُوا لَها﴾ أيْ لِجَهَنَّمَ نَفْسِها كَما هو الظّاهِرُ ويُؤَيِّدُهُ ما بَعْدُ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿شَهِيقًا﴾ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَتُهُ فَلَمّا صارَتْ حالًا أيْ ﴿سَمِعُوا﴾ كائِنًا ﴿لَها شَهِيقًا﴾ أيْ صَوْتًا كَصَوْتِ الحَمِيرِ وهو حَسِيسُها المُنْكَرُ الفَظِيعُ، فَفي ذَلِكَ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الشَّهِيقُ لِأهْلِها مِمَّنْ تَقَدَّمَ طَرْحُهم فِيها ومِن أنْفُسِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هُودٍ: 106] والكَلامُ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ أوْ تَجُوزُ في النِّسْبَةِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لَهم بَعْدَ القَرارِ في النّارِ وبَعْدَ ما يُقالُ لَهُمُ ﴿اخْسَئُوا فِيها﴾ [المُؤْمِنُونَ: 108] . وهو بَعْدَ سِتَّةِ آلافِ سَنَةٍ مِن دُخُولِهِمْ كَما في بَعْضِ الآثارِ ورَدَ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَدُلُّ عَلى انْحِصارِ حالِهِمْ حِينَئِذٍ في الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ لا عَلى عَدَمِ وُقُوعِها مِنهم قَبْلُ.
67:8Page 562
تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۖ كُلَّمَآ أُلۡقِيَ فِيهَا فَوۡجٞ سَأَلَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَذِيرٞ ٨
It almost bursts with rage. Every time a company is thrown into it, its keepers ask them, "Did there not come to you a warner?"
﴿تَكادُ تَمَيَّزُ﴾ أيْ والحالُ أنَّها تَغْلِي بِهِمْ غَلَيانَ المِرْجَلِ بِما فِيهِ ﴿وهِيَ تَفُورُ﴾ أيْ يَنْفَصِلُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ ﴿مِنَ الغَيْظِ﴾ مِن شِدَّةِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ قالَ الرّاغِبُ الغَيْظُ أشَدُّ الغَضَبِ وقالَ المَرْزُوقِيُّ في الفَصِيحِ إنَّهُ الغَضَبُ أوْ أسْوَؤُهُ، وقَدْ شَبَّهَ اشْتِعالَ النّارِ بِهِمْ في قُوَّةِ تَأْثِيرِها فِيهِمْ وإيصالِ الضَّرَرِ إلَيْهِمْ بِاغْتِياظِ المُغْتاظِ عَلى غَيْرِهِ المُبالِغِ في إيصالِ الضَّرَرِ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هُنا تَخْيِيلِيَّةً تابِعَةً لِلْمَكْنِّيَةِ بِأنَّ تُشَبَّهَ جَهَنَّمُ في شِدَّةِ غَلَيانِها وقُوَّةِ تَأْثِيرِها في أهْلِها بِإنْسانٍ شَدِيدٍ الغَيْظِ عَلى غَيْرِهِ مُبالِغٍ في إيصالِ الضَّرَرِ إلَيْهِ فَتَوَهَّمَ لَها صُورَةً كَصُورَةِ الحالَةِ المُحَقَّقَةِ الوِجْدانِيَّةِ وهي الغَضَبُ الباعِثُ عَلى ذَلِكَ، واسْتُعِيرَ لِتِلْكَ الحالَةِ المُتَوَهِّمَةِ لِلْغَيْظِ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الإسْنادُ في ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ﴾ إلى جَهَنَّمَ مَجازًا وإنَّما الإسْنادُ الحَقِيقِيُّ إلى الزَّبانِيَةِ، وأنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ تَمَيَّزُ زَبانِيَتَها مِنَ الغَيْظِ وقِيلَ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ فِيها إدْراكًا فَتَغْتاظُ عَلَيْهِمْ فَلا مَجازَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ووَرَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لا حاجَةَ لِشَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ لِمَكانِ ﴿تَكادُ﴾ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ [النُّورِ: 35] وفِيهِ ما فِيهِ والجُمْلَةُ
صفحة 11
إمّا حالٌ مِن فاعِلِ ﴿تَفُورُ﴾ أوْ خَبَرٌ آخَرُ وقَرَأ طَلْحَةُ «تَتَمَيَّزُ» بِتاءَيْنِ وأبُو عَمْرٍو «تَكادُ تَمَيَّزُ» بِإدْغامِ الدّالِ في التّاءِ والضَّحّاكُ «تَمايَزُ» عَلى وزْنِ تَفاعَلُ وأصْلُهُ تَتَمايَزُ بِتاءَيْنِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبى عَبْلَةَ «تَمِيزُ» مِن مازَ ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ حالِ أهْلِها بَعْدَ بَيانِ نَفْسِها، وقِيلَ لِبَيانِ حالٍ آخَرَ مِن أحْوالِ أهْلِها وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِن ضَمِيرِها أيْ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها جَماعَةٌ مِنَ الكَفَرَةِ ﴿سَألَهم خَزَنَتُها﴾ وهم مالِكٌ وأعْوانُهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والسّائِلُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واحِدًا وأنْ يَكُونَ مُتَعَدِّدًا ولَيْسَ السُّؤالُ سُؤالَ اسْتِعْلامٍ بَلْ هو سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وفِيهِ عَذابٌ رُوحانِيٌّ لَهم مُنْضَمٌّ إلى عَذابِهِمُ الجُسْمانِيِّ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ ويُنْذِرُكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا.
67:9Page 562
قَالُواْ بَلَىٰ قَدۡ جَآءَنَا نَذِيرٞ فَكَذَّبۡنَا وَقُلۡنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ كَبِيرٖ ٩
They will say, "Yes, a warner had come to us, but we denied and said, 'Allāh has not sent down anything. You are not but in great error.'"
﴿قالُوا﴾ اعْتِرافًا بِأنَّهُ ( عَزَّ وجَلَّ ) قَدْ أزاحَ عِلَلَهم بِالكُلِّيَّةِ ﴿بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ﴾ وجَمَعُوا بَيْنَ حَرْفِ الجَوابِ ونَفْسِ الجُمْلَةِ المُجابِ بِها مُبالَغَةً في الِاعْتِرافِ بِمَجِيءِ النَّذِيرِ، وتَحَسُّرًا عَلى ما فاتَهم مِنَ السَّعادَةِ في تَصْدِيقِهِمْ، وتَمْهِيدًا لِما وقَعَ مِنهم مَنِ التَّفْرِيطِ تَنَدُّمًا واغْتِمامًا عَلى ذَلِكَ، أيْ قالَ كُلُّ فَوْجٍ مِن تِلْكَ الأفْواجِ قَدْ جاءَ لَها نَذِيرٌ أيْ واحِدٌ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا كَنُذُرِ بَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّهم في حُكْمِ نَذِيرٍ واحِدٍ فَأنْذَرَنا وتَلا عَلَيْنا ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِن آياتِهِ.
﴿فَكَذَّبْنا﴾ ذَلِكَ النَّذِيرَ مِن جِهَتِهِ تَعالى ﴿وقُلْنا﴾ في حَقِّ ما تَلاهُ مِنَ الآياتِ إفْراطًا في التَّكْذِيبِ وتَمادِيًا في النَّكِيرِ ﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ﴾ عَلى أحَدٍ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ فَضْلًا عَنْ تَنْزِيلِ الآياتِ عَلى بَشَرٍ مِثْلِكم ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ أيْ ما أنْتُمْ في ادِّعاءِ ما تَدَّعُونَهُ ﴿إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ بَعِيدٍ عَنِ الحَقِّ والصَّوابِ. وجَمَعَ ضَمِيرَ الخِطابِ مَعَ أنَّ مُخاطَبَ كُلِّ فَوْجِ نَذِيرُهُ لِتَغْلِيبِهِ عَلى أمْثالِهِ ولَوْ فَرْضًا لِيَشْمَلَ أوَّلَ فَوْجٍ أنْذَرَهم نَذِيرٌ. والأصْلُ أنْتَ وأمْثالُكَ مِمَنِ ادَّعى أوْ يَدَّعِي دَعْواكَ مُبالَغَةً في التَّكْذِيبِ وتَمادِيًا في التَّضْلِيلِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَعْمِيمُ المُنَزَّلِ مَعَ تَرْكِ ذِكْرِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ فَإنَّهُ مُلَوِّحٌ بِعُمُومِهِ حَتْمًا، وأمّا إقامَةُ تَكْذِيبِ الواحِدِ مَقامَ تَكْذِيبِ الكُلِّ فَقِيلَ أمْرٌ تَحْقِيقِيٌّ يُصارُ إلَيْهِ لِتَهْوِيلِ ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ الجِنايَةِ لَكِنْ لا مَساغَ لِاعْتِبارِهِ مِن جِهَتِهِمْ ولا لِإدْراجِهِ تَحْتَ عِبارَتِهِمْ.
كَيْفَ لا وهو مَنُوطٌ بِمُلاحَظَةِ اجْتِماعِ النُّذُرِ عَلى ما لا يَخْتَلِفُ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ بِاخْتِلافِ العُصُورِ والأعْوامِ، وأيْنَ هم مِن ذَلِكَ وقَدْ حالَ الجَرِيضُ دُونَ القَرِيضِ؟ هَذا إذا جَعَلَ ما ذِكِرَ حِكايَةً عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأفْواجِ كَما هو الظّاهِرُ. وأمّا إذا جَعَلَ حِكايَةً عَنِ الكُلِّ فالنَّذِيرُ إمّا بِمَعْنى الجَمْعِ لِأنَّهُ فَعِيلٌ وهو يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ وغَيْرُهُ، أوْ مَصْدَرٌ مُقَدَّرٌ بِمُضافٍ عامٍّ أيْ أهْلِ نَذِيرٍ أوْ مَنعُوتٍ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ فَيَتَّفِقُ كِلا طَرَفَيِ الخِطابِ في الجَمْعِيَّةِ. ويُسْتَشْعَرُ مِن بَعْضِ العِباراتِ جَوازُ اعْتِبارِ الجَمْعِيَّةِ بِأحَدِ الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أيْضًا وفِيهِ بَحْثٌ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ لِلْكُفّارِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ عَلى أنَّ مُرادَهم بِالضَّلالِ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا أوْ هَلاكُهم أوْ عِقابُ ضَلالِهِمْ تَسْمِيَةً لَهُ بِاسْمِ سَبَبِهِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى. وكَذا ما قِيلَ مِن جَوازِ كَوْنِهِ مِن كَلامِ النَّذِيرِ لِلْكَفَرَةِ حَكَوْهُ لِلْخَزَنَةِ وفي الكَشْفِ هَذا الوَجْهُ فِيهِ تَكَلُّفٌ بَيِّنٌ فَإمّا أنْ يَكُونَ مَقُولَ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ يَسْتَدْعِيهِ قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ كَأنَّهُ قِيلَ بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ قالَ ﴿إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ فَكَذَّبْنا وقُلْنا وقَدَّمَ فَكَذَّبْنا وقُلْنا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّكْذِيبَ لَمْ يَكُنْ مَقْصُورًا عَلى قَوْلِهِمْ هَذا وإمّا أنْ يَكُونَ التَّكْذِيبُ واقِعًا عَلى الجُمْلَةِ أعْنِي ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ عَطْفٌ عَلى كَذَّبْنا، قُدِّمَ عَلى صِلَتِهِ لِيَجْرِيَ مَجْرى الِاعْتِراضِ مُؤَكَّدًا لِحُكْمِ التَّكْذِيبِ ودالًّا عَلى عَدَمِ القَصْرِ أيْضًا والأوَّلُ أوْلى انْتَهى.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ قَبْلَ البَعْثَةِ وحَمْلُ النَّذِيرِ عَلى ما في العُقُولِ مِنَ الأدِلَّةِ مِمّا لا يَقْبَلُهُ مُنْصِفُ ذَوِي العُقُولِ.
67:10Page 562
وَقَالُواْ لَوۡ كُنَّا نَسۡمَعُ أَوۡ نَعۡقِلُ مَا كُنَّا فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ١٠
And they will say, "If only we had been listening or reasoning, we would not be among the companions of the Blaze."
﴿وقالُوا﴾ أيْضًا مُعْتَرِفِينَ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَسْمَعُ أوْ يَعْقِلُ كَأنَّ الخَزَنَةَ قالُوا لَهم في تَضاعِيفِ التَّوْبِيخِ ألَمْ تَسْمَعُوا آياتِ رَبِّكم ولَمْ تَعْقِلُوا مَعانِيَها فَأجابُوهم بِقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ كُنّا نَسْمَعُ﴾ كَلامًا ﴿أوْ نَعْقِلُ﴾
صفحة 12
شَيْئًا ﴿ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ أيْ في عِدادِهِمْ ومَن جُمْلَتِهِمْ والمُرادُ بِهِمْ قِيلُ الشَّياطِينِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ وقِيلُ الكُفّارِ مُطْلَقًا واخْتِصاصُ إعْدادِ السَّعِيرِ مَمْنُوعٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالا وسَعِيرًا﴾ [الإنْسانِ: 4] . والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ وفِيهِ دَغْدَغَةٌ لَعَلَّكَ تَعْرِفُها مِمّا يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا فَلا تَغْفُلْ.
ونَفْيُهُمُ السَّماعَ والعَقْلَ لِتَنْزِيلِهِمْ ما عِنْدَهم مِنهُما لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِهِ مَنزِلَةَ العَدَمِ، وفي ذَلِكَ مَعَ اعْتِبارِ عُمُومِ المَسْمُوعِ والمَعْقُولِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ، واعْتَبَرَهُما بَعْضُ الأجِلَّةِ خاصِّينَ قالَ: أيْ لَوْ كُنّا نَسْمَعُ كَلامَ النَّذِيرِ فَنَقْبَلُهُ جُمْلَةً مِن غَيْرِ بَحْثٍ وتَفْتِيشٍ اعْتِمادًا عَلى ما لاحَ مِن صِدْقِهِ بِالمُعْجِزِ أوْ نَعْقِلُ فَنُفَكِّرُ في حِكَمِهِ ومَعانِيهِ تُفَكِّرَ المُسْتَبْصِرِينَ ما كُنّا إلَخْ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ السَّماعَ والعَقْلَ هُنا بِمَعْنى القَبُولِ والتَّفَكُّرِ ( وأوْ ) لِلتَّرْدِيدِ لِأنَّهُ يَكْفِي انْتِفاءُ كُلٍّ مِنهُما لِخَلاصِهِمْ مِنَ السَّعِيرِ أوْ لِلتَّنْوِيعِ فَلا يُنافِي الجَمْعَ.
وقِيلَ: أُشِيرَ فِيهِ إلى قِسْمَيِ الإيمانِ التَّقْلِيدِيِّ والتَّحْقِيقِيِّ أوْ إلى الأحْكامِ التَّعَبُّدِيَّةِ وغَيْرِها، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ كَما قالَ ابْنُ السَّمْعانِيِّ في القَواطِعِ مَن قالَ بِتَحْكِيمِ العَقْلِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قُصارى ما تُشْعِرُ بِهِ أنَّ العَقْلَ يُرْشِدُ إلى العَقائِدِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي بِها النَّجاةُ مِنَ العَسِيرِ، وأمّا أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ العَقْلَ حاكِمٌ كَما يَقُولُ المُعْتَزِلَةُ فَلا. واسْتُدِلَّ بِها أيْضًا كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ المُنِيرِ عَلى أنَّ السَّمْعَ أفْضَلُ مِنَ البَصَرِ ومِنَ العَجِيبِ اسْتِدْلالُ بَعْضِهِمْ بِها عَلى أنَّهُ لا يُقالُ لِلْكافِرِ عاقِلٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences